العلاقات الأردنية- الإسرائيلية.. ربع قرن من التوتر!

نهاد أبوغوش || مركز مدار

التزمت إسرائيل الرسمية الحذر تجاه أحداث الأسبوع الماضي في الأردن، أي ما عرف بـ “قضية الأمير حمزة”، لكن وزير الدفاع بيني غانتس، ومن موقعه الجديد بعد الانتخابات، إذ بات محسوبا على صفوف معارضي بنيامين نتنياهو، وبعد أن كرر العبارات الدبلوماسية المعهودة أن ما يجري في الأردن هو شأن داخلي، وجدها فرصة للغمز من قناة رئيس الحكومة بالقول إن من واجب رئاسة الحكومة تقديم المساعدات لهذا البلد الذي يمر بأزمات صحية واقتصادية.

ومع انتشار تلميحات وتسريبات أردنية عن ضلوع شخصيات أجنبية، وإسرائيلية تحديدا، في التدخل في الأحداث، اهتم الإعلام الإسرائيلي بما يجري في الأردن، وبطريقة تختلط فيها مشاعر الشماتة والتشفي بما جرى، بتحليلات لا تنظر للأردن إلا كدولة ضعيفة بحاجة إلى مساعدة الآخرين، وبالتحديد إلى مساعدة دول الخليج العربية ماليا واقتصاديا، ومساعدة إسرائيل أمنيا وعسكريا.

المصادر الأردنية ذكرت أن عناصر محيطة بالأمير كانت على اتصال بجهات أمنية خارجية، وهو ما فسرته مصادر صحافية أردنية لاحقا باتصال ضابط سابق في جهاز الموساد، بزوجة الأمير وعرضه عليها طائرة لنقلها إلى أي مكان تريده. المصادر الإسرائيلية أعادت نشر الخبر كما ورد من الأردن، فبادر الشخص المذكور واسمه روعي شبوشنيك، إلى الإيضاح بأنه رجل أعمال ولم يكن يوما ضابطا في الموساد، في حين ذكر موقع “واللا” العبري بأن المذكور كان مستشارا لرئيس الحكومة السابق إيهود أولمرت لشؤون النقب والجليل، وقد أقر شبوشنيك بحسب موقع i24news بصداقته مع الأمير حمزة وحديث الأخير عما يتعرض له، وكي يزيد هذا الإسرائيلي الطين بلة، أضاف في استخفاف بطبيعة الدولة الأردنية، أنه فعلا عرض طائرة لنقل زوجة الأمير!

المطلوب أردن ضعيف وهش

ظل الإسرائيليون وحدهم يكررون الحديث عن محاولة الانقلاب، بينما الرواية الأردنية التي تدعمها روايات شخصيات أردنية معارضة، تشير إلى مجرد اتصالات خارج نطاق البروتوكول وأعراف الأسرة الملكية، ومقاطعة الأمير للاحتفالات الرسمية الأردنية (شهادة النائب والوزير الأردني السابق بسام حدادين على موقع تنوير الأردن)، فالمعلق الإسرائيلي للقناة 12 إيهود يعري، المعروف بقربه من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وصف ما جرى في الأردن بأنه محاولة انقلاب فاشلة، وقال في حديث لإذاعة103 FM نقلته صحيفة “معاريف” إن “التوتر في العائلة المالكة الأردنية ليس جديدا، لأن الملك عبد الله عزل أخاه حمزة عن ولاية العهد، ويحظى الأمير حمزة بشعبية كبيرة لدى الجمهور والجيش، وعلى النقيض منه لا يحظى ولي العهد الأمير حسين بأية شعبية”.

يعكس حديث يعري وبعض المحللين الإسرائيليين عن الأوضاع الداخلية الأردنية، نوعا من التفكير الرغبي لدى الإسرائيليين والذي لا يريد أن يرى الأردن إلا بلداً ضعيفاً وهشاً إلى الدرجة التي تبقيه في حاجة دائمة إلى الدعم الإسرائيلي، وهو تفكير لا يبتعد السياسيون الإسرائيليون كثيرا عنه حين يريدون للعلاقات الأردنية-الإسرائيلية أن تبقى متينة ومتطورة، في الوقت الذي يريدون للأردن أن يتحمل نتائج السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وخاصة مخطط الضم الذي يمكن أن يتسبب بموجات من هجرة الفلسطينيين للأردن وأن تعصف هذه الموجات بالتركيبة السكانية للأردن.

السفير الإسرائيلي السابق في عمّان عوديد عيران، وهو الباحث الآن في معهد دراسات الأمن القومي، يبدو أكثر تحفظا من يعري في أحكامه، لكنه لا يختلف معه كثيرا من حيث الجوهر، فيتحدث عن محاولة انقلاب، وبأن للأمير علاقات قوية بالعشائر، ولا يستبعد أن الملك يبذل محاولات يائسة حسب قوله، لإثبات مكانته كحاكم وحيد في الأردن.

أصابع إسرائيلية تعبث

تقول سمدار بيري في تقريرها لـ “يديعوت أحرونوت” بتاريخ الرابع من نيسان الجاري، إنها تلقت معلومات خاصة عن ضلوع السعودية وإمارة خليجية بمحاولة الانقلاب الفاشلة، وهي تعزز ما تسرب في عمان عن “أصابع إسرائيلية” في الموضوع، فتقول “يتبين الآن أيضا بما لا يرتقي إليه الشك بأن نتنياهو كان يعرف غير قليل عما يشغل بال الملك عبد الله في الأسابيع الأخيرة ولماذا كان مهما له أن يمنع رحلة رئيس حكومة إسرائيل الجوية إلى الخليج”. وتضيف أن الأردن “يشتبه بنتنياهو الذي كان يسره جدا أن يتخلص من عبد الله، وأن يرى مكانه حاكما أردنيا آخر”.

ويبدو أن الإسرائيليين الذين اعتمدوا سياسات تحاول الإذلال المتعمد للفلسطينيين الخاضعين للاحتلال في كافة تفاصيل حياتهم، افترضوا أن مثل هذه السياسات والذرائع المرافقة لها يمكن تطبيقها على أي مسؤول عربي، فوضعوا قيودا أمنية على زيارة موكب ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبد الله التي كانت مقررة للمسجد الأقصى، بفرض الحراسة الأمنية الإسرائيلية، وبالمحصلة ألغى الأمير زيارته على الفور. وقد فهم الإسرائيليون الرسالة الأردنية بوضوح، فقد أورد إيتمار آيخنر، المراسل السياسي لموقع “واينت”، غداة الحادثة، بأن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن الأردن اعتبر شروط إسرائيل، والترتيبات الأمنية لزيارة ولي العهد للقدس والمسجد الأقصى، مساسا صارخا بمكانة المسجد، وإخلالا بمعاهدة وادي عربة التي تقر بالوصاية الأردنية على المقدسات.

الأردن يرد سريعا

جاء الرد الأردني سريعا بتعطيل زيارة بنيامين نتنياهو لدولة الإمارات العربية المتحدة، وعدم السماح لطائرته بالمرور عبر الأجواء الأردنية، وقد عادت طائرة إماراتية خاصة أدراجها إلى الإمارات من دون الزائر المهم الذي كان يعوّل على زيارته هذه في أن تسجل له مزيدا من الإنجازات، وأن تكسبه مزيدا من الشعبية قبل أيام قليلة وحاسمة من الانتخابات العامة، فموقع “واللا” العبري وضع عنوانا عريضا لنشرته يوم 11 آذار يفيد بأن نتنياهو يبحث عن المقعد 61 في الإمارات العربية المتحدة. ونشرت صحيفة “يسرائيل هيوم” مقالا لأريئيل كهانا بعنوان “عهد جديد في الخليج” تحدث فيه عن آفاق التعاون الشامل في المجالات كافة الذي سينتعش بعد هذه الزيارة المهمة جدا.

وواصل الوزير بيني غانتس انتقاد نتنياهو الذي أدى سلوكه في السنوات الأخيرة إلى المساس بالعلاقات مع الأردن، البلد الذي يشكل السلام معه ذخرا سياسيا واقتصاديا وأمنيا كبيرا بحسب غانتس. وقد ألمح نائب رئيس الوزراء الأردني أيمن الصفدي إلى سبب إلغاء زيارة ولي العهد، مظهرا أن الأمر لا يقتصر على ترتيبات عابرة، بل يتعداها إلى “أعمال وممارسات تمس بالسلام، مثل بناء مستوطنات جديدة أو المسّ بالمواقع المقدسة في القدس. وكل هذه خطوات تبعد السلام”.

وربط نداف شرغاي في مقاله في “يسرائيل هيوم” بتاريخ 12/3/2021 ما أحاط بزيارة ولي العهد الأردني الملغاة للحرم، بالتنافس بين السعودية والأردن في الوصاية على المسجد الأقصى، وكذلك بسعي إسرائيل للحد من النفوذ التركي في المسجد الأقصى، وهو يدرك الأهمية التي يكتسبها هذا الأمر بالنسبة لدولة مثل الأردن، يؤسس الحكم الهاشمي فيها شرعيته على هذه المسؤولية الدينية، ليخلص إلى أن الأردن ما زال هو الشريك المفضل لدى إسرائيل، إلى أن تبرز معطيات جديدة، ويكرر ما يراه غيره من المعلقين الإسرائيليين بأن الأردن يحتاج إلى إسرائيل أكثر مما تحتاج إسرائيل إليه.

ولم تكن أحداث الشهرين الأخيرين إلا تفاصيل جزئية في مسلسل طويل من التوترات والانتقادات والمواجهات السياسية في المحافل الدولية، ولكن ما يميز هذه الأحداث أنها مسّت أهم رموز السيادة الأردنية وهو الملك، كما أنها طاولت البعد الديني والرمزي لوصاية الأردن على المقدسات.

ربع قرن من التوتر

ظلت العلاقات الأردنية- الإسرائيلية مشحونة بالتوترات والقلاقل على امتداد أكثر من ربع قرن، أي منذ توقيع معاهدة السلام الأردنية- الإسرائيلية المعروفة بمعاهدة وادي عربة في 26 تشرين الأول 1994. ويمكن وصف هذه العلاقات بأنها أقرب إلى فصل طويل من السلام البارد والجمود الرسمي والشعبي، ووصلت في عدة مناسبات إلى الحضيض، وإلى درجة سحب السفراء مع الاكتفاء بالحد الأدنى من الاتصالات السياسية والأمنية.

فبعد أن أطلقت اتفاقية وادي عربة آمالا عريضة عن ثمار السلام الوفيرة التي يمكن أن تفضي لها الاتفاقية، وعن التعاون المشترك في شتى المجالات، ودور أردني مقرّ ومرحّب به في إيجاد تسوية سلمية مقبولة للقضية الفلسطينية، فإن هذه الآمال سرعان ما انتكست بفعل الخروقات الإسرائيلية المتكررة، سواء لجهة نكث العهود مع الأردن، أو لجهة انتهاك سيادته غير مرة، وكان أبرزها محاولة جهاز الموساد الإسرائيلي اغتيال القيادي في حركة حماس خالد مشعل في العام 1997، وهي المحاولة التي انتهت بفشل ذريع وبالقبض على منفذّيها، ثم التدخل الشخصي للعاهل الأردني الراحل الملك حسين للإفراج عن مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين ومبادلته بعميلي الموساد.

الموقف الشعبي الأردني لم يكن متحمسا للسلام مع إسرائيل، فقد ظل موقف النقابات المهنية والعمالية والهيئات الشعبية الأردنية مجمعا على رفض التطبيع مع إسرائيل، ووصلت تأثيرات هذا الموقف إلى البرلمان نفسه الذي اتخذ أكثر من مرة مواقف تدعو الحكومة إلى قطع العلاقات مع إسرائيل، كما برز في السنوات الأخيرة في موقف البرلمان من اتفاقية الغاز. وباستثناء حادثة وحيدة أطلق فيها الجندي الأردني الغاضب أحمد الدقامسة النار على فتيات إسرائيليات فقتل سبعة منهن في آذار 1997 في منطقة الباقورة شمال نهر الأردن، بسبب استهزائهن به في أثناء صلاته، ظلت الخروقات الرئيسة لمعاهدة السلام من الاتجاه المعاكس، أي من إسرائيل تجاه الأردن، كما في واقعة تزويد إسرائيل للأردن بمياه ملوثة في العام 2009، أو حادثة قتل القاضي الأردني رائد زعيتر في العام 2014 بسبب احتجاجه على إجراءات التنكيل والتفتيش على الجسر، وكذلك في حادثة قيام موظف أمني في السفارة الإسرائيلية في عمان بإطلاق النار على أردنيين وقتلهما في تموز 2017، وهو الحادث الذي تبعه توتر شديد أدى إلى سحب موظفي السفارة، وأدى إلى اعتذار إسرائيلي لاحق ثم التزام بدفع تعويضات إلى أسرتي القتيلين.

خيبة أمل الملك حسين

يمكن القول إن مؤشرات التوترات والاستفزازات الإسرائيلية ظهرت مبكرا، وهي تعود بشكل خاص إلى السياسات الإسرائيلية العنيفة والقمعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك محاولات تغيير الوضع القائم في القدس، وأعمال الاستيطان وممارسات القمع، وقد أدرك العاهل الأردني الراحل الملك حسين (توفي في شباط 1999) هذه النتيجة مبكرا، فقد عبر عن خيبة أمله من إسرائيل وزعمائها، وخاصة من بنيامين نتنياهو، وذلك في حديثه المستفيض مع المؤرخ البريطاني الإسرائيلي آفي شلايم الذي وثقها في كتابه “أسد الأردن” عن سيرة حياة الملك (صدر في العام 2007 عن دار بنجوين). وتنقل سمدار بيري في تقرير لها في “يديعوت أحرونوت” في 23/10/2009 رسالة شخصية مريرة وجهها الملك حسين إلى نتنياهو بواسطة رئيس الديوان الملكي الأردني علي شكري، وقد أوردها شلايم في كتابه، وفيها يعاتب الملك رئيس الحكومة الإسرائيلية بشدة، ويحمله مسؤولية تدهور جهود السلام وانتكاسها، ويقول مخاطبا نتنياهو في الرسالة: “أنا قلق بصورة عميقة وصادقة من تراكم الأعمال المأساوية، التي بادرت إليها كرئيس لحكومة إسرائيل، فصنع السلام وهو الهدف الأسمى في حياتي يبدو كأضغاث أحلام مراوغة، وأنا لا أستطيع قبول الذرائع المتكررة التي تسوقها وكأنك مجبر على التصرف كما تفعل بسبب الضرورات والضغوط”.

التوتر هو العنوان

يغلب مصطلح “التوتر” والعبارات التي تشير إلى تدهور العلاقات وترديها على معظم التقارير الاستراتيجية السنوية التي أصدرها مركز مدار، وتطرق فيها إلى العلاقات الأردنية- الإسرائيلية، مشيراً إلى “الفتور” الذي شاب هذه العلاقات على امتداد ربع القرن الماضي، وهو يعزوه إلى محاولات إسرائيل تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، وفرض التقسيم الزماني والمكاني، بالإضافة إلى التصريحات الإسرائيلية المستمرة عن مخططات السيطرة على معظم مساحات الأراضي الفلسطينية المصنفة (ج).

ووصف تقرير مدار للعام 2020 عن مشهد العلاقات الخارجية، وهو من إعداد خالد عنبتاوي، العلاقات الأردنية- الإسرائيلية بأنها وصلت إلى “نقطة انحدار غير مسبوقة” وذلك للسببين الرئيسيين المشار لهما آنفا، وهما خطة الضم، ومحاولات تغيير الوضع القائم في القدس والمقدسات. ويشير التقرير عينه إلى أن التبادل التجاري وصل إلى مستويات دنيا بين البلدين، حيث شكل نحو ثلث الواحد بالمئة فقط من مجمل التبادل التجاري الإسرائيلي، ويقتبس التقرير تصريحا منسوبا إلى الملك عبد الله الثاني يقول فيه إن العلاقات بين الأردن وإسرائيل وصلت إلى أدنى مستوياتها.

ويتكرر الوصف عينه في معظم التقارير السنوية الصادرة عن مركز مدار. فتقرير العام 2010 يصف العلاقات بأنها متوترة، مشيرا إلى أن بعض أطراف الحكومة الإسرائيلية ما زال يؤمن بتهجير الفلسطينيين إلى الأردن، وهو ما يذكر بخطط حزب الليكود القديمة عن الوطن البديل، والادعاء أن الأردن هو دولة الفلسطينيين، ويورد التقرير مقتطفات من مقابلة الملك عبد الله الثاني مع صحيفة “هآرتس” لمناسبة مرور 15 عاما على توقيع اتفاقية السلام، والتي يشير العاهل الأردني فيها إلى أن العلاقات بين البلدين باردة جدا بعد الحرب على غزة وبسبب عدم تقدم العملية السلمية، وعدم تطبيق كثير من البنود والاتفاقيات الفرعية، ووصف التقرير العلاقات بأنها تمر بحالة قطيعة.

ويلحظ تقرير العام 2014 تحسنا طفيفا في العلاقات بسبب التطورات الإقليمية وخاصة في سورية، والجهود الأميركية، بمساعدة الأردن، لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية، لكن ذلك لم ينف استمرار حالة البرود والانتقادات الأردنية المتكررة للسياسات الإسرائيلية (الرابط)([1]).


([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.