أقلام غربية العدد السابع يوليو

هذا العدد

“أقلام غربية” ترصد شهرياً ترجمات المعهد المصري للدراسات لأهم الأوراق البحثية وأوراق السياسات والمقالات والتحليلات، والتي يتم نشرها في وسائل الإعلام والمراكز البحثية الأوربية والأميركية. خاصة تلك التي تهتم بالتحولات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في مصر والشرق الأوسط، وتفاعلاتها الإقليمية والدولية.

وفي هذا العدد الرابع لشهر يوليو 2022 تم رصد أربعة إسهامات مهمة، جاءت على النحو التالي:

1ـ نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 19 مايو 2022 دراسة عن شبه جزيرة سيناء بعنوان: “في الذكرى الأربعين لانسحاب إسرائيل من سيناء: هل تم دمج شبه الجزيرة في مصر؟”، حيث قام على إعداد الدراسة كل من جوني عيسى، الباحث المشارك في المعهد والمرشح لنيل درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية؛ وعوفير وينتر، الباحث في المعهد والمحاضر في قسم الدراسات العربية والإسلامية بجامعة تل أبيب. وأخطر ما جاء في هذه الدراسة هو الجزء الأخير منها، تحت العنوان الفرعي، “التداعيات على قطاع غزة وإسرائيل”، والذي يُذَكّر بما أثير حول دور مصر في صفقة القرن. فهل ستفتح الأزمة الاقتصادية الحالية في مصر الحديث حول هذه القضية من جديد؟

2ـ نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية في 19 مايو 2022 مقالاً بعنوان: ” كارثة الغذاء القادمة”، حيث يؤكد المقال على أن الحرب الروسية على أوكرانيا تدفع هذا العالم الهش بقوة نحو حالة من الجوع الجماعي الذي لا تُحمد عقباه؛ وأن إصلاح هذا الخلل الخطير هو مسؤولية الجميع بلا استثناء.

نشر معهد الدراسات السياسية الدولية الإيطالي (ISPI) في 6  يونيو 2022 مقالاً بعنوان: “في مصر، قد تكون الأزمة على الأبواب” للباحثة أليسيا ملكانجي، وهي زميل مشارك بمعهد الدراسات السياسية الدولية في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأستاذ مساعد في التاريخ المعاصر لشمال إفريقيا والشرق الأوسط بجامعة سابينزا في روما، تناولت فيه عواقب الحرب الروسية-الأوكرانية على دول الشرق الأوسط، خاصة مصر. حيث ترى أليسيا ملكانجي أنه من المرجح أن تكون مصر من أكثر دول الشرق الأوسط تأثراً بالتبعات الاقتصادية المترتبة على لصراع الدائر بين روسيا من جانب وأوكرانيا  المدعومة من الغرب من جانب آخر، مع احتمالات لتعرض القاهرة لتدهور في المشهد العام قد يؤثر على استقرار البلاد.

نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية في 13 يونيو 2013 مقالا كتبه مارك ليونارد، مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، بعنوان: “النهاية الحقيقية للسلام الأمريكي–باكس أمريكانا“، حيث يرى بأن الغزو الروسي لأوكرانيا يشكل تهديداً للنظام الدولي الذي ساد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية واعتمد بشكل رئيسي على القوة الأمريكية، وبالتالي نهاية هيمنة ما يُعرف بالسلام الأمريكي أو باكس أميركانا، والبدائل المطروحة لذلك، وخاصة في ظل العداء المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.


في الذكرى الـ 40 لانسحاب إسرائيل من سيناء، هل تم دمج شبه الجزيرة في مصر؟

INSS: On the 40th Anniversary of Israel’s Withdrawal from Sinai, Is the Peninsula Becoming Integrated into Egypt?

نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 19 مايو 2022 دراسة عن شبه جزيرة سيناء بعنوان: “في الذكرى الأربعين لانسحاب إسرائيل من سيناء: هل تم دمج شبه الجزيرة في مصر؟”، حيث قام على إعداد الدراسة كل من جوني عيسى، الباحث المشارك في المعهد والمرشح لنيل درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية؛ وعوفير وينتر، الباحث في المعهد والمحاضر في قسم الدراسات العربية والإسلامية بجامعة تل أبيب. وأخطر ما جاء في هذه الدراسة هو الجزء الأخير منها، تحت العنوان الفرعي، “التداعيات على قطاع غزة وإسرائيل”، والذي يُذَكّر بما أثير حول دور مصر في صفقة القرن. فهل ستفتح الأزمة الاقتصادية الحالية في مصر الحديث حول هذه القضية من جديد؟

وقد جاءت الدراسة على النحو التالي:

مضت أربعة عقود كاملة منذ أن أتمَّت إسرائيل انسحابها من سيناء. ومع ذلك، فما لبثت الحكومة في القاهرة أن بدأت في السنوات الأخيرة فقط في بذل جهود شاملة لتطوير شبه الجزيرة وتحويلها من “أرض حرام” منزوعة السلاح إلى جزء لا يتجزأ من الدولة المصرية. فما هي الإنجازات التي حققها نظام السيسي في هذا الملف؟ وما هي التحديات التي يواجهها؟ وما هي تداعياتها على إسرائيل؟

ففي خلال السنوات الثماني التي مضت في ظل حكم عبد الفتاح السيسي لمصر، تم التخطيط لسلسلة من المشاريع الكبرى والشروع في تنفيذها في شبه جزيرة سيناء. حيث يوافق عام 2022 الذكرى الأربعين لانسحاب إسرائيل من سيناء. ومع ذلك، فإنه على الرغم من تحقيق تقدم كبير في تنمية المنطقة، لا تزال هناك العديد من التحديات، بما في ذلك التمرد الدائر في شمال سيناء، والاستياء المستشري بين بعض السكان من البدو (تجاه الحكومة)، وكذلك نقص الموارد المالية اللازمة (لتلك التنمية). ويُعتبر تحقيق النجاح في تنمية شبه جزيرة سيناء  أيضاً مصلحة إسرائيلية، حيث من الممكن أن تساعد تنمية سيناء في استقرار الأوضاع في قطاع غزة، وخاصة حدوده الجنوبية.

ففي الخامس والعشرين من إبريل 2022، احتفلت مصر بالذكرى الأربعين لتحرير سيناء. وقد برزت أهمية سيناء كأولوية قصوى في الأمن القومي المصري منذ تولى عبد الفتاح السيسي السلطة في البلاد. وأكد السيسي مراراً التزام نظامه تجاه أهل سيناء، معتذراً لهم عن سنوات عديدة من الإهمال من جانب الأنظمة المصرية السابقة.

وفي أكتوبر 2021، أكد السيسي خلال مؤتمر صحفي بعنوان “العبور إلى المستقبل” إحياءً لذكرى حرب أكتوبر عام 1973، أنه حتى لو كانت سنوات عديدة قد مرت ولم يتم تطوير سيناء بالشكل الذي ينبغي، فإن التطور الهائل الحالي لشبه الجزيرة سيجلب الازدهار والأمان لها من خلال تحسين حياة مواطنيها وصولاً إلى حقبة جديدة في المنطقة، خالية من الإرهاب. كما أكد السيسي أيضاً على أهمية الحرب على الإرهاب والتضحيات التي قدمها أهل سيناء في هذه المعركة المستمرة. وقد برزت هذه المسألة بشكل أكثر وضوحاً في خطاب ألقاه السيسي في الذكرى الأربعين لعيد تحرير سيناء، حيث شكر سكان سيناء على تضحياتهم المستمرة في الحرب على الإرهاب، نيابة عن الشعب المصري.

ويبدو  أن التطور الجاري في سيناء ليس مجرد بادرة حسن نية من قبل الحكومة تجاه سكانها المحليين، ولكنه يُعتبر أيضاً جزءاً لا يتجزأ من جهود مصر للقضاء على الإرهاب. فعلى مدى العقد الماضي، أدى الإرهاب إلى مقتل الآلاف من المدنيين المصريين والقوات العسكرية والأمنية في محافظة شمال سيناء، وأدى إلى استمرار حالة اللا استقرار بها. وطبقاً للإحصائيات الرسمية المصرية، فقد أودت الحرب على الإرهاب في سيناء بحياة 3277 من أفراد الأمن، بينما أصيب 12280 بجروح خطيرة، خلال الفترة من 2013 إلى أبريل 2022.

وتُغذي المظالم المحلية، وكذلك التطورات الإقليمية الأوسع، التمرد في سيناء. وقد تعزز صعود هذا التمرد، جزئياً، من خلال ثورة يناير 2011 و أحداث 2013 التي انتهت بالانقلاب على الحكومة المنتخبة، مما أدى إلى خلق بيئة مواتية للتمرد ضد النظام في القاهرة؛  وتعزز التمرد أيضاً بشكل جزئي من خلال تدفق العناصر الأجنبية للدولة الإسلامية (داعش)، حيث انضمت أيضاً بعض قبائل البدو المحلية إلى الجماعات السلفية الجهادية المتشددة، فيما يمكن أن يُطلق عليه “زواج توافق”.

وكما اعترف السيسي ضمنياً، فإن أحد الأسباب الأساسية للصراع هو الغضب الذي يُظهره البدو تجاه السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية طويلة الأمد للدولة المصرية والتي اعتمدت على التمييز ضد البدو وتهميشهم. وتشمل هذه العوامل التمثيل السياسي غير الكافي للبدو، والحرمان من حقوق امتلاك الأرض، واستبعادهم من صناعة السياحة في سيناء – وهي مصدر رئيسي للإيرادات لمصر – ومن التوظيف للمصريين المهاجرين إلى منطقة وادي النيل. وبسبب حرمانهم من الفرص الاقتصادية المشروعة، تحولت بعض العناصر البدوية بشكل متزايد إلى ممارسة أنشطة غير مشروعة، لا سيما تهريب الأسلحة والمخدرات والبضائع إلى غزة وإسرائيل.

وبينما نفّذ الجيش المصري عدة عمليات ضد ولاية سيناء التابعة لتنظيم الدولة (داعش)، ولا سيما العملية الشاملة – سيناء 2018، إلا أنه لم يتمكن من القضاء عليها أو هزيمتها بشكل كامل. وبالإضافة إلى ذلك، فقد ثبت أن استراتيجية مصر لمكافحة الإرهاب أحياناً ما تأتي بنتائج عكسية. فبدلاً من القضاء على الإرهاب واستئصاله، أوجدت أرضاً خصبة لتزدهر فيها الجماعات المتطرفة وتقوم بتجنيد أعضاء جدد وتكثف من هجماتها.

ولتجنب المزيد من العزلة والتمييز الذي يُمارس ضد السكان البدو الذين يقطنون شبه الجزيرة، فقد توصلت القاهرة إلى استنتاج مفاده أن الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي ضروري لمحاربة الإرهاب، وأدركت حاجتها إلى تبني استراتيجية أكبر. حيث يستند هذا النهج الشامل في مكافحة الإرهاب إلى ثلاثة مبادئ أساسية:

الأول، يتعلق بضمان وتحقيق أمن المواطن؛

الثاني، يتعلق باستعادة هيبة الدولة وسيطرتها على جميع أنحاء البلاد؛

الثالث، يتعلق بإعادة الثقة في الأجهزة المعنية بضبط الأمن وتحقيق الاستقرار.

ويتأتى ذلك من خلال الاعتماد على مجموعة متكاملة من المحاور: الأمنية، والعسكرية، والتشريعية، والفكرية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتنموية.

وبالرغم من أن تنمية شبه جزيرة سيناء وتحسين بنيتها التحتية قد أصبحت بالفعل إحدى الأولويات الوطنية لنظام السيسي في السنوات الأخيرة، إلا أنه في الواقع، كان هذا هو نفس الهدف الذي سعت لتحقيقه أيضاً الحكومات المصرية السابقة، منذ استعادة شبه الجزيرة إلى السيادة المصرية في أبريل 1982، ولكن لم يتمكن أي منها البتة من بناء استراتيجية تنمية شاملة وترجمة هذه الخطط بالكامل إلى نتائج على الأرض. وقد يكون الجهد الذي يتم بذله حاليا هو الأكثر طموحاً، لكن لا تزال هناك عقبات كثيرة أمام إمكانية تحقيق ذلك.

استراتيجية تنمية سيناء في عهد السيسي

على الرغم من أن نظام السيسي عمل على تبني خطط لتطوير شبه جزيرة سيناء على عدة مستويات منذ عام 2013، إلا أن الحكومة  لم تقدم حتى عام 2016 خططاً طويلة الأجل لتنمية شبه الجزيرة تهدف إلى زيادة الاستثمارات والتركيز على المشاريع التي تتمحور حول السكان. وبحسب تقرير نشره المرصد المصري، فإن هذه الخطط تضم ميزانية ضخمة بقيمة 600 مليار جنيه (ما يعادل حوالي 11.09 مليار دولار) لتنفيذ مشاريع تنموية في شبه جزيرة سيناء. كما أن مخصصات التنمية لمحافظات سيناء زادت بنسبة 300% على الأقل من العام المالي 2009/2010 إلى العام المالي 2019/2020.

وقد خصص الجهاز المركزي للإعمار والقوات المسلحة المصرية وديوان الرئاسة مليارات الدولارات لتنمية سيناء. وتشمل المشروعات:

– خططاً لإنشاء شبكة طرق شاملة تربط شبه الجزيرة بأجزاء أخرى من الدولة مثل أنفاق قناة السويس الخمسة (بقيمة 12 مليار جنيه مصري)؛

– مشروعات سكنية مثل مدينة رفح الجديدة (بقيمة 1.38 مليار جنيه)؛

– التنمية الزراعية، بما في ذلك إنشاء 11 مجمع سكني زراعي متكامل للتنمية (بقيمة 450 مليون جنيه مصري)؛

– التطورات الصناعية، وتشمل مجمعاً صناعياً بمنطقة الجفافة (بقيمة 4 مليار جنيه)؛

– شبكات المياه والصرف الصحي، مثل إنشاء محطة تحلية في العريش (بقيمة 10 ملايين دولار)؛

– شبكة الإمداد بالطاقة، مثل تطوير حقول غاز شمال سيناء (بقيمة 187 مليون دولار).

وقد تم الإعلان عن أهداف خطة تنمية سيناء كجزء من رؤية “مصر 2030” التي تهدف إلى تقديم الرعاية الاجتماعية والنمو الاقتصادي للمواطنين المصريين. وبالإضافة إلى التركيز على السياحة في سيناء، تقوم الحكومة بتطوير مشاريع في 24 منطقة: من القضايا اليومية، مثل الترفيه والحدائق للشباب، ومعاهد التعليم العالي، والمستشفيات؛ إلى مشاريع البنية التحتية الأضخم والتي تهدف إلى ربط سيناء بباقي مصر والعالم الخارجي.

وقد روّج النظام المصري بقوة لتصور التنمية واسعة النطاق في كل من شمال وجنوب سيناء، بحسب ما جاء في (الشكل 1، الشكل 2):

الشكل (1)

الشكل (2)

وقد تم التركيز بشكل خاص على تنفيذ مشاريع تنمية في شمال سيناء لتحسين الفرص الاقتصادية، وذلك في أطر زمنية متفاوتة. وشمل ذلك تقنين ملكية الأراضي للمواطنين، والتعويض عن الأضرار الناجمة عن العمليات العسكرية. وتضمنت الخطط أيضاً بناء مدينة جديدة في رفح، حيث تم تدمير جزء كبير من المدينة  بسبب الضربات الجوية العسكرية؛ وإنشاء منطقة عازلة على حدود غزة. وبهدف حشد الدعم وزيادة شرعيته، عمد الجيش إلى إرسال بعثات لإعادة الإعمار إلى مدن: رفح، والعريش، والشيخ زويد، وبئر العبد؛ التي مزقتها العمليات العسكرية.

ووفقاً للبيانات الواردة على بوابة “خريطة مشروعات مصر” الحكومية، فإن هناك 112 مشروعاً قيد التنفيذ أو تم تنفيذها في جنوب سيناء و 90 مشروعاً قيد التنفيذ أو تم تنفيذها في شمال سيناء. ففي الشمال هناك 6 مشاريع قيد الإنجاز بينما تم الانتهاء من 84 مشروع بأشكال مختلفة. ومن ناحية أخرى، فهناك 10 مشاريع قيد الإنجاز في الجنوب، بينما تم الانتهاء من 102 مشروعاً بأشكال مختلفة (انظر الشكل 3). وبينما يتم تنفيذ مشاريع أكبر للبنية التحتية والخدمات العامة في الجنوب، يتم تنفيذ المزيد من المشاريع ذات التوجه الاجتماعي في الشمال، والتي تعزز الحياة اليومية للمواطنين، كمشاريع التعليم والصحة والثقافة.

الشكل (3)

ربما كانت التوقعات أن يتم تخصيص المزيد من المشاريع لشمال سيناء أكثر من جنوب سيناء، بحسب ما تستهدفه الحكومة من تحقيق المساواة للمحافظة الشمالية الأكثر فقراً، والأكثر تضرراً، والتي تعرضت للإرهاب بشكل أكبر. ومع ذلك، فعند تحليل المبالغ المخصصة لمحافظة شمال سيناء مقارنة بمحافظة جنوب سيناء، تشير البيانات المتوفرة إلى أن الحكومة لا تزال تفضل تخصيص تمويل أكبر للجنوب. فقد قامت الحكومة حتى تاريخه بتمويل قدره 17,339,435,817 جنيه مصري للمشروعات في شمال سيناء، مقابل 24,575,737,859 جنيه مصري لتمويل المشروعات في جنوب سيناء (انظر الشكل 4).

الشكل (4)

في نفس الوقت، تحاول الحكومة التباهي أمام الرأي العام المصري بجهودها في محاربة الإرهاب من جهة، وتطوير شبه جزيرة سيناء لخدمة سكانها من جهة أخرى. فقد استهدف مقطع فيديو تم عرضه في منتدى شباب العالم في يناير 2022 بشرم الشيخ إبراز ما أسماه ملحمة التعمير في سيناء، والتنمية غير المسبوقة، فضلاً عن الفرص الأمنية منها والاقتصادية التي تم توفيرها لسكان سيناء. وبنفس الطريقة يسلط متحف شرم الشيخ، الذي تم افتتاحه في عام 2019، الضوء بشكل إيجابي على قبائل سيناء، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع المصري.

تحديات تنمية سيناء

وبينما تسجل تنمية سيناء أرقاماً قياسية جديدة، لا تزال هناك العديد من التحديات التي لابد من مواجهتها والتغلب عليها:

التحدي الأول من هذه التحديات هو الإرهاب المستمر في شمال سيناء، والذي ازدادت وتيرته في الأشهر الأخيرة ولا يزال يوقع خسائر فادحة في صفوف الجيش والسكان المحليين. وهذا بدوره قد يقلل من قيمة بعض الإنجازات الأخيرة لمصر في سيناء، وخاصة في الشمال.

ويرى السيسي أن الحرب على الإرهاب في سيناء هي حجر الزاوية لتحقيق الاستقرار في مصر، حيث أنفق الجيش حتى الآن 84 مليار جنيه لمكافحة هذا التهديد. ووفقاً لتقرير صادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، فقد انخفض عدد الهجمات الإرهابية في سيناء من 330 عام 2016 إلى 43 عام 2018. وبعد تحقيق زيادة طفيفة خلال عامي 2019 و 2020، تراجعت النسبة مرة أخرى في عام 2021. ويُعزَى بعض هذا التحسن إلى تجنيد بعض أفراد القبائل البدوية، بما في ذلك قبائل الترابين والسواركة والرميلات، للقتال إلى جانب الجيش المصري لمحاربة الإرهاب، على الرغم من حقيقة أن هذه القبائل غالباً ما تفتقر إلى التدريبات العسكرية الرسمية، وبالتالي تواجه صعوبة في التعامل مع الجماعات الإرهابية المدرَّبة.

وأدى التواجد الموسع للدوريات المحلية بشكل عام إلى منع شن هجمات واسعة النطاق؛ فمعظم الحوادث الآن هي عبارة عن عمليات اختطاف أو إطلاق نار، ولا تتجاوز الحدود الجغرافية لمناطق شمال شرق سيناء و وسط شرق سيناء. ومع ذلك، فعلى الرغم من النجاح النسبي الذي حققته مصر في الحد من الهجمات واحتواء التهديدات، إلا أن ما حدث مؤخراً، تحديداً في 7 مايو 2022، يذكّرنا بأن الإرهاب لا يزال عبئاً كبيراً، حيث هاجم الإرهابيون محطة رفع مياه شرق المنطقة الاقتصادية الاستراتيجية لقناة السويس، مما أسفر، بحسب التقارير الواردة، عن مقتل ضابطين و 15 جندياً.

التحدي الثاني هو التأثير السلبي للحرب على الإرهاب على التجمعات البدوية في شمال سيناء. ففي ظل الافتقار إلى التغطية الإعلامية المحايدة للتطورات على الأرض، تشير تقارير دولية إلى انتهاكات لحقوق الإنسان، وإجلاءات قسرية، وتهجير للمجتمعات المحلية. حيث اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش ومؤسسة سيناء لحقوق الإنسان الجيش بارتكاب “عمليات قتل خارج نطاق القضاء ضد أشخاص غير مسلحين”، وكذلك “إطلاق نار وتفجيرات بشكل عشوائي” و “إخلاء قرى وبلدات بأكملها واحتلالها بدعوى محاربة الإرهابيين”. وبحسب العديد من التقارير الواردة، فإن سكان شمال سيناء الأبرياء الذين عادوا إلى القرى التي أجبروا على إخلائها وجدوها في حالة من الفوضى الكاملة.

التحدي الثالث في هذا الشأن هو تجنيد المجتمعات البدوية وحشدها لدعم خطط التنمية الوطنية. وبينما تسلط الصورة التي يقدمها النظام الضوء على إعادة إعمار شمال سيناء، فإنها لا تعكس دائماً حقيقة الدمار والخراب الذي حدث هناك، بالشكل الذي يعيشه جزء من السكان الأصليين للمنطقة؛ حيث لا تزال الجهود المبذولة في المناطق المنكوبة أقل كثيراً مما يجب، ولا يزال هناك الكثير الذي يتعين على الحكومة المصرية القيام به.

وبالإضافة إلى ذلك، فعند تحليل المشاريع والأموال المخصصة للتنمية، ينصب التركيز على هدف تحقيق الرخاء لجميع أنحاء البلاد بشكل عام دون التركيز على المجتمع البدوي. وتخطط الحكومة لإنشاء مدن جديدة ونقل ما لا يقل عن 3 ملايين شخص إلى سيناء في المستقبل القريب، وتأمل في نهاية المطاف أن يصل عدد سكان سيناء إلى 8 ملايين. وقد تؤثر هذه الخطط بشكل كبير على الحياة التقليدية للمجتمعات البدوية في شبه الجزيرة (حوالي 600,000 مواطن). ولذلك، لا تدعم جميع المجتمعات البدوية خطط النظام أو ترى نفسها ملتزمة بالعمل على إنجاحها.

وأخيراً، تدعم الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية الأخيرة في مصر هدف الترويج لجعل سيناء أكثر حيوية. ومع ذلك، لا توجد تقارير واضحة تتعلق بالأموال اللازمة المخصصة لإكمال هذه المشاريع الطموحة، وغالباً لا توجد صورة واضحة للتسلسل الهرمي أو الترتيب الانتقائي للمشاريع التي بدأت فيها مختلف الأجهزة المتنافسة.

إن تنمية سيناء تتطلب إرادة سياسية وآلية تمويل واضحة تضمن تدفق الأموال على المدى الطويل من الحكومة وكذلك من المصادر الأجنبية المختلفة، حتى في أوقات الأزمات. وقد تسببت التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد -19 في تدهور الوضع المالي في مصر، وأدت الجائحة إلى توقف وتأجيل استكمال العديد من المشروعات. وأيضاَ قد يؤثر الغزو الروسي لأوكرانيا بشكل أكبر على تدفق الأموال إلى المشاريع المدعومة من روسيا في سيناء، لا سيما في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

التداعيات على قطاع غزة وإسرائيل

على الرغم من أن مصر ليست مهتمة كثيراً بتحمل أعباء قطاع غزة على عاتقها، إلا أنها مؤخراً أصبحت أكثر استعداداً من ذي قبل للعب دور فعال في إعادة إعمار غزة وتنميتها – من أجل تعزيز مصالحها السياسية والعسكرية والاقتصادية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن بعض مشاريع تنمية شمال سيناء يمكنها أيضاً التخفيف من حدة المشكلات الأساسية في قطاع غزة.

فعلى سبيل المثال، في مجال النقل، قد يتيح التوسع الحالي لموانئ العريش البحرية والجوية إمكانية تصدير واستيراد البضائع من وإلى غزة. وبنفس الطريقة، فإن إنشاء مرافق لتحلية المياه بالقرب من العريش، والتي من المتوقع أن تساهم في جلب المياه إلى رفح، فإنها قد تعبر أيضاً الحدود وتساعد سكان غزة على معالجة نقص موارد المياه لديهم. أما بالنسبة لقطاع الطاقة، فإن الخطط المصرية لبناء منشأة لتوليد الكهرباء في العريش قد تلبي بعض الاحتياجات الفلسطينية أيضاً، وفي نفس الوقت تعزز استراتيجية مصر في أن تصبح مركزاً إقليمياً للطاقة لخدمة جيرانها. وأخيراً، فقد يؤدي إنشاء مناطق صناعية بالقرب من حدود رفح إلى خلق فرص عمل جديدة وزيادة التجارة المتبادلة بين الجانبين (غزة ورفح) وكذلك الحد من التجارة غير المشروعة.

ومن جانبها، تهتم إسرائيل بمشاريع التنمية المصرية التي تعزز الحكم الرشيد والاستقرار والرفاهية عبر حدودها الجنوبية، مع شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة. وبالتالي، فمن الأفضل تشجيع المانحين الدوليين والإقليميين على تقديم حوافز اقتصادية لمصر لتكييف بعض عناصر استراتيجيتها التنموية في شمال سيناء مع احتياجات قطاع غزة.

وعلى المستوى الثنائي، على إسرائيل ومصر العمل معاً على توسيع علاقاتهما الاقتصادية في سيناء في مجالات مثل السياحة والزراعة والطاقة. وعلى كلا البلدين في الوقت نفسه أيضاً تعزيز تعاونهما العسكري ضد تنظيم الدولة (داعش) والتهديدات المحتملة الأخرى التي يمكن أن تقوض الأمن في شبه الجزيرة، وتردع استثمارات رأس المال الأجنبي، وتحجب جهود التنمية الحالية.


الإيكونوميست: كارثة الغذاء القادمة

The Economist: The coming food catastrophe

نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية في 19 مايو 2022 مقالاً بعنوان: ” كارثة الغذاء القادمة”، حيث يؤكد المقال على أن الحرب الروسية على أوكرانيا تدفع هذا العالم الهش بقوة نحو حالة من الجوع الجماعي الذي لا تُحمد عقباه؛ وأن إصلاح هذا الخلل الخطير هو مسؤولية الجميع بلا استثناء. وقد جاء المقال على النحو التالي:

سيدمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بغزوه لأوكرانيا حياة أناس يعيشون بعيداً عن ساحة المعارك الدائرة – وقد يندم على ذلك أشد الندم. فالحرب التي شنها على أوكرانيا تضرب بشدة نظاماً غذائياً عالمياً أنهكته جائحة كوفيد -19، بالإضافة إلى التغير المناخي والصدمة في مجال الطاقة. فعلى إثر الحرب، توقفت على الأغلب صادرات أوكرانيا من الحبوب والبذور الزيتية، كما أن روسيا مهددة بنفس الشيء أيضاً، في حين أن كلا البلدين كانا يوفران معاً 12% من السعرات الحرارية المتداولة عبر العالم. ونتيجة لذلك، فقد ارتفعت أسعار القمح بنسبة 53% منذ بداية العام، ثم قفزت بنسبة 6% أخرى في 16 مايو، بعد أن قالت الهند إنها ستعلق صادراتها (من الغذاء) بسبب موجة الحر المثيرة للقلق التي تشهدها البلاد.

إن تفهم السواد الأعظم في العالم لوجود أزمة في تكلفة المعيشة لا يعني بأي حال من الأحوال إدراكهم لخطورة ما قد ينتظرنا من تهديدات مستقبلية. فقد حذر أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، في 18 مايو من أن الأشهر المقبلة تنذر بـ “شبح عجز في الغذاء العالمي”، والذي قد يستمر لسنوات. وقد أدى الارتفاع في كُلفة المواد الغذائية الأساسية بالفعل إلى زيادة عدد الأشخاص الذين ليس لديهم يقين بإمكانية الحصول على ما يكفي من الطعام بمقدار 440 مليوناً، ليصل العدد الإجمالي إلى 1.6 مليار شخص. بينما هناك ما يقرب من 250 مليون على شفا المجاعة. وإذا استمرت الحرب الروسية-الأوكرانية، كما هو مرجح حتى الآن، وأدى ذلك إلى تقييد إمدادات الغذاء القادمة من روسيا وأوكرانيا، فقد يقع مئات الملايين من الأشخاص في براثن الفقر. وسيؤدي ذلك إلى انتشار الاضطرابات السياسية في العالم، وإصابة الأطفال بالتقزم، وموت الناس جوعاً.

وعلى السيد بوتين ألا يستخدم الغذاء كسلاح في هذه الحرب. ومع ذلك فتناقص الغذاء عالمياً ليس نتيجة حتمية للحرب لا يمكن الفكاك منها. إذ يتحتم على قادة العالم النظر إلى الجوع على أنه مشكلة عالمية تتطلب حلاً عالمياً بشكل عاجل.

وتقوم روسيا وأوكرانيا بتوفير 28% من إمدادات القمح المتداول عالمياً، و 29% من الشعير، و 15% من الذرة، و 75% من زيت عباد الشمس. وتساهم روسيا وأوكرانيا بنحو 50% من الحبوب التي يستوردها لبنان وتونس. أما بالنسبة لليبيا ومصر فإن هذا الرقم يرتفع ليصبح الثلثين (ما يقارب 70%). وتوفر الصادرات الغذائية الأوكرانية السعرات الحرارية الكافية لإطعام 400 مليون شخص. وقد أدت الحرب إلى تعطيل هذه الإمدادات حيث قامت أوكرانيا بتلغيم مياهها الإقليمية لردع أي هجوم بحري عليها، بينما تحاصر روسيا ميناء أوديسا الأوكراني.

وقد حذر برنامج الغذاء العالمي، حتى قبل وقوع الغزو، من أن عام 2022 سيكون عاماً مريعا من ناحية إمدادات الغذاء. وقالت الصين، وهي أكبر منتج للقمح في العالم، إنه بعد أخّر هطول الأمطار زراعة المحاصيل العام الماضي، فقد يكون هذا المحصول هو الأسوأ على الإطلاق. وبالإضافة إلى الارتفاع الشديد في درجات الحرارة في الهند، ثاني أكبر منتج للقمح في العالم، فإن نقص الأمطار يهدد باستنزاف المحاصيل في سلال الخبز الأخرى، بدءاً من حزام القمح الأمريكي إلى منطقة بوس في فرنسا. ويعاني القرن الأفريقي كذلك من أسوأ موجة جفاف مرت عليه منذ أربعة عقود. مرحبا بكم في عصر تغير المناخ.

وسيكون لكل هذا تداعياته الخطيرة على الفقراء. فالأسر في الاقتصادات الناشئة تنفق حوالي 25% من ميزانياتها على الغذاء – وفي دول جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا، تنفق الأسر حوالي 40%. ويوفر الخبز في مصر 30% من السعرات الحرارية للتي يحتاجها الناس. ولا تستطيع الحكومات في العديد من البلدان المستوردة للغذاء تحمل كُلفة الإعانات اللازمة لزيادة دعم للفقراء، خاصة إذا كانت تستورد الطاقة أيضاً – أحد الأسواق الأخرى المضطربة.

وتنذر هذه الأزمة بأنها ستزداد سوءاً. وكانت أوكرانيا قد شحنت بالفعل الكثير من محصول الصيف الماضي قبل اندلاع الحرب. ولا تزال روسيا قادرة على بيع حبوبها، على الرغم من التكاليف الإضافية والمخاطر التي تتعرض لها شركات الشحن. ومع ذلك، فإن تلك الصوامع الأوكرانية التي لم يُخرّبها القتال مليئة الآن بالذرة والشعير. وليس لدى المزارعين مكان لتخزين محصولهم القادم، الذي من المقرر أن يبدأ في أواخر يونيو، وبالتالي فقد يؤدي ذلك إلى تعفنه. وهم يفتقرون أيضاً إلى الوقود واليد العاملة اللازمة لزراعة المحصول التالي. وقد تفتقر روسيا، من جانبها،  إلى بعض الإمدادات من البذور والمبيدات الحشرية التي تشتريها عادة من الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من الارتفاع الكبير في أسعارها، فقد لا يتمكن المزارعون في أماكن أخرى من العالم من تعويض النقص في الحبوب. وقد يكون أحد الأسباب في ذلك هو تقلب الأسعار. والأسوأ في الأمر أن هوامش الربح تنكمش باطراد  بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة وتكلفة الطاقة. حيث تُعتبر هذه هي الكُلفة الرئيسية التي يتحملها المزارعون في إنتاجهم للحبوب، ولكن كلا السوقين (الأسمدة والطاقة) معطلتان بسبب العقوبات والتدافع للحصول على الغاز الطبيعي. وفي حالة تقليل المزارعين استخدامهم للأسمدة، فسيؤدي ذلك إلى تقليل حجم الحصاد من الغلات العالمية، ولكن في الوقت الخطأ.

وقد تؤدي ردود الأفعال المترتبة على مخاوف الساسة بشأن إمدادات الغذاء إلى تفاقم الوضع السيئ أصلاً. فمنذ بدء الحرب، أعلنت 23 دولة من كازاخستان إلى الكويت قيوداً صارمة على الصادرات الغذائية التي تغطي 10٪ من السعرات الحرارية المتداولة عالمياً. كما أنه قد تم فرض قيود على أكثر من خُمس صادرات الأسمدة في العالم. وإذا توقفت التجارة في ذلك، فسوف تحدث المجاعة لا محالة.

لقد تم تجهيز المشهد العالمي بالفعل للعبة إلقاء اللوم من الأطراف على بعضها البعض، حيث يُعرب الغرب عن إدانته للسيد بوتين لغزوه أوكرانيا، وتشجب روسيا العقوبات التي فرضها الغرب عليها . وفي الحقيقة، جاءت هذه الاضطرابات بشكل أساسي كنتيجة لغزو السيد بوتين لأوكرانيا، بينما أدت بعض العقوبات (التي فرضها الغرب على روسيا) إلى تفاقمها. ويمكن أن تصبح الحجج التي يسوقها كل طرف بكل بساطة ذريعة للتقاعس عن العمل على تفادي هذه النتائج. وفي غضون ذلك، سيعاني الكثير من الناس في العالم من الجوع وسيموت بعضهم.

وبدلاً من ذلك كله، تحتاج الدول إلى العمل معاً، بدءاً من الحرص على إبقاء الأسواق مفتوحة بشكل دائم. وقد رفعت إندونيسيا هذا الأسبوع حظراً مؤقتاً على صادراتها من زيت النخيل، حيث تُعتبر هي مصدر 60% من إنتاج زيت النخيل في العالم. وعلى أوروبا أن تساعد أوكرانيا في شحن حبوبها عبر السكك الحديدية والطرق إلى الموانئ في رومانيا أو دول البلطيق، على الرغم من أن أكثر التوقعات تفاؤلاً تشير إلى أن 20% فقط من المحصول يمكن إخراجه من البلاد بهذه الطريقة.

وتحتاج الدول المستوردة إلى الدعم أيضاً، حتى لا ينتهي بهم الأمر إلى الغرق في خضم فواتير ضخمة يتحتم عليهم سدادها. ويجب أيضاً أن تذهب الإمدادات الطارئة من الحبوب إلى الدول الأكثر فقراً فقط. أما بالنسبة للآخرين، فإنه قد يتم توفير تمويل للواردات بشروط مواتية من خلال صندوق النقد الدولي، والذي من شأنه أن يسمح للدول المانحة للتمويلات الدولارية بالمضي قدماً في ذلك. وقد يساعد الإعفاء من الديون أيضاً على تحرير الموارد الحيوية.

وهناك أيضاً مجال للاتجاه للاستبدال من أجل توفير الحبوب . حيث يتم استخدام حوالي 10% من جميع أنواع الحبوب في صناعة الوقود الحيوي؛ بينما تذهب 18% من الزيوت النباتية إلى إنتاج وقود الديزل الحيوي. وقد قللت فنلندا وكرواتيا من معدل التفويضات التي تتطلب البنزين ليشمل الوقود الناتج عن المحاصيل. وعلى الدول الأخرى الاقتداء بهم. كما أن كميات هائلة من الحبوب تُستخدم لتغذية الحيوانات. ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة، فإن الحبوب تمثل 13% من الأعلاف الجافة للماشية. واستوردت الصين في عام 2021 حوالي 28 مليون طن من الذرة لتغذية الخنازير، أي أكثر من صادرات أوكرانيا من الذرة في عام كامل.

وسيؤدي كسر الحصار المفروض على البحر الأسود إلى تخفيف الوضع بشكل فوري. ويقع تحت الحصار في أوكرانيا ما يقرب من 25 مليون طن من الذرة والقمح، أي ما يعادل الاستهلاك السنوي لجميع الاقتصادات الأقل نمواً في العالم. ويتطلب الأمر اتفاق ثلاث دول لتحقيق تطور ملموس: حيث يتحتم على روسيا  السماح بشحن الحبوب من الموانئ الأوكرانية ؛ كما يتعين على أوكرانيا إزالة الألغام من نطاق ميناء أوديسا؛ وتحتاج تركيا إلى السماح للحراسة البحرية المصاحبة بالعبور عبر مضيق البوسفور. وهذا بالطبع لن يكون سهلا. فروسيا، التي تكافح في ساحة المعارك، ستحاول خنق الاقتصاد الأوكراني. كما أن أوكرانيا تبدو مترددة في إزالة الألغام من أوديسا. وسيكون العمل على إقناعهم بالتراجع عن مواقفهم أمراً هاما بالنسبة للدول الأخرى، بما في ذلك الهند والصين، التي نجت من الحرب. وقد تتطلب تلك القوافل من السفن إلى حراسة مسلحة يدعمها تحالف واسع؛ فإن إطعام عالم هش هو من صميم عمل الجميع.


ISPI: في مصر، قد تكون الأزمة على الأبواب

ISPI: In Egypt, the crisis could be at the door

نشر معهد الدراسات السياسية الدولية الإيطالي (ISPI) في 6  يونيو 2022 مقالاً بعنوان: “في مصر، قد تكون الأزمة على الأبواب” للباحثة أليسيا ملكانجي، وهي زميل مشارك بمعهد الدراسات السياسية الدولية في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأستاذ مساعد في التاريخ المعاصر لشمال إفريقيا والشرق الأوسط بجامعة سابينزا في روما، تناولت فيه عواقب الحرب الروسية-الأوكرانية على دول الشرق الأوسط، خاصة مصر. حيث ترى أليسيا ملكانجي أنه من المرجح أن تكون مصر من أكثر دول الشرق الأوسط تأثراً بالتبعات الاقتصادية المترتبة على لصراع الدائر بين روسيا من جانب وأوكرانيا  المدعومة من الغرب من جانب آخر، مع احتمالات لتعرض القاهرة لتدهور في المشهد العام قد يؤثر على استقرار البلاد. وقد جاء المقال على النحو التالي:

بالإضافة إلى التأثير الكبير للحرب بين روسيا وأوكرانيا في أوروبا، فإنها تهدد أيضا بتدمير الوضع الاقتصادي والسياسي الهش بالفعل في دول الشرق الأوسط، إذ لا تُعتبر مصر استثناءً في ذلك، بل على العكس فهي مرشحة بقوة لأن تكون من أكثر دول الشرق الأوسط تضرراً من التبعات الاقتصادية لهذا الصراع، وذلك في ظل احتمالات بتدهور المشهد الداخلي العام بها، مما قد يؤثر على استقرار البلاد.

الإطار الداخلي

تستعد مصر لإغلاق العام المالي الحالي في نهاية يونيو 2022 بنمو اقتصادي يُقدَّر بحوالي 5.3%. ووفقاً لآخر الإحصائيات، ومن المفترض أن تشهد هذه النسبة انخفاضاً طفيفاً في النصف الثاني من عام 2022 وطوال عام 2023، لتصل إلى 5.2%، ثم تتجه إلى مزيد من الانخفاض حتى 5% فقط في العام المالي 2023-2024[1]: وتعود الأسباب المباشرة لهذا الانخفاض إلى الصراع الدائر في أوكرانيا والذي يضغط على الاقتصاد المصري الهش بالفعل، والذي كان يعاني بالفعل بشدة من قبل، على أمل التعافي في مرحلة ما بعد جائحة كورونا.

وهذه تقريباً هي نفس التوقعات الحكومية في مصر؛ فعلى الرغم من أن تصريحات الحكومة بدت وردية أكثر من الواقع منذ البداية، فقد تم تقليصها ذلك بشكل ما مؤخراً: حيث أعلنت وزارة التخطيط في نوفمبر 2021 أن النمو الاقتصادي المصري سيصل إلى 5.6% في عام 2022[2]؛ ودعم ذلك تصريحات لوزارة المالية صدرت في يناير 2022 والتي حددت أن نسبة النمو المستهدف كانت تبلغ 5.7% للعام المالي 2022-2023. وفي أعقاب الأزمة الروسية الأوكرانية، اضطرت وزارة التخطيط إلى خفض مستهدفات النمو للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعام المالي 2022-2023 لتصل إلى 5.5%، مما يسلط الضوء على التأثير المدمّر وغير المتوقع للحرب الأوكرانية على الاقتصاد المصري.

وقد أثرت التبعات الاقتصادية للحرب الروسية على أوكرانيا بالفعل على البلاد في ثلاثة قطاعات أساسية، وهي:1) الطاقة     2)  الأمن الغذائي     3) السياحة.    

وقد كان لارتفاع أسعار النفط تأثير مباشر على تكاليف الواردات وكذلك على أنواع الوقود المدعومة من الحكومة. وبفضل احتياطيات الغاز الطبيعي المكتشفة في السنوات الأخيرة في حقلي ظهر والنور وتفعيل محطتي إدكو ودمياط لتسييل الغاز، تمكنت البلاد مؤخراً من معادلة وارداتها من الغاز، بعد أن كانت تاريخياً تستورد كامل احتياجاتها من النفط والغاز من الخارج. ولهذا السبب، فإنه يتحتم على القاهرة أن تكون قادرة على التخفيف من تأثير ارتفاع أسعار النفط العالمي داخلياً، والتي (أسعار الطاقة) ينبغي أن تكون أقل من الدول الأخرى بالمنطقة.

ومع ذلك، فحتى إذا تمكنت مصر من التعامل مع الأزمة الحالية في قطاع الطاقة، فإن الزيادة العامة في أسعار المواد الخام هي التي تقلق الحكومة، لأنها ستؤدي بالضرورة إلى تفاقم أخطار انعدام الأمن الغذائي بالبلاد، بالنظر إلى اعتماد القاهرة بشدة على استيراد القمح الروسي والأوكراني. وتمثل روسيا وأوكرانيا أكبر موردين للحبوب إلى القاهرة بنسبة 62% و 23% على التوالي: حيث تجعل هذه النسب من مصر، التي يبلغ عدد سكانها 105 مليون نسمة ومعدل نمو سكاني سنوي يبلغ 1.9%، أكبر مستورد لهذا المنتج في العالم[3].

وقد أدى الاضطراب الحالي لسلاسل إنتاج وتصدير الحبوب الأوكرانية، فضلاً عن التأثير الشديد للعقوبات المفروضة على الأنشطة الاقتصادية والتجارية الروسية، إلى ارتفاع حاد في أسعار الحبوب العالمية، مما تسبب بالضرورة في ردود أفعال عنيفة في مصر. ففي الرابع من إبريل 2022، أعلنت الحكومة أن احتياطياتها الاستراتيجية من الحبوب ستستمر لأقل من ثلاثة أشهر فقط، على الرغم من أن موسم الحصاد المحلي، الذي يوفر أقل من 50% من احتياجات البلاد، كان قد بدأ للتو.

وسيكون للارتفاع في أسعار القمح نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا تأثير كبير على برامج الدعم الحكومي للضروريات الأساسية للمواطنين والتي تشمل حالياً 70 مليون شخص، أي ثلثي عدد السكان: حيث سيكون التخفيض المحتمل في الدعم على وجه التأكيد بمثابة اختبار حقيقي للاستقرار في دولة يعيش فيها أكثر من نصف عدد السكان في حالة من الشِدّة الاقتصادية القاسية. ومصر، في الواقع، لديها تاريخ طويل من الاضطرابات الاجتماعية المتعلقة بالغذاء، من “انتفاضة الخبز” عام 1977 إلى أزمة الغذاء العالمية في 2007-2008 والتي يمكن اعتبارها من بين الأسباب التي أدت إلى انهيار نظام الرئيس حسني مبارك عام 2011. ولذلك فإن خطر عودة الاحتجاجات الاجتماعية، بالتالي، أمر ملموس وممكن حدوثه في أي وقت. وفي مواجهة هذا السيناريو، حاولت الحكومة المصرية الاحتماء من الخطر خلال شهر رمضان (إبريل 2022) من خلال توزيع المنتجات الغذائية الأساسية (اللحوم والأرز والمكرونة والزيت) بأسعار مخفضة بفضل دعم الشركات المملوكة للجيش والشرطة.

وقد يمثل إعلان الحكومة الأخير عن نيتها زيادة المساحة المزروعة بالقمح (والتي تبلغ حالياً 3.6 مليون فدان) بمقدار مليون فدان في عام 2023 وبمقدار 2 مليون فدان أخرى في عام 2024[4]، حلاً متوسط ​​المدى للتقليل من اعتماد مصر على الأسواق العالمية لسد احتياجاتها من الحبوب: إلا أن مثل هذه الاستراتيجية لن تخفف من الفقر الذي يعاني منه جزء كبير من السكان نتيجة التدهور المباشر للظروف الاقتصادية للبلاد.

ومرة أخرى وافقت السلطات الحكومية على تدابير مالية مختلفة من أجل التخفيف من آثار الأزمة الأوكرانية،  وبدأت مفاوضات مع مختلف الشركاء الدوليين من أجل مواجهة الوضع الحالي للبلاد. وبهدف جذب الاستثمار الأجنبي، حاول البنك المركزي احتواء الضغط على الجنيه المصري من خلال خفض قيمته بنسبة 15% تقريباً مقابل الدولار الأمريكي، مع إحداث قفزة أخرى في نسبة التضخم[5]. ووفقاً لآخر تقرير عن آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي[6]، والذي نُشر في أبريل 2022، فإنه من المتوقع أن تصل نسبة التضخم في مصر إلى 7.5% بنهاية عام 2022، وأن تتسارع هذه النسبة لتصل إلى 11% في عام 2023.

ويتوقع محللون أن معدل التضخم في مصر لعام 2022 سيستمر في الارتفاع في الأشهر المقبلة. وتتراوح التقديرات ارتفاع نسبة التضخم بين 13% و 15% قبل أن تستقر بحلول نهاية الصيف. ومن أجل مواجهة تداعيات الأزمة الحالية، لجأت مصر مرة أخرى إلى طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي[7] والذي قد يتطلب، هذه المرة، وجود تمويل مشترك من مصادر أخرى. وقد تلقت البلاد بالفعل ما يقرب من 22 مليار دولار من السعودية وقطر والإمارات على شكل استثمارات وودائع في البنك المركزي المصري بين نهاية مارس وبداية أبريل 2022[8]. وبهدف طمأنة صندوق النقد الدولي، تعهدت القاهرة بالسعي لتلقي المزيد من المساهمات من قبل دول الخليج في الأشهر المقبلة.

وقد مرت مصر بالفعل في عام 2016 بأزمة اقتصادية حادة أجبرت البلاد على إبرام اتفاقية مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار، وحصلت أيضاً على تمويل إضافي من دول الخليج في ظل تلك الظروف. على الرغم من أن هذه القرارات اتخذت بهدف تعزيز الاقتصاد، إلا أن ما ظهر هو أن الطبقات الاجتماعية الأضعف في المجتمع المصري تدفع دائماً أثقل فاتورة لإجراءات التقشف وتقليص حجم السياسة الاجتماعية، والتي تمس، كما ذكرنا سابقاً، غالبية السكان. ويثير تكرار هذا السيناريو العديد من الشكوك حول مدى استدامة الاقتصاد المصري على المدى الطويل، والذي قد لا تعتمد أزماته التي تحدث بشكل دوري، فقط على عوامل طارئة، مثل تداعيات الحرب المستمرة.

وأخيراً، فإن انخفاض التدفقات السياحية من روسيا وأوكرانيا تؤدي إلى زيادة التأثير على أحد مصادر الدخل الرئيسية في مصر. وكانت صناعة السياحة في البلاد قد بدأت للتو في التعافي من قيود السفر المفروضة للتخفيف من آثار الجائحة. ولكن يبدو الآن أن هناك ضربة قاسية أخرى قد تؤدي إلى زيادة نقاط الضعف الخارجية لمصر، كما ذكرت وكالة فيتش للتصنيف[9] في أبريل 2022.

وقد تتمكن مصر من التخفيف من بعض هذه الآثار من خلال إجراءات قصيرة ومتوسطة المدى، كما اتضح مما سبق، لكن الصدمات العالمية مثل الحرب الروسية الأوكرانية تدق ناقوس الخطر للحكومة في القاهرة بالحاجة إلى اللجوء إلى إجراء إصلاحات وتبني حلول طويلة الأجل.

 الإطار الخارجي

وعلى الصعيد الدولي، تكافح مصر لإعادة التوازن في علاقاتها مع واشنطن وموسكو، في سياق أوسع من العلاقات المتجددة مع القوى الإقليمية (لا سيما مع دول الخليج وتركيا) والنشاط الدبلوماسي في الأزمات الإقليمية الرئيسية، كما في حالة الأزمة الليبية.

وقد بدأت بالفعل الأزمة في أوكرانيا، بالإضافة إلى التداعيات الاقتصادية الجلية لها، في إثارة العديد من المخاوف في السياسة الخارجية للقيادة المصرية. ففي السنوات الأخيرة، طوّرت حكومة القاهرة علاقات وثيقة مع موسكو، بما في ذلك ما يخص مبيعات الأسلحة[10]، والتعاون النووي من خلال مشروع لبناء محطة كهرباء في منطقة الضبعة، في شمال غرب البلاد[11]، بالإضافة إلى تنامي العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين[12]. حيث كانت القاهرة وموسكو تهدفان إلى إعادة إطلاق التعاون على هذه الجبهات المتعددة في عام 2022. كما وجدت مصر نقاط تقارب استراتيجية بين تطلعاتها الجيوسياسية الإقليمية في سوريا وليبيا والمصالح السياسية للحكومة الروسية. وفي الواقع، فإن القاهرة قد دعمت بصمت التدخل العسكري الروسي في سوريا وأيدت هدفه السياسي وهو: السماح لحكومة الرئيس السوري بشار الأسد بالبقاء في السلطة. وقد دعمت كل من مصر وروسيا، ولا تزالان ترعيان، الجنرال خليفة حفتر وحلفائه في ليبيا، والقيام بمساعدتهم عسكرياً ومالياً.

ومع ذلك، فإن العلاقات المتنامية بين مصر وروسيا والتقارب السياسي بينهما في مناطق الصراع في الشرق الأوسط لم تقوِّض الشراكة الاستراتيجية للبلاد مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حتى اندلاع الحرب في أوكرانيا.

وقد أجبرت الأزمة الحالية الحكومة المصرية، في الواقع، على إعادة توجيه مناوراتها الدبلوماسية من خلال المناورات الخطيرة بين روسيا والغرب. فبعد ساعات قليلة من التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2 مارس 2022 على إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا[13]، أصدرت الحكومة المصرية بياناً شددت فيه على ضرورة معالجة المخاوف المشروعة بشأن الأمن القومي لروسيا فيما يتعلق بأوكرانيا، وانتقاد العقوبات الأمريكية والأوروبية التي فسرتها القاهرة بأنها غير شرعية من وجهة نظر القانون الدولي[14]. وبالمثل، طمأن عبد الفتاح السيسي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مراراً على نية البلاد في الحفاظ على العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الثنائية التي بدأت بالفعل في مختلف القطاعات ذات الاهتمام المشترك، وإعادة إطلاقها من جديد في أقرب وقت ممكن.

وفي هذا السياق، سيتعين على مصر النظر في أهمية العلاقات التاريخية مع الولايات المتحدة، والتي يؤكدها استئناف “الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ومصر” الذي عُقد في واشنطن يومي 8 و 9 نوفمبر 2021[15] بهدف تعزيز التعاون في مختلف المجالات الاستراتيجية بين البلدين، وفي مقدمتها المساعدات العسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة كل عام لمصر والتي يبلغ مجموعها 1.3 مليار دولار. وفيما يتعلق بعلاقاتها مع موسكو، فقد تعرضت القاهرة في عام 2021 لضغوط من الولايات المتحدة التي أعربت عن عدم ارتياحها لطبيعة التعاون العسكري بين القاهرة وموسكو، وأعربت عن قلقها بشأن احتمال إمداد مصر بطائرات مقاتلة من طراز Su-35 من روسيا[16].

وقد تم كل هذا في إطار إقليمي يبدو أنه يتجه نحو إعادة تشكيل أكثر وضوحاً للتحالفات وتوازنات القوى في المنطقة وفقاً للتقارب العام الجاري بين اللاعبين الرئيسيين في المنطقة. فبعد سنوات من التوترات، استأنفت تركيا والمملكة العربية السعودية الحوار الدبلوماسي بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى جدة في 28 أبريل 2022. وفي العام الماضي، سعت تركيا لإصلاح علاقاتها مع دول الخليج، كجزء من إعادة تقويم أوسع لسياستها الخارجية الإقليمية تهدف بشكل أساسي إلى انفتاح دبلوماسي إقليمي، بعد فترة من التوترات بين أنقرة وبعض دول المنطقة في السنوات الأخيرة، وكذلك السعي لدعم الوضع الاقتصادي المتأزم بالبلاد.

ويمثل هذا التقارب خطوة مهمة في تطبيع العلاقات الدبلوماسية لتركيا مع جيرانها في البحر المتوسط ​​والشرق الأوسط، وهو ما أكده استئناف العلاقات الدبلوماسية بين أنقرة والإمارات وحكومة تل أبيب. وفي هذا السياق، يبدو أن فتح الحوار بين مصر وتركيا مؤخراً، رغم اللقاءات التي جرت بين سلطات البلدين منذ مايو 2021، لا يزال محفوفاً بالعقبات. حيث يبدو أن مصر قلقة بشكل خاص من الثقل الدبلوماسي والسياسي الذي يبدو أن تركيا اكتسبته مع التحركات الأخيرة في المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بالمجالات الاستراتيجية الرئيسية للقاهرة، مثل ليبيا. ويأتي دور تركيا الإقليمي المتنامي في وقت وصلت فيه محاولات التقارب بين القاهرة وأنقرة إلى شبه طريق مسدود بسبب استمرار توسع الأخيرة في منطقة نفوذ القاهرة في شرق ليبيا، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لمصر، التي تعتبر هذه الحدود بمثابة “خط أحمر” لا ينبغي تجاوزه[17].

وهكذا، يوضح هذا السياق الدولي والإقليمي مدى صعوبة التوازن الذي تتحرك فيه مصر حالياً: ففي حالة استمرار المواجهة بين روسيا من جهة والغرب من جهة أخرى، ربما تدرك الحكومة المصرية أن قدرتها على المناورة بين الطرفين تتضاءل، وأنها بحاجة إلى التوصل لاختيار محدد يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تقديم التنازلات. تلك التنازلات التي من شأنها أن تثقل كاهلها ليس فقط فيما يتعلق بالتطلعات الجيوسياسية للبلاد، ولكن أيضاً في إطار التقديرات الاستراتيجية الإقليمية للقاهرة.


فورين أفيرز: النهاية الحقيقية للسلام الأمريكي .. باكس أمريكانا

Foreign Affairs: The Real End of Pax Americana

نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية في 13 يونيو 2013 مقالا كتبه مارك ليونارد، مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، بعنوان: “النهاية الحقيقية للسلام الأمريكي–باكس أمريكانا”، حيث يرى بأن الغزو الروسي لأوكرانيا يشكل تهديداً للنظام الدولي الذي ساد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية واعتمد بشكل رئيسي على القوة الأمريكية، وبالتالي نهاية هيمنة ما يُعرف بالسلام الأمريكي أو باكس أميركانا، والبدائل المطروحة لذلك، وخاصة في ظل العداء المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين. وقد جاء المقال على النحو التالي:

غالباً ما يوصف النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية بأنه نتاج للقوة الأمريكية. فقد فرضت الولايات المتحدة المنتصرة، مع حلفائها، إرادتها على بقية دول العالم، من حيث صياغة المؤسسات (الدولية) والمعايير التي تخدم مصالحها وتؤكد أسبقيتها على دول العالم. ولكن هذا النظام هو أيضاً نتاج للضعف “المصطنع” لكل من ألمانيا واليابان، إلى حد ما قد لا يحظى بالتقدير الكافي من المراقبين. فعلى مدى ثلاثة أرباع القرن ما بعد عام 1945، تحاشى كلا البلدين (ألمانيا واليابان) عمداً وضع ‘القوة العظمى’، وتبنَّيا مقاربات سلمية في سياستهما الخارجية.

وبعبارة أخرى، فإن الوضع الفريد للاقتصادات التي تشغل المركز الثالث والرابع على مستوى العالم يتربع في قلب النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من أن هذا النظام أصبح يبدو طبيعياً للكثيرين في الغرب، إلا أنه في الحقيقة يستند إلى حالة غير طبيعية يمكن القول إنها: التهدئة القسرية – بسبب الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ – لدولتين كان من المتوقع أن تصبحا دول إقليمية مهيمنة في حقبة ما قبل الحرب الحديثة.

يهدد الغزو الروسي لأوكرانيا – وكذلك العداء المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين – بقلب هذا الوضع الراهن رأسا على عقب، ومعه بالطبع “باكس أمريكانا” أو هيمنة السلام الأمريكي، وهو الوضع الذي صمد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن. وفي معرض ردها على عدوان موسكو، أعادت ألمانيا توجيه سياستها الخارجية بشكل أساسي، وتعهدت بزيادة الإنفاق الدفاعي بشكل جذري واتخذت موقفاً متشدداً تجاه أزمة أوكرانيا. ويبدو أيضا أن اليابان، التي تشعر بالقلق من سعي الصين إلى الهيمنة الإقليمية، هي أقرب من أي وقت مضى إلى تبني تحول مماثل لما فعلته ألمانيا.

وعلى المدى القصير، قد تعجل هذه التحولات بمسألة توحيد الغرب أو حتى إعادة إحيائه من جديد. ومؤخراً رفعت الحرب في أوكرانيا من معدل اعتماد ألمانيا واليابان على الولايات المتحدة، وأدت إلى الوصول لمستويات من التعاون معها لم نشهدها منذ الحرب الباردة. ولكن إذا استمرت ألمانيا في مسارها الجديد وشرعت اليابان في مسار مشابه لذلك، فقد يحدث عكس ذلك تماماً، حيث ستصبح كلتا الدولتين أقل اعتماداً على الولايات المتحدة وأكثر ارتباطاً بجيرانهما.

مثل هذا التحول من شأنه أن يغير بشكل معمق ليس فقط النظام الأمني ​​في أوروبا وآسيا ولكن ديناميات العالم الغربي كذلك – وبالتحديد في اللحظة التي تنتقل فيها الحرب العالمية الثانية من حيز الذاكرة إلى صفحات التاريخ. فمن ناحية، سوف يفسح انزواء “باكس أمريكانا” الطريق لتكريس أنظمة أمنية إقليمية أكثر تعاوناً. ومن ناحية أخرى، سيتعين على الولايات المتحدة إعادة تشكيل تحالفاتها، ومعاملة الحلفاء كأصحاب مصلحة حقيقيين بدلاً من معاملتهم كشركاء صغار. قد يكون الانتقال مؤلماً وصعباً لواشنطن على المدى القصير. ولكن على المدى الطويل، ستكون هذه التغييرات ذات فائدة كبيرة للنظام العالمي وحتى للولايات المتحدة نفسها.

نقطة التحول

بعد أربعة أيام فقط من غزو روسيا لأوكرانيا، ألقى المستشار الألماني الذي يتسم بالحذر في العادة، أولاف شولتز، خطاباً ثورياً أعلن فيه عن “نقطة تحول” – كما تُرجمت من الألمانية – في السياسة الخارجية الألمانية. وقد كانت التحولات التي وضعها شولتز شديدة العمق حتى إنها قد تكون بمثابة تغيير في هوية الدولة نفسها. حيث قررت برلين تزويد أوكرانيا بالأسلحة بعد عقود من مقاومة تسليح المتقاتلين في أي منطقة صراع، وإنشاء صندوق بقيمة 100 مليار يورو لتحديث قواتها المسلحة بعد سنوات من التباطؤ الشديد في الإنفاق الدفاعي، وإنهاء اعتمادها على روسيا في مجال الطاقة بعد سنوات من محاولات إحداث تحول في روسيا من خلال العلاقات الاقتصادية معها.

وقد أدى الإعلان عن هذه التغييرات الأساسية إلى إشعال النقاش بشكل أوسع حول ما يمكن أن تعنيه نقطة التحول تلك، ليس فقط بالنسبة للجوانب المختلفة للسياسة الألمانية، ولكن أيضاً بالنسبة للدور الأوسع للدولة في العالم. ويرى بعض المحللين أن ألمانيا إنما تستيقظ متأخراً على طبيعة مسؤولياتها بعد عقود من الانتفاع الجيوسياسي المجاني، لكن كثيرين آخرين انتقدوا وتيرة التغيير البطيئة ويخشون أن السياسة الجديدة التي تبنتها برلين لن ترقى إلى مستوى التوقعات.

كان للنقاش الدائر حول نقطة التحول هذه في ألمانيا تأثير قوي على اليابان، حيث بدأ مسؤولو الدفاع والأمن يدركون تنامي العدوانية لدى الصين. إن مواجهة قوة صاعدة في مقابل قوة متراجعة مثل روسيا تضع اليابان في موقف أكثر تعقيداً من الموقف الذي تجد ألمانيا نفسها فيه – ويمكن القول أيضاً بأنه وضع أكثر خطورة على المدى الطويل. في عام 2005، كان لدى اليابان والصين ميزانيات دفاعية متطابقة تقريباً. أما الآن، فميزانية الدفاع الصينية تفوق ميزانية اليابان بخمسة أضعاف؛ وبحلول عام 2030، من المتوقع أن تبلغ تسعة أضعاف. (على سبيل المقارنة فقط، كانت ميزانية الدفاع الروسية أكبر بنسبة 18 في المائة فقط من ميزانية ألمانيا قبل أن تعلن برلين عن نقطة تحولها مؤخراً).

رداً على عدوان موسكو، أعادت ألمانيا توجيه سياستها الخارجية بشكل أساسي

ومن أجل الحفاظ على وضع أقرب إلى التوازن في المنطقة، اتبعت اليابان استراتيجية ثلاثية المحاور:

 – أولاً، زادت طوكيو من إنفاقها الدفاعي بشكل تدريجي في السنوات الأخيرة، من 45.1 مليار دولار في 2017 إلى 54.1 مليار دولار في 2021. وقد ناقش الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان ضرورة أن تهدف البلاد إلى إنفاق 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، مما يعني مضاعفة ميزانيتها الحالية.

– ثانياً، سعت اليابان إلى تعميق تحالفها مع الولايات المتحدة. فقد بدأ الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم مناقشات داخلية حول الردع النووي، بما في ذلك القضية المثيرة للجدل المتعلقة باتفاقية مشاركة نووية محتملة مع واشنطن، والتي من شأنها أن تلزم طوكيو بالمشاركة في المشاورات حول الأسلحة النووية واستخدامها كجزء من هيكلية لصنع القرار المشترك.

– كما تعيد اليابان صياغة علاقاتها الأمنية مع شركاء آخرين في المنطقة، لا سيما أستراليا والهند والفلبين وسنغافورة وفيتنام.

وتعمل طوكيو الآن على دمج هذه التغييرات في إستراتيجية جديدة للأمن القومي سيتم نشرها بحلول نهاية العام.

وتنعكس هذه الاستراتيجية الناشئة في استجابة اليابان للغزو الروسي لأوكرانيا، والذي يختلف بشكل ملحوظ عن ردها على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014. ففي ذلك الوقت، سعت اليابان إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع موسكو؛ فجزئياً كان ذلك التوجه للتحوط ضد بكين، وجزئياً – تماما مثل ألمانيا – كان من أجل الحصول على طاقة رخيصة من روسيا.

ولكن هذه المرة، اقتربت اليابان من تعليق علاقتها الثنائية مع روسيا، وانضمت إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية في فرض عقوبات على موسكو، وقدمت مساعدات مالية، بالإضافة إلى مساعدات عسكرية غير مميتة، لأوكرانيا. لقد قامت اليابان بذلك جزئياً لتقوية علاقاتها مع واشنطن، ومن ناحية أخرى لخشيتها من أن تتجه الصين إلى شن هجوم مماثل على تايوان. حيث تريد اليابان فرض تكاليف باهظة على روسيا حتى تدرك الصين الرسالة: في حالة غزو تايوان، ستطغى عليكم العقوبات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

“قوى عادية”؟

وعلى مر السنين الماضية، أجرت ألمانيا واليابان العديد من النقاشات الوطنية حول أن تصبحا مجرد “قوتين عاديتين”، وقد تحركتا تدريجياً في هذا الاتجاه. أصبح كلا البلدين الآن أكثر نشاطاً عسكرياً مما كان عليه منذ عقود، لكنهما ما زالا أقل من المتوقع بسبب الضرورات الاقتصادية. لكن الحرب في أوكرانيا يمكن أن تغير ذلك كله.

وتواجه كل من ألمانيا واليابان لأول مرة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تهديدات لا يمكن الهروب منها. فبعد إعادة توحيد ألمانيا في عام 1990، كان المستشار الألماني هيلموت كول مولعاً بالقول إن البلاد “محاطة بالأصدقاء والشركاء فقط”. أما الآن، يبدو أن هناك إجماعاً مجتمعياً في ألمانيا على أن هذا الوضع قد تغير: وحتى قبل أن تبدأ موسكو غزوها لأوكرانيا، زعم أكثر من نصف الألمان الذين شاركوا في استطلاع تم إجراؤه في يناير 2022 بأن موقف روسيا من أوكرانيا يشكل تهديداً عسكرياً كبيراً لبلادهم. ويخشى كثير من اليابانيين أيضاً من أن الحرب على تايوان قد تكون هي الحرب التالية بعد أوكرانيا.

وتُظهر استطلاعات الرأي أن الغالبية العظمى من الجمهور الياباني قلقون من أن الحرب الروسية على أوكرانيا ستؤثر على طريقة تعامل الصين مع نزاعاتها الإقليمية. وكما أخبرني نائب رئيس المعهد الوطني للدراسات العليا في طوكيو، ناروشيج ميتشيشيتا، “إذا كانت هناك حرب في مضيق تايوان، فستشارك اليابان تقريباً بشكل تلقائي، حيث تستوعب اليابان القواعد الأمريكية والتي ستهاجمها الصين.”

ومن المتوقع أيضاً أن يكون هناك موقف أمني أكثر قوة بالنظر إلى تغيير الأجيال: فالشعور بالذنب لدى ألمانيا واليابان آخذ في التلاشي بالتوازي  مع رحيل آخر جناة وضحايا الحرب العالمية الثانية الذين لا يزالون على قيد الحياة. وكما جادل المؤرخ أندرياس ويرشينج، فإن الحرب في أوكرانيا تعمل على تسريع انفصال ألمانيا عن ماضيها النازي (بشكل مقلق، كما يراه). فبعد أن اتخذت موقفاً ضد موسكو، أصبحت برلين في نهاية الأمر “في الجانب الصحيح من التاريخ”.

ومع وجود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، فإن هناك شرير آخر قابع في القارة الأوروبية متهم بارتكاب إبادة جماعية ومواصلة حرب إبادة. وفي هذه الأثناء، يطغى الخوف في اليابان من قوة الصين الصاعدة، على ذكرى الجرائم الماضية التي ارتكبتها هذه الدولة، سواء وسط الجمهور الياباني أو في العديد من العواصم الآسيوية الأخرى.

يتلاشى الشعور بالذنب لدى الألمان واليابانيين بالتوازي مع رحيل آخر جناة وضحايا الحرب العالمية الثانية

وأخيراً، قد لا تشعر ألمانيا واليابان أن بإمكانهما الاعتماد على الولايات المتحدة من أجل حماية أمنهما. فوفقاً لاستطلاع تم إجراؤه مؤخراً، يعتقد 56 % من الذين تم استطلاع آرائهم من الألمان أنه في غضون عشر سنوات، ستكون الصين قوة عظمى تفوق قوتها قوة الولايات المتحدة. وقال 53 % إنه لا يمكن الوثوق بالأمريكيين بعد انتخاب دونالد ترامب رئيساً في عام 2016، وقال 60 % إن ألمانيا لا يمكنها دائماً الاعتماد على الولايات المتحدة للدفاع عنها، وبالتالي يجب عليها الاستثمار في الدفاع الأوروبي.

وتشترك في هذه المخاوف حتى أكثر شرائح النخبة ذوي التوجهات الأطلسية. وكما أخبرني السفير الألماني السابق لدى الولايات المتحدة ولفجانج إيشينجر، “الألمان محظوظون بوجود بايدن في البيت الأبيض حالياً، لكن ألمانيا بحاجة إلى خطة بديلة في حالة حدوث تغييرات كبيرة في السياسة الأمريكية”. ويعتقد إيشينجر أنه يجب على ألمانيا استكشاف إمكانية الحصول على ضمان نووي من فرنسا، وهو أمر لم يكن من الممكن تصوره حتى قبل بضعة أشهر.

ومع أن الشكوك حول القوة والموثوقية الأمريكية أقل وضوحاً في اليابان، فوفقاً لاستطلاع رأي تم إجراؤه في أبريل، يدعم ما يقرب من ثلثي اليابانيين تعزيز القدرات الدفاعية لليابان، وتتفق الغالبية مع اقتراح الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم بإنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. وقد أوضح كين جيمبو، المتخصص في الأمن ​​بجامعة كيو، أنه بعد الاضطرابات التي شهدتها سنوات حكم ترامب، يعتقد العديد من الاستراتيجيين اليابانيين أن البلاد بحاجة إلى زيادة الاستثمار في الدفاع عن نفسها و “التنويع (في العلاقات الأمنية) خارج نطاق الولايات المتحدة”. وقد راقبوا بقلق بالغ رفض واشنطن التدخل المباشر في أوكرانيا، بعد إبراز جوانب الاختلاف بين حلف شمال الأطلسي وحليف للغرب من خارج الناتو، والتحذير من مخاطر مواجهة روسيا ذات الترسانة النووية. وبحسب جيمبو، فالسؤال هو، “إلى أي مدى يمكننا (اليابان) الوثوق بالولايات المتحدة للدفاع عن تايوان في مواجهة التهديدات النووية الصينية”.

أعباء مشتركة

وقد أبرزت الحرب في أوكرانيا حتى الآن مدى احتياج ألمانيا واليابان للولايات المتحدة. وتشير ردود أفعال كلا البلدين إلى التوجه لإحياء – بل وحتى توسيع – تحالفاتهما التقليدية مع واشنطن على المدى القصير. فلم تكن طوكيو فقط هي التي وقفت إلى جانب الغرب وانضمت إلى نظام العقوبات ضد روسيا، بل إن برلين أيضاً أعادت التزامها بحلف الناتو، وأعطت إشارات بأنها تخطط لشراء طائرات مقاتلة أمريكية من طراز إف-35، وقررت كذلك بناء محطات للغاز الطبيعي المسال تسمح لها بشراء الولايات المتحدة عوضاً عن الغاز الروسي.

ويأمل ذوو التوجهات الأطلسية في ألمانيا بأن تؤدي الحرب في أوكرانيا إلى ربط الولايات المتحدة بأوروبا وإعادة إنشاء نموذج الحرب الباردة الذي تقود فيه الولايات المتحدة وتساهم أوروبا بقدر ما يجب عليها. لكن التحولات في سياسات الدفاع الألمانية واليابانية يمكن أن تخلق على المدى الطويل ترتيباً مختلفاً بشكل كبير، وتؤدي إلى تغيير النظام الإقليمي في أوروبا وآسيا، وإلى تحويل تحالفات كلا البلدين مع الولايات المتحدة.

ومن المرجح أن يتزامن تصاعد القوة لألمانيا واليابان مع تقلص قوة الولايات المتحدة على المدى الطويل (تقلص القوة الاقتصادية والعسكرية لواشنطن نسبياً)، وهو اتجاه من غير المرجح أن يتغير في ظل الحرب في أوكرانيا. وستضطر الولايات المتحدة إلى تركيز مواردها المحدودة على التحديات التي تفرضها الصين. كما جادل محللون مثل روبرت كاجان بأن انزواء “السلام الأمريكي” قد يفسح المجال لتحل محله حالة من الفوضى العالمية. هذا ممكن بالتأكيد. لكن هذا ليس ما حدث تماماً في معظم أنحاء الشرق الأوسط، حيث كانت الولايات المتحدة أكثر انخراطاً في العقدين الماضيين وحيث تتراجع الآن بشكل كبير.

فقد وصف جوليان بارنز-داسي وهيو لوفات من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية كيف كان هناك اندفاع أولي في المنافسة الإقليمية بين إيران والمملكة العربية السعودية وفي الصراعات العسكرية التي اجتذبت قوى خارجية، مثل روسيا وتركيا. ولكن بعد ذلك تباطأت العديد من هذه الصراعات، وبدأت عمليات إعادة تنظيم كانت مدفوعة محلياً؛ وعلى سبيل المثال، ففي مؤتمر بغداد الذي عُقد في أغسطس 2021 تم دعوة الجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية لتدخل في حوار مع بعضها البعض.

أما في أوروبا، فيمكن أن يؤدي تقليص إنفاق الولايات المتحدة إلى مزيد من السيادة بأوروبا، وذلك بمجرد أن يدرك الأوروبيون في نهاية الأمر بأن الحرب في أوكرانيا لن تدفع الولايات المتحدة إلى إيقاف محور تركيزها طويل المدى تجاه قارة آسيا. حيث يُعد أحد أسباب فشل الأوروبيين في تطوير سياسة خارجية مشتركة هو افتقارهم إلى الثقة في بعضهم البعض. لكن عدوان موسكو على أوكرانيا جمع الأوروبيين معاً جنباً إلى جنب، وأقنع الدول التي كانت تفضل سابقاً التعامل مع روسيا، مثل ألمانيا وإيطاليا، بتبني سياسة الاحتواء. وإذا استمر هذا التقارب، فبالإمكان أن نرى تحالفاً استراتيجياً أوروبياً حقيقياً، مدعوماً في نهاية المطاف بصناعة أسلحة أوروبية، وحتى من الممكن تصوره من خلال رادع نووي أوروبي أكثر انتشارا (أو على الأقل رغبة  فرنسا في تقاسم الرادع النووي الذي لديها).

وعلى المدى الطويل، يمكن لأوروبا صياغة إطار عمل مشترك لإدارة العلاقات مع القوى الأخرى، مثل روسيا وتركيا، بما في ذلك من خلال الردع وفض الارتباط الانتقائي لتقليل التوترات، وشكل من أشكال الحوار لمنع التصعيد. وبدلاً من الاستمرار في توسيع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، فقد تختار أوروبا ترتيبات متعددة الأطراف أصغر حجماً وأكثر مرونة تشمل بعضاً من أهم اللاعبين، مثل الرباعية في آسيا. وباختصار، فقد يصبح النظام الأوروبي آسيوياً بدرجة أكبر.

من المرجح أن يتزامن تصاعد قوة ألمانيا واليابان مع تقليص الإنفاق الأمريكي

في الوقت نفسه، سيكون من المرجح أن تصبح آسيا أكثر أوروبية. إذ ستحافظ الولايات المتحدة على تحول اهتمامها إلى المحيطين الهندي والهادي، لكن وزنها الاقتصادي والعسكري سوف يتقلص مقارنة مع وزن الصين. ولذلك، فمن المحتمل أن تعزز طوكيو والقوى الإقليمية الأخرى علاقاتها مع الولايات المتحدة ولكن في نفس الوقت ستستمر في التنويع بعلاقاتها بما يتجاوز تحالفاتها التقليدية مع واشنطن. وكما قال ميتشيشيتا: “ما نحاول القيام به هو دعوة المزيد من الأصدقاء للانضمام إلى التحالف بين اليابان والولايات المتحدة.”

 وبالفعل بدأ يظهر نظام آسيوي جديد يشمل العلاقات مع الولايات المتحدة وتعاون أوثق بين قوى مثل أستراليا والهند واليابان والفلبين وسنغافورة وفيتنام. يقول جيمبو إن الدول الآسيوية لن تشكل تحالفاً شبيهاً بحلف شمال الأطلسي، بل ستزيد من التعاون في مجالات مثل الاستخبارات والأمن البحري وإنفاذ القانون. وقد دث بالفعل مستوى معين من التكامل الإقليمي في مجال في التجارة والتبادل التجاري دون مشاركة واشنطن من خلال الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادي – التي تشكلت بعد انسحاب الولايات المتحدة من سابقتها – وكذلك ‘الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة’.

أما فيما يتعلق بالأمن، يمكن أن يظهر تقسيم أكثر توازناً للعمل. حيث سيتعين على الأوروبيين تحمل المزيد من المسؤولية المباشرة عن الأمن في أوروبا الشرقية والبلقان والشرق الأوسط. أما في آسيا، فسيتعين على القوى الإقليمية أن تستثمر أكثر في قدراتها الخاصة لموازنة النفوذ الصيني في المنطقة.

وعلى حد قول إلبريدج كولبي، الذي شغل منصب نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي في إدارة ترامب، في مقابلة مع نيكاي آسيا: “تقع الولايات المتحدة على بعد 5000 ميل من اليابان وتايوان، لذلك نحن بحاجة إلى أن تفعل اليابان المزيد.” وبما أن المسارح الأوروبية ومنطقة المحيطين الهندي والهادي أصبحت أكثر ارتباطاً – ليس أقله من خلال التقارب الصيني- الروسي – فمن الممكن أن تدعم القوى الأوروبية والآسيوية بعضها البعض. قد تطلب اليابان وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، من الأوروبيين الرد بالمثل على دعمهم لفرض عقوبات على روسيا. وقد تكون النتيجة هي أنظمة إقليمية أكثر تعقيداً، حيث لا تزال الولايات المتحدة تلعب دوراً مهماً ولكنها لم تعد تحتل الصدارة.

شكل مختلف من التحالف

تأمل إدارة بايدن أن تؤدي الحرب في أوكرانيا إلى تعزيز التحالف العالمي للديمقراطيات، ووضع كل من روسيا والصين في موقف دفاعي. ونتيجة لذلك، تعتبر بكين هذا الصراع حرباً بالوكالة تهدف جزئياً إلى إضعاف الصين من خلال إقناع الدول الآسيوية بالمقارنة بين أوكرانيا وتايوان. وبالطبع فإن الوجه الآخر للعملة هو جهود واشنطن لإقناع الأوروبيين بأنهم إذا أرادوا الاستمرار في الاستفادة من الدعم الأمريكي، فسوف يتعين عليهم التحالف مع الولايات المتحدة ضد الصين.

ولكن نظراً لأن ألمانيا واليابان أصبحتا الآن أكثر قوة وأكثر انخراطاً في أنظمة الأمن الإقليمية الخاصة بهما، فمن المرجح أن تصبحا أكثر حزما أيضاً في وضع أجنداتهما الخاصة. وهذا بالضبط هو ما حدث في الشرق الأوسط، حيث أدى الحد من الإنفاق الأمريكي الدول أقل رغبة في اتباع نهج واشنطن دون الحصول على شيء في المقابل. وعلى سبيل المثال، فقد رفضت المملكة العربية السعودية طلبات الولايات المتحدة لإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا وزيادة إنتاج النفط لتلبية لحاجيات الطلب المتزايد. وبدلاً من ذلك، عملت الرياض مع موسكو للإبقاء على أسعار النفط عند مستويات مرتفعة. وحتى حلفاء الولايات المتحدة الآخرون في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، فقد قاموا بالمثل من حيث مقاومة مطالب الولايات المتحدة.

ويبدو أن العديد من المحللين والمسؤولين الأمريكيين يعتقدون أن الدَيْن التاريخي لحلفاء الولايات المتحدة يعني أنه من المتوقع أن يقفوا إلى جانب الولايات المتحدة ضد الصين في الكثير من المجالات ولكن بتكلفة أكبر. وقد قدم ترامب التوضيح المثالي لهذا الوضع عندما هدد بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو) بينما كان يطالب الأوروبيين بحظر شركة هواوي الصينية العملاقة للتكنولوجيا من شبكات الجيل الخامس.

لكن التغييرات الجارية في برلين وطوكيو تشير إلى أن نوعاً مختلفاً من العلاقات يلوح في الأفق، من حيث علاقة أكثر توازناً من التحالفات التي أسست لها واشنطن وحافظت عليها في فترة ما بعد الحرب. ومع انخفاض الأهمية النسبية لمساهمات الولايات المتحدة الدفاعية وارتفاع تكاليف الانحياز، يبدو من غير المرجح أن تكون واشنطن قادرة على الاعتماد على تلقي الدعم التلقائي منهما. وبدلاً من ذلك، سيتعين على الولايات المتحدة أن تعتاد على علاقات أكثر تعاوناً وإنصافاً يتم فيها كسب هذا الانحياز.

نعم سيؤدي هذا إلى إيجاد تحديات وإثارة صداع في البداية، خاصة وأن واشنطن مجبرة على كبح جماح توجهاتها أحادية القطب. ولكن إذا ثبت أن النظام الدولي الجديد مستقر ويساعد في تعزيز المصالح الأمريكية، فقد يبدأ دافعو الضرائب الأمريكيون مرة أخرى في رؤية شبكة التحالفات للبلاد على أنها أحد الأصول الهامة وليس مجرد استنزاف للموارد العامة. لا يمكن فقط تقاسم عبء توفير الأمن بشكل أكثر إنصافاً في مثل هذا النظام، ولكن الولايات المتحدة وحلفائها سيكونون قادرين أيضاً على وضع معايير وتعزيز القيم الليبرالية التي، على الرغم من أنها لن تكون أمريكية صافية، إلا أنها ستكون بالتأكيد أمريكية أكثر منها صينية. وبعبارة أخرى، فإنه يمكن أن يتيح أفول السلام الأمريكي أو “باكس أمريكانا” الفرصة لنموذج تعاوني جيد للقيادة المشتركة، وليس للفوضى.


[1] P. Werr, “Egyptian economy seen growing 5.3% in year to June, 5.2% in 2022/23”, Reuters, 21 April 2022.

[2] Al Masry Al-Youm, “Egypt’s economy is expected to grow by 5.6% in 2022”, 23 November 2021.

[3] The Observatory of Economic Complexity (OEC), “Wheat in Egypt”, 2020.

[4] M. Hanafi, “Egypt may plant 2 million acres of wheat to compensate for Ukraine war”, Al-Monitor, 3 March 2022.

[5] K. Dawoud, “A sharp rise in inflation forces Egyptians to cut expenses”, Middle East Institute, 25 April 2022.

[6]War Sets Back the Global Recovery”, World Economic Outlook, April 2022.

[7] M.F. Mabrouk, Getting complicated in a hurry: The implications for Egypt of Russia’s invasion of Ukraine, Middle East Institute, 4 March 2022.

[8]UAE investments boost Egyptian economy”, Al-Monitor, 25 April 2022.

[9]War in Ukraine Heightens Egypt’s External Vulnerabilities”, Fitch Ratings, 15 March 2022.

[10] Congressional Research Service, Russian Arms Sales and Defense Industry, 14 October 2021.

[11]Egyptian-Russian officials inspect El Dabaa plant site”, World Nuclear News, 19 July 2021.

[12]Egypt’s exports to Russia reach $489M during 2021”, Egypt Today, 8 February 2022.

[13] E. Salah, “Egypt, UAE, Saudi Arabia abandon neutrality in UN vote, condemn Russian invasion”, Mada Masr, 2 March 2022.

[14] H. Hendawi, “After UN Ukraine war vote, Egypt strives to protect vital interests with Russia”, The National News, 6 March 2022.

[15]US, Egypt conclude first ‘strategic dialogue’ under Biden”, Al-Monitor, 10 November 2021.

[16]Egypt moves ahead with purchase of Russian arms despite US warnings”, Al-Monitor, 3 March 2021.

[17] G. Mikhail, “Egypt wary of Turkey’s moves in eastern Libya”, Al-Monitor, 28 January 2022.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.