المرصد الخليجي – العدد 45

هذا العدد

يتناول التقرير أهم تطورات المشهد الخليجي الخارجي خلال النصف الأول من شهر سبتمبر 2021، وذلك من خلال ثلاث دوائر: الخليجية-الخليجية، والخليجية-الإقليمية، والخليجية-الدولية.

أولاً: التطورات الخليجية-الخليجية، وكان أبرزها مباحثات سعودية قطرية لتعزيز التعاون الأمني، من خلال زيارة وزير الداخلية السعودي للدوحة ولقاءه بأمير قطر، بجانب تسليم سفير الدوحة لدى الرياض أوراق اعتماده ممثلا لقطر لنائب وزير الخارجية السعودي.

ثانياً: التطورات الخليجية-الإقليمية، فيما يتصل بالدائرة العربية، شملت العراق وزيارة وزير الداخلية السعودي للعراق ولقاءه رئيس وزرائها الكاظمي، وعقد لجنة سعودية عراقية اجتماع للتباحث حول زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين من خلال معبر عرعر البري، وكذلك مصر حيث عقدت لجنة المتابعة المصرية القطرية المنبثقة عن قمة العلا اجتماعها السابع لدفع العلاقات بين البلدين قدما، والجزائر حيث زيارة وزير الخارجية السعودي للجزائر، في ظل أزمة دبلوماسية بين الأخيرة وجارتها المغرب. أما الدائرة الأسيوية فتركزت على تطورات الأوضاع في أفغانستان واستمرار الدور القطري الفاعل في هذه الأزمة. أخيرا إيران وتطورات الملف النووي الإيراني، بالأخص التوصل لاتفاق بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية ونظيرتها الإيرانية فيما يخص مراقبة المواقع النووية الإيرانية.

ثالثاً: التطورات الخليجية-الدولية: تمثلت في سحب الولايات المتحدة لبطاريات باتريوت من السعودية، وتداعيات هذه الخطوة، وما تلاها من خطوات عملية ممثلة في تسليم اليونان السعودية بطاريات باتريوت، وإنشاء السعودية لجنة لتطوير المنظومة الدفاعية في البلاد.

أولاً، التطورات الخليجية-الخليجية

مباحثات سعودية قطرية لتعزيز التعاون الأمني

في 4 سبتمبر 2021، وصل وزير الداخلية السعودي الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف إلى قطر في زيارة رسمية للبلاد. وخلال هذه الزيارة، عقد الوزير السعودي مع الشيخ خالد بن خليفة آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية القطري جلسة مباحثات رسمية، تناولت سبل تعزيز وتطوير مسارات التعاون المشترك بين وزارتي الداخلية في البلدين[1]. كما بحث بن نايف في 6 سبتمبر، مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني تطوير العلاقات الثنائية والتعاون الأمني. وفي ذات السياق، نقلت وكالة الأنباء السعودية “واس”، أن الأمير عبد العزيز بن سعود، نقل تحيات الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، لأمير قطر، و”تمنياتهما لدولة قطر حكومة وشعباً بدوام الرقي والازدهار[2]“.

وفي ذات السياق، في 7 سبتمبر، سلم سفير الدوحة لدى الرياض بندر بن محمد العطية، أوراق اعتماده ممثلا لقطر إلى نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي. وأفادت الخارجية السعودية بأن الخريجي استقبل العطية في ديوان الوزارة بالرياض، نيابة عن وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان (يقوم حاليا بزيارة لنيجيريا). وفي 11 أغسطس الماضي، كان أمير قطر قد قرر تعيين العطية “سفير فوق العادة مفوض” لدى السعودية، للمرة الأولى منذ أزمة الخليج التي اندلعت في 2017 وانتهت أوائل العام الجاري باتفاق مصالحة بالمملكة. ويتمتع “السفير فوق العادة” بصلاحيات قانونية واسعة، تشمل توقيع اتفاقيات باسم الدولة أو الهيئة التي يمثلها، خلافا للسفير العادي[3].

تشير هذه التطورات لاستمرار العلاقات السعودية القطرية في مسارها الإيجابي، والدفع قدما لتجاوز أزمات الماضي، بل وتجاوز مستويات التعاون السابقة لمستويات أعلى وذات أبعاد استراتيجية، تحول دون تجدد أزماتهما البينية. ولقد مكن حل الأزمة الخليجية قطر من تثبيت دعائم دورها الإقليمي، مكسبا إياه فاعلية أكثر، حيث يتمحور الدور الإقليمي القطري حول القيام بدور الوساطة وفض النزاعات. وبالتالي في هذا السياق، مكن حل الأزمة الخليجية قطر من تدعيم هذا الدور من خلال بعدين: الأول هو أنه كيف لقطر أن تقوم بدور الوساطة وفض النزاعات الإقليمية وهي ذاتها واقعة في أزمة إقليمية شديدة، وبالتالي حل الأزمة رفع الحرج عن قطر في هذا الصدد، الثاني أن الأزمة كانت تستهلك الجهود القطرية ماليا وسياسيا ودبلوماسيا، وتشتت جهودها وتركيزها، أما بعد المصالحة الخليجية، فقد مكّنت قطر من تركيز جهودها على لعب دورها الإقليمي، من خلال تركيز الجهود والموارد في هذا الاتجاه، بدلا من تشتيته بين مواجهة الأزمة وممارسة الدور.

ثانياً، التطورات الخليجية الإقليمية

1_الخليجية-العربية

(أ) الجزائر

زيارة وزير الخارجية السعودي للجزائر

في 14 سبتمبر 2021، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، في زيارة لم تعلن مسبقا، وقال “بن فرحان” عقب اللقاء إنه نقل للرئيس تبون رسالة من الملك سلمان (من دون أن يكشف فحواها)، فيما ذكرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية أنه “جرى خلال الاستقبال استعراض العلاقات التاريخية الراسخة التي تربط البلدين والشعبين الشقيقين وسبل تطويرها في المجالات كافة”.[4]

في قراءة أبعاد هذه الزيارة ودوافعها، يمكن الإشارة إلى الخلافات بين الجزائر والمغرب، والتي وصلت أوجها حينما أعلنت الجزائر سحب سفيرها من المغرب، ويبدو أن هناك مساعي سعودية لحل هذه الأزمة، وما يرجح ذلك أن الزيارة جاءت مفاجئة ولم تكن معلنة مسبقاً. على الرغم أن المبعوث لدول المغرب العربي والصحراء الغربية بالخارجية الجزائرية عمار بلاني، في تصريح للإعلام، قد نفى تضمن جدول أعمال زيارة وزير الخارجية إلى بلاده، وساطة الرياض للخلاف بين الجزائر والمغرب[5].

 (ب) مصر

لجنة المتابعة القطرية-المصرية تعقد اجتماعها السابع

في 14 سبتمبر 2021، عقدت لجنة المتابعة القطرية المصرية في الدوحة اجتماعها السابع المنبثق عن “بيان العلا”، برئاسة السفير علي بن فهد الهاجري المبعوث الخاص لوزير الخارجية القطري للشؤون الإقليمية، والسفير ياسر عثمان مساعد وزير الخارجية بجمهورية مصر العربية. كما عقدت اللجنة القانونية القطرية المصرية اجتماعها السادس يومي 13-14 سبتمبر الجاري في الدوحة، برئاسة السفير الشيخ محمد بن حمد آل ثاني مدير إدارة الشؤون القانونية بوزارة الخارجية، والمستشار مصطفى البهبيتي مساعد وزير العدل للتحكيم والمنازعات الدولية في جمهورية مصر العربية.

ونتج عن الاجتماعات التوصل لاتفاق بشأن العديد من المسائل المعروضة على جداول أعمال اللجان، والتوقيع على عدد من الاتفاقيات الثنائية بين البلدين لتعزيز التعاون والتنسيق بين الجهات المختصة. وقد وقعت الشركة القطرية للخدمات البريدية مع الهيئة القومية للبريد المصرية، اتفاقية وبروتوكولا في مجال التعاون البريدي. كما وقعت هيئة الطيران المدني بدولة قطر مع سلطة الطيران المدني بجمهورية مصر العربية، مذكرة تفاهم في مجال النقل الجوي[6].

تسير العلاقات المصرية القطرية بخطى ثابتة نحو تجاوز خلافات الماضي وتعزيز روابطهما الاقتصادية والسياسية. ولا يبدو أن هذا التحسن سيكون له انعكاسات على ملف جماعة الإخوان المسلمين في مصر وغيرها من جماعات المعارضة، إذ أن هناك اتفاق ضمني على تجاوز هذا الملف والانتقال مباشرة للملفات التي تمثل مصلحة مشتركة للبلدين. لكن على المدى المتوسط أو البعيد قد تمثل الأجواء الإقليمية فرصة لحلحلة هذا الملف، ولعل تلميح السيسي بهذا الأمر، أي إمكانية التصالح مع جماعة الإخوان، مؤشراً لذلك، وإن كان مثل هذه التطورات تحتاج لوقت طويل لكي تتبلور. لكن المؤكد أن أجواء صراع المحاور الإقليمية الذي استمر طيلة السنوات الماضية كانت مشجع لزيادة واستمرار حدة التصعيد بين الدولة وجماعة الإخوان، وبالتالي فإن التلاشي التدريجي لهذه الصراعات أو خفوت حدتها على الأقل، على الرغم أنه لن يؤدي بشكل مباشر لحل أزمة جماعة الإخوان في مصر وغيرها من جماعات المعارضة، لكنها قد تمهد الطريق وتهيئ الأجواء لمثل هذا الحل مستقبلا.

(ج) العراق

الرياض وبغداد تبحثان تطوير التعاون الأمني التجاري

في 4 سبتمبر 2021، استقبل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي وزير الداخلية السعودي الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، الذي قام بزيارة رسمية إلى بغداد. وجرى خلال اللقاء بحث التعاون الأمني، وأهمية تطويره في مختلف المجالات الأمنية، لا سيما في مجال مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود بين البلدين، فضلاً عن تبادل الخبرات الأمنية، وكلّ ما من شأنه أن يسهم في تحقيق أمنهما واستقرارهما. من جانب آخر، عقد وزير الداخلية السعودي، جلسة مباحثات رسمية مع نظيره العراقي الفريق أول الركن عثمان الغانمي، جرى خلالها بحث سبل تعزيز وتطوير التعاون المشترك بين وزارتي الداخلية. في شأن متصل، التقى وزير الداخلية السعودي، برئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي، ومستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، كل على حدة، وبحث معهما عددا من الموضوعات ذات الصلة بتعزيز مسارات التعاون الأمني بين البلدين[7].

وفي 15 سبتمبر، اتفق العراق والسعودية على زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين عبر منفذ عرعر البري، وفق بيان لهيئة الجمارك العراقية. جاء ذلك خلال اجتماع عقد في بغداد بين وفدين عراقي برئاسة رئيس هيئة المنافذ الحدودية اللواء عمر الوائلي، وسعودي برئاسة المحافظ لهيئة الزكاة والضريبة والجمارك سهيل بن محمد بن عبد العزيز. وبلغ حجم التبادل التجاري بين العراق والسعودية خلال 2020 نحو مليار دولار. ومعبر عرعر الحدودي هو المنفذ الوحيد الذي يربط السعودية والعراق، خصص طيلة السنوات الماضية لنقل الحجاج فقط، ولم يسمح نقل البضائع من قبل القطاع الخاص أو سفر الأشخاص، واقتصر على الاستيراد والتصدير لتعاملات الشركات الحكومية. وكان مجلس الوزراء العراقي أقر في مايو 2019 مشروع قانون تشجيع وحماية الاستثمار بين الحكومتين العراقية والسعودية. واستأنفت الرياض علاقاتها الدبلوماسية مع بغداد في ديسمبر 2015، بعد 25 عاما من انقطاعها جراء الغزو العراقي للكويت عام 1990، وبدأت العلاقات تتحسن عقب زيارة أجراها وزير الخارجية السعودي آنذاك، عادل الجبير إلى بغداد في 25 فبراير[8]2017.

لقد أخذت العلاقات السعودية-العراقية منذ فترة منحا أكثر إيجابية وفاعلية في ظل جهود إقليمية ودولية لمزاحمة النفوذ الإيراني في بغداد. ويعد التطور المتعلق بمساعي تعظيم حجم التبادل التجاري بين البلدين ليس بمفاجئ، وهو استمرار واستكمال لجهود سابقة، والتي تركزت حول الجوانب الاقتصادية. حتى التطور المتعلق بزيارة وزير الداخلية السعودي واللقاءات على المستوى الأمني، والتي يمكن أن يفهم منها انتقال العلاقات بين الطرفين من المربع الاقتصادي للأمني، إلا أن هذه الزيارة أيضا تهدف في النهاية للتباحث حول معبر عرعر الحدودي، أي ذات بعد ومغزي اقتصادي أمني. إذ أن دخول المباحثات بين البلدين حول صميم الملفات الأمنية والمتعلقة بدور الميليشيات العسكرية في بغداد وغيرها من الملفات قد يثير فيتو إيراني.

2_الخليجية-الأسيوية

(أ) أفغانستان

صعود طالبان واستمرار الدور القطري الفاعل

في 2 سبتمبر 2020، خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، مع نظيره القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في الدوحة، أكد راب بأن المملكة المتحدة لا تعتزم الاعتراف بـ “طالبان”  كحكومة شرعية في أفغانستان في الوقت الحالي، غير أن الوضع الراهن يتطلب التعامل مع الحركة، وقال إنه بحث مع نظيره القطري العمل على ضمان عدم تحول أفغانستان إلى مأوى للإرهاب في المستقبل، وإيجاد سبل لتفادي اندلاع أزمة إنسانية في البلاد، والحفاظ على استقرار المنطقة، وأكد راب أنه اجتمع أيضا مع أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، مشيرا إلى أن النفوذ الإقليمي الذي تتمتع به الدوحة تجعلها لاعبا رئيسيا في الملف الأفغاني[9].

وفي 4 سبتمبر، بحث مارتن غريفيث وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مع وزير الخارجية القطري الوضع في أفغانستان،  وناقش غريفيث ووزير الخارجية القطري في الدوحة التنسيق القائم بين قطر ومكتب الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، وشدد الوزير القطري على دعم بلاده الجهود الدولية الإنسانية، والتزامها بالتعاون مع الأمم المتحدة في ما يخص الشؤون الإنسانية. وكانت قطر وقّعت في مارس الماضي اتفاقية لإنشاء مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في البلاد.

في هذه الأثناء، بدأ مطار حامد كرزاي الدولي في كابل تسيير رحلات داخلية للمرة الأولى بعد رحيل القوات الأميركية، حيث قام فريق فني قطري بإصلاح جانب من الأضرار في المطار، بتشغيل الممرات الإنسانية الآمنة ولضمان استمرار تدفق المساعدات إلى مطار كابل. كما أعلنت قطر وصول طائرة قطرية تحمل 15 طنا من المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية إلى المطار، كما تم الإعلان عن فتح ممرات آمنة لتسيير رحلات دولية عبر المطار لتقديم المساعدات الإنسانية[10].

وفي 9 سبتمبر، بدأ وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني جولة خارجية شملت إيران  وباكستان وروسيا وتركيا، وتتمحور حول الملف الأفغاني إضافة إلى العلاقات الثنائية. أتت زيارة الشيخ محمد بن عبد الرحمن لطهران بعد يومين على زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن للدوحة، حيث حصل على تعهد جديد من طالبان بالسماح للأفغان الراغبين في مغادرة البلاد بالخروج دون عراقيل[11]. وفي 12 سبتمبر، أجرى وزير خارجية قطر محادثات مع رئيس الحكومة الذي عينته طالبان الملا محمد حسن أخوند، في أرفع زيارة يقوم بها مسؤول أجنبي لكابول، منذ سيطرة الحركة على العاصمة الأفغانية الشهر الماضي. وقالت وزارة الخارجية القطرية؛ إن الشيخ محمد بن عبد الرحمن دعا خلال لقائه برئيس الحكومة الأفغانية، المسؤولين الأفغان إلى إشراك جميع الأطراف الأفغانية في المصالحة الوطنية[12].

وفي 13 سبتمبر، بحث أمير قطر مع وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، مستجدات الأوضاع الإقليمية وتطورات الأوضاع في أفغانستان، جاء ذلك خلال لقائهما بالعاصمة القطرية الدوحة. وقدم لودريان الشكر لأمير قطر على جهود بلاده في عمليات إجلاء المواطنين الفرنسيين من العاصمة الأفغانية كابول، ودورها في دعم وتعزيز عملية السلام في أفغانستان. وفي وقت سابق، عقد وزير الخارجية القطري جلسة مباحثات مع نظيره الفرنسي، أكد خلالها استعداد الدوحة لدعم جهود المصالحة الوطنية في أفغانستان والتعاون مع جميع الوكالات الأممية لدعم الجهود الإنسانية في كابول[13].

أخيرا في 14 سبتمبر، أكد وزير الخارجية القطري في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس عقب محادثاتهما في الدوحة، أنه لا يمكن عزل أفغانستان، قائلا إن مقاطعتها ليست حلا. وأضاف الوزير القطري أن السبيل الوحيد لإخراج أفغانستان من الوضع الحالي هو الحوار، كما دعا الجميع إلى التحاور مع الأفغان. ودعا إلى تضافر الجهود الدولية لتوفير المساعدات للشعب الأفغاني، مشيرا إلى أنه تم التأكيد خلال المباحثات مع نظيره الإسباني على أهمية حرية التنقل من وإلى أفغانستان[14].

المزيد من المشاركات

إن هذه التطورات السابقة تشير لمدى تعاظم وفاعلية الدور القطري في الملف الأفغاني، سواء من خلال استضافته مقر المكتب السياسي لطالبان الذي أشرف على المفاوضات مع الولايات المتحدة، التي أفضت في نهاية المطاف إلى انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، وما تبعه من دور قطري في عملية إجلاء رعايا الدول الأوروبية والولايات المتحدة، بجانب الأفغان الذين كانوا على تعاون معهم، وكذلك تأهيل مطار العاصمة كابل للرحلات الداخلية ثم الخارجية بعد ذلك، وأخيرا وسيطا لتأهيل حكومة طالبان لنيل اعتراف دولي وغربي بها.

إن قيام قطر بدور الوساطة وفض النزاعات الإقليمية ليس بجديد عليها، لكن الجديد هو تضافر متغيرات جديدة مكّن قطر من زيادة فاعلية هذا الدور، أهمها حل الأزمة الخليجية، وتفرغ قطر لدورها الإقليمي وعدم تشتيت جهودها بين مواجهة أزماتها وحل أزمات الآخرين، أيضا المتغير الآخر هو وصول بايدن لحكم الولايات المتحدة، والذي يسعى منذ وصوله لحل الأزمات الإقليمية، ما أدى في المحصلة للتخفيف من حدة صراع المحاور الإقليمية، وهو ما  يعني بروز دور وأهمية قطر في الاستراتيجية الأمريكية في عهد بايدن مقارنة بعهد ترامب.

3_الخليجية-الإيرانية

التوصل إلى اتفاق بين إيران ووكالة للطاقة الذرية

في 12 سبتمبر 2021، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها توصلت إلى اتفاق مع إيران بشأن معدات مراقبة موضوعة في منشآت نووية إيرانية، في بيان مشترك صدر على هامش زيارة مديرها العام رافاييل غروسي إلى طهران. وتضمن البيان المشترك بين وكالة الطاقة الذرية والمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، أنه تم “السماح لمفتشي الوكالة بالصيانة الفنية والتقنية لأجهزة المراقبة المحددة، واستبدال بطاقات الذاكرة لهذه الاجهزة التي ستُختم من قبل الجانبين وتحفظ في إيران”. في حين لم تسمح إيران للوكالة بالاطلاع على تسجيلات الكاميرات. وكانت طهران أعلنت في فبراير أنها ستسلم التسجيلات للوكالة في حال التوصل إلى تفاهم لإعادة إحياء الاتفاق النووي ورفع واشنطن العقوبات المفروضة عليها. واعتبر غروسي أن التسوية التي تم التوصل إليها “تمنح وقتا للدبلوماسية”، في إشارة الى مفاوضات فيينا لانقاذ الاتفاق الدولي حول برنامج طهران النووي[15].

وفي هذا السياق، أكد الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في 4 سبتمبر، استعداد بلاده لاستئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي لكن ليس تحت “ضغط” غربي، وقال رئيسي إن طهران مستعدة لإجراء محادثات نووية بالتزامن مع رفع جميع العقوبات. وأجريت 6 جولات من المباحثات بين إيران والقوى الدولية في فيينا خلال الفترة بين شهري أبريل ويونيو الماضيين، وذلك في محاولة لإحياء الاتفاق النووي[16]. كما قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده في 6 سبتمبر، إن نافذة الحوار لن تبقى مفتوحة إلى الأبد لواشنطن، وأضاف خطيب زاده أن بلاده ستشارك في هذه المفاوضات، وتحث الإدارة الأميركية على أن تأتي إلى فيينا بمواقف بناءة وفعالة، حسب تعبيره[17].

فيما يخص الاتفاق النووي، لماذا لم يتم التوصل لاتفاق جديد حتى الآن؟ يجيب روبرت ساتلوف عن هذا السؤال من خلال أربعة أسباب[18]:

  • أولاً، إن مشاكل إيران المالية أصبحت أخفّ حدةً. فاعتباراً من عام 2020، وخلال فترة حملة “الضغط الأقصى” التي أطلقها الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب، واستمرارها في عهد إدارة بايدن، أدى الارتفاع الحاد والمستمر في أسعار النفط وحجم صادرات الخام الإيراني إلى منح طهران مليارات الدولارات من الإيرادات غير المتوقعة، مما قلل من الضرورة الاقتصادية الملحّة لاتفاق نووي من شأنه أن يلغي العديد من العقوبات الحالية.
  • ثانياً، تدرك إيران أن الفوائد الاقتصادية للعودة إلى اتفاق 2015 ليست كبيرة كما تم الإعلان عنها في الأصل. وحتى مع إبرام اتفاق جديد، من المرجح أن تخاف العديد من المصارف والشركات العالمية من ممارسة الأعمال التجارية في إيران. لذلك فإن الحافز للعودة إلى “خطة العمل الشاملة المشتركة” – وإن كان حقيقياً – ليس كبيراً كما يُعتقد عموماً.
  • ثالثاً، بينما تتأرجح المساعي الدبلوماسية، تحرز إيران تقدماً هائلاً في برنامجها النووي، حيث أصبحت على بُعد أسابيع مما يسمّيه الخبراء “تجاوز العتبة النووية” – الذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه القدرة على صنع قنبلة. وفي حين أن تلك العتبة والحالة الفعلية الدقيقة للبرنامج الإيراني هما موضع نقاش، إلا أنه ليس هناك جدل في أن إيران قد أحرزت تقدماً كبيراً نحو امتلاك أسلحة نووية خلال الأشهر العديدة الماضية.
  • رابعاً، كانت إيران ووكلاؤها يختبرون بشراسة رد البيت الأبيض – سواء من خلال الهجمات على السفن في الخليج أو عبر الهجمات بالوكالة التي تشنها الميليشيات المدعومة من إيران على أهداف أمريكية في العراق – دون أن يفهموا بالضبط متى توقفهم واشنطن عند حدّهم. وحتى الآن، تَمثّل الرد الأمريكي الأكثر شيوعاً في ضرب مواقع الميليشيات الموالية لإيران في شمال شرق سوريا، وهو ما يبعث برسالة إلى طهران مفادها أن الولايات المتحدة تتجنب النزاع وليس ردعه. وإلى حين توضيح هذه الرسالة، من المرجح أن تواصل إيران تكثيف هجماتها.

ثالثاً، التطورات الخليجية الدولية

 1_الولايات المتحدة

واشنطن تسحب منظومات “باتريوت” من السعودية

كشفت وكالة “أسوشيتد برس” أن الولايات المتحدة سحبت في الأسابيع الأخيرة بطاريات صواريخ “باتريوت” من السعودية، رغم مواصلة الحوثيين هجماتهم على المملكة. وأضافت الوكالة أن سحب الأنظمة الدفاعية من قاعدة الأمير سلطان الجوية خارج الرياض “جاء في الوقت الذي يراقب فيه حلفاء أمريكا من دول الخليج بقلق الانسحاب الفوضوي للقوات الأمريكية من أفغانستان”. واستضافت قاعدة الأمير سلطان الجوية عدة آلاف من القوات الأمريكية عقب هجوم بالصواريخ والطائرات المسيرة عام 2019 على شركة أرامكو السعودية. وفي يونيو الماضي، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أنّ إدارة الرئيس جو بايدن قررت تقليص كبير لعدد الأنظمة الأمريكية المضادة للصواريخ (باتريوت) في الشرق الأوسط، وقالت إن الإدارة الأمريكية قررت سحب 8 بطاريات باتريوت من العراق والكويت والأردن والسعودية، وأرجعت الصحيفة القرار إلى رغبة واشنطن في “إعادة تنظيم تواجدها العسكري للتركيز على الصين وروسيا[19].

وفي مقابل هذا التطور الأخير، أعلن الأسطول الخامس الأميركي في 9 سبتمبر 2021، أنه أطلق قوة جديدة تستخدم الطائرات المسيرة وغيرها من الوسائل التي لا تحتاج إلى عنصر بشري، بهدف تعزيز “الردع” في منطقة الخليج، وذلك وسط توترات مع إيران. وقال الناطق باسم الأسطول تيم هوكينز “إنها قوة عمل مكرسة لدمج سريع للأنظمة غير المأهولة (المسيّرة عن بعد) والذكاء الاصطناعي مع العمليات البحرية في منطقة الأسطول الخامس”[20]. ومن جانبها، وكرد على هذه التطورات الأخيرة، قامت السعودية بخطوتين يمكن قراءتهما في سياق السحب الأمريكي لبعض منظومات الباتريوت وهما:

أولا في 15 سبتمبر، أعلنت رئاسة الأركان اليونانية أن فريقا من قواتها المسلحة توجه إلى السعودية لتسليم بطاريات دفاع جوي موجَّهة تستخدم في أنظمة صواريخ باتريوت. وخلال زيارة رسمية لوزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس ووزير الدفاع اليوناني نيكوس بانايوتوبولوس إلى السعودية في أبريل 2021، تم توقيع اتفاقية بين البلدين لتزويد الرياض ببطاريات دفاع جوي موجهة[21]. على الرغم من أن هذه الصفقة تم توقيعها في وقت سابق في إبريل الماضي، إلا أنها مرتبطة بقرار سحب الولايات المتحدة بطاريات الباتريوت، لأن القرار الأخير أيضا هو قديم كذلك، وتم تنفيذه جزئيا قبل ذلك.

ثانيا في 15 سبتمبر أيضا، وافق مجلس الوزراء السعودي برئاسة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، على إنشاء “الهيئة العامة للتطوير الدفاعي”، بهدف التطوير في مجالات الأنظمة الدفاعية. وتهدف الهيئة إلى “تحديد أهداف أنشطة البحث والتطوير والابتكار ذات الصلة بمجالات التقنية والأنظمة الدفاعية ووضع سياساتها واستراتيجياتها”[22]. وهي خطوة قرأها البعض على أنها رد أيضا على خطوة الولايات المتحدة سحب بعض بطاريات الباتريوت. هذه الخطوة لا تعني تخلي الولايات المتحدة عن شراكتها الاستراتيجية مع السعودية، أو أنه مقدمة لانسحاب من الشرق الأوسط، فالتموضع في  هذه المنطقة يظل أمرا ضروريا لأي قوة عظمة تريد ضمان الهيمنة على السياسة الدولية.


[1] مباحثات سعودية ـ قطرية لتعزيز التعاون الأمني، الشرق الأوسط، 7/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[2] أمير قطر يبحث مع وزير الداخلية السعودي تطوير العلاقات، الأناضول، 6/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[3] الأول منذ 2017.. سفير قطر يسلم أوراق اعتماده للخارجية السعودية، الأناضول، 7/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[4] الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من العاهل السعودي، الأناضول، 14/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[5]

[6] لجنة المتابعة القطرية المصرية تعقد اجتماعها السابع بالدوحة، الجزيرة نت، 14/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[7] الرياض وبغداد تبحثان تطوير التعاون الأمني، الشرق الأوسط، 4/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[8] العراق والسعودية يتفقان على زيادة التبادل التجاري عبر معبر “عرعر”، الأناضول، 15/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[9] بريطانيا تقر بضرورة التعامل مع “طالبان” والتأقلم مع الواقع الجديد، آرتي عربي، 2/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[10] استئناف الرحلات بمطار كابل.. وكيل الأمين العام الأممي في قطر لبحث الأوضاع الإنسانية ومؤتمر دولي للتبرع، الجزيرة نت، 2/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[11] لمناقشة الملف الأفغاني.. جولة لوزير الخارجية القطري تشمل إيران وباكستان وروسيا وتركيا، الجزيرة نت، 9/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[12] وزير خارجية قطر يزور كابول ويلتقي برئيس حكومة طالبان، عربي21، 12/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[13] أمير قطر يبحث مع وزير خارجية فرنسا تطورات الأوضاع في أفغانستان، القدس العربي، 13/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[14] وزير خارجية قطر: عزل أفغانستان لمجرد استلام طالبان الحكم ليس حلا، الجزيرة نت، 13/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[15] التوصل إلى اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن معدات المراقبة، فرانس24، 12/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[16] رئيسي: مستعدون لاستئناف مفاوضات الاتفاق النووي ولكن ليس تحت ضغط غربي، سبوتنك عربي، 4/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[17] إيران: نافذة الحوار في فيينا لن تبقى مفتوحة إلى الأبد، الجزيرة نت، 6/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[18] روبرت ساتلوف، كيف يرتبط الهجوم الإيراني القاتل على ناقلة نفط بالاتفاق النووي، معهد واشنطن، 11/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[19] أسوشيتد برس: واشنطن تسحب منظوم.ت “باتريوت” من السعودية، الأناضول، 11/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[20] قوة أميركية جديدة مسيّرة عن بعد “للردع” في الخليج، الجزيرة نت، 9/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[21] اليونان تزود السعودية ببطاريات دفاع جوي موجهة، الأناضول، 15/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

[22] مع أنباء سحب “باتريوت”..الرياض تقر إنشاء هيئة للأنظمة الدفاعية، الأناضول، 15/9/2021، (تاريخ الدخول:16/9/2021)، الرابط

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.