أقلام غربية – العدد 02

مع بداية العام 2022، ومرور ثلاث سنوات على إطلاق موقع المرصد، يأتي هذا الإصدار الجديد من إصدارات المرصد، والذي سيكون بعنوان “أقلام غربية”، حيث نقوم فيه برصد أهم الأوراق البحثية وأوراق السياسات والمقالات والتحليلات التي يتم نشرها في أهم وسائل الإعلام والمراكز البحثية الأوربية والأميركية، وتتم ترجمتها تحت إشراف وحدة الترجمة بالمعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، ويتم نشرها مترجمة على الموقع الرسمي للمعهد، وخاصة تلك التي تهتم بقضايا التحولات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في مصر والشرق الأوسط، وما يرتبط بها من تفاعلات وتحولات إقليمية ودولية. وفي هذا العدد تم رصد أربعة إسهامات مهمة، جاءت على النحو التالي:

1ـ نشرت مجلة ريسبونسبل ستيت كرافت الإلكترونية الأمريكية، التي يصدرها معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول، في 28 يناير 2022 مقالاً لجوناثان هوفمان، وهو طالب دكتوراه في العلوم السياسية بجامعة جورج ميسون، كلية شار للسياسة والحكومة، تحت عنوان: “نظرة أعمق على علاقات إسرائيل مع المستبدين العرب.. هل هي معادية للثورات؟”.

2ـ نشرت مجلة ريسبونسبل ستيت كرافت الإلكترونية الأمريكية، التي يصدرها معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول، في 25 يناير 2022 مقالا للصحفي إيلي كليفتون، كبير المستشارين في معهد كوينسي والصحفي الاستقصائي بالمجلة، بعنوان: “مؤلفو تقرير بمركز بحثي يشيد بمبيعات الأسلحة الخليجية لهم علاقات بصناعة الدفاع”.

3ـ نشر موقع ميدل إيست آي في 7 فبراير 2022 مقالاً لروبرت سبرينجبورج، أستاذ الدراسات الدولية المرموق في جامعة سيمون فريزر والباحث في المعهد الإيطالي للشؤون الدولية، بعنوان “مصر: سر سبعة عقود من الحكم العسكري”، تناول فيه دور القوات المسلحة المهيمن على الحياة العامة المصرية، مستهلاً حديثه بالتأكيد على إنه “كلما أصبحت الظروف أكثر بؤساً في البلاد، كلما زادت قدرة الجيش على تبرير الدور الذي يقوم به باعتباره العمود الفقري للأمة المصرية والحافظ لها”.

4ـ نشرت الكاتبة والصحفية الإيطالية فرانشيسكا بوري مقالاً لها على موقع المعهد المصري للدراسات، وهو المقال الثاني لها الذي كتبته من قلب أفغانستان، حيث أكدت فيه أن الأزمة في أفغانستان سياسية أكثر منها إنسانية. وأوضحت أن الأزمة “تأتي بالأساس من قرار الولايات المتحدة بتجميد احتياطيات البنك المركزي الأفغاني”. وتضيف قائلة: “أنت لا تموت اليوم في أفغانستان. بل تُقتل. وليس من قِبل طالبان. الجميع يتحدث الآن عن حقوق المرأة، لكن الحق الأول هو الحق في الحياة.”


هوفمان: هل تقف إسرائيل مع المستبدين العرب في خندق الثورة المضادة؟

Hoffman: Counter-revolutionary? A deeper look at Israel’s relationships with Arab autocrats

نشرت مجلة ريسبونسبل ستيت كرافت الإلكترونية الأمريكية، التي يصدرها معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول، في 28 يناير 2022 مقالاً لجوناثان هوفمان، وهو طالب دكتوراه في العلوم السياسية بجامعة جورج ميسون، كلية شار للسياسة والحكومة، تحت عنوان: “نظرة أعمق على علاقات إسرائيل مع المستبدين العرب.. هل هي معادية للثورات؟”، حيث جاء المقال على النحو التالي:

كانت تل أبيب تتمتع ببصيرة نافذة بخصوص حرصها على أن تظل السلطة في الدول المجاورة لها في يد أنظمة غير ديمقراطية، لتضمن استمرار ميزان القوى لصالحها.

حيث يمثل ازدهار العلاقات بين إسرائيل ومختلف الأنظمة العربية الاستبدادية أحد أهم التطورات في الشرق الأوسط الحديث.

وعلى الرغم من أن هذه العلاقات رفيعة المستوى قد توسعت بشكل كبير على مدى أكثر من عقدين من الزمان، إلا أنها تطورت من التعاون من خلف الكواليس، إلى حد كبير، إلى أشكال معلنة من التنسيق بصورة أكثر وضوحاً، لا سيما في أعقاب الانتفاضات العربية التي اندلعت عام 2011، حيث بلغت تلك العلاقات ذروتها في عام 2020 من خلال “اتفاقات أبراهام”، الموقعة في الأساس بين إسرائيل والبحرين والإمارات، ولكنها توسعت لاحقاً لتشمل المغرب والسودان.

أكدت التحليلات الكثيرة التي سعت إلى فهم هذه العلاقات في المقام الأول، على كيفية جمع هذه الجهات الفاعلة معاً من خلال الأهداف الجيوسياسية المشتركة بينها، خاصة بعد عام 2011. وسواء كان ذلك لمواجهة الخصوم المشتركين مثل إيران أو الحركات الإسلامية السياسية، أو لإبقاء الولايات المتحدة منخرطة بشكل معمّق في المنطقة، أو للحفاظ على التوازن السائد للقوى الإقليمية، فإن أغلب المراقبين ينظرون إلى هذه التقارب رفيع المستوى والممتد من القمة إلى أسفل الهرم من خلال عدسة الجغرافيا السياسية.

وعلى الرغم من أن عدسة السياسة الواقعية تلتقط على وجه التأكيد العناصر الحاسمة لهذه العلاقات، إلا أنها تتجاوز مجرد الجغرافيا السياسية: إذ أن هناك عنصر معياري قوي ومتجذر في روح الثورة المضادة كعامل مشترك بين هؤلاء الفاعلين الذين ينظرون إلى الديمقراطية – في أي مكان في المنطقة – على أنها لعنة تهدد بقاءهم. وقد وقفت إسرائيل منذ اندلاع الانتفاضات العربية جنباً إلى جنب مع شركائها الإقليميين في حملة مطوَّرة من الثورة المضادة والتي تهدف ليس فقط إلى الحفاظ على توازن القوى السائد في المنطقة، بل أيضاً لمنع ظهور نموذج ديمقراطي شعبي في الشرق الأوسط.. إن فهم هذه الرغبة المشتركة لكل من تل أبيب والأنظمة العربية المختلفة في الحفاظ على الوضع الاستبدادي الإقليمي الراهن لأمر بالغ الأهمية من أجل فهم النطاق الكامل لهذه العلاقات.

وتقدم إسرائيل نفسها على أنها ملاذ للديمقراطية محاط بـ “جوار صعب” من الاستبداد والعنف المتأصل والتخلف. وعلى سبيل المثال، فقد قال ديفيد بن جوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي، ذات مرة، “نحن (إسرائيل) نعيش في القرن العشرين، وهم [العرب] يعيشون في القرن الخامس عشر”، وشدَّد على أن إسرائيل تمثل “مجتمعاً حديثاً… في وسط عالم من القرون الوسطى”. وهناك رسالة مماثلة كان يرددها وزير الدفاع الإسرائيلي السابق إيهود باراك، الذي غالباً ما كان يصف بلاده بأنها عبارة عن “فيلا شُيِّدت وسط غابة” وأنها بمثابة “قلعة في صحراء”، وذلك في ثنايا وصفه لعلاقة إسرائيل بجيرانها العرب. وجادل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو في كتابه، “مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم”، قائلاً، بأن “العنف منتشر في كل مكان في الحياة السياسية لجميع الدول العربية. وهو الأسلوب الأساسي في التعامل مع الخصوم، سواء كانوا أجانب أو محلّيين، عرباً أو غير عرب”.

وكما جادل المؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم سابقاً، فإن مثل هذه النظرة للعالم “تُرجمت إلى مفهوم جيواستراتيجي” بحيث تظل الدولة الصهيونية “منخرطة بشكل دائم في تحالف مع الغرب ضد الشرق المتخلف”. كل هذا على الرغم من حقيقة أن مكانة إسرائيل كدولة ديمقراطية هو موضع نقاش كبير، خصوصا لدى العديد من منظمات حقوق الإنسان البارزة بالإضافة إلى منظمات حقوقية أخرى، والتي وصفت الدولة اليهودية والأراضي الفلسطينية التي تسيطر عليها بأنه عبارة عن نظام فصل عنصري.

وعلى الرغم من الخطاب الذي يتبناه قادتها، فقد عارضت إسرائيل التحولات الديمقراطية في الشرق الأوسط واستفادت كثيراً من افتقار المنطقة إلى الديمقراطية. إسرائيل هي قوة الوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط وتعتمد بشكل كبير على الحرص على الحفاظ على بقاء الحكومات غير الديمقراطية في المنطقة. وهذا ما يعترف به حتى بعض الأمريكيين الداعمين لإسرائيل والموالين لها، كما جادل روبرت كاجان بعد وقوع الانقلاب العسكري بمصر عام 2013 والذي أطاح بحكومة منتخبة ديمقراطياً هناك، حيث كتب يقول: “بالنسبة لإسرائيل، التي لم تدعم الديمقراطية في أي مكان في الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل، فإن وجود ديكتاتورية عسكرية وحشية مصمِّمة على القضاء على الإسلام السياسي ليس فقط أمراً مقبولاً، بل إنه أمر محبَّذ كذلك”.

فإسرائيل تخشى أن تكون الحكومات الشعبية المنتخَبة في المنطقة والمسؤولة أمام شعوبها أكثر انخراطاً في النضال من أجل الحقوق الفلسطينية والتوصل لتسوية حقيقية للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. حيث يظل الرأي العام العربي أشد دعماً للفلسطينيين فيما يقاسيه من شدَّة. وعلى الرغم من أن انتفاضات عام 2011 كانت دائماً مدفوعة بمطالب تتعلق بتحقيق العدالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتي تركزت بشكل أساسي على المستوى المحلي، إلا أن رمزية فلسطين كانت تبرز في كثير من الأحيان خلال تلك المظاهرات.

حيث يستمر التعبير عن هذه الرمزية في كثير من الاحتجاجات التي تندلع في المنطقة، لا سيما بعد سلسلة صفقات “التطبيع” في السنوات القليلة الماضية. لذلك، فإن تل أبيب تشعر بالنفور تجاه أي حكومات ديمقراطية ناشئة في المنطقة والتحديات التي يمكن أن تفرضها على استمرار سيطرتها على الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ فهي تعتمد على الحكام العرب المستبدين لقمع مثل هذه المشاعر.

ما يثير قلق إسرائيل بشكل خاص هو مصر والأردن المجاورتين لها، وكلاهما عقد معاهدات سلام مع تل أبيب. فمصر هي أكثر دول العالم العربي من حيث عدد السكان وتقع على حدود قطاع غزة بينما يتربع على سُدّة الحكم في الأردن أقلية هاشمية على أغلبية فلسطينية وتقع على حدود الضفة الغربية. وفي حال ظهور ديمقراطيات حقيقية في هذين البلدين، فإن بإمكانها أن تلعب دوراً أكثر أهمية في الدفع من أجل استعادة الحقوق الفلسطينية.

وتستفيد إسرائيل أيضاً من غياب الحكم الديمقراطي في المنطقة عند السعي لحشد الدعم الخارجي لها. وذلك من خلال تصوير نفسها على أنها في موقف دفاعي باستمرار في ظل “جوار قاسٍ”، حيث تستطيع تل أبيب إبراز نفسها دائماً في صورة الضحية أمام داعميها من الدول الغربية. وبالإضافة إلى ذلك، فبتصوير نفسها على أنها بقعة استيطانية غربية منعزلة ومحاصرة، تهدف إسرائيل إلى تقديم نفسها على أنها أكثر الدول الإقليمية – وربما الدولة الوحيدة – الفاعلة القادرة على العمل مع الديمقراطيات الغربية. وإذا تمكنت دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط من ترسيخ أنفسها كديمقراطيات فاعلة، فقد تثبت قدرتها على لفت انتباه الدول الغربية في المنطقة كشركاء جدد لهم، وبذلك تتنافس مع إسرائيل في الحصول على دعم الغرب.

في هذا السياق فسّرت إسرائيل الانتفاضات العربية عام 2011 وما تلاها. فإسرائيل تعمل بشكل متزامن مع الأنظمة العربية المختلفة للحفاظ على سيطرة الأنظمة المستبدة على مقاليد الأمور في الشرق الأوسط، والتي بدورها تدعم هيمنة تل أبيب على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد تجلى ذلك بشكل واضح في خطاب مختلف المسؤولين الإسرائيليين منذ الأيام الأولى من تلك الانتفاضات العربية، وعلى سبيل المثال ما قاله وزير الدفاع آنذاك إيهود باراك، الذي صرح آنذاك بأن “تلك القيادات [الحكام المستبدين] بقدر ما كانت غير مقبولة من قبل شعوبها، فقد كانوا يتحلون بالمسؤولية بشكل كبير فيما يخص الاستقرار الإقليمي… إنهم أكثر ارتياحاً [تجاهنا] بشكل يفوق كثيرا مشاعرهم تجاه شعوبهم أو شوارع بلدانهم”. وعلى نفس الشاكلة من التصريحات، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو الانتفاضات العربية بأنها “موجة إسلامية معادية للغرب ولليبرالية ولإسرائيل وللديمقراطية كذلك”.

وفي خلال السنوات الإحدى عشر التي تلت تلك التعليقات، تطورت علاقات إسرائيل مع الدول الفاعلة الأخرى المضادة للثورات، ولا سيما السعودية والإمارات والبحرين وغيرها، بشكل كبير، لتشمل تعاوناً دبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً مكثفاً، مع توفير تقنيات مراقبة متطورة لها، وجهود مكثفة للتنسيق معها من أجل الضغط على واشنطن لصالح أجنداتهم الخاصة. ومن هذا المنطلق، يجب النظر إلى ما يسمى بـ “اتفاقيات أبراهام” على أنها استمرار لهذه الجهود من خلال إنشاء تحالف رسمي بشكل أكبر، يضم الفاعلين المناهضين للديمقراطية، حيث يتم دعمه بكل شغف من قِبل الولايات المتحدة، في ظل سعي واشنطن إلى التحول (عن الشرق الأوسط) باتجاه المحيطين الهندي والهادي.

ففي الآونة الأخيرة، عملت إسرائيل على تنمية علاقاتها مع شخصيات تطمح لأن تصبح ضمن حكام المنطقة المستبدين، مثل الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر ونجله صدام حفتر، وكذلك الجنرال السوداني عبد الفتاح البرهان الذي استولى على السلطة في انقلاب وقع في السودان العام الماضي. وتمتد هذه الجهود إلى ما هو أبعد من الجغرافيا السياسية، للحديث عن ترسيخ تحالف أوسع للثورة المضادة يسعى إلى تأكيد هيمنته على الشرق الأوسط. لقد دعمت الولايات المتحدة بحماس بالغ هؤلاء الفاعلين المعادين للثورات من خلال تزويدهم بأسلحة متطورة وغض الطرف عن سجلاتهم التعسفية في مجال حقوق الإنسان. وعلى الرغم من وعد حملة جو بايدن بجعل حقوق الإنسان القضية المركزية لسياسته الخارجية، إلا أن هذا النمط عينه استمر تقريباً بلا توقف. إن استمرار الدعم الأمريكي لهذا التحالف – المتجذر بالأساس في ما يشار إليه في أحيان كثيرة بـ “خرافة دعم الاستبداد لضمان الاستقرار” – إنما يؤدي فقط إلى تفاقم مصادر المظالم الرئيسية والتي تشكل جوهر المشاكل الإقليمية، وهم: الحكام المستبدون أنفسهم.


مؤلفو تقرير يشيد بمبيعات الأسلحة للخليج على صلة وثيقة بشركات السلاح الأمريكية

Authors of think tank report praising Gulf arms sales have ties to defense industry

نشرت مجلة ريسبونسبل ستيت كرافت الإلكترونية الأمريكية، التي يصدرها معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول، في 25 يناير 2022 مقالا للصحفي إيلي كليفتون، كبير المستشارين في معهد كوينسي والصحفي الاستقصائي بالمجلة، بعنوان: “مؤلفو تقرير بمركز بحثي يشيد بمبيعات الأسلحة الخليجية لهم علاقات بصناعة الدفاع“، جاء فيه:

في الأسبوع الماضي، أصدر المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي، وهو مركز أبحاث متشدد للغاية يروج للعلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، تقريراً حول اتفاقيات أبراهام لعام 2020.

وشهدت احتفالية إصدار التقرير تصريحات تعج بالإشادة بالتقرير وتكيل المديح له، قدمها سفراء الدول الثلاث الأوائل التي وقعت على الاتفاق – الإمارات والبحرين وإسرائيل – لدى الولايات المتحدة، وجميعهم تشاركوا في الحرص الشديد على تحويل ميزان القوى الإقليمي ضد إيران.

لكن في نفس الوقت، كانت هناك مجموعة مصالح أخرى غائبة رغم أنها كانت شديدة الحضور في كل مراحل إعداد هذا التقرير، وإن لم يتم الكشف عنها علناً من قبل المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي.

حيث يتمتع سبعة من مؤلفي التقرير الثمانية بعلاقات وثيقة ومُربحة أيضاً مع شركات الأسلحة الأمريكية. ومما لا يدعو لإثارة الدهشة، فقد تمت الإشادة بمبيعات الأسلحة في جميع أجزاء وعناصر التقرير وتم الإعلان عنها باعتبارها الركيزة الأساسية لنجاح تلك الاتفاقات.

وبحسب التقرير، فإن “العامل الحاسم في نجاح إدارة (دونالد ترامب) في ذلك المسعى هو استعدادها لمنح الدول العربية المشاركة في الاتفاقات إغراءات كبيرة – ومثيرة للجدل في بعض الحالات – فيما يتعلق بعلاقاتهم الثنائية مع الولايات المتحدة”. “وقد شمل ذلك مبيعات الأسلحة إلى الإمارات، …”

وانتقد التقرير إدارة جو بايدن التي انتهجت الحد من بعض مبيعات الأسلحة والعمل على إنهاء الحرب التي تقودها السعودية في اليمن والتي دفعت بخمسة ملايين يمني إلى شفا المجاعة، وخلَّفت وراءها أربعة ملايين نازح، وجعلت ثلثي السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

وكتب المؤلفون، قائلين: “وسواء كانت مقصودة أم غير مقصودة، فإن التحركات المبكرة التي اتخذتها الإدارة الأمريكية في عهد بايدن مثل إلغاء تصنيف المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن كتنظيم إرهابي، وتعليق بيع الأسلحة للسعودية، والتنديد بسياسة ’الضغوط القُصوى‘ التي كان يتبناها الرئيس السابق ترامب ضد إيران، فقد تم تفسيرها جميعا على أنها إشارات بأن التزامات أمريكا بالدفاع عن أصدقائها وردع خصومها في الشرق الأوسط تتغير بشكل ما يؤدي في النهاية إلى جعلها غير مواتية -ولو بشكل أقل- لدفع السلام العربي الإسرائيلي قُدماً”.

لم يكشف المؤلفون ولا المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي عما قد يُشكل تضارباً خطيراً في المصالح يتمثل في توصيفات تخص السياسة العامة للتقرير: فجميع مؤلفي التقرير باستثناء واحد منهم يعملون في مجال نشاط الأسلحة.

ومثال على ذلك: فإن المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي يورد أعضاء “مشروع السياسة” الثمانية حسب رتبهم العسكرية السابقة أو أدوارهم الحكومية. ومن بينهم هؤلاء كيفين شيلتون، الجنرال المتقاعد بالقوات الجوية الأمريكية؛ وكيفين دونيجان، نائب الأدميرال المتقاعد بالبحرية الأمريكية؛ والسفير إريك إيدلمان؛ ونائب الأدميرال المتقاعد بالبحرية الأمريكية مارك فوكس؛ وماري بيث لونج، مساعدة وزير الدفاع الأمريكي السابقة للأمن الدولي؛ وجوزيف فوتيل، الجنرال المتقاعد بالجيش الأمريكي؛ وتشارلز والد، الجنرال المتقاعد بالقوات الجوية الأمريكية؛ وبول زوكونفت، الأدميرال المتقاعد بخفر السواحل الأمريكي.

والجنرال كيفين شيلتون هو عضو في مجلس إدارة شركة إيروجيت روكيت داين، المزود الأمريكي الوحيد المستقل لمحركات الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب، وهو رئيس شركة شيلتون وشركاه ذات المسؤولية المحدودة، وهي “شركة استشارات في مجال الطيران والفضاء السيبراني والنووي”، وفقاً لما ذكرته شركة إيروجيت في سيرته الذاتية.

وشركة إيروجيت توفر ’الداعم الصاروخي‘ لنظام الدفاع الصاروخي “ثاد”، وهو سلاح يتم تصديره إلى كل من الإمارات وإسرائيل، وتوجد صفقات حالية لبيعه للسعودية وسلطنة عمان.

وكيفين دونيجان هو مستشار أول للأمن القومي والأمن السيبراني في شركة فيرفاكس لحلول الأمن القومي، وهي شركة “تقدم خدمات استشارية للأمن القومي والأمن السيبراني للحكومات الحليفة”، وفقاً للملف التعريفي في لينكد إن الخاص بشركة دونيجان.

وشركة ’فيرفاكس لحلول الأمن القومي‘ هي عضو في مجلس الأعمال الأمريكي-الإماراتي.

ومن عام 2016 حتى عام 2021، شغل فوكس منصب نائب الرئيس لشؤون العملاء في شركة هنتنجتون إينجلس، أكبر شركة بناء سفن بحرية في الولايات المتحدة.

ويُعتبر لونج هو أحد مؤسسي شركة جلوبال ألايانس أدفيزرز، وهي شركة تفتخر بعملها في مجال “التخطيط الدفاعي” للحكومات الأجنبية و “اقتناء أسلحة دفاعية”.

أما فوتيل فهو مستشار استراتيجي لشركة سييرا نيفادا، وهي شركة طيران وأسلحة مملوكة للقطاع الخاص. وكانت المؤسسة عضواً في مجلس الأعمال الأمريكي-الإماراتي خلال الفترة من 2019 حتى 2021.

وبحسب ملفه الشخصي على لينكد إن، فإن وولد هو رئيس شركة وولد للاستراتيجية الدولية، حيث يساعد في “تقديم نصائح واستراتيجيات رفيعة المستوى فيما يتعلق بتطوير أعمال الدفاع والأمن الدولي”، ومدير ونائب رئيس شركة فيديرال براكتيس أدفيزوري بارتنر (الشريك الاستشاري في الممارسة الفيدرالية) التابعة لشركة ديلويت سيرفيسيز، حيث يكون “مسؤولاً عن توفير القيادة العليا في الإستراتيجية والعلاقات مع مقاولي الدفاع والمديرين التنفيذيين لبرنامج وزارة الدفاع.”

ويعمل زوكونفت في المجلس الاستشاري الأعلى لشركة ليكويد روبوتكس، وفقاً لملفه الشخصي على لينكد إن. وشركة ليكويد روبوتكس هي شركة تصنيع طائرات بدون طيار تحت الماء مملوكة لشركة بوينج، إحدى أكبر الشركات المصنعة للأسلحة في العالم.

وشركة بوينج هي أيضا عضو في مجلس الأعمال الأمريكي-الإماراتي ومصدِّر رئيسي للأسلحة لكل من إسرائيل والإمارات.

لم يرُدّ المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي على الأسئلة التي وُجهت له حول ما إذا كان على علم بتضارب المصالح المحتمل بين ترويج التقرير لمبيعات الأسلحة باعتبارها ركيزة أساسية لاتفاقيات أبراهام والعلاقات المالية واسعة النطاق بين مؤلفي التقرير وشركات الأسلحة أو ما إذا كان المعهد اليهودي للأمن القومي لديه أي سياسة بخصوص تضارب المصالح من أجل معالجة مثل هذه المواقف.

في الحقيقة، لا يتفق الجميع على أن مبيعات الأسلحة تشكل استراتيجية واعدة للسلام الإقليمي.

فقد قال ديلان ويليامز، النائب لرئيس لشؤون السياسة والاستراتيجية في مجموعة “جي ستريت”، وهي مجموعة داعمة لإسرائيل ومؤيدة للسلام: “هناك نهج إقليمي قابل للتطبيق لتحقيق التطبيع الكامل بين إسرائيل وجيرانها، لكنه يعتمد على معالجة الصراع الإسرائيلي مع الفلسطينيين، وليس على إبرام صفقات أسلحة ضخمة.”

وبالنظر إلى احتضان التقرير بشكل كامل عند الاحتفال بإصداره، فإنه يبدو أن أكبر المستفيدين من اتفاقيات أبراهام هم بالأساس وثيقو الصلة بشركات الأسلحة التي تعتبر منتجاتها وأرباحها أساسية تدخل في إطار هذه الاتفاقية، حتى لو أدى ذلك إلى استمرار الحرب في اليمن، وتقليل احتمالية الحد من التوترات مع إيران. قد لا تخدم هذه النتائج مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، ولكن كما يُظهر مؤيدو التقرير ومؤلفوه، فإن المصالح الأجنبية، والأمريكية كذلك بشكل خاص، في صناعة الأسلحة تسعى بكل حماس إلى ضمان تدفق الأسلحة إلى دول الخليج.


سبرينجبورج: السر وراء سبعة عقود من الحكم العسكري لمصر

Egypt: The secret of seven decades of military rule

نشر موقع ميدل إيست آي في 7 فبراير 2022 مقالاً لروبرت سبرينجبورج، أستاذ الدراسات الدولية المرموق في جامعة سيمون فريزر والباحث في المعهد الإيطالي للشؤون الدولية، بعنوان “مصر: سر سبعة عقود من الحكم العسكري”، تناول فيه دور القوات المسلحة المهيمن على الحياة العامة المصرية، مستهلاً حديثه بالتأكيد على إنه “كلما أصبحت الظروف أكثر بؤساً في البلاد، كلما زادت قدرة الجيش على تبرير الدور الذي يقوم به باعتباره العمود الفقري للأمة المصرية والحافظ لها”.

وقد عمل روبرت سبرينجبورج حتى 2013 أستاذاً لشؤون الأمن القومي في كلية الدراسات العليا البحرية الأمريكية ومديراً لبرنامج الشرق الأوسط بمركز العلاقات المدنية العسكرية. وعمل كذلك مديراً لمركز الأبحاث الأمريكي في مصر، حيث يُعتبر سبرينجبورج أحد اهم الخبراء العالميين البارزين في الشأن المصري وله العديد من المؤلفات عن مصر. وبالإضافة إلى ذلك، فقد عمل سبرينجبورج كمستشار في إدارة وسياسة الشرق الأوسط لصالح الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ووزارة الخارجية الأمريكية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والعديد من الإدارات الحكومية في المملكة المتحدة.

وكعادته، يتحدث سبرينجبورج بلغة قوية ويستخدم عبارات مركزة شديدة الدلالة في وصفه للواقع الذي آلت إليه الأمور في مصر في ظل هيمنة العسكر على زمام الأمور بالبلاد على مدى سبعة عقود تقريباً، حيث يقول في مستهل مقاله: يصادف شهر يوليو القادم مرور سبعين عاماً على الحكم العسكري لمصر. وبخلاف الفترة الاستثنائية التي استمرت لعام واحد في عهد الرئيس محمد مرسي (2012-2013)، حيث كان الجيش يحوم حوله مخطِّطاً للإطاحة به، فقد دأب العسكر على ممارسة سلطة مطلقة امتدت بلا انقطاع خلال تلك الفترة، محققين بذلك رقماً قياسياً عالمياً في سيطرة الديكتاتورية العسكرية على الحكم.

ويستمر مقال الخبير العالمي البارز في الشأن المصري على النحو التالي:

لم تكن الاستمرارية السياسية للعسكر طوال هذه الفترة تعود إلى إنجازات ما وصفها المحلل يزيد صايغ بـ “جمهورية الضباط”. حيث كانت التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية النسبية لمصر في حالة من التدهور المستمر طوال تلك الفترة الممتدة، وإن كان بنسب متفاوتة، مقارنة بمستوى التنمية إقليمياً أو عالمياً. لقد انحدر وضع مصر من كونها الدولة العربية الأكثر تطوراً في عام 1952، والقادرة على إبراز قوتها الصلبة والناعمة إقليمياً، وقوتها الناعمة على الصعيد العالمي، إلى كونها مجرد دولة خاسرة وفاشلة على المستوى العالمي، وحتى على مستوى منطقة الشرق الأوسط.

وأصبحت الدولة المصرية الآن بالكاد تتصرف بناء على ردود الأفعال تجاه الأحداث التي تقع في الدول المجاورة لها كلبنان وسوريا والسودان وليبيا، بدلاً من أن تقوم هي بتشكيلها، بعد أن كانت يوماً ما صاحبة الأمر والنهي فيها على الإطلاق. وشهدت الموارد البشرية المصرية، التي كانت الأضخم والأكثر تطوراً على مستوى العالم العربي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، شهدت تدهوراً لا نظير له منذ ذلك الحين، في ضوء تراجع النظام التعليمي وقطاع الصناعات وكذلك الخدمات في البلاد وفشلها في مواكبة الدول المنافسة.

ويقودنا واقع الأداء المتهافت لـ “جمهورية الضباط” إلى التساؤل عن سبب بقائهم في سدة الحكم حتى الآن، في حين تمت الإطاحة بالعسكر عديمي الكفاءة من الحكم بسبب سوء أدائهم في كل من إسبانيا واليونان والأرجنتين والبرازيل وتشيلي ونيجيريا وكوريا الجنوبية وتايوان، وفي دول أخرى كذلك.

وحتى تلك الهزائم العسكرية الكارثية، على غرار تلك التي كانت وراء الهبّات الشعبية ضد حكم الجنرالات في اليونان والأرجنتين، لم تفلح في التخلص من جمال عبد الناصر أو أنور السادات في مصر – على الرغم من أنها قد علّمت حسني مبارك وعبد الفتاح السيسي كيف يتجنبان الزج بالقوات المسلحة المصرية المدلّلة التي يتم الإنفاق عليها ببذخ، في أتون أي من المعارك.

المحافظة على السلطة

ومنذ ذلك الوقت، تبددت التبريرات الأيديولوجية للحكم العسكري، والتي كانت تعتمد في الأساس على مكافحة الاستعمار وعلى القومية العربية، حتى إنه سيكون من الصعب تحديد ما يمكن أن يمثله الدور الذي يقوم به الجيش المصري، اللهم إلا السعي للاحتفاظ بالسلطة، بزعم ضمان تماسك الأمة المصرية. لكن السعي وراء تحقيق الهدف الأول (الاحتفاظ بالسلطة) يتناقض في حقيقة الأمر مع الهدف الثاني (ضمان تماسك الأمة). وحتى لو كان ذلك صحيحاً، فإن التبرير الذي يقدمه حكم العسكر والذي يعتمد على مفهوم “أنا ومن بعدي الطوفان” أصبح هو الآخر يفتقر إلى الجاذبية التي اعتمدت عليها الأيديولوجيات التحفيزية التي طالما روّج لها الجيش في السابق (على غرار القومية العربية ومكافحة الاستعمار).

وفي ظل غياب العوامل الإيجابية التي قد تمنحه الشرعية، يقدم العامل السلبي المتمثل في القمع تفسيراً لاستمرار الحكم العسكري في مصر على مدى سبعين عاماً حتى الآن. وبالتأكيد، سادت ممارسة القمع منذ عهد عبد الناصر الذي كان أول من اعتمد عليه لإرساء حكمه، حيث مزج بين ممارسات الاستعمار البريطاني وممارسات النظام الشيوعي في ألمانيا الشرقية، للوصول في نهاية الأمر إلى ذلك الغول الكاسر المتمثل في الجهاز الأمني المصري.

ومنذ ذلك الحين، لم يتغير النظام العسكري بشكل ملحوظ على المستوى التنظيمي، على الرغم من تسجيله أرقاماً قياسية للقمع – حتى وفق المعايير المصرية التعيسة- من حيث عدد السجناء السياسيين والتعذيب والإعدامات والرقابة على كل شيء وقمع كل أشكال التعبير السياسي المستقل.

ومع ذلك، فعلى الرغم من أهمية القمع بالنسبة للديكتاتوريات العسكرية، فإنه في الحقيقة سبب غير كافٍ لتفسير الامتداد الملحوظ لفترة الحكم العسكري في مصر. فقد كان ضباط العسكر في الدول العربية الأخرى والذين أصبحوا بعد ذلك “رؤساء مدى الحياة”، من أمثال علي عبد الله صالح في اليمن ومعمر القذافي في ليبيا، كانوا يمارسون على الأقل نفس القدر من الوحشية التي مارسها رؤساء مصر الذين جاؤوا بعد عبد الناصر – ولكن الفارق الوحيد بينهم، هو أنهم (صالح والقذافي) لم يرثوا السلطة من أسلافهم، ولم يورثوها لأخلافهم، كما حدث في مصر.

وبالمثل، فإنه على الرغم من تصفية آلاف المعارضين، بما في ذلك عن طريق إلقائهم في المحيط الأطلسي من طائرات الهليكوبتر، إلا أنه قد تمت الإطاحة بحكم الجنرالات في الأرجنتين. وكما توضح هذه الحالات ومثلها أعداد لا تحصى من الحالات الأخرى، فإن القمع هو الأداة الحتمية التي لجأت إليها الحكومات العسكرية في كل مكان بالعالم.

التأقلم مع الزمن

ولكن كما تُبين كثير من حالات الإطاحة بالحكومات العسكرية، فإن القمع لا يكفي لضمان استمرار العسكر في الحكم إلى الأبد. وعلى الرغم من أن الجهاز القمعي في مصر ليس له نظير في العالم، فإن حقيقة أن ملايين المصريين توفرت لهم الشجاعة الكافية للتدفق إلى الشوارع خلال عامي 2011 و2012 يثبت أن القمع ليس حصناً منيعاً يمكن أن يحتمي خلفه الضباط من شعوبهم طوال الوقت.

إن السبب الرئيسي في نجاح العسكر في البقاء في الحكم بمصر يكمن بشكل واضح في قدرته على التكيف، كما ذكرت المحللة السياسية زينب أبو المجد. لم يلجأ الرؤساء من ضباط العسكر في مصر إلى تقليد أسلافهم كالببغاء. بل قام كل منهم بتكييف مبررات أيديولوجية لضمان استمرار حكمه بما يتناسب مع العصر الذي يعيشه، تماماً كما فعل كل منهم من حيث تبني النموذج الاقتصادي الذي يناسبه، بينما يعبثون بالمؤسسات والمنظمات السياسية في محاولة في رتق عوارها وتكييفها لصالحه.

ولطالما عدّل الرؤساء المتعاقبون استراتيجيتهم لتجنب الانقلاب عليهم في ضوء علاقاتهم مع الأجهزة العسكرية والأمنية المختلفة. وعلى نفس القدر من الأهمية، فقد قام كل رئيس بتشكيل العلاقات الخارجية من أجل الحفاظ على حكمه وضمان الحصول على الدعم الخارجي لنظامه.

وتبنى نظام عبد الناصر العسكري الاشتراكية والتصنيع كبديل للاستيراد، إلى جانب الاعتماد بشكل كبير على الاتحاد السوفيتي ورفع راية القومية العربية. وحتى صيف عام 1967، اعتمد ناصر على رفيق السلاح عبد الحكيم عامر في الحيلولة دون قوع انقلابات ضده، في الوقت الذي مثّل الاتحاد الاشتراكي العربي، وهو نسخة من الحزب الشيوعي اليوغوسلافي، قاعدته السياسية الرئيسية التي ارتكز عليها لتثبيت أركان حكمه.

ولكن السادات تخفّف من معظم أعباء العلاقات الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والسياسة الخارجية التي كان يعتمد عليها عبد الناصر، وبدلاً من ذلك تبنى النيوليبرالية، وروّج لشعارات مثل “مصر أولاً”، بالإضافة إلى التحالف مع الولايات المتحدة وبناء نظام سياسي يعتمد على التعددية الحزبية. ومن أجل الحيلولة دون وقوع انقلابات محتملة على حكمه، قام السادات باستمرار بإعادة تموضع القيادات العليا للجيش، وربما صاحب ذلك أيضاً تصفية بعض القيادات التي كانت تنطوي على طموحات سياسية.

ومن جانبه، قام مبارك بالمزج بين نهج عبد الناصر ونهج السادات، حيث كان يسعى بشكل عام إلى إيجاد أرضية مشتركة بين كليهما، خصوصا فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية والخارجية وكذلك الترتيبات السياسية الداخلية. لقد نجح مبارك بالفعل في منع الانقلابات ضده على غرار ما فعل عبد الناصر، من خلال منح وزير الدفاع اللواء محمد حسين طنطاوي، الذي لم تكن تبدو عليه أي طموحات سياسية، منحه سيطرة شبه دائمة على الجيش، والتي كانت تتمثل إلى حد كبير في استخدام الحوافز الاقتصادية التي أتاحها الاقتصاد العسكري المتنامي.

السيسي يكسر القاعدة

لكن لا ينبغي المبالغة في قدر التكيف الذي قام به هؤلاء الرؤساء الثلاثة الأوائل (عبد الناصر والسادات ومبارك). فبحلول عام 2011، كان النظام العسكري لا يزال يُرى على أنه النظام الذي تأسس في أعقاب انقلاب عام 1952. حيث استند إلى الثقل المؤسسي وتماسك الأجهزة العسكرية والأمنية، التي كانت تحرص على استبعاد أبناء الرؤساء منها، على عكس نظرائهم في العراق واليمن وليبيا، حيث كان يتم إعداد الأبناء كضباط من أجل خلافة آبائهم في الحكم.

وظل جهاز الخدمة المدنية والقطاع العام المترامي الأطراف هم المسؤولون بشكل رئيسي عن إدارة دولاب العمل في الدولة والاقتصاد والركيزة الأساسية لتوفير الدعم السياسي، لا سيما وقت الانتخابات. وكان التحول الرئيسي الذي حدث في العلاقات الخارجية هو الانتقال من التبعية للاتحاد السوفيتي إلى الاعتماد على الولايات المتحدة، مع الاحتفاظ بجوهر هذه العلاقة القائم على قاعدة (الراعي والعميل) من حيث الاعتماد على قوة أجنبية واحدة لضمان الرعاية والحماية.

أما السيسي فهو الوحيد الذي تمكن من تكييف الواقع بشكل حقيقي. لقد استطاع أن يكسر القالب الذي ورثه – أو بالأحرى الذي استولى عليه، حتى نكون أكثر دقة. فقدوته في أسلوب الحكم ليس أحد أسلافه من حكام العسكر، بل هو أحد مشايخ الخليج، حيث يُعتبر محمد بن زايد، الحاكم الفعلي للإمارات، هو النموذج الأكثر بروزاً في نهج السيسي في الحكم.

فالأسرة والقبيلة توفر آليات للحكم بالنسبة للسيسي، إذا ما اعتبرنا أن الجيش المصري هو المكافئ الوظيفي لقبيلة آل نهيان التي ينتمي إليها محمد بن زايد، حيث يشغل أفراد تلك القبيلة والقبائل المرتبطة بها المناصب الهامة في جهاز الحكم وكذلك في المنظومات الاقتصادية الممتدة في أبو ظبي والإمارات، تماماً كما يفعل ضباط الجيش في جمهورية السيسي. ويضطلع أبناء الحاكم في كلتا الحالتين (مصر والإمارات) بأدوار رئيسية في الأجهزة القمعية في البلاد بعد انقضاء فترات خدمتهم داخل الجيش.

وتُعتبر هذه الأدوار التي يقوم بها أبناء الحكام في كلا البلدين حيوية جداً لممارسة السلطة، التي من المفترض أن يرثها أحدهم، خصوصاً فيما يتعلق بالجهود التي يبذلونها لمنع وقوع أي انقلابات على آبائهم، من خلال تعزيز منظومات المراقبة والإشراف عليها، والتي تعتمد بشكل كبير على العلاقات الشخصية التي طوّرها الحكام في كلا البلدين أثناء الخدمة في جيوشهم.

ومن أجل توظيف الكوادر في محيط المؤسسات التي يتم من خلالها إدارة الدولة والاقتصاد -وفي الحالة المصرية النظام السياسي أيضاً- بهدف السيطرة عليها، أنشأ الحكام في كلا البلدين مؤسسات تعليمية نخبوية وقنوات توظيف مرتبطة بها لاستقطاب الكوادر الموالية والمتخصصة تقنياً. ويشبه كلاهما إلى حد كبير الآليات المستخدمة في الصين من أجل تجنيد كوادر الحزب الشيوعي وإعدادها.

 نموذج الفخامة

وعلى نفس المنوال، فإن فلسفة السيسي الاقتصادية تعتمد على نموذج بن زايد الخليجي. حيث يتمثل جوهرها في الفخامة والإبهار، كما يرمز إلى ذلك صرعة الأطول والأضخم في هذا أو ذاك، مع تفضيل بدء الإنشاء من الصفر في الصحراء، كما لو كان المقصد وراء ذلك هو مجرد التأكيد على الإرادة الإبداعية للحاكم.

ومن بين الفوائد الأخرى، فإن المشاريع الضخمة توفر فرصاً كبيرة للإغداق على أفراد القبيلة / الجيش، بالإضافة إلى تمجيد القائد وإضفاء الجلال عليه وعلى رؤيته. ويبدو أنه في خضم ذلك لا يتم التفكير كثيراً في كيفية توفير الموارد اللازمة لتمويل مثل هذه الصروح، فبينما يتم توفير تلك الموارد بسهولة في حالة الدولة الخليجية (الإمارات) عن طريق دخل النفط، فإن الحال في مصر يتركز في المقام الأول على الاقتراض من الخارج. إن هذه النزعة التنموية المشوّهة هي ما تتطور بعد ذلك لتصبح أيديولوجية سياسية من أجل إرهاب الناس وإخضاعهم.

لقد أصبح هذا النموذج المستمد من الخليج لا يترك مجالاً كبيراً للخدمة المدنية التقليدية أو القطاع العام أو الحزب السياسي المهيمن أو البرلمان في مصر. حيث يُظهر السيسي ازدراءه لهم جميعاً. فقد أصبحوا جميعا زائدين عن الحاجة بالنسبة للسيسي بسبب اعتماده في إدارة الحكومة والاقتصاد والنظام السياسي على الأجهزة الأمنية والمخابرات العسكرية، والتي جردت هذه المؤسسات المدنية من الكثير من سلطتها على الموارد.

فصندوق الثروة السيادي في مصر والعديد من الهيئات المالية المستقلة الأخرى، مثل صندوق “تحيا مصر”، كمثيلاتها في الحالة الخليجية، تتبع الحاكم مباشرة – وليس للإدارة أو البرلمان أو أي هيئة عامة أخرى.

لا يشعر السيسي بأنه مضطر إلى تكوين قواعد سياسية يعتمد عليها كما فعل أسلافه. وتُركت الطبقة الوسطى البيروقراطية متشبثة بخدمة مدنية تتقلص باستمرار. وتم التخلي عن العمال بسبب تراجع أدوار النقابات العمالية؛ وتُرك محاسيب الرأسماليين للتنافس من أجل الحصول على النذر اليسير من فتات الكعكة الاقتصادية التي يلتهمها الجيش. أما الفلاحون فلا يجدون من يُحسن خدمتهم أو تدبير أمورهم، اللهم إلا من خلال تعاونيات زراعية متهالكة، حيث تفضل الدولة الاستكثار من الزراعة كثيفة رأس المال التي تسيطر عليها الشركات المرتبطة بالجيش أو المستثمرون الأثرياء.

بدائل للوضع الراهن

وبينما تهيمن سلطة السيسي على شعب مصر، فإنه في الحقيقة لا يعتمد على دعم يتلقاه من ولاءات وتحالفات قبلية، كما هو الحال بالنسبة لمعظم حكام الخليج، بل يعتمد على ما يناظر ذلك في الحالة المصرية، متمثلاً في ولاء الجيش له. ولكن السؤال هو: هل بوسع الجيش أن يحافظ على ولاء المواطنين بينما يقوم بتقويض العقد الاجتماعي الذي كان يرتكز عليه في السابق؟ قد تقود الإجابة على هذا السؤال الهام إلى دلالات حول مستقبل العسكر والسيسي على السواء.

في الحقيقة، هناك بديلان للوضع الراهن:

  • البديل الأول هو استبدال السيسي بجيشه؛
  • والبديل الثاني هو الإطاحة بالسيسي وجيشه معاً.

فالسيناريو الأول هو ما حدث تماماً لمبارك، حيث دفعت المصلحة المؤسسية للجيش إلى التخلص من الرئيس الذي كان قد أصبح هدفاً لموجة الغضب الشعبي. ففي هذه الحالة، قد يحدث انقلاب استباقي من الأعلى إلى الأسفل تقوم به القيادات العليا، تماماً كما حدث في عام 2011. أما في الحالة الثانية، فقد يقع انشقاق داخلي في الجيش ينتج عنه انقلاب ينفذه فصيل من الجيش ساخط على كل من الرئيس والقيادة العليا على السواء.

أحد أبرز خطوط التصدع المحتملة هو الخط الذي يفصل بين الضباط الملتزمين بالمهنية العسكرية عن أولئك الضباط -الذين يكونون في العادة ذوي رُتب أعلى- الذين يكرسون جهودهم في حصد الغنائم من خلال ارتباطهم بالاقتصاد العسكري. ففي نقطة ما، قد تتفاقم التوترات بين هذين المعسكرين بسبب الفشل في التصدي بشكل مناسب لواحد أو أكثر من التحديات العسكرية، والتي قد تنشب مع دول مجاورة، مثل ليبيا أو السودان أو حتى إثيوبيا النائية عنها من حيث الموقع الجغرافي.

في الحقيقة، يبدو أنه من بين هذين الصنفين من الانقلابات، يبدو البديل الأول أقل احتمالاً، بالنظر إلى تغلغل السيسي في الجيش وسيطرته على سلك الضباط – كنتيجة مباشرة لمدة خدمته في المخابرات العسكرية، واستخدامه لأبنائه وزملائه السابقين كعملاء للمراقبة، واعتماده على نشر المحسوبية بين الضباط – بشكل يتجاوز إلى حد كبير ما وصل إليه مبارك في هذا الصدد. ولذلك، فمن المرجح أن تظل القيادة العليا للجيش موالية للسيسي، على عكس صغار الضباط.

مفارقة الفشل

من الصعب فعلاً تصور إزاحة السيسي والجيش عن السلطة. فما حدث في عام 2011 لن يتكرر إلا إذا كان بشكل مأسوي. وكما تبين مما حدث في عام 2013، فإن نظام السيسي مستعد لإطلاق النار على معارضيه. وقد استطاع تحييد الإسلام السياسي المنظم، على الأقل على المدى المنظور. وهذا في حد ذاته يجعلنا أمام سيناريوهات أكثر راديكالية، مثل الانهيار واسع النطاق للنظام نتيجة للأزمات الاقتصادية أو السياسية، مما سيؤدي إلى تفتيت الأجهزة العسكرية والأمنية جميعاً.

ومن بين التطورات التي قد تطرأ على هذا السيناريو هو دخول جهة خارجية على الخط تكون لها مصلحة في زعزعة استقرار نظام السيسي. وأخيراً، فإن الاحتمال الأكثر بُعدا هو أن يُقرر السيسي التنحي عن الحكم لصالح حكومة مدنية تخلفه، حيث تشير كل تصرفاته وطريقته في الحكم إلى أن هذا السيناريو أشبه بانتظار حدوث المستحيل.

ومجمل القول، أن الرهان الأكثر ذكاءً هو ضمان استمرارية الحكم العسكري في مصر بناءً على استمرار التدهور النسبي الذي يضرب البلاد منذ أمد. فالواقع، للأسف، أنه كلما زاد التراجع وازدادت الظروف بؤساً، كلما زادت قدرة الجيش على تبرير دوره باعتباره العمود الفقري والحافظ للأمة.

ربما تفسر هذه المفارقة بشكل منطقي أسباب استمرارية حكم العسكر في مصر. فلو نجح الجيش في مصر في قيادة التنمية في البلاد، كما فعل الجيش في كوريا الجنوبية إلى حد ما، فربما أدى ذلك إلى بروز قوى مجتمعية راسخة لديها من العزم والإصرار ما يكفي للسعي للتخلص منه وتقديم من يحل محله.

وهكذا، فإن فشل العسكر في إدارة شؤون البلاد بشكل رشيد قد يقدم تفسيراً لاستمراريتهم على نفس النهج الذي يشكل للأسف ضمانة بقائهم في السلطة لفترات أطول.


فرانشيسكا بوري: الأزمة في أفغانستان سياسية أكثر منها إنسانية

Afghanistan: A political rather than a humanitarian crisis

نشرت الكاتبة والصحفية الإيطالية فرانشيسكا بوري مقالاً لها على موقع المعهد المصري للدراسات، وهو المقال

الثاني لها الذي كتبته من قلب أفغانستان، حيث أكدت فيه أن الأزمة في أفغانستان سياسية أكثر منها إنسانية. وأوضحت أن الأزمة “تأتي بالأساس من قرار الولايات المتحدة بتجميد احتياطيات البنك المركزي الأفغاني”. وتضيف قائلة: “أنت لا تموت اليوم في أفغانستان. بل تُقتل. وليس من قِبل طالبان. الجميع يتحدث الآن عن حقوق المرأة، لكن الحق الأول هو الحق في الحياة.” وفيما يلي النسخة العربية من المقال:

لقد أنفقت الولايات المتحدة 143 مليار دولار على التنمية في أفغانستان، حيث يمثل هذا المبلغ 6% فقط  مما أنفقته على الحرب هناك على مدى عشرين عاماً: لكنه مع ذلك يفوق ما أنفقته على خطة مارشال[1] التي أعادوا  بناء أوروبا من خلالها. لكن الواقع أنه عندما جاء الأمريكيون إلى أفغانستان، كان هناك واحد من ثلاثة من الأفغان معرضين لخطر المجاعة، لكنهم عندما انسحبوا منها، أصبحت هذه النسبة واحد إلى اثنين.

ومع ذلك، ففي حسابات البنتاجون سُجلت مشاريع على أنها أُنشئت في أفغانستان على شاكلة مشروع استيراد تسعة من الماعز الإيطالي[2] لإحياء صناعة النسيج هناك، حيث دفعوا في سبيل ذلك 6 ملايين دولار، وليس لدى أي أحد الآن أدنى علم عن مكان تواجدهم (الماعز).

لقد استولى الأمريكيون على كابول في أقل من ستة أسابيع، مع سقوط 20 من الضحايا، بزيادة ضحية واحدة عما حدث في غزو جرينادا[3]. وكانوا يتوقعون البقاء هناك لفترة قصيرة، حتى إنه لم يكن في باجرام دُش حمّام واحد، وكان يتم شحن الملابس المتسخة على متن طائرة هليكوبتر ليتم تنظيفها في أقرب مغسلة، في أوزبكستان. والآن، أصبحت باجرام إحدى أكبر القواعد العسكرية للولايات المتحدة في الخارج، حيث تضم 30 ألف جندي يتعاملون مع منتجات هارلي ديفيدسون.

وبعد أفغانستان، انتقل الأمريكيون إلى غزو العراق، التي قصفوها بهدف إخضاعها بذريعة أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن لديها من الأساس.

وماذا كانت النتيجة؟ ظهور الدولة الإسلامية.

في أفغانستان، كانت ساحة المعركة الأكثر دموية هنا هي “سانجين”، وهي مدينة تقع في ولاية هلمند، جنوبي أفغانستان، ويقطنها 20 ألف نسمة، والتي تُعتبر معقل حركة طالبان. وكذلك إنتاج الأفيون. وللوصول إليها، عليك قيادة السيارة لساعات على امتداد طريق لا ترى فيه سوى اللون الأصفر، من الرمل الأصفر إلى الغبار الأصفر. ومن وقت لآخر، يتحول هذا اللون الأصفر إلى اللون الرمادي. عندما ينفجر لغم. أو تسقط قنبلة. وذلك لأن هذا ما تبدو عليه أفغانستان خارج مدينة كابول، مجرد حطام، وأطلال وبقايا جدران، حيث كانت طائرات بي 52 التي تكلف 70 ألف دولار لكل ساعة طيران واحدة كانت تسوي تلك المنازل الطينية التي لا تزيد تكلفة الواحد منها ثلاثمائة دولار. تظل وسط هذه الأطلال حتى تخبرك خرائط جوجل فجأة، وأنت وسط اللامكان، وتقول: إنها سانجين، فعندها تُدرك أنك قد وصلت.

وذلك لأن سانجين، بكل بساطة، لم تعد موجودة.

لكل أمريكي سقط في تلك الأثناء هناك اسم، وصورة، وقصة. أما الضحايا من الأفغان، فلا يحظون حتى بمجرد “رقم”. حيث لا يتم إحصاء من سقط منهم أبدا.

ومع ذلك، فإن كل القلق الآن ينصب حول حركة طالبان. فعندما تتحدث عن أفغانستان، فإن السؤال الوحيد الذي يُطرح عليك هو: كيف هم؟ هل ما زالوا يقطعون أيدي اللصوص؟ هل ما زالوا يرجمون الزناة حتى الموت؟ هل مازالوا يهشمون أجهزة التلفزيون؟ أم أن الحركة أصبحت مختلفة عما كانت عليه قبل عشرين عاماً؟ بكل صراحة، أنا بالفعل لا أعلم. أن تكون أجنبياً لا يمكن أن يكون مثل أن تكون أفغانياً، خاصة في ظل الوضع الحالي. فحركة طالبان تريد اعترافاً دولياً بها، والسماح بدخول المساعدات، ولذلك فأنت تراهم جميعاً تبدو عليهم ملامح الطِيبة.

وبالمناسبة، فإن متوسط ​​العمر هنا هو 18.4 سنة. لكن في الأساس، أنا لا أعرف تفسيراً للوضع، ربما لأنه لا أحد يعرف عن ذلك شيئاً حتى الآن، ولا حتى طالبان نفسها.

وعلى عكس الحركات الإسلامية الأخرى، فإن طالبان لم تقم بإنشاء حكومة ظل، ولم يكن لديهم أبداً جناح عسكري وجناح آخر مدني، حيث إنهم كانوا فقط مجرد مقاتلين.

وتُعرف أفغانستان بأنها بلاد الجبال، والتي يبلغ متوسط ارتفاعها 1,884 متراً، في المتوسط: وهي بلاد الوديان كذلك، حيث تضم مجتمعاتٍ اعتادت الحكم الذاتي. لقد اعتادوا الاعتماد على أنفسهم فقط، وليس على أحد آخر.

وهكذا، فإن كل شيء هنا يبدوا جديداً، حتى بالنسبة إلى طالبان. لقد كنا معا في سانجين، حيث كانت المرة الأولى بالنسبة لي أن ألتقي بهم: ولكنهم أيضاً لم يسبق لهم أن تقابلوا مع فتاة. وعندما التقينا، كنت أفكر في مظهرهم الذي يبدو في غاية الغرابة، من حيث ردائهم، وعمامتهم، وعباءتهم، كما لو كانوا قد جاؤوا من حقبة أخرى من الزمن، عندما فاجأني أحدهم وهو يشير إلى حذائي الرياضي من ماركة كونفيرس، وهو يقول: إنكِ تبدين غريبة جداً (بهذا الحذاء).

فهم لا يوجد معهم سوى بندقية كلاشينكوف. وحتى الآن بعد انتهاء الحرب، تراهم ينظمون حركة المرور وهم يتأبطون أسلحتهم: على الرغم من أنه حتى تتمكن من تنظيم حركة المرور، فأنت بحاجة أكثر إلى إشارات مرور بدلا من السلاح. لكن هذا الأمر يتم بشكل كلاسيكي تماماً.

أما بالنسبة للعديد من الأفغان، فطالبان هي أهون الشَرّيْن. ولهذا السبب فقد عادوا مرة أخرى إلى السلطة.

وبسبب فشلنا، فإن حركة طالبان أصبحت هي أهون الشَرّيْن.

لكن كما اعتدنا، تدور جميع عناوين الأخبار الآن حول أزمة إنسانية. وقالت الأمم المتحدة أيضاً: “إنها أسوأ أزمة شهدناها على الإطلاق”، داعية دول العالم إلى تقديم المساعدات: حيث قالت إن مليون أفغاني على وشك الموت.

وبهذه الطريقة، فإن الأمر سيبدو وكأنه بسبب البرد و الشتاء القارس، رغم أن الحقيقة أنه ليس كذلك.

الأزمة تأتي بالأساس من قرار الولايات المتحدة بتجميد احتياطيات البنك المركزي الأفغاني: وبذلك جمّدت معه الاقتصاد الأفغاني بأكمله. كل شيء موجود هنا، بما في ذلك كل أنواع المواد الغذائية. والدولارات التي يمكن دفعها للحصول على هذه المواد موجودة أيضاً: لكنها عالقة هناك داخل الحسابات المصرفية. إنها ليست أزمة إنسانية، بل هي أزمة سياسية. أنت لا تموت اليوم في أفغانستان. بل تُقتل. وليس من قِبل طالبان. الجميع يتحدث الآن عن حقوق المرأة، لكن الحق الأول هو الحق في الحياة.


[1] خطة مارشال هي خطة اعتمدتها ونفذتها الولايات المتحدة في أوروبا بهدف إعادة إعمارها بعد أن كان القصف الجوي قد دمر منشآتها الحيوية والصناعية وبنيتها التحتية إبان الحرب العالمية الثانية.

[2] هذه إشارة لواقعة معروفة وناقشها الكونجرس الأمريكي، حيث أنفق البنتاجون مبلغ 6 مليون دولار من أجل استيراد تسعة ماعز إيطالية “نادرة” إلى أفغانستان، في مسعى لتعزيز صناعة الصوف الكشميري هناك.

[3] إشارة لغزو الولايات المتحدة لجرينادا الواقعة في جزر الهند الغربية في البحر الكاريبي والتي كانت قد استقلت عن المملكة المتحدة عام 1974، حيث بدأ الغزو في 25 أكتوبر 1983 وأسفرت العملية التي أُطلق عليها اسم عملية الغضب العاجل عن انتصار أمريكي في غضون أيام قليلة. وكانت حركة جويل الشيوعية قد استولت على السلطة في انقلاب عام 1979 في عهد موريس بيشوب، حيث علقت العمل بالدستور واعتقلت العديد من السجناء السياسيين.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.