المرصد التركي – عدد 48

هذا العدد

يتناول المرصد التركي متابعة التطورات تركيا الداخلية والخارجية في النصف الثاني من شهر أكتوبر على عدة محاور؛ سياسياً؛ يتناول المرصد؛ تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان           باعتماد تركيا على نفسها بالصناعات الدفاعية يصل 80% حتى الآن، مع دعوة من الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لتركيا لجعل مكافحة الإرهاب محوراً التعاون بين طهران وأنقرة، وتعميق تركيا وإسبانيا لعلاقاتهما والتعاون الاستراتيجي بينهما في ظل قمة أنقرة المقبلة، وإشادة من المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا جيمس جيفري أنه لا يمكن تحقيق حل دائم في سوريا بمعزل عن تركيا، وعناوين أخرى.

وفي قضية الأسبوع؛ يستعرض المرصد أنقرة وواشنطن من شراكة استراتيجية إلى إدارة خلافات، أما في حدث الأسبوع، يتناول المرصد معرض SAHA EXPO للصناعات الدفاعية.

اقتصاديا؛ يستعرض المرصد؛ التبادل التجاري التركي مع أذربيجان ووصوله إلى 3 مليارات دولار، في ظل شراكة بين تركيا ومنغوليا لإقامة خط إنتاج أعيرة نارية في منغوليا، وارتفاع مشتريات الأجانب من العقارات التركية لـ 38٪، بينما تحقق بورصة إسطنبول رقما قياسيا بتجاوزها 1.700 نقطة، مع وصول استثمارات “هواوي” في تركيا 184 مليون دولار، وملفات أخرى.

وفي محور اعرف تركيا: يقدم المرصد نبذة عن كابادوكيا. أما شخصية المرصد لهذا الأسبوع فهي البروفيسور مصطفى كوتشاك. وختاماً؛ يتناول المرصد مقالاً محاولات تقويض قدرات تركيا الهجومية.. القوّة الجوّية نموذجاً، للكاتب الدكتور علي باكير.

أولاً: المشهد السياسي

أردوغان: اعتماد تركيا على نفسها بالصناعات الدفاعية يصل 80%

أوضح الرئيس رجب طيب أردوغان أن نسبة اعتماد تركيا على نفسها فيما يخص الصناعات الدفاعية ارتفع إلى 80%، “هذا يعني أننا بتنا بموقع نكتفي فيه ذاتيًا”. ولفت إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية طلبت من تركيا إعادة منظومة الدفاع الصاروخي “إس-400” التي اشترتها من روسيا، مضيفا: قلنا لهم، لماذا علينا إعادتها؟ أنتم لم تعطونا، ونحن تدبرنا أمورنا، وتلقينا من روسيا العرض واشتريناها منهم. وشدد أردوغان أن الولايات المتحدة ارتكبت نفس الخطأ بخصوص مقاتلات “إف-35″، قائلاً: نحن دفعنا مليارا و400 مليون دولار من أجل المقاتلات ولم نحصل عليها، والآن نتلقى عروضا جديدة وسنرى ما سيحصل، ولكن إن شاء الله نحن سننتجها في النهاية”.

رئيسي: مكافحة الإرهاب يمكن أن تشكل محور التعاون بين طهران وأنقرة

قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، إن مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة يمكن أن تشكل محور التعاون بين طهران وأنقرة. وأكد ضرورة النهوض بالعلاقات القائمة إلى مستوى التعاون متعدد الجوانب. وأوضح أن العلاقات الثنائية يمكن أن ترتقي إلى المستوى الدولي، من خلال إعداد مذكرة تعاون طويلة الأجل. وأشار أن العلاقات الوثيقة بين إيران وتركيا ستخدم السلام والاستقرار في المنطقة وتعزيز التوازنات الدولية. ولفت رئيسي أن تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي بين تركيا وإيران يصب في مصلحة شعبي البلدين، حيث أن إيران لها روابط دينية وثقافية عميقة مع تركيا وأذربيجان تتجاوز علاقات الجوار.

تركيا وإسبانيا يعمقان التعاون الاستراتيجي بينهما

تعتزم تركيا وإسبانيا، خلال القمة المرتقبة بينهما غدًا الأربعاء، تعميق التعاون الاستراتيجي القائم بينهما في العديد من المجالات وفي مقدمتها الاقتصاد والتجارة. وتستعد أنقرة، لاحتضان القمة السابعة بين الحكومتين التركية والإسبانية، الأربعاء، لأول مرة منذ 3 سنوات.

ويشارك في القمة المرتقبة من الجانب الإسباني رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، إلى جانب وزراء الخارجية، والدفاع، والداخلية، والتجارة والسياحة، والعمل والاقتصاد الاجتماعي، والتحول البيئي والديموغرافي، حيث يلتقي سانشيز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لبحث تطوير العلاقات بين البلدين.

وسيتم مناقشة العلاقات الاقتصادية، والعلاقات بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، وتطورات شرق المتوسط، ومبادرة “تحالف الحضارات” التي أطلقتها تركيا وإسبانيا ضمن بنية منظمة الأمم المتحدة، ومناقشة الملفين السوري والليبي، وأزمة المهاجرين غير النظاميين على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا. ومن المنتظر أن تشهد القمة توقيع 6 اتفاقيات ثنائية.

وتنشط 700 شركة إسبانية في تركيا، فيما تواصل 129 شركة تركية نشاطها في إسبانيا، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 13 مليار يورو بحلول نهاية عام 2019. وبحسب معهد التصدير والاستثمار الإسباني، فإن حجم التبادل التجاري بين البلدين حقق نمواً بـ 34.2٪ خلال الفترة بين يناير – أغسطس 2021، مقارنة بالفترة نفسها من العام الفائت. وبلغت قيمة التبادل التجاري بين البلدين خلال هذه الفترة، 8.57 مليارات يورو، أي بزيادة تقدر بـ 6٪، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019. ويعد النسيج وقطع تبديل السيارات والحديد والصلب ومعدات الآلات والألمنيوم من أبرز القطاعات في العلاقات التجارية بين البلدين.

جيفري: لا يمكن تحقيق حل دائم في سوريا بمعزل عن تركيا

قال المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا جيمس جيفري، إن احتمال تحقيق حل دائم في سوريا بمعزل عن تركيا أمر غير وارد. جاء ذلك خلال مشاركته في ندوة نظمها مركز أبحاث الشرق الأوسط بعنوان “مستقبل سوريا وتطلعات تركيا والولايات المتحدة الأمريكية”.

وأوضح أن سوريا تعد من أخطر القضايا على مستوى الشرق الأوسط والعالم، وأن دول إيران وروسيا والولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل، لها كلمة في هذه القضية. وأشار إلى وجود نحو 12 مليون سوري اضطروا لترك ديارهم على مدى السنوات السابقة، وأن قرابة نصف هذا العدد يعيشون حاليا في تركيا. وتابع قائلا: “بشار الأسد ببساطة، يحاول البقاء على قيد الحياة، إنه لا يقبل المقترحات التي من شأنها أن تجعل الناس يعودون إلى بلاده وتجعل الأموال تتدفق إلى سوريا. كل ما يريده هو البقاء في السلطة. وعن تركيا قال جيفري، إن أنقرة لا تريد مغادرة سوريا بسبب مخاوفها الأمنية. وأضاف قائلا: “على تركيا أن تدافع عن نفسها على طول حدودها. قضية “بي كا كا” قضية خطيرة للغاية، وهناك أكثر من 3 ملايين لاجئ على أراضيها إلى جانب 3 ملايين نازح في إدلب”.

الخارجية الإسرائيلية: لم نصدر تحذيرا جديدا حول السفر إلى تركيا

نفت الخارجية الإسرائيلية، ادعاءات متداولة في وسائل إعلام تفيد بإصدار مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تحذيرا جديدا للمواطنين الإسرائيليين بشأن السفر إلى تركيا. ولفت الخارجية إلى أن تحذير السفر الذي أصدرته إسرائيل بشأن السفر إلى تركيا في الماضي لايزال ساريا، لكن ذلك ليس متعلقا بالوضع الراهن. وكان مجلس الأمن القومي الإسرائيلي أصدر تحذيرا للسفر إلى تركيا في أيلول/سبتمبر 2017، خشية هجمات إرهابية. وفي 12 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، أمر القضاء التركي بحبس 3 أشخاص بينهم زوجين إسرائيليين، بتهمة التجسس السياسي والعسكري على ذمة التحقيق، بعدما تم توقيفهم بدعوى التقاط صور لمنزل الرئيس رجب طيب أردوغان، من تلة تشامليجا في منطقة أوسكودار باسطنبول.

السلطات التركية توقف المتهم باغتيال رئيس هايتي

أوقفت السلطات التركية، الاثنين، في مطار إسطنبول، شخصا مطلوب لدى الانتربول الدولي، بتهمة اغتيال رئيس هايتي جوفينيل مويس. وحسب مصادر أمنية، فإن المدعو سمير هاندال المطلوب بمذكرة بحث حمراء من قِبل الانتربول الدولي، تم توقيفه في مطار إسطنبول. وذكرت المصادر الأمنية أن هاندال كان ينتقل من الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأردن مرورا بإسطنبول. وتعاني هايتي من أزمة سياسية خلال الأشهر الأخيرة، حيث شارك المئات في مظاهرات في فبراير/ شباط الماضي في “بورت أو برانس”، للمطالبة بإنهاء الحكومة الحالية. ومطلع يوليو/تموز الماضي، اغتال مسلحون مجهولون مويس، داخل منزله، بحسب بيان لرئيس وزراء هايتي المؤقت، كلود جوزيف.


ثانياً: قضية الأسبوع

العلاقات التركية الأمريكية من “شراكة استراتيجية” إلى “إدارة خلافات”

بداية لا بد من التأكيد على أن العلاقات التركية الأمريكية هي علاقات استراتيجية بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأن الطرفين بحاجة بعضهما البعض فعليا، فهناك العديد من الملفات لا خيار فيها لواشنطن سوى الاعتماد على أنقرة. كما أن تلك العلاقات لم تكن يوما على ما يرام، خصوصا في ظل وجود حكومات قوية بتركيا، لأن الإدارات المتعاقبة في واشنطن كانت ترى في تركيا دولة وظيفية تؤدي ما يطلب منها حتى لو لم يكن ذلك مطابقا لمصالحها.

مقابل ذلك تبدو تركيا، خصوصا خلال العقدين الأخيرين بقيادة حزب العدالة والتنمية، حريصة على نوع من الاستقلالية في قراراتها، حيث نهجت في سياساتها الخارجية، استراتيجية قائمة على الانفتاح على جميع القوى العالمية النافذة، مع تحقيق قدر التوازن في علاقاتها مع تلك القوى، بما يحقق أكبر قدر من المصالح الاستراتيجية لتركيا. وقد نجحت أنقرة إلى حد كبير في تطبيق استراتيجية التوازنات، مما أهلها لتصبح قوة إقليمية يحسب لها حساب، ولتكون لاعبا رئيسا في عدة ملفات إقليمية معقدة، في مقدمتها الملفان السوري والليبي، ويكون لها ثقل سياسي وعسكري في مناطق القوقاز والبلقان.

من هنا، لا يفتأ الرئيس رجب طيب أردوغان يردد مقولة “تركيا الجديدة”، للتأكيد على النقلة النوعية التي حققتها أنقرة في السنوات الأخيرة، مما أهلها لتكون صاحبة كلمة بين الدول الرائدة في العالم بواسطة قوتها السياسية والاقتصادية، من خلال البنية التحتية المتينة التي أنشأتها في كل مجال، بدءا من التعليم وحتى الصحة والأمن والتكنولوجيا. رغم كل ذلك فإن النظام المؤسس في الولايات المتحدة ومعه بعض الإدارات الأمريكية، لا يريدون قبول هذه الحقيقة، ويحاولون القفز والالتفاف حولها في كل مرة.

ثمة مشكلات ذات طابع استراتيجي شكلت على الدوام – من وجهة نظر أنقرة – مصدر تهديد جدي للعلاقات بين البلدين، يضاف إليها توترات أقل أهمية، لكنها ساهمت هي الأخرى في تعكير صفو العلاقات بينهما. أولها، اختلاف التقديرات والتصورات لكل من تركيا والولايات المتحدة بخصوص ترتيبات الأمن في المنطقة، وعلى رأس هذه التباينات تقع مسألة دعم واشنطن لمنظومة “بي كا كا” الإرهابية بشتى فروعها ومختلف مسمياتها، واتخاذها شريكا استراتيجيا في الحرب على الإرهاب.

وتعتقد أنقرة أن الأمريكان لا يبالون بالأمن القومي التركي، ولا يكترثون لما سبق ومثلته هذه المليشيات الانفصالية من تهديد إرهابي، كلّف تركيا خلال ثلاثة عقود أكثر من تريليون دولار، وتسبب في مقتل ما يقارب أربعين ألف إنسان، عدا الضريبة الإنسانية لهذه الحرب.

ثانيا، يأتي دعم الكيان الموازي في السياق ذاته، حيث ما تزال واشنطن تصر على عدم تسليم فتح الله غولن، المتهم الأول بترتيب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016، رغم جميع الأدلة التي قدمتها أنقرة لواشنطن بهذا الخصوص.

ثالثا، التجاهل الأمريكي لمطالب تركيا بتأمين احتياجاتها الدفاعية الاستراتيجية، وكأنها تابع لا حليف استراتيجي، وهو ما بدا من تجاهل مطالب التسليح التي توجهت بها تركيا للدول الغربية، قبل أن تتجه لروسيا، مما يثير الشكوك لدى أنقرة حول الأسباب التي تقف خلف تجاهل مطالبها في الدفاع عن نفسها.

رابعا، قرار إدارة الرئيس جو بايدن بإخراج تركيا من مشروع طائرات F35، بالرغم من وفاء أنقرة الكامل بجميع التزاماتها تجاه المشروع.

خامسا، قضية المصرفي التركي هاكان أتيلا، الذي احتجزته السلطات الأمريكية في 27 مارس/ آذار 2017، بتهمة خرق العقوبات الأمريكية على إيران، وحكم عليه القضاء الأمريكي بالسجن لمدة 32 شهرا، ثم أفرجت عنه بعد 28 شهرا، وسلمته لتركيا.

سادسا، بعد توليه منصبه بثلاثة أشهر، أجرى الرئيس بايدن، الذي تحدث عن دعم المعارضة لإسقاط أردوغان في حملته الانتخابية، اتصالا هاتفيا بنظيره التركي ليبلغه بإقراره بما يسمى الإبادة الجماعية للأرمن.

إقرار بايدن، بأن الأرمن تعرضوا لمذبحة مزعومة على يد الإمبراطورية العثمانية عام 1915، وهو تصنيف حرص الرؤساء الأمريكيون السابقون على تجنب استخدامه، مراعاة لعلاقات الشراكة الاستراتيجية مع أنقرة.

ورغم نقاط الخلاف، تظل تركيا أحد المفاتيح المهمة للسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط والقوقاز والبلقان، انطلاقاً من الدور المهم لأنقرة كنافذة على محاور وبلدان ذات أهمية خاصة بالنسبة لواشنطن مثل إسرائيل والعراق وإيران وسوريا وأرمينيا وجورجيا وأذربيجان، ودورها المحوري في حفظ الاستقرار في الحزام الممتد من وسط أوروبا حتى تخوم الهند وروسيا.

يمكن إجمال الاتفاق والخلاف بين أنقرة وواشنطن من وجهة نظر الأخيرة على الشكل التالي: أثار شراء تركيا لمنظومة “أس400” الروسية مخاوف حقيقية لدى واشنطن، من انحراف تركيا باتجاه المحور الروسي المعادي لحلف الناتو. حيث لم يقتصر التعاون التركي الروسي على شراء المنظومة، فقد تطورت العلاقة بين الطرفين إلى مشاريع استراتيجية عملاقة في مجالات الطاقة النووية والتعاون في سوريا وارتفع مستوى التبادل التجاري بينهما إلى أرقام قياسية.

ترى الولايات المتحدة ومعها الدول الأعضاء في حلف “الناتو”، شراء تركيا للمنظومة الروسية تهديدا محتملا للأمن الجماعي الأوروبي، من دون النظر إلى المسؤولية الأوروبية عن توجه أنقرة شرقا، وبخاصة خذلان دول الناتو لتركيا أثناء تدهور علاقاتها مع روسيا على خلفية إسقاط الطائرة الحربية الروسية على يد ضباط أتراك من تنظيم الكيان الموازي.

قطعت تركيا شوطا بعيدا في تطوير صناعاتها الحربية، من حيث المبدأ لا ترى واشنطن بأساً في ذلك، لكن الأدوار العسكرية التي قامت بها مسيرات “بيرقدار” في ليبيا وسوريا وأذربيجان أذهل المراقبين العسكريين والسياسيين معا، وأصبحت كثير من الدول تنظر إلى تركيا كمنافس قوي في مجال الصناعات العسكرية.

في هذا الإطار بدأت واشنطن باتخاذ بعض الإجراءات التي من شأنها التضييق على قطاع الصناعات الحربية التركي. ترى الولايات المتحدة تركيا شريكا استراتيجيا، يلعب دورا هاما في خدمة المصالح الأمريكية بمنطقة القوقاز وآسيا الوسطى، يتمثل في مواجهة روسيا. التحول في استراتيجية المواجهة الأمريكية، من مواجهة روسيا إلى مواجهة الصين، ومحاولة إبعاد روسيا عن الصين، أدى إلى زيادة حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى التحالف مع تركيا.

وفي هذا الإطار، حددت الاستراتيجية الأمريكية الدور التركي في تمثيله خط دفاع متقدم في مواجهة روسيا، من خلال العمل على الحد من قدرتها، ومن سعيها إلى نشر نفوذها في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى. وقد لعبت تركيا هذا الدور بكفاءة منذ انضمامها إلى حلف الناتو عام 1952.

تدعم الولايات المتحدة العلاقات الاستراتيجية المتطورة بين تركيا وأوكرانيا، وترى تلك العلاقات مدخلا مناسبا لإقحام أنقرة في الملف الأوكراني الساخن، المرشح للانفجار في أي وقت. ويشكل الملف الأوكراني أحد خطوط التماس الساخنة بين الولايات المتحدة وروسيا، خصوصا بعد قيام الأخيرة باحتلال شبه جزيرة القرم.

نجحت الصين في اختراق القارة الإفريقية، من خلال تقديم خدمات غير محدودة في مجالات عدة، ولأن الوجود الأمريكي في القارة السمراء ضعيف، وخياراتها هناك محدودة، فهي بحاجة إلى شريك استراتيجي موثوق. لهذا السبب، تدعم الولايات المتحدة وجود تركيا وتمددها في القارة السمراء، كشريك استراتيجي يمكن العمل معه على كبح جماح التغول الصيني هناك، بما تملكه تركيا من روابط تاريخية وقوة ناعمة تؤهلها لبناء علاقات متينة هناك دون مصاعب تذكر، على عكس الدور الفرنسي والأوروبي غير المرغوب والمنبوذ إفريقيا، والذي لا يستطيع الصمود أمام التنين الصيني.

من بين الملفات الخلافية ذات الطبيعة الإقليمية التي تعقد الموقف الأمريكي من تركيا، ما تبديه أنقرة من تمسك بعلاقاتها مع إيران، ضاربة عرض الحائط بالتحذيرات والعقوبات الأمريكية، وهو ما أدى لعدد من حوادث الاحتكاك وتوتر العلاقات بين الطرفين، منها ملف اعتقال المصرفي التركي هاكان أتيلا. هناك دعايات سلبية، وعمليات شيطنة لتركيا في الولايات المتحدة، تقف وراءها قوى عديدة، في مقدمتها اللوبيات الصهيونية، وجماعة غولن التي تنشط هناك.

في كثير من الأحيان تقوم الإدارات الأمريكية باستخدام هذه الحالة السلبية للضغط على تركيا، من أجل دفعها لاتخاذ مواقف معينة، مثل ممارسة ضغوط أكثر على إيران، على سبيل المثال. وفي بعض الحالات يضطر الساسة الأمريكان إلى مجاراة ما يشاع في الصحافة الأمريكية لكسب أصوات الناخبين، فيقومون بالإدلاء بتصريحات عدائية ضد تركيا إرضاء للرأي العام الأمريكي، وهذا ما ترفضه تركيا بشدة. وقد اتفق الرئيسان أردوغان وبايدن على آلية للتخفيف من حدة التوتر الناتج عن تلك الحملات السلبية ضد تركيا.

في ضوء سعي أنقرة لزيادة نفوذها وتأثيرها في العالم الإسلامي، تأتي قضية القدس والمسجد الأقصى في مقدمة الرموز التي تعنى بها تركيا، وقد أدى إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في 7 ديسمبر/كانون الأول 2017 إلى مواجهة سياسية ودبلوماسية بين الولايات المتحدة وتركيا، التي تزعمت احتجاجا إسلاميا في مواجهة قرار نقل السفارة.

وتمثل العلاقات التركية المتوترة مع تل أبيب أحد أهم دوافع القلق الأمريكي من تركيا، خصوصا مع تنامي العلاقات بين حكومة “حزب العدالة والتنمية” وحركة “حماس” الفلسطينية. وقد ساهم قيام جهاز المخابرات التركي مؤخرا، باعتقال شبكة تجسس تعمل لحساب إسرائيل، في زيادة حالة التوتر بين البلدين.

ولا يخفى على أحد، أن أي توتر استراتيجي لأية دولة في منطقة الشرق الأوسط مع تل أبيب، سيؤدي بالضرورة إلى توتر في علاقاتها مع واشنطن.

تولي أنقرة أهمية بالغة للتحالف الراسخ متعدد الأبعاد مع الولايات المتحدة، الذي يعود تاريخه إلى أعوام طويلة، وقد نجحت علاقات الشراكة والتحالف بين البلدين في التغلب على جميع أنواع التحديات. هناك مجال كبير للتعاون مع الولايات المتحدة على نطاق واسع، بدءًا من سوريا مرورًا إلى ليبيا وأوكرانيا، إضافة إلى مكافحة الإرهاب والطاقة والتجارة والاستثمارات.

رغم كورونا، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا والولايات المتحدة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري 2021، أربع مليارات و272 مليون دولار، فيما وصلت الاستثمارات الأمريكية المباشرة في تركيا إلى 13 مليار دولار، وبلغت استثمارات الشركات التركية في الولايات المتحدة 7.2 مليارات دولار. وقد تم تحديد الحجم المستهدف للتجارة مع الولايات المتحدة بمبلغ 100 مليار دولار.

المزيد من المشاركات

بالتأكيد لا توجد عصا سحرية تنهي الخلافات كليًا بجرة قلم، إنما بالإمكان تحييد المواضيع الخلافية التي تؤدي إلى توتر العلاقات بين البلدين، والتركيز على القواسم المشتركة القائمة على المصالح المشتركة، وبناء آلية لإدارة المواضيع الشائكة. رغم المشاكل الكبيرة والخطيرة القائمة بين البلدين، فإن تاريخ وواقع العلاقات التركية الأمريكية ومجالات التعاون المشترك تشكل العامل الأساس في استمرار العلاقة بينهما.

ولأن البلدين لا يملكان خيار الطلاق البائن والتخلي عن خدمات بعضهما البعض، فهما مضطران للتركيز على المساحات المشتركة ومجالات التعاون وطرق حل المشاكل العالقة، وبهذا الصدد اتفق رئيسا البلدين في لقائهما الأخير بروما، على هامش “قمة العشرين” على تشكيل لجان مشتركة، تعنى بحل المشاكل وتذليل العقبات، ما يؤكد حقيقة بقاء تركيا حليفا استراتيجيا موثوقا للولايات المتحدة.


ثالثاً: حدث الأسبوع

 معرض “SAHA EXPO” الافتراضي للصناعات الدفاعية

توقع خلوق غورغون، رئيس مجلس إدارة شركة “أسيلسان” التركية للصناعات الدفاعية، عدد زوار معرض SAHA EXPO للدفاع والطيران، نحو 25 ألف زائر. وانطلق في إسطنبول معرض SAHA EXPO، ويستمر حتى 13 نوفمبر. وستنطلق النسخة الافتراضية للمعرض في 15 نوفمبر الجاري، ويشارك في المعرض الافتراضي حوالي 600 مشارك وعارض، من شركات تمثل 30 بلدا.

أبرز ما يميز المعرض مشاركة الشركات الصغيرة والمتوسطة “وشركات المقاولات التي لها جهود كبيرة في قطاع الصناعات الدفاعية، ولفت إلى أنهم يولون أهمية كبيرة لتوسيع نطاق تعاون شركة “أسيلسان” مع الشركات الصغيرة والمتوسطة، ليس فقط في الإنتاج والحصول على القطع الفرعية لبعض الأنظمة، وإنما فيما يخص التصميم أيضا، وتعاملت الشركة العام الماضي، مع 3200 شركة، منها 2917 شركة صغيرة ومتوسطة.

من أبرز خصائص المعرض، وجود منصات عدة تتيح لرواد الأعمال ومن لديهم أفكار معينة مشاركة أفكارهم والحديث عنها، عقد اللقاءات بين الشركات (B2B)، كما يمكّن المعرض الافتراضي الزوار من تجربة المنتجات بطريقة تفاعلية، إضافة إلى عرض تلك المنتجات بنماذج ثلاثية الأبعاد وبطريقة أكثر واقعية. وتم تأسيس “أسيلسان” لتلبية احتياجات البلاد بالقدرات والإمكانات المحلية والوطنية، ونجحت الشركة خلال السنوات الثلاثة الماضية في توطين 411 مشروعا في الصناعات الدفاعية. والعام الماضي، أصبحت “أسيلسان” أول شركة تركية، تدخل ضمن قائمة الـ 50 الأكبر على مستوى العالم، في مجال الصناعات الدفاعية.


رابعاً: المشهد الاقتصادي

صادرات السيارات تحقق نموًا بقيمة 19٪

حققت صادرات تركيا من السيارات، نمواً بنسبة 19٪، خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الحالي، مقارنة بنفس الفترة من العام السابق. وبحسب بيانات اتحاد “أولوداغ” لمصدري السيارات، فإن الفترة بين يناير إلى أكتوبر 2021، شهدت تصدير سيارات بقيمة 23 مليار و852 مليونا و903 ألف دولار، وأضاف أنهم يهدفون إلى رفع صادرات القطاع إلى 30 مليار دولار، بحلول نهاية العام الحالي.

التبادل التجاري التركي مع أذربيجان يصل إلى 3 مليارات دولار

قال نائب وزير الخزانة والمالية، نور الدين نباتي، إن بلاده عززت التبادل التجاري مع أذربيجان ووصل إلى نحو 3 مليارات دولار. مع الهدف للوصول إلى 15 مليار دولار خلال 5 أعوام. وأعرب وزير الاقتصاد الأذربيجاني، ميكائيل جباروف، عن ترحيبهم بالعمل مع “موصياد” في العديد من المشاريع المتواصلة في بلاده، وخاصة في “قره باغ.” وقال أرول يارار، رئيس منتدى الأعمال الدولي والرئيس المؤسس لـ “موصياد”، إنهم يرغبون في مشاركة تجربة تركيا بمجالات السياحة والزراعة، مع أذربيجان.

شركة تركية تبرم اتفاقية لإقامة خط إنتاج أعيرة نارية في منغوليا

وقعت شركة “صناعة الآلات والكيماويات” التركية (MKE)، اتفاقية لإنشاء خط إنتاج أعيرة نارية في منغوليا. جاء ذلك خلال زيارة وزير الدفاع المنغولي سيخانبايار غورسيد، مصنع الشركة لإنتاج الأعيرة النارية في أنقرة. وبموجب الاتفاقية ستقيم الشركة خط إنتاج في منغوليا تبلغ قدرته الإنتاجية السنوية 10 ملايين طلقة. وقال غورسيد؛ إن تركيا دول متطورة في الصناعات الدفاعية، وأعرب عن ثقته بأن مؤسسات البلدين ستقدمان على خطوات هامة عبر اتفاقيات التعاون الثنائية.

نمو مشتريات الأجانب من العقارات 38٪

حققت مبيعات العقارات للأجانب في تركيا، نموًا بـ 38٪، خلال الأشهر 10 الأولى من العام الحالي، مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2020. بلغ إجمالي مبيعات العقارات للأجانب، 43372 عقارا خلال الفترة بين يناير إلى أكتوبر 2021. وتصدرت إسطنبول، الولايات الأكثر بيعاً للعقارات للأجانب، بـ 20247 عقار، تلتها أنطاليا بـ 8640 عقار، ثم أنقرة بـ 20775 عقار. وعلى صعيد الأجانب الأكثر شراء للعقارات في تركيا، تصدر الإيرانيون القائمة بـ 7188 عقار، تلاهم العراقيون بـ 6547، ثم الروس بـ 3658، والأفغان 2277 عقار. قال عمر فاروق آقبال، رئيس جمعية الترويج للعقارات في الخارج (GİGDER)، إنهم يهدفون إلى بيع 50 ألف عقار للأجانب في تركيا، بحلول نهاية العام الحالي لتحقيق عائدات بيع العقارات للأجانب بقيمة 10 مليارات دولار.

بورصة إسطنبول تحقق رقما قياسيا بتجاوزها 1.700 نقطة

حقق المؤشر الرئيسي لبورصة إسطنبول “BIST 100” رقمًا قياسيًا خلال تعاملات الإثنين، مدعومًا بارتفاع أسهم قطاع البنوك. وحقق المؤشر الرئيسي للبورصة أعلى مستوى له على الإطلاق ببلوغه 1.709,88 نقطة في تعاملات النصف الأول من اليوم. وسجل المؤشر زيادة بلغت 3.97٪ بواقع 65.10 نقاط مقارنة بالإغلاق السابق له عند الساعة 13:00 بالتوقيت المحلي، ليرتفع إلى 1.703,60 نقطة. ووصل إجمالي حجم التعاملات خلال الفترة المذكورة إلى 18.7 مليار ليرة تركية. وكان أعلى ارتفاع من نصيب مؤشر قطاع البنوك بنسبة 9.54٪، متأثرا بإعلان مجموعة BBVA المصرفية الإسبانية متعددة الجنسيات، كونها ستقدم عرض استحواذ طوعي لمصرف “غارانتي” في تركيا.

استثمارات “هواوي” في تركيا تصل 184 مليون دولار

كشف مدير عام “هواوي” في تركيا، جينغ لي، أن استثمارات شركته في هذا البلد، وصلت 184 مليون دولار. وأضاف في بيان، أنهم يواصلون الاستثمار في تركيا منذ أكثر من 11 عاماً. وأضاف أن تركيا باتت ثاني أكبر مركز للأبحاث والتطوير لـ “هواوي” خارج الصين، مبيناً أن استثماراتهم في هذا البلد، بلغ 184 مليون دولار. وأشار إلى أن استثمارات “هواوي” في تركيا، وفرت فرص عمل لـ 900 مهندس تركي، لافتاً إلى أن هؤلاء المهندس يقدمون حلولاً تكنولوجية للأسواق داخل وخارج تركيا.


خامساً: اعرف تركيا

 كابادوكيا

تتمتع كابادوكيا بموقع مميز في وسط تركيا، بمقاطعة نوشهير شرق هضبة الأناضول، على ارتفاع يزيد عن 1000 متر فوق مستوى سطح البحر، مع قمم بركانية يصل ارتفاعها إلى 3916 متر.

يحدها غربًا إقليمي لايكونيا وغلاطية، ونهر الفرات من الشرق، وسلسلة جبال طوروس جنوبًا، وسلسلة البحر الأسود الجبلية شمالًا. وتمتد منطقة كابادوكيا من غرب مدينة قيصري إلى أكساراي، وتشمل مدن نوشهير وجوريم وأفانوس وأوروغوب وأوشيسار وأورتاهيسار وكافوشين.

تعاقب على منطقة كابادوكيا إمبراطوريات عديدة خلفت ورائها تاريخ غني وآثار ومعالم فريدة، أبرزها الإمبراطورية البيزنطية. ومنذ عام 1071 بدأت العشائر التركية تحت قيادة السلاجقة باستيطان تلك المنطقة، وفي القرن الخامس عشر سيطرت عليها الإمبراطورية العثمانية.


سادساً: شخصية المشهد

مصطفى كوتشاك

تخرج من كلية الحقوق بجامعة اسطنبول، عمل محامي ومؤسس ومدير في العديد من الشركات في إسطنبول، حصل على الدكتوراه في القانون العام من جامعة اسطنبول مع أطروحته حول “الوضع القانوني للأحزاب السياسية وفقًا لدستور عام 1982. بين الأعوام 1995-1998، درس القانون في جامعة جناق قلعة، وشغل منصب رئيس قسم الإدارة العامة ونائب العميد.

عُيِّن في كلية الحقوق بجامعة كوجالي عام 1998، أصبح أستاذًا مشاركًا في عام 1999 وأستاذًا في عام 2005، أجرى أبحاثًا وألقى ندوات في كلية الحقوق بجامعة جلاسكو باسكتلندا في الأعوام 2001-2002 و 2004، وأجرى أبحاثًا علمية وشارك في مؤتمرات بجامعة جورج تاون بالولايات المتحدة الأمريكية في 2007-2008، له كتبًا والعديد من المقالات باللغتين التركية والإنجليزية، يشغل كوتشاك حاليًا منصب العميد المؤسس لكلية الحقوق بجامعة أوكان.


سابعاً: مقال المشهد

محاولات تقويض قدرات تركيا الهجومية.. القوّة الجوّية نموذجاً   د. علي حسين باكير

اعتبر رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، بوب منينديز، أنّ المسيّرات التركيّة بمثابة مسألة أمن قومي عندما قال إنّ مبيعات المُسيرّات التركية خطيرة وتزعزع الاستقرار وهي بمثابة تهديد للسلام وحقوق الإنسان. وأعلن منيديز قبل أيام قليلة عن اقتراح تعديلات على قانون الدفاع الوطني المتعلق بنفقات الدفاع للعام المالي 2022 وذلك من خلال مشروعي قانونين إضافيين أشار فيها إلى ضرورة مراقبة برنامج المسيّرات التركية وتقديم وزارتي الخارجية والدفاع تقارير دورية عن صادرات المسيّرات التركية منذ عام 2018، والتحقّق مما إذا كانت المسيرات التركية تحتوي على أجزاء أو تقنيات تنتجها شركات أمريكية، ومنعها في حال تبيّن أن هناك أي قطع أمريكية.

وقال منينديز في مشروع القانون، إنّ “المسيرات التركية لعبت دورًا حاسمًا في الحرب بين أرمينيا وأذربيجان العام الماضي، ومنذ ذلك التاريخ فقط اشترت كل من بولندا والمغرب وأوكرانيا طائرات بيرقدار TP2، وتبدي العديد من الدول اهتمامًا بما فيها أنغولا وإثيوبيا والنيجر ونيجيريا ورواندا”. البعض فسّر موقف منينديز بأنّه نابع من تأثّره بعمل اللوبيات الأرمنيّة واليونانية التي تمارس ضغطاً قوّياً في واشنطن ضد تركيا إلى جانب لوبيات أخرى مثل إسرائيل والإمارات.

وإن كان مثل هذا التفسير صحيحاً، إلاّ أنّه يجب النظر إلى الموقف الأمريكي بمجمله، وهو موقف يستهدف تقويض قدرات تركيا العسكرية من خلال حرمانها مما من شأنه أن يساعد على تحقيق استقلالية قدراتها العسكرية لاسيما في التكنولوجية الحسّاسة. الأزمة المفتعلة إزاء مقاتلات F-35، تعدّ مثالاً صارخاً على ذلك.

خلال الأعوام القليلة الماضية، تذرّع عدد كبير من المسؤولين والخبراء والمحللّين بشراء تركيا نظام الدفاع الصاروخي لتبرير حرمان واشنطن لأنقرة من حصولها على مقاتلات F-35 وإنزال عقوبات بحقّها. لكنّ تقديم المشرّعين الأمريكيين طلبات إعفاء من العقوبات مؤخراً في الكونغرس للهند لشرائها نفس المنظومة التي حصلت عليها تركيا S-400 يشير إلى أنّ الموضع لا يتعلق بحقيقته بروسيا وإنما بقدرات تركيا الصاعدة.

الولايات المتّحدة تريد تقييد الاستقلالية المتزايدة لأنقرة على صعيد قرارات السياسة الخارجية والقدرات العسكرية. ولتحقيق ذلك، تسعى واشنطن منذ فترة إلى زيادة الضغط على تركيا بكل السبل الممكنة لاسيما في المواضع الحسّاسة ذات الطابع الاقتصادي أو العسكري.

وتمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي بعد الولايات المتّحدة، ولا تزال تحتفظ بمرتبة ثالث أكبر مشغّل لمقاتلات F-16 في العالم بعد الولايات المتّحدة وإسرائيل، علاوةً على كونها واحدة من بين دول خمس دول في العالم فقط تنتج المقاتلة محلّياً بترخيص من لوكهيد مارتن الأمريكية. وعلى الرغم من التحديثات التي كانت أنقرة قد أدخلتها على قوتها الجوّية خلال العقدين الماضيين، إلاّ أنّ أسطول مقاتلتها كان قد بدأ يشيخ، ولذلك، فقد كانت الخطّة تقتضي استبدال مقاتلة F-35 المتعددة المهام من الجيل الخامس الأكثر تطوراً في العالم بهذا الأسطول. وخططت تركيا لشراء 100 مقاتلة، وانخرطت فعلياً في برنامج إنتاج المقاتلة، ودفعت مقدّماً ثمن عدّة مقاتلات.

عندما حان موعد تسليم أولى المقاتلات من طراز F-35، قام الكونغرس بتقديم طلب تجميد التسليم، وتحوّل لاحقاً الى إلغاء التسليم، ثمّ تطورّ الى طرد تركيا من برنامج إنتاج المقاتلة، وصولاً إلى فرض عقوبات على أنقرة. أمّا الذريعة التي تمّ استخدامها لتبرير ذلك فقد كانت شراء أنقرة لمنظومة الدفاع الصاروخي الروسية الصنع S-400، وإمكانية نقل معلومات حسّاسة عن المقاتلة إلى موسكو. لكنّ عدداً من التطورات اللاحقة تُفنّد هذه الذريعة بما لا يترك مجالاً للشك في نوايا واشنطن من بينها المطالبة باستثناء الهند من العقوبات إزاء شرائها نفس المنظومة.

لست متفائلاً بشكل كبير في ظل سياسة التسويف والمماطلة الأمريكية. ولو افترضنا أنّ الرئيس الأمريكي يحمل نوايا إيجابية تجاه هذا المقترح، ستبقى عقبة الكونغرس الذي يخضع للوبيات أقلّوية قائمة، وسيكون من الصعب حلّها إذا كانت العقليات الموجودة ستتصرّف بأسلوب منينديز، لكن آمل أن أكون مخطئاً.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه، ما هي البدائل المتوافرة لدى تركيا في حال تمّ حرمانها من F-35 بشكل نهائي مستقبلا؟ لدى أنقرة القدرة على إطالة حياة أسطول مقاتلاتها من F-16 من خلال قدراتها المحلّية أو من خلال الاستعانة بالقطع التي كانت قد خزّنتها في مرحلة ما قبل العقوبات، لكنّ هذا الحل لن يعوّضها عن مقاتلة من الجيل الخامس في وقت بدأت فيه دول عديدة تطوّر قدراتها الجوية من بينها إسرائيل التي حصلت على المقاتلة من أمريكا، والإمارات التي تقدّمت بطلب لشرائها، واليونان التي تسعى إلى شرائها أيضاً فضلاً عن حصولها على مقاتلة رافائيل الفرنسية.

وبالرغم من أنّ خطّة تركيا إنتاج مقاتلة محلّية الصنع من الجيل الخامس TFX تسير بشكل إيجابي مع إعلان شركة (TAI) المسؤولة عن المشروع إنتاجها أمس بشكل رسمي القطعة الأولى من أصل 20 ألف قطعة ستُشكّل المقاتلة المنتظرة، إلا أنّ الموعد المعلن لإنتاج المقاتلة طموح للغاية ومن المتوقع أن يتطلب إنتاجها وقت أكبر وهو ما يعني أنّه ستكون هناك فجوة زمنية بين توقيت إعلان تقاعد أسطول مقاتلات F-16 ودخول مقاتلة تركيا محلّية الصنع TFX الخدمة، وهي فجوة قاتلة قد تهدّد بتقويض قدرات تركيا الجوية الهجومية.

أمّام هذا الواقع، برز خيار إمكانية التوجّه إلى روسيا للحصول على مقاتلتها من الجيل الخامس من طراز SU-57، لكن هذا الخيار ينطوي على مخاطر عظيمة وتكاليف عالية جداً ولذلك فقد حاولت أنقرة استخدامه كمناورة للضغط باتجاه السماح لها بالحصول على مقاتلات F-35 لكن عناد الجانب الأمريكي وإصراره على المسار الخاطئ دفع تركيا إلى بحث خيار آخر قد يكون الأخير قبيل توجّهها مجدداً إلى روسيا.

تركيا اقترحت شراء مقاتلات F-16 الشهر الماضي، ويبدو أنّ هذه الورقة تستهدف تحقيق خرق في إدارة الأزمة بين الطرفين، ومد عمر أسطولها بشكل أكبر إلى حين إنتاج مقاتلتها المحليّة ما لم يتم السماح لها بالحصول على F-35 وتحقيق تقدّم في التعاون السياسي والدفاعي في أمريكا بعد عقد من التراجع الكبير.

إلى أي مدى من الممكن لهذه الخطوة أن تنجح؟شخصياً، لست متفائلاً بشكل كبير في ظل سياسة التسويف والمماطلة الأمريكية. ولو افترضنا أنّ الرئيس الأمريكي يحمل نوايا إيجابية تجاه هذا المقترح، فستبقى عقبة الكونغرس الذي يخضع للوبيات أقلّوية قائمة، وسيكون من الصعب حلّها إذا كانت العقليات الموجودة ستتصرّف بأسلوب منينديز، لكن آمل أن أكون مخطئاً. ([1])


([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.