أهل السنة.. بين نبض الماضي وجمود الحاضر


ربيع الحافظ

إثر التحدي المبكر* الذي واجهته الدولة الإسلامية والذي كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر أنه تحدٍ يختلط فيه الورع بالمروق العقدي حينما قال “يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم… يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية”، برز مصطلح “أهل السنة والجماعة” باعتباره عنوانا لمفاهيم عقدية ورؤى سياسية شخصت التحدي ووصفت له العلاج.

العنوان الذي أطلقه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- من قلب المعركة السياسية جاءت ولادته سياسية، قال -رضي الله عنه- في تفسير قوله تعالى: {يوم تبيّض وجوه وتسوّد وجوه} أي “تبيّض وجوه أهل السنة، وتسوّد وجوه أهل البدعة (الخوارج)”، ليتطور بعد ذلك العنوان من لافتة ميدانية إلى اسم مدرسة عقدية وفقهية، ثم يستقر ليكون راية للطيف الوسطي للأمة في المعتقد والسياسة.

كانت حادثة التآمر على المصدر الثاني للدستور -الحديث الشريف- تدشينًا لحقبة بناء المؤسسات؛ عندما أعلنت الدولة حالة الطوارئ، وأقامت نقاط تفتيش (ثقافية)، وشنت حملة تدقيق على هويات الأحوال الشخصية.

الدولة التي خرجت لتوها من التحدي رفعت راية “أهل السنة” فوق مؤسساتها لتصبح أيقونة نظامها السياسي والاجتماعي والفقهي والعقدي، الذي مكنها من بناء مجتمعات تتسع للأعراق والأديان المختلفة وتقوم هي فيها بدور “الكبير” (مفهوم اجتماعي)، وأن تكون هذه المجتمعات واحة للجوء السياسي حينما استقبلت -أو استدعت- أمم الأرض جيوشها لكونهم محررين من ظلم ذوي القربى، كما حدث مع مسيحيي بلاد الشام ومصر والأندلس والأرمن في الأناضول. جسد هذا الأداء، على نحو تطبيقي، مفهوم حقوق الإنسان والأقليات قبل أن يتم نحته في القرن العشرين، ومن ثَمّ شكل الجانب الاجتماعي والسياسي بابا ضخما في مفاهيم “أهل السنة والجماعة” التي طغت على الجانب الفقهي، وكانت علامة فارقة ميزها بها المؤرخون العالميون عن الحضارات الأخرى.

محطات التأسيس

تحول الذين تصدوا للتحدي (أهل السنة) إلى خلية نحل، وراحوا يشيدون صروح دولتهم، وتميز عملهم بأنهم كانوا يبتكرون فنا جديدا عند كل تحدٍ جديد، وأنهم ردوا على الحاجة بالاختراع، وشهدت الدولة قيام مؤسسات حمت دعائمها الإستراتيجية.

مؤسسة حماية الدستور

كانت حادثة التآمر على المصدر الثاني للدستور -الحديث الشريف- تدشينا لحقبة بناء المؤسسات؛ عندما أعلنت الدولة حالة الطوارئ، وأقامت نقاط تفتيش (ثقافية)، وشنت حملة تدقيق على هويات الأحوال الشخصية؛ يقول التابعي الجليل ابن سيرين “ما كنا نسأل عن الإسناد، فلما ظهرت الفتنة قلنا سموا لنا رجالكم”، كانت تلك عملية مسح للمجتمع لكشف جيوب المؤامرة وشهد العالم خلالها ولادة أول قاعدة معلومات أمنية؛ تتخصص في رصد الأحوال الشخصية لرواة الحديث النبوي وتدوين سيرهم العلمية والسلوكية والاجتماعية والمعاشية والذهنية عرفت “بالجرح والتعديل” و”طبقات الرجال”، وهي فن انفرد به أهل السنة من بين الأمم.

مؤسسة الإدارة

بعد اتساع الفتوحات الإسلامية في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وتدفق الأموال من الفتوحات، واجهت الدولة أزمة إدارية في عملية توزيع الغنائم، فأقدمت على اقتباس هياكل إدارية (الدواوين) من مدنيات البلدان المفتوحة. وهي جهاز إداري مسؤول عن تنفيذ أعمال الدولة الإدارية والمالية والعسكرية، وتعد المؤسسة الإدارية التي أرسى دعائمها عمر -رضي الله عنه- النواة الأساسية لكيان الأمة الإسلامية الاجتماعي والسياسي، وأولى صور الإدارة الجديدة. ووضعت الدولة قدمها على طريق نظم الإدارة والأرشفة، وبلغ هذا النظام ذروته في مؤسسة الأرشيف في الدولة العثمانية.

باتساع رقعة الدولة ودخول الشعوب غير العربية في الإسلام واختلاطهم بالعرب، ظهر خطر اللحن في اللغة العربية وتراجعت مقدرة المسلمين على فهم النصوص الشرعية بشكل دقيق، فتم وضع علم النحو لحماية اللغة العربية، باعتباره مادة للإسلام.

مؤسسة الأحكام الشرعية

مع ازدياد التباعد الزمني في القرن الثالث الهجري بين الدولة وبين حقبة “عمل أهل المدينة” التي هي مصدر الفقه الذي على شاكلة الهدي النبوي، ابتكر المؤسسون فنا (أصول الفقه) مهمته استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الصحيحة -القرآن والسنة- في العصور اللاحقة، لتكون بمواصفات المدينة المنورة بعدما كان الصحابة يأخذون الأحكام مباشرة من الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثم أخذها التابعون مباشرة منهم. وبهذا الفن، يتمكن الفقيه من العودة بالحكم الشرعي (الذي مصدره الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو الصحابة) إلى عناصره الأولية وإعادة إنتاجه في زمن مختلف وتحت ظروف مستجدة، وهذا الفن هو الذي تنبه إليه إنسان القرن العشرين ويعرف “بالهندسة العكسية” حيث يتمكن مهندس صيني -على سبيل المثال- بواسطته من تفكيك جهاز ألماني الصنع وإعادة إنتاجه بمواصفات مطابقة للأصل. وعلم أصول الفقه هو المسؤول عن الانسجام في الأحكام الفقهية عند أهل السنة على مر العصور.

مؤسسة حماية العربية

باتساع رقعة الدولة ودخول الشعوب غير العربية في الإسلام واختلاطهم بالعرب، ظهر خطر اللحن في اللغة العربية وتراجعت مقدرة المسلمين على فهم النصوص الشرعية بشكل دقيق، فتم وضع علم النحو لحماية اللغة العربية، باعتباره مادة للإسلام.

مؤسسة المجتمع المدني

في القرن الرابع الهجري وجدت الدولة نفسها تحت سيطرة المليشيات (الشيعية البويهية التي احتلت بغداد) وعاجزة عن حسم صراع فلسفي وعقدي تديره المليشيات مقابل مؤسسات (وزارات) الدولة. كانت الدلائل تشير إلى أن مؤسسة الحكم في الأعلى تفقد آلية الاتصال والتأثير على الشارع في الأسفل. جاء الحل ابتداعا إدارياً يعيد تشكيل المجتمع باستحداث شريحة اجتماعية تكون آصرة بين مؤسسة الحكم وبين الشارع؛ فتم تأسيس المدارس النظامية وهي مؤسسات تربوية مستقلة عن النظام السياسي تتكون من العلماء وطلبة العلم، الذين وفرت لهم المنح الدراسية وشكلوا حالة علمية جماهيرية استعادت الشارع. ما فعلته المدارس النظامية كان أول صورة لمنظمات المجتمع المدني (NGO) في تاريخ البشرية، التي حسمت أركان معركة استعادة سيادة الدولة وهي: إيجاد آصرة بين مؤسسة الحكم والشعب، وتصويب البوصلة الثقافية للشارع، وتعبئته لعملية الإصلاح. وهذه الأركان الثلاثة هي أعمدة استقرار الدول، أما النتيجة اللاحقة فيعزى للمدارس النظامية التعافي الثقافي والسياسي للأمة وإيجاد جيل العلماء والقادة الذي حرر بيت المقدس من الصليبيين. وللمدارس النظامية، جانب أساسي وإبداعي آخر هو طلب التدخل الخارجي من خارج الخريطة السياسية للدولة (ولكن من داخل الخريطة الحضارية) عندما وجه الخليفة العباسي العربي دعوة إلى السلطان السلجوقي التركي لدخول بغداد العربية “للتدخل ونشر العدل وإصلاح الرعية” ووقع القِران السياسي والثقافي العربي-التركي، وكانت تلك من أخصب الفترات الثقافية التي أدت إلى الإحياء الاجتماعي في الدولة الإسلامية.

شكلت المؤسسات القشرة الخارجية (الصلبة) الحامية لباطن الدولة الحساس -أنظمة المجتمع والقضاء والثقافة- مثلما يحمي الدرع الفولاذي للساعة اليدوية أجزاءها الدقيقة من الصدمات، وتميزت حقبة التأسيس بالنظرة الاستشرافية واليقظة، وهما من شروط النجاح لأي مشروع.

 تكوين شخصية أهل السنة

ابتدأت حقبة التأسيس في الخلافة الراشدة وامتدت على مدى الخلافة الأموية وجزء من الخلافة العباسية، وبلغت أوجها في أواسط القرن الثالث الهجري. شهدت المراحل الثلاث -بشكل عام- تماهي المدرسة الفقهية والفكرية لأهل السنة مع نظامهم السياسي الذي أوجدته ثم كانت في حمايته، ووثبت أجواء التماهي بأهل السنة من مرحلة الأقلية والحذر والتأهب والهجرة -إلى أرض الحبشة- في العصر المكي إلى مرحلة التمكن والاستقرار السياسي في المدينة المنورة، ثم دمشق وبغداد التي دانت لهم فيها شعوب الأرض ونطقت بلسانهم وتتلمذت في معاهدهم.

تكونت خلال الوثبة النفسية مقومات “شخصية الأغلبية” عند أهل السنة التي التصقت بشخصيتهم وصاغت سلوكها وعاش في ظلها غير المسلمين ووجدوا فيها حيزا مشتركا من المفاهيم المدنية مما جعل مجتمع أهل السنة بوتقة اجتماعية، وليس مستغربا أن مفهوم “المواطنة” المعاصر هو بضاعة سنية ولدت في المجتمع (العثماني) باعتراف الغربيين من خلال “نظام مللي” واستفادت أوربا المعاصرة منه في بناء مجتمعاتها متعددة الثقافات.

المتوالية الاجتماعية التالية تختصر الشخصية السنية: لكي يقبل الجميع بحكمك فإنك ينبغي أن تكون متسامحا، ولكي تكون متسامحا يقتضي أن تكون واثقا، ولكي تكون واثقا يقتضي أن تكون الأكثر اتباعا، ولكي تكون الأكثر اتباعا يقتضي أن تكون صوابا، والصواب -في المجتمع المسلم- يقتضي أن تكون سنيا.

علاقة عكسية

من جهة ثانية، أوجدت حقبة التمكن والاستقرار الأجواء التقليدية التي تتآكل فيها مقومات شخصية الأغلبية، والتي تنتقل فيها إلى شخصية اتكالية فردية -داء اجتماعي تمر فيه الأمم وقد دخلته أوربا اليوم- وبدخول الدولة الإسلامية قرنها الرابع كان الفتور قد نال روح التنافس واليقظة فيها، وركنت إلى خصومها في حل مشاكلها وانزاحت عنها أجواء “خلية النحل” ودخل أهل السنة شخصية الاتكال الفردي والجماعي على الدولة -المتراجعة أصلا- وانعكست الاتكالية على أدائهم المدني والحضاري، ويعزى إلى الشخصية الاتكالية طول فترات الانحطاط في مجتمعات أهل السنة، مقارنةً مع غيرهم من الأمم والسبب أن حضارتهم من إنتاج المجتمع المدني وليست من إنتاج الأنظمة السياسية ولم تمنع فترات الانحطاط السياسي المجتمع من إنتاج العلم والعلماء.

مكمن النجاح الإستراتيجي الذي حققته الدولة الإسلامية في مراحلها المبكرة كان في إدارة التناقض التكويني بين استرخاء يحدثه مجتمع الأغلبية وبين تأهب مستدام يقتضيه أمن الدولة، وهذه المعادلة هي أساس نظرية الأمن القومي للدولة المعاصرة المتقدمة، التي تبقي المجتمع تحت حراسة أمنية صارمة دون تعكير لصفو الحياة المدنية.

إستراتيجية ناجحة لكنها خاضعة للمراجعة

السمة الأخرى لشخصية أهل السنة قادمة من طبيعة التكوين الفكري للأغلبية وهي الاعتناء بالأصول، وفي حالة الإسلام، يتمثل في علاقة الإنسان بخالقه وأسباب وجوده -عبادة الخالق ومراقبة قوانينه- {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}، وكل من العبادة والقوانين تقتضي وجود نظام سياسي يحمي الرسالة ويوسع رقعتها ويذود عنها، أي أن النظام السياسي هو خادم للأصل.

على هذا الأساس وضع أهل السنة إستراتيجيتهم، وانصب اهتمام مؤسساتهم على أصل الرسالة؛ وهي الحالة الطبيعية عند الأمم زمن الاستقرار حيث تتضخم المؤسسات العلمية وتضمر المؤسسات الأمنية، لكنها إستراتيجية خاضعة للتغيير ساعة الطوارئ وهذه عكس إستراتيجية الأقليات فأصل التشيّع -على سبيل المثال- هو لافتة سياسية غايتها تقويض الدولة، أُلحق بها -على عجالة- نظام عقدي وآخر فقهي يجعلانها تلتصق بحياة الإنسان الشيعي البسيط، وتمتزج فيها السياسة بطقوس الثأر العقدي من المجتمع، أي أن المعارضة السياسية هي الأصل والمعتقد خادم لها، لذا تبقى إستراتيجية الأقليات متأججة، وفي تعبئة دائمة لتقويض الدولة لحظة سنوح الفرصة.

وعاء مزدوج

مكمن النجاح الإستراتيجي الذي حققته الدولة الإسلامية في مراحلها المبكرة كان في إدارة التناقض التكويني بين استرخاء يحدثه مجتمع الأغلبية وبين تأهب مستدام يقتضيه أمن الدولة، وهذه المعادلة هي أساس نظرية الأمن القومي للدولة المعاصرة المتقدمة، التي تبقي المجتمع تحت حراسة أمنية صارمة دون تعكير لصفو الحياة المدنية. عند زوال الدولة الإسلامية بالكامل ارتدت مهامها السياسية -المتعددة والمعقدة- دفعة واحدة على المؤسسة الدينية -المتخصصة بالأصول- مما أوجد اختلالاً في معادلة الحكم، وكشف ضعفا في الفقه السياسي -التطبيقي- عند فقهاء أهل السنة بعد أن كان التماهي بين مؤسستي الفقه والحكم يسد مسد ذلك.

ما بعد زوال الدولة

الزلزال الاجتماعي والأمني، الذي نجم عن انهيار الدولة في المجتمعات الإسلامية في القرن الحادي والعشرين، كما في العراق وسوريا ولبنان واليمن، كانت قد أخرته الدولة القومية التي أنشئت بعد انهيار الدولة الإسلامية في صورتها الأخيرة (العثمانية). مثلت الدولة القومية مرحلة انتقالية، وبانهيارها انفتح الطريق أمام المليشيات للسيطرة على الدولة وعلى المجتمع، في هذا الزلزال دخلت الشخصية السنية مرحلة الخمول، والسبب أنها والدولة تشكلان سبيكة فاعلة ثنائية المعدن؛ وأن انفصام السبيكة لا يؤدي إلى توزيع خصائصها الفاعلة على المعدنين بالتساوي وإنما عودة كل منهما إلى حالته الأولية الخاملة.

مسار فريد

المسار الذي سلكه المؤسسون الأوائل والشخصية الوسطية التي تسربلوا بها وتسربل بها نظامهم السياسي هي شروط يتطلبها بناء المجتمع المدني والدولة، وليس من المصادفة أن هذه الشخصية أَخرَجت -رغماً عن نظريات الاجتماع- من عقم الفسيفسائيات العرقية حضارةً متعددة الأعراق، هي على الجملة من أعظم ما قام على وجه الأرض، وأخرجت كذلك من الهشاشة الاجتماعية لمجتمع الأقليات سبيكةً متماسكةً فاعلةً، وإن الجمع بين التقدم العلمي والتماسك السياسي واليقظة الأمنية (الخلطة الاستراتيجية التي حققتها الدولة الإسلامية المبكرة) هو خلاصة ما توصلت إليه أمم الأرض في زمننا المعاصر، ويتم تنفيذ هذه الخلطة بصيغ مختلفة بدءا برصد الهوية الفكرية للمواطن بالطرق الذكية وانتهاء برصد هواياته العامة وحفظها بتقنيات رقمية ورصد أماكن وجوده.

تعطل الابتكار

رغم التغيير العميق الذي أصاب تكوين الدولة والمجتمع معا، ورغم تطور أساليب التحدي لدى الخصوم، فإن المؤسسات التي أنشأها المؤسسون الأوائل لحماية الدولة تقع -في الجامعات والمعاهد اليوم- خارج إطار المحفزات الحيوية التي كانت سبب وجودها، هذه المؤسسات لا تمثل للشاب المسلم اليوم -الذي يمكن أن يكون طبيبا أو مهندسا أو طالبا في كلية الشريعة- أكثر من وسيلة قربى إلى الله (وهي كذلك) يتبحر في فنونها ولكن خارج قوالبها الفكرية وخارج قاعدة “الحاجة أم الاختراع” التي كانت تلك المؤسسات تجسيدا لها. إقلاع الدولة في البداية لم يكن عملية سهلة ولن تكون اليوم.

ليس بمقدور أهل السنة العيش بأجندات غيرهم، فدولتهم لا تنفصل عن مسؤوليتين؛ أما الأولى فهي النظام الذي يحمي بيضتهم، والأخرى أنهم الوعاء الذي يحمي الفسيفساء العرقية والدينية والمذهبية، وفي سلامة الوعاء تكمن عافية الجميع وفي انكساره ينتكس الجميع، ومسؤولية ثالثة أن يمسكوا بملفات الحضارة وينفردوا بمقدرة إدارة حوار حضارات حقيقي مع الأمم الأخرى وخدمة استقرار عالمي ينتفع منه الجميع.

الطريقة التي ينظر بها أهل السنة إلى أنفسهم اليوم لها علاقة بغياب النبض ووازع الابتكار عندهم. الأمم تدرس “أهل السنة” في سياق نظريات اجتماعية وباعتبارها لاعبا دوليا قادرا على تأسيس حضارات ومدنيات خارج رقعته الجغرافية دون محو الثقافات المحلية؛ فهم ظاهرة حضارية تنتفع منها البشرية جمعاء ولا تخص المسلمين فحسب؛ لذا يبقى أهل السنة ندا حضاريا أمميا، غير أن أغلبية أهل السنة اليوم -من واقع المناهج التربوية والثقافة الوطنية- ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم أصحاب مذهب فقهي من بين المذاهب ليس إلا، ويرضون الدخول تحت أسقف فكرية منخفضة  للآخرين ظنا منهم أنهم بذلك سيوجدون حلولا مشتركة، وحقيقة الأمر هي أنهم يضعون أدواتهم الحضارية -التي أدخلتهم نادي الحضارات- خارج وعائها الحقيقي، ويعطلونها فيخسرون ويخسر الذين يعيشون معهم في واحتهم الاجتماعية والذين أدركوا اليوم شكل الحياة خارج هذه الواحة.

وجود الدولة في القرن الأول الهجري حال دون تحول الانحراف العقدي -الخوارج- إلى مليشيات منفلتة، واستحداث المجتمع المدني في القرن الرابع الهجري استعاد الدولة من قبضة المليشيات المنفلتة. ففي البداية، انتفضت الدولة لمواجهة خصم منحرف لكنه صدوق (الخوارج) واليوم يهددها خصم منحرف وكذوب (الصفويون الجدد). المعركة يفترض أن تكون أسهل ومعادلتها لم تتغير: الدولة مقابل المليشيات، لكن الابتكار مفقود.

* تحدي الخوارج في تكفير فاعل الكبيرة والانطلاق منه إلى تغيير النظام السياسي.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.