التطورات الجديدة بسد النهضة الاثيوبى

– من الواضح أن فترة التهدئة بين عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، قد انتهت، على وقع النجاح الذي حققه أحمد في الساحة السودانية من خلال رعاية اتفاق إصدار الوثيقة الدستورية وتشكيل المجلس السيادي، الذي ظلّت مصر تعرقله طويلاً لصالح استمرار المجلس العسكري في إدارة شؤون السودان لفترة أطول، قبل أن تلتحق متأخرة بتلك الجهود التوفيقية في الأشواط الأخيرة لحفظ ماء الوجه والتأكيد على موقعها كرئيس للاتحاد الأفريقي، والذي أثبتت الأزمة السودانية هشاشته في مقابل الدور الكبير الذي اضطلعت به دولة المقر، إثيوبيا، في التقريب بين المجلس العسكري والمعارضة.

– هذه الحساسيات التي ضربت بجذورها في العلاقة بين السيسي وآبي أحمد، تحوّلت مع مرور الأسابيع الماضية إلى حالة من الندية، عززها أكثر غياب السيسي لأسباب أمنية عن حضور مراسم توقيع الاتفاق النهائي للإعلان الدستوري في السودان وإنابته شخصية غير معروفة تقريباً للأوساط الأفريقية هو رئيس وزرائه المغمور مصطفى مدبولي، في مقابل الحضور الطاغي لآبي أحمد والاحتفاء الكبير به من السودانيين وقادة أفريقيا وممثلي المنظمات الدولية الحاضرين والتصفيق المستمر له تحية على جهوده في تسوية الأزمة .

مكانة إثيوبيا

– تتمتع إثيوبيا بثقلٍ كبير في القارة الأفريقية، وتربطها علاقات مشتركة ووثيقة مع غالبية القوى الأفريقية الأبرز على الساحة في القارة السمراء، وهو النفوذ الذي لم تستطع القاهرة اختراقه على الرغم من التوجهات في الوقت الراهن بالانفتاح بشكل أوسع على أفريقيا”.

فائدة السد للدولة الاثيوبية

– يقع السد على النيل الأزرق الذي يمد مصر بـ85% من احتياجاتها المائية، ويعد الأكبر في أفريقيا والعاشر على مستوى العالم في توليد الطاقة الكهربائية التي تقدر بستة آلاف ميغاوات سنويا، وهو ما يعادل قرابة 12 مرة قدرة إثيوبيا على توليد الكهرباء عام 2009.

– من المتوقع أن يدر السد على إثيوبيا عائدات كبيرة في ظل احتياج دول المنطقة للطاقة الكهربائية النظيفة والرخيصة في آن واحد، لذا فإنها قامت بالتوقيع على اتفاقيات مع دول الجوار ومنها جيبوتي وكينيا ورواندا والسودان وتنزانيا، كما تأمل في تصديره لمصر عبر السودان، ولليمن عبر جيبوتي، ولجنوب أفريقيا عبر تنزانيا، وقد شارك البنك الدولي في إقامة شبكات الربط الكهربائي بين إثيوبيا وجيرانها.

– ورغم أن فكرة السد ليست جديدة حيث تعود لعام 1958 عندما طلبت إثيوبيا من أحد المكاتب الأمريكية وضع خارطة لمجموعة من السدود بهدف توليد الطاقة الكهربائية، فإن توقيت تدشينه الفعلي ارتبط -ليس من قبيل المصادفة- بأحداث الثورة المصرية عام 2011، حيث كانت فكرة السد -وقبلها موضوع مياه النيل والاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل المعروفة باسم اتفاق عنتيبي (2010)- بمثابة نقاط خلاف بين الجانبين، بل سبق وأن هدد كل من الرئيسين أنور السادات ومحمد حسني مبارك بشن ضربات عسكرية إذا أقدمت إثيوبيا على التأثير على حصة مصر من مياه النيل التي تقدر بـ55.5 مليار متر مكعب سنويا وفق اتفاقية 1959.

– اتساع حجم بحيرة السد وتضاعفها خمس مرات أثارت شكوكا بوجود مآرب أخرى ومنها الزراعة التي تشكل قرابة نصف الناتج المحلي لإثيوبيا

– على الرغم من أن السد مخصص لتوليد الكهرباء؛ وهو ما يعني عدم حجز المياه إلا في مرحلة الملء الأولى فقط، فإن اتساع حجم بحيرته وتضاعفها خمس مرات أثارت شكوكا بوجود مآرب أخرى ومنها الزراعة التي تشكل قرابة نصف الناتج المحلي لإثيوبيا، ويعمل بها حوالي 85% من القوى العاملة، وتشكل 90% من عائدات التصدير. لكنها تقوم بالأساس على مياه الأمطار بنسبة 96%، مقابل 4% من مياه الري. ونظرا لانخفاض إنتاجية الري المطري، هناك اتجاه للتوسع في الزراعة عبر الأنهار وزيادة الأراضي المزروعة وفق هذا النمط إلى خمسة ملايين فدان .

– السياحة لها نصيب أيضا من السد، فبحسب مدير المشروع الراحل المهندس سمنياو بكلي، فإنه سيتم الاستفادة من موقعه في تنمية المنطقة سياحياً عبر بناء منتجعات سياحية حول البحيرة لجعلها إحدى الوجهات السياحية العالمية، كما أن توفير المياه من خلال انسيابها إلى باطن الأرض سيوفر مخزوناً كبيراً من المياه الجوفية .

– يقع السد على النيل الأزرق الذي يمد مصر بـ85% من احتياجاتها المائية، ويعد الأكبر في أفريقيا والعاشر على مستوى العالم في توليد الطاقة الكهربائية

اعتذار وزير الخارجية الإثيوبي عن حضور الاجتماع التشاوري في القاهرة

– بدأ، صباح أمس الأحد في أحد فنادق القاهرة، اجتماع ثلاثي يضم وزراء المياه والري بمصر وإثيوبيا والسودان لمناقشة مستجدات قضية سد النهضة.

– وتم تغيير صيغة الاجتماع باستبعاد حضور وزراء الخارجية بالدول الثلاث، وذلك بعدما اعتذر وزير الخارجية الإثيوبي عن الحضور، رغم سابقة تنسيق وزير الخارجية المصري سامح شكري مع نظيرته السودانية أسماء عبدالله للحضور.

دلالة غياب وزير خارجية إثيوبيا عن محادثات سد النهضة

– تلقّى النظام المصري صفعةً أفريقية في ملف سدّ النهضة الإثيوبي، بعد رفض دول تمثّل ثِقلاً في الاتحاد الأفريقي، تبنّي المخاوف المصرية بشأن السدّ، وانحيازها إلى الموقف الإثيوبي.

– إثيوبيا فرضت واقعا على أرض سد النهضة لا يمكن لأي مفاوضات أن تغير منه شيئا، فمناسيب  فتحات التوربينات هي التي تحدد كيف يجب أن يكون التخزين؛ حيث يجبر الحكومة الإثيوبية على ملء بحيرة السد لمنسوب أعلى من منسوب 590 فوق سطح البحر بقرابة 20 مترا على الأقل، لضمان تشغيل التوربينات الموجودة في المنسوب المنخفض وتمكينها من توليد الطاقة .

– التفريط في مياه النيل يأتي ضمن سلسلة من التفريط  في الحقوق المصرية من أراض ومياه وثروات وغاز وبترول، التي يتنازل عنها السيسي منذ  سيطرته بالقوه على حكم البلاد، ويدفع الشعب الثمن غاليا من قوته وثرواته .

أضرار مشروع سد النهضة على مصر

– إن تعمد إثيوبيا إخفاء المعلومات الأولية عن السد، فضلا عن قرارها توسيع مساحة تخزين المياه به إلى خمسة أضعاف تقريبا من 14 مليار متر مكعب إلى 74 مليار متر مكعب؛ أثار مخاوف الجانب المصري، وهو ما يعني التأثير بصورة مباشرة على المياه الواردة إليها في فترة الملء الأولى للبحيرة.

-ونظرا إلى أن السودان ليست لديه مشكلة مائية، فضلا عن وجود موارد مائية أخرى، فإن المشكلة الأكبر ستكون لدى مصر، حيث يشكل نهر النيل 95% من مواردها المائية بالنظر لشح الأمطار وندرة المياه الجوفية، كما أنها منذ الألفية الثالثة دخلت خط الفقر المائي الذي يُقدر عالميا بألف متر مكعب للفرد سنويا، والسبب في ذلك تضاعف عدد السكان خمس مرات تقريبا منذ توقيع هذه الاتفاقيات مع ثبات حصتها المائية.

– إن أحد أهم المشكلات المائية التي لم تُحسم في جولات التفاوض الثلاثية التي قاربت العشرين بين مصر والسودان وإثيوبيا؛ هي تلك المتعلقة بمدة فترة الملء الأول للخزان التي ستُقتطع من حصة مصر والسودان بواقع 75% و25% على التوالي، فتقول إثيوبيا إنها يمكن أن تملأه في ثلاث أو ست سنوات كحد أقصى، في حين ترغب مصر في إطالة عملية التخزين إلى 10 أو 15 سنة.

– وإذا ما قررت إثيوبيا الملء في ثلاث سنوات فقط لتخزين 74 مليار متر مكعب، فإن هذا يعني أن حجم التخزين السنوي سيكون قرابة 25 مليار متر مكعب. وبما أن حصة مصر من مياه النيل وفق اتفاقية 1959 مع السودان تبلغ ثلاثة أضعاف حصة السودان المقدرة بـ18.5 مليار متر مكعب سنويا، فمعنى ذلك أن حصة مصر ستقل بمقدار 18.5 مليار متر مكعب سنويا على مدار ثلاث سنوات، ويمكن لهذا الخصم أن يصل لتسعة مليارات سنويا إذا ما قررت إثيوبيا ملء الخزان في ست سنوات.

– ويبقى السؤال عن كيفية تعويض مصر هذه الحصة في ظل غياب البدائل، فضلا عن كونها أكثر كلفة مثل مشروع تحلية مياه البحر، أو معالجة مياه الصرف الصحي الذي تحدث عنه السيسي في يناير/كانون الثاني 2018 وأشار إلى أن كلفته تزيد عن 60 مليار جنيه، وأن الأزمة القائمة مع إثيوبيا لن تصيبنا بالعجز في إيجاد بدائل لمصادر المياه، كما أنه لن يسمح بوجود مشكلة مياه في مصر، مضيفا ”لا بد من تأمين الجميع بالمياه“ .

فشل الوساطة الإسرائيلية

– لم تشهد مفاوضات سد النهضة أي نتائج ملموسة فيما يتعلق بفترة الملء، أو المشاركة المصرية في عملية السد، وذلك رغم التصريحات الدبلوماسية الناعمة لرئيس الوزراء الجديد أبيي أحمد، وهو ما جعل المفاوض المصري يبحث عن بدائل غير تقليدية للوساطة، ربما كشف عنها مراسل الشؤون العربية بصحيفة مكور ريشون العبرية آساف غيبور في تقرير لها ، بأن مصر ”توجهت بطلب للحصول على مساعدة إسرائيل للحفاظ على ضخ مياه نهر النيل من خلال إقناع أصدقائها في إثيوبيا لإقامة نقاش إضافي في موضوع سد النهضة لأنه قد يستقطع بعضا من مياه نهر النيل“، وهو ما أكدته أيضا مصادر دبلوماسية في 26 أبريل/نيسان 2017.

–  يذكر أن أديس أبابا دشنت أخيراً منظومة دفاع جوي بتكنولوجيا إسرائيلية لتأمين السد، على الرغم من الاحتجاج المصري لدى تل أبيب لمنع تسليم تلك المنظومة لإثيوبيا. – ويبقى التساؤل هل سيعلن سامح شكري الاثنين فشل تلك الجولة من المفاوضات لتدخل الدولة المصرية بشكل علني واضح في حلقة صراع سياسي مائي وجودي ضد إثيوبيا؛ مما يتطلب عليها إلغاء التوقيع على اتفاقية مبادئ سد النهضة، ومن ثم التجهيز لخيارات أخرى قد يكون أحدها الخيار العسكري؟.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.