المرصد التركي – عدد 43

تقرير دوري نصف شهري || يرصد ويحلل المشهد التركي وتطوراته

يتناول المرصد التركي متابعة التطورات تركيا الداخلية والخارجية في النصف الثاني من شهر أغسطس على عدة محاور؛ سياسياً؛ يتناول المرصد؛ تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان بمنع تركيا دخول وخروج الإرهابيين على الحدود الإيرانية، بينما يبدي استعداد أنقرة لتطبيع علاقاتها مع أرمينيا. وفي الصناعة العسكرية؛ بيرقدار تضع تركيا على طريق صناعة مسيرة مقاتلة بإمكانيات محلية، في الوقت الذي تحذّر أنقرة أثينا أنها لن تجني شيئا من نهجها التوسعي، وأخيراً؛ إشادة مستشار ولي عهد باتصال الأخير مع الرئيس أردوغان ووصفه بالإيجابي، وعناوين أخرى.

وفي قضية الأسبوع؛ يستعرض المرصد تركيا وطالبان أفغانستان .. ما شكل العلاقة المستقبلية؟، أما في حدث الأسبوع، يتناول المرصد تهافت دولي على المسيرات التركية الهجومية.

اقتصاديا؛ يستعرض المرصد؛ عدداً من الأخبار منها؛ ارتفاع صادرات تركيا 10.2٪ في يوليو، بجانب شركة “أسيلسان” التركية تزود الجيش التركي بقنبلة مصغرة بخصائص تدميرية جديدة، والعراق يعلن رغبته في شراء مسيرات ومروحيات تركية، وملفات أخرى.

وفي محور اعرف تركيا: يقدم المرصد نبذة عن بيبك اسطنبول. أما شخصية المرصد لهذا الأسبوع فهي الشيخ “إده بالي”.. المؤسس المعنوي للدولة العثمانية. وختاماً؛ يتناول المرصد مقالاً بعنوان هل يسيطر الجمود على العلاقات الأمريكية الإسرائيلية؟ حقي أوجال.


أولاً: المشهد السياسي

أردوغان: سنمنع دخول وخروج الإرهابيين على الحدود الإيرانية

أكد الرئيس رجب طيب أردوغان أن بلاده ستمنع دخول الإرهابيين إلى أراضيها وخروجهم منها بشكل كامل عبر الجدران التي تبنيها على الحدود الإيرانية.  وأجرى وزير الدفاع التركي جولة تفقدية برفقة قادة الجيش، على حدود بلاده مع إيران. وشدد أردوغان على أهمية الجدران التي تبنيها بلاده على حدودها، مبيناً أنها جدران الأمان بالنسبة لها.

بيرقدار: تركيا قادرة على صناعة مسيرة مقاتلة بإمكانيات محلية

عقب انتهاء حفل تسليم شركة “بايكار” للمسيَرة الهجومية من طراز “أقينجي تيها” للقوات التركية، بمشاركة الرئيس رجب طيب أردوغان، قال سلجوق بيرقدار، المدير التقني لشركة “بايكار” للصناعات الدفاعية، إن تركيا قادرة الآن على صناعة مقاتلة بدون طيار بقدراتها المحلية، وأن تركيا إحدى ثلاث دول في العالم قادرة على تطوير مثل هذا النوع من الطائرات المسيرة.

تعد “أقنجي تيها” في مقدمة الطائرات المسيرة بتكنولوجيا فائقة حول العالم، قابلة لحمل الصواريخ والذخائر، سواء التقليدية منها أو الموجهة عبر الليزر، ويمكنها التحليق 24 ساعة متواصلة بارتفاع 40 ألف قدم. ويبلغ وزنها 6 أطنان، وحمولتها من الذخيرة 1.5 طن. وزُوّدت بمزايا تكنولوجيا فائقة مثل رادارات جو – جو، وأنظمة مراسلة عبر الأقمار الصناعية، ورادارات تحديد العوائق، وغيرها من المزايا.

أنقرة: اليونان لن تجني شيئا من نهجها التوسعي

قال وزير الدفاع خلوصي أكار، إن على اليونان أن تدرك بأنها لن تجني شيئا من موقفها ونهجها التوسعي وتصرفاتها الاستفزازية، رغم أن تركيا ترغب في حل المشاكل القائمة مع اليونان في بحر إيجة، عن طريق الحوار وعملا بمبدأ حسن الجوار وبالسبل الدبلوماسية والسياسية، واستفادة شعبي البلدين من الثروات المتوفرة. وأشار إلى أن مطالب اليونان بعيدة تماما عن الواقعية، وأن قادة أثينا يصرون على تجاهل حقوق تركيا في المنطقة ويعتبرون بحر إيجة ملك لهم وحدهم. ولفت إلى أن السلطات اليونانية تواصل تسليح الجزر في بحر إيجة، متجاهلة كافة القوانين والأنظمة الدولية.

أردوغان: مستعدون لتطبيع علاقاتنا مع أرمينيا

أعرب الرئيس رجب طيب أردوغان، عن استعداد بلاده للتطبيع التدريجي مع أرمينيا، في حال أقدمت حكومتها على انتهاج مواقف واقعية، وابتعدت عن كيل الاتهامات الأحادية. وأضاف: بدلا من الاتهامات أحادية الجانب، يجب أن تسود الأساليب الواقعية الاستشرافية، ويمكننا العمل على تطبيع علاقاتنا تدريجيا مع حكومة أرمينية تبدي استعدادها للتحرك في هذا الاتجاه. وأكد أردوغان أن المنطقة بحاجة إلى مواقف بناءة جديدة. وبين أنه على الرغم من وجود اختلافات في الرأي فإن بذل جهد صادق لتطوير علاقات حسن الجوار على أساس الثقة بما في ذلك احترام وحدة أراضي وسيادة كل طرف سيكون مسار عمل مسؤول. وشدد أنه ينبغي ألا يكون التاريخ الحديث مصدرا للعداء ويجب اتخاذ خطوات بناءة من أجل السلام الدائم والتعايش.

قرقاش: اتصال الرئيس أردوغان وولي عهد أبو ظبي كان “إيجابيا ووديا”

وصف المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش، الاتصال الهاتفي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد بالإيجابي والودي، لا سيما أنه استند إلى مرحلة جديدة تسعى فيها الإمارات إلى بناء الجسور وتعظيم القواسم والعمل المشترك مع الأصدقاء والأشقاء لضمان عقود مقبلة من الاستقرار الإقليمي والازدهار لجميع شعوب ودول المنطقة.

وفي 18 أغسطس/آب الجاري، استقبل الرئيس أردوغان في أنقرة مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد؛ وبحثا العلاقات بين البلدين وقضايا إقليمية، إضافة إلى استثمارات الإمارات في تركيا، وفي لقاء متلفز في اليوم ذاته، قال الرئيس أردوغان إن الإمارات ستقوم قريبا باستثمارات كبيرة في تركيا. وحول سؤال عما إذا كانت زيارة الشيخ طحنون إلى أنقرة تعني ذوبان الجليد بين البلدين، قال الرئيس التركي إن مثل هذه التقلبات يمكن أن تحصل وحصلت بين الدول. وأوضح أن تركيا وفي مقدمتها جهاز استخباراتها قامت خلال الأشهر الماضية بعقد بعض اللقاءات مع إدارة أبو ظبي، وتم التوصل خلالها إلى نقطة معينة.


ثانياً: قضية الأسبوع

تركيا وطالبان أفغانستان .. ما شكل العلاقة المستقبلية؟

بعد اكتمال الانسحاب الأجنبي من أفغانستان بتاريخ 31 من أغسطس؛ تتوجه الأنظار إلى شكل العلاقة بين حركة طالبان والجمهورية التركية بجانب إمكانية عودة التواجد العسكري التركي في مطار كابل. بالخصوص أكد الرئيس رجب طيب أردوغان، أن هدف بلاده هو تعافي أفغانستان من مشاكلها في أسرع وقت. لكن على صعيد الشأن الأفغاني؛ قال أردوغان إن تركيا مستعدة لدعم وحدة أفغانستان، ويكفي أن نرى رغبة من الأطراف الأفغانية لتحقيق هذه الوحدة.

لكن الأوضاع الأمنية كانت حاضرة أيضا في حديث الرئيس؛ ردا على سؤال حول تطورات الأوضاع الأمنية في كابل، قال أردوغان: علينا أن نكون حذرين حيال الأوضاع في كابل، فقبل مدة قصيرة وقع انفجار أسفر عن مقتل ما يقارب 200 شخص، والمعلومات الاستخباراتية تفيد بقيام تنظيم داعش بهذه العملية الإرهابية. مضيفاً: على مدى 20 عاما، قدمت تركيا خدمات كبيرة لأفغانستان سواء بالبنية التحتية أو الفوقية، لكن طالبان ألحقت أضرارا بهذه المنشآت في الأقسام الشمالية من البلاد، والآن أيضا نريد أن نساعد أفغانستان فتركيا لديها خبرات وبنية تحتية قوية.

وحول توثيق العلاقات التركية مع طالبان أو عقد اتفاق معها مماثل للاتفاق المبرم مع ليبيا، قال أردوغان: من الممكن عقد اتفاق مماثل، يكفي أن نجد من نتحاور معه، تركيا هدفها الوحيد هو حل المشاكل.

وعن عمل السفارة التركية في كابل، قال أردوغان: سفارتنا تعمل منذ أسبوعين في المطار، لكن الموظفين عادوا قبل يومين إلى مقر السفارة في مركز المدينة ويواصلون اعمالهم من هناك، وأن أنقرة لديها خطط بديلة حيال كافة الاحتمالات المتعلقة بأمن سفارتها في كابل، وأن أولويتها هي توفير أمن موظفيها.

الرد من حركة “طالبان” لم يكن بعيداً حول العلاقة مع تركيا؛ فقد قالت الحركة عبر المتحدث باسمها، ذبيح الله مجاهد، إنه يمكن الاستعانة بالخبرة الفنية التركية في إدارة مطار كابول، ومشددا على الحاجة إلى استمرار مساعدات الأتراك والاستفادة من تجاربهم في مجالات عديدة، والوصول بالعلاقات مع أنقرة إلى ثقة كاملة متبادلة، والوجود الدبلوماسي التركي يجب أن يكون قويا، ويجب أن نعتمد عليهم كإخوة لنا، ويجب أن يستمروا في دعمنا.

وبشأن رؤية الحركة للاستفادة من خبرات تركيا بعد مغادرة قواتها أفغانستان، قال: نريد علاقات متينة وحسنة، تركيا بلد مهم بالنسبة لنا، ولدى أفغانستان علاقات تاريخية قديمة مع تركيا تريد الحفاظ عليها، وتريد تمتينها أكثر. وأضاف: يجب أن نصل بهذه العلاقات إلى ثقة كاملة متبادلة، ولدى شعبَي تركيا وأفغانستان مشتركات عقدية وثقافية. نرغب في توطيد العلاقة والتقارب أكثر مع الحكومة والشعب التركي.


ثالثاً: حدث الأسبوع

تهافت دولي على المسيرات التركية الهجومية

أكد الرئيس رجب طيب أردوغان، وجود تهافت دولي كبير على شراء المسيرات التركية، مؤكدا عزم بلاده للارتقاء إلى مصاف الدول الرائدة في تكنولوجيا الطائرات الحربية بدون طيار، خلال مشاركته في حفل تسليم المسيَّرة الهجومية “أقينجي” للجيش التركي.

وقال: قمنا بتصدير المسيرة بيرقدار تي بي 2 إلى أوكرانيا وقطر وأذربيجان، وتم إبرام اتفاقيات تصدير جديدة، مصممون على الارتقاء بتركيا إلى مصاف الدول الرائدة في تكنولوجيا الطائرات الحربية بدون طيار. وأشار أردوغان إلى أن العديد من الدول تنتظر دورها للحصول على الطائرات المسيرة التركية، مشيرا أنه “أقينجي” أصبحت تركيا من بين ثلاث دول في العالم تمتلك هذه التكنولوجيا. وأكد أن هدف تركيا الآن هو تطوير مسيرات يمكنها الإقلاع والهبوط على حاملات الطائرات التركية ذات المدرج القصير.

وذكر أن من أعظم إنجازات تركيا التاريخية رفع نسبة المساهمة المحلية في الصناعات الدفاعية من 20٪ إلى 80٪ خلال وقت قصير. وتابع: سنمتلك الإمكانيات اللازمة لاستخدام مسيراتنا ذات القدرة على الهبوط في المدارج القصيرة في مهمات ما وراء البحار. وشدد على أهمية ودور تركيا في المنطقة؛ قائلا: من يرغب في تحريك حجر من مكانه بمنطقتنا عليه أولا الحصول على موافقة تركيا.

وذكر أن شهر أغسطس/آب هو شهر الانتصارات في تركيا، مضيفا أن إضافة المسيرة للجيش التركي يعد انتصارا جديدا وقصة نجاح صناعة الدفاع في تركيا آخر 19 عاما. وأضاف أن المستوى الذي وصلت إليه تركيا في تكنولوجيا صناعة المسيرات هو تعبير عن نجاح القدرات التركية في الصناعات الدفاعية.

ولفت إلى أن هناك دولا رفضت بيع المسيرات لتركيا قبل 10 أعوام، واليوم بعد النجاحات التي أحرزتها المسيرات التركية في تغيير قواعد اللعب في الساحات أصبحت المسيرات التركية حديث تلك الجهات.

وذكر أردوغان أن تركيا أثبتت نفسها في العديد من الصناعات الدفاعية وخاصة المسيرات بدون طيار، لدرجة أن العالم تحدث عن عقيدة القتال التي طبقتها تركيا في سوريا وليبيا وأذربيجان. كما يتم الحديث عن كيفية قضاء تركيا على الممر الإرهابي شمال سوريا، وإيقاف المخططات الأحادية في البحر المتوسط، وكيفية إنهاء الاحتلال في إقليم “قره باغ” الأذربيجاني.

وأشار أردوغان أنه بالمسيَّرة الهجومية سيدخل العالم في مفاوضات مختلفة للغاية، موضحا أن أولئك الذين يرغبون في اتخاذ خطوات في المنطقة سيفكرون ألفي مرة قبل قيامهم بأي خطوة. وأن هذا الوضع ليس سببا للتفاخر أو الازدراء، بل وسيلة لحماية استقلال ومستقبل تركيا. وأشار إلى أن المسيرات التركية لعبت دورا رئيسيا في عمل القوات المسلحة والمخابرات الوطنية والأمن والمديرية العامة للغابات.

وذكر أنه تم وقيع اتفاقية بيع المسيرة التركية “عنقاء” إلى تونس، واتفاقيات بيع المسيرة “بيرقدار تي بي 2” مع 10 دول أخرى بما فيها بولندا. ​​​​​​​وأوضح أردوغان أن جميع المؤسسات المعنية تعمل بالتعاون مع الجامعات والقطاعات الخاصة لجعل تركيا قاعدة للصناعات الدفاعية. وأكد أن العمل على تطوير العديد من المنتجات العسكرية المحلية الهامة من معدات وذخائر وتجهيزات، والاستثمار في هذا المجال سيبعد تركيا تماما من الاعتماد على المصادر الأجنبية. وأشار إلى أنهم سينقلون الخبرة التي اكتسبوها في صناعة الدفاع إلى جميع مجالات التكنولوجيا المدنية وسيحققون نجاحًا كبيرا للغاية.


المزيد من المشاركات

رابعاً: المشهد الاقتصادي

ارتفاع صادرات تركيا 10.2٪ في يوليو

ارتفعت صادرات تركيا بنسبة 10.2٪ خلال يوليو/ تموز الماضي، مقارنة بالشهر نفسه من العام المنصرم. وأوضحت هيئة الإحصاء التركية، أن قيمة الصادرات خلال يوليو الفائت بلغت 16 مليارا و415 مليون دولار. وأن واردات تركيا في الشهر نفسه، شهدت أيضا ارتفاعا بنسبة 16.8٪، مقارنة بيوليو 2020. وبلغت قيمة واردات تركيا خلال يوليو الفائت، بلغ 20 مليارا و693 مليون دولار. وبلغ عجز التجارة الخارجية في الشهر المذكور، 4 مليارات و278 مليون دولار. كما أشار البيان إلى ارتفاع صادرات تركيا خلال الفترة الممتدة من يناير/ كانون الثاني إلى يوليو/ تموز 2021، بنسبة 34.9٪، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وبلغت قيمة الصادرات في هذه الفترة، 121 مليارا و325 مليون دولار.

“أسيلسان” التركية تزود قنبلة مصغرة بخصائص تدميرية جديدة

زودت شركة “أسيلسان” التركية للصناعات الدفاعية، “القنبلة صغيرة القطر” الخارقة للتحصينات، بإضافات جديدة ترفع من قدرتها التدميرية. وتم تطوير القنبلة لتصبح ذخيرة موجهة يمكن إسقاطها من الجو. القنبلة بعد إضافة التعديلات عليها أصبح يمكن استخدامها ضد أهداف أرضية صلبة وناعمة، وتتميز بمدى 100 كيلومتر، بالإضافة إلى تكلفتها المادية المنخفضة بالمقارنة مع مثيلاتها من القنابل. القنبلة صغيرة القطر انزلاقية موجهة بدقة، والهدف منها توفير إمكانية للطائرات لحمل أكبر عدد من القنابل، وتستطيع القنبلة تدمير المخازن والتحصينات ومرابض المدفعية ومنظومات الدفاع الجوي، والأهداف غير الثابتة.

العراق يعلن رغبته في شراء مسيرات ومروحيات تركية

قال وزير الدفاع العراقي جمعة عناد، إن بلاده ترغب في شراء مسيرات بيرقدار المسلحة “TB2″، ومروحيات أتاك الهجومية “T129″، وأسلحة متطورة من تركيا. وأوضح أن بغداد طلبت من أنقرة عروضا لتوريد طائرات مسيرة ومروحيات أتاك وأنظمة دفاع جوي ضد الطائرات المسيرة. وتابع: المسيرات التركية بيرقدار متطورة جدا وحققت نجاحات كبيرة، هذه المسيرات قادرة على القيام بمهمات ليلية، ولهذا ستفيدنا كثيرا في مكافحة تنظيم داعش الإرهابي.


خامساً: اعرف تركيا

“بيبيك” إسطنبول

يُقسم مدينة إسطنبول كشطري قصيدة ساحرة، تتدفق مياه مضيق البوسفور بين قارتي آسيا وأوروبا، فيما تعزف السفن العابرة على أوتاره سيمفونية من الطبيعة المتناغمة. وتعد المنطقتان الواقعتان على ضفاف الشطرين ملتقى للحضارات والآثار والثقافات التاريخية.

تحظى منطقة “بيبك” بإقبال كبير بين السياح من مختلف الجنسيات، لما تقدمه من توليفة سياحية تجمع بين عبق التاريخ وسحر الطبيعة، لا سيما في مشهد عبور البواخر بين البحرين الأسود ومرمرة.

تتمتع منطقة “بيبك” بنقاء الأجواء وسحر الطبيعة ما يجعلها مزارًا لسكان المدينة والولايات التركية والسياح، كما تضم المنطقة قلعة روملي حصار العثمانية، والتي تعد إحدى أعرق القلاع وأكثرها هيبة في تركيا، فضلا عن إطلالتها المميزة بين الأشجار على مضيق البوسفور. وشيّد السلطان العثماني محمد الثاني، القلعة في 4 أشهر، لتكون ركيزة لفتح القسطنطينية عام 1453، ويبلغ ارتفاع أسوارها 82 متر.

وتتميز القلعة بأبراجها شاهقة الارتفاع والتي لعبت دورا حاسما في فرض الحصار حول المدينة عند فتحها من قبل العثمانيين، خاصة بموقعها المباشر على مضيق البوسفور لتقييد حركة مرور السفن، وإحكام السيطرة. واختار السلطان الفاتح تشييد القلعة في ذلك الموقع لقطع خطوط الإمداد القادمة إلى القسطنطينية من البحر الأسود، وصد الهجمات المحتملة شمالي البوسفور، وهو ما ساهم عمليا في فتح المدينة. وحديثا باتت القلعة التاريخية مقصدا للسياحة الداخلية والخارجية، كونها واحدة من أهم المتاحف والمواقع الأثرية، إذ تحوي أسوارا وأبراجا ومدرجا وجامع.

وتقع المنطقة على ساحل البوسفور مباشرة، حيث يجمع المضيق البحرين الأسود ومرمرة، حيث تسير البواخر والقوارب يوميا تنقل البضائع وتنظيم جولات سياحية للزائرين. كما تطل منطقة “بيبك” على “جسر السلطان محمد الفاتح” المعلق، حيث تتلألأ أضواء السيارات العابرة على الجسر ليلا، لتضفي سحرا مميزا على المنطقة بأكملها. وتترصع الحدائق حول المنطقة كفصوص الماس بألوان أشجارها وزهورها، أبرزها حديقة التوليب الشهيرة.


سادساً: شخصية المشهد

الشيخ “إده بالي”.. المؤسس المعنوي للدولة العثمانية

المتابع للدراما التاريخية الهادفة التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة في تركيا، حتما قد شاهد مسلسل “قيامة عثمان”، الذي يتناول نشأة الدولة العثمانية وسيرة مؤسسها عثمان بن أرطغرل. ويظهر في المسلسل إلى جانب الزعامة السياسية المتمثلة في عثمان، شخصية أخرى تمثل القيادة الروحية، حيث كان لها أثر بالغ في تأسيس الدولة، وهي شخصية الشيخ أديب علي، أو “إده بالي” كما في المصادر التركية.

ورد في روايات تاريخية أن العلاقة بين “إده بالي” وعثمان، بدأت في حياة الغازي أرطغرل، حيث كان يُجلّ الشيخ، ووكل إليه مهمة تأديب ولده، وهو ما ذكره عثمان نوري طوباش، في كتابه “العثمانيون.. رجالهم العظام ومؤسساتهم الشامخة”. كما أن المفكر الأردني زياد أبو غنيمة، أشار إلى هذه العلاقة في كتابه “جوانب مضيئة في تاريخ العثمانيين الأتراك”، قائلا: “وقد انتقلت زعامة الأتراك العثمانيين إلى عثمان إثر وفاة أبيه أرطغرل، وقام العالِم المؤمن إده بالي بتسليم عثمان سيف والده في احتفال مهيب وأطلق عليه لقب الغازي”، فهذه المراسم تدل على أن علاقة “إده بالي” بعثمان قديمة ومحورية.

ولد “إده بالي” في قرمان، واسمه الأصلي في بعض المصادر التاريخية عماد الدين مصطفى بن إبراهيم بن إناج القرشهري، درس الفقه الحنفي على يد العالم نجم الدين الزاهدي. ثم ارتحل إلى الشام، وهناك درس على يد علمائها التفسير والأصول والحديث، ثم عاد إلى بلاده، وأقبل على الزهد والتصوف رغم أنه كان يمتلك ثروة طائلة، وأنشأ زاوية في “بلجيك”، واشتغل بإرشاد الناس. كان من الطبيعي أن يشغل “إده بالي” منصب المستشار الديني لدى الغازي عثمان، وفي ليلة بات الأخير في زاوية الشيخ، ورأى مناما كان لتفسيره أثر عظيم في نفسه. وهذا المنام ينسبه البعض إلى أرطغرل، لكن الصحيح الذي دلت عليه المراجع التاريخية أنه يرجع إلى عثمان، ومنها كتاب “الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية” لمؤلفه طاشكبري زادة المتوفى سنة 1561م، وأدرج المؤلف “إده بالي” في الطبقة الأولى لعلماء الدولة.

ويحكي طاشكبري زادة عن ذلك قائلا: “رأى في المنام قمرا منيرا خرج من حضن الشيخ إده بالي، ودخل في حضنه، وعند ذلك نبتت من سرّته شجرة عظيمة سدت أغصانها الآفاق، وتحتها جبال عظيمة تتفجر منها الأنهار، والناس ينتفعون من تلك الأنهار لأنفسهم ودوابهم وبساتينهم”. لما قص عثمان الرؤيا على معلمه، قام الأخير بتأويلها على أنها السلطنة يهبها الله له ولأولاده من بعده، ثم قام بتزويجه ابنته.

وتذكر بعض المراجع التاريخية أن اسم ابنة “إده بالي” التي تزوجها عثمان “مال خاتون”، لكن أحمد آق كوندز ذكر في كتابه “الدولة العثمانية المجهولة”، أنه عثر على أحد أوقاف السلطان “أورخان”، يفيد بأن اسمها كان “رابعة بالا خاتون”، وهي التي أنجبت لعثمان ولده الأمير علاء الدين، أما زوجة عثمان التي ولدت له “أورخان”، فهي بنت الوزير السلجوقي “عمر بك”. ويعد “إده بالي” القاضي الأول في الدولة العثمانية، أما الثاني فكان تلميذه طورصون الفقيه. وكان عثمان يذهب إليه ويطلب منه الدعاء، ويستفتيه في المسائل الشرعية، ويطلب منه المشورة في أمور السلطنة، فكان قائدا روحيا شُدَّ به عضد الغازي عثمان، وكان له أثر كبير في مسيرته الجهادية وتأسيس الدولة وتوسيع رقعتها.

توفي “إده بالي” في مدينة “بلجيك” عام 1326م، أو في الذي يليه على أقصى تقدير للمؤرخين، وذكر صاحب الشقائق النعمانية، أنه حين وفاته بلغ مئة وعشرين عاما، ولا يزال ضريحه في زاوية “الشيخ إده بالي”، موجودا في مدينة بلجيك.


سابعاً: مقال المشهد

هل يسيطر الجمود على العلاقات الأمريكية الإسرائيلية؟

حقي أوجال

لم يتمكن رئيس الوزراء الإسرائيلي “بينيت” من خلال زيارته إلى واشنطن ومحادثاته مع رئيس الولايات المتحدة جو بايدن ولا مع رجال إدارته، من صنع بداية جديدة مع الإدارة الديمقراطية كما أمِل بعض الناس على جانبي المحيط الأطلسي. وتنبأ المحافظون الجدد في واشنطن والقوميون المتطرفون في القدس بأنها ستكون معادلة شبه مستحيلة تلك التي تخلق تحالفاً يسارياً في واشنطن يتصرف يميناً وائتلافا قومياً متطرفاً في القدس يتصرف يسارياً.

وجاء الاجتماع في أعقاب الفشل المتولد عن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان. وبالرغم من أن أجندة اللقاء لم ترتبك تماماً بسبب تفجيرات كابل التي تبناها تنظيم داعش في أفغانستان، إلا أنه لم يتسبب في ضجة كبيرة كما كان مأمولاً. وتم تأجيل الاجتماع ليوم واحد لكنه جاء مخيباً لآمال الطرفين. باختصار، لم يؤيد بايدن العمل الإسرائيلي أحادي الجانب ضد إيران ورفض اتخاذ إجراءات عسكرية ضدها في المرحلة الراهنة، وقال إن “هناك خيارات أخرى”. فماذا كان جدول أعمال بينيت الذي ذهب به إلى واشنطن؟

ترتبط فكرة بينيت التي ذهب بها إلى واشنطن بالموقف الإسرائيلي اتجاه إيران في اتخاذ إجراءات من جانب واحد ضدها، لأن إسرائيل تنظر لطهران على أنها تشكل تهديداً حقيقياً لأمنها. ووفقاً للمبدأ الإسرائيلي فإنه يحق للدولة العبرية إذا شعرت لسبب أو لآخر أنها تتعرض للتهديد، أن تتخذ إجراءات من جانب واحد ضد الطرف المتهم. ومع ذلك، لم يبد بينيت تصميمه على استمالة الجانب الأمريكي، ولم يفعل ذلك لأن هذا الرئيس لا يحب فكرة اتخاذ الحلفاء إجراءات من جانب واحد كلما شعروا أنهم يحتاجون إلى ذلك، ولأنه لا يرضى أن تقوم إسرائيل بابتزاز الولايات المتحدة من خلال عمل أحادي الجانب.

وربما يكون “بينيت” قد استشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل التحدث إلى بايدن عن نيته في ضرب إيران في غضون شهرين. وبالرغم من نهج التملق الذي يتبعه ماكرون تجاه بايدن، قائلاً “إن بايدن أقنع الأوروبيين أن الولايات المتحدة عادت حقاً وبشكل مؤكد ودائم، بعد غيابها خلال سنوات ترامب” وتسويق نفسه كأفضل شريك أوروبي لبايدن، حيث امتثل لطلبه بأن يكون هادئاً بعدما اقترح الفرنسي أن تترك جميع القوات الأجنبية ليبيا. وحتى أنه تبادل كلمات الود والوداد مع بايدن في اجتماعات قمة الدول السبع، إلا أنه لا يمكنه أن يخبر الرئيس الأمريكي الذي يعتقد أنه السياسي الأفضل للإشراف على شؤون الخارجية الأمريكية، ماذا يفعل أو لا يفعل تجاه هذا البلد أو ذاك!

ولكن ما الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الإسرائيلية؟

قدمت وسائل الإعلام الإسرائيلية لـ “بينيت” كل النصائح التي يحتاجها عن “متى تكون حازماً ومتى تستمع فقط وتظهر فهماً عميقاً للمصالح الأمريكية وتقييماً لجدول أعمال بايدن للاجتماع”. وبدوره عبّر “بينيت”، الذي لديه أيضاً جمهور يرضي غروره، بعناد عن هذه العقيدة الإسرائيلية الشائنة التي تعطي دولة ما الحق في اتخاذ إجراءات أحادية الجانب عندما تشعر بالتهديد. ويجب أن يكون “بينيت” ممتناً لأنه لم يتم تجاهله كما حدث في اجتماع رئيس الوزراء الإسرائيلي مع آخر رئيس ديمقراطي عام 2015، عندما انسحب الرئيس الأمريكي باراك أوباما من اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عندما راح الأخير يتحدث بعنف. وطُلب منه الإقامة في البيت الأبيض، والتحدث إلى المستشارين وتم إبلاغه برغبة أوباما “اسمحوا لي أن أعرف إذا كان هناك أي شيء جديد”.

ولم يكن أول اجتماع لـ “بينيت” في البيت الأبيض مهيناً، لكن الجانب الأمريكي أوضح أن هناك قضايا تلقي بظلالها على العلاقات الثنائية، مثل احتلال الأراضي الفلسطينية ومستوطنات الضفة الغربية وقضية غزة. واقترح “ألوف بن” الكاتب في صحيفة هآرتس أن يلتزم بينيت بتكتيك نتنياهو المتمثل في قضاء الوقت في التحدث بشكل مكثف عن إيران، دون ترك أي وقت للحديث عن الفلسطينيين، ولكن لم ينجح الأمر هذه المرة على ما يبدو. لذلك، لم يكن اجتماع بينيت وبايدن مهماً، بل كان أشبه بما قالت صحيفة “هآرتس” حول لقاء 2015، لم يكن هناك الكثير “لتحقيقه سوى فرصة لالتقاط الصور وإفساد إجازة نتنياهو في هاواي.

وفي الواقع، كانت التوقعات الكبيرة من اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة واللوبي الأمريكي في إسرائيل مبنية على افتراضات خاطئة أهمها اعتقادهم بأن المحافظون الجدد الأمريكيون والمتطرفون القوميون الإسرائيليون يتشاركون في وجهات نظر عالمية متشابهة جداً أكبر من كراهية الأجانب والإيمان بـ “الاستثناء”. وأوضح وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن خلال اجتماعه القصير مع “بينيت” أن الجانب الأمريكي يعرف جيداً أنه إذا لم يتم إقناع إيران خلال شهرين بعدم تجاوز 60% من مستويات تنقية اليورانيوم، فيمكن لإسرائيل عندها أن تضرب إيران من جانب واحد.

وبالرغم من كل المواقف التي ترددت في الاجتماع من قبل الجانبين، فإن تأجيل الاجتماع بسبب التفجيرات الانتحارية في أفغانستان أدى إلى توتر الأجواء في البداية. وكان من المقرر عقد الاجتماع مباشرة بعد بدء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان حيث أصر المسؤولون الإسرائيليون على أن “بينيت” يرى أن الرئيس مهتماً جداً بهذا الاجتماع بسبب التطورات على الجبهة النووية الإيرانية. لكن الأزمة في كابل ألقت بظلالها على الرحلة منذ بدايتها. وألغى البيت الأبيض الزيارة مساء 26 أغسطس/آب وأرسل الصحفيين الإسرائيليين إلى فنادقهم دون تحديد موعد جديد. ومع ذلك، فإن إعادة الإسرائيليين إلى ديارهم بدت أمراً فظاً شبيهاً بما فعله أوباما بنتنياهو. لذلك، عاد “بينيت” صباح الجمعة.

وبسبب انشغالها بخسارة 13 جندياً أمريكياً وإصابة 15 آخرين، لم تولي وسائل الإعلام الأمريكية اهتماماً كبيراً بالاجتماع الذي لم يبتهج المراسلين بعده بما سمعوا. وذكرت وسائل الإعلام الأمريكية لفترة وجيزة أن بايدن وفريقه كرروا مطالب الولايات المتحدة السابقة مثل تجميد البناء في الضفة الغربية والأراضي المحتلة الأخرى. ولم يبدِ بايدن أي استعداد للعب دور الوسيط في اتفاق السلام الإسرائيلي الفلسطيني ولم يقدم أي مبادرات جديدة. بل تُظهر التصريحات المقتضبة التي أدلى بها “بينيت” وفريقه أن “الروح الجديدة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية” لم تتجسد في المحادثات.قد يتصرف “بينيت” بتهور مثلما فعل نتنياهو إذا كان لدى رئيس إيران زر يمكنه الضغط عليه في غضون 8 إلى 10 أسابيع. ولكن هل سيتراجع بايدن بشكل مغامر وغير مسؤول كما فعل الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان في عام 1981 عندما شن سلاح الجو الإسرائيلي غارة جوية مفاجئة لتدمير موقع نووي عراقي غير مكتمل بالقرب من بغداد بالعراق؟ على الأغلب أنه لن يفعل. لهذا السبب قال بايدن بوضوح إن هناك “خيارات أخرى” قبل اتخاذ أي إجراء إسرائيلي أحادي الجانب ضد إيران.([1])


([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.