المرصد الخليجي – العدد 47

يتناول التقرير أهم تطورات المشهد الخليجي الخارجي خلال النصف الأول من شهر أكتوبر 2021، وذلك من خلال ثلاث دوائر: الخليجية-الخليجية، والخليجية-الإقليمية، والخليجية-الدولية.

أولاً: التطورات الخليجية-الخليجية، وكان أبرزها اللقاء الأول الذي يجمع ولي العهد أبوظبي بمسؤول قطري منذ قمة العلا، حيث التقى بوزير الخارجية القطري في العاصمة الإماراتية أبوظبي.

ثانياً: التطورات الخليجية-الإقليمية، فيما يتصل بالدائرة العربية، فتشمل اليمن وتصاعد الجهود الأممية والدولية والإقليمية لحل  الأزمة اليمنية، مع استمرار التصعيد بين طرفي الصراع حول مأرب، والأردن حيث زيارة ملك الأردن لقطر ولقاءه بالشيخ تميم، وسوريا التي أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية تعميق التعاون الاقتصادي معها. أما “إسرائيل” فكان أهمها إعلان وزير الخارجية القطري رفضه للتطبيع في ظل استمرار الاحتلال وعدم قبوله باتفاق أبراهام، مع تعاظم مستوى التعاون بين الإمارات والبحرين وإسرائيل. أخيرا إيران والتطورات الإيجابية في العلاقات السعودية الإيرانية، بالأخص إعلان وزير الخارجية السعودي انعقاد الجولة الرابعة من محادثاتهما البينية في بغداد، والتصريحات الإيجابية من الطرفين بخصوص تحقيق تقدم في هذه المحادثات.

ثالثاً: التطورات الخليجية-الدولية: تمثلت في فرنسا، حيث زيارة وزير خارجيتها للرياض، ولقاء بكل من وزير الخارجية السعودية ووزير الطاقة ووزير الثقافة وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

 


أولاً، التطورات الخليجية-الخليجية

          ولي عهد أبو ظبي يلتقي وزير خارجية قطر

في 6 أكتوبر 2021، استقبل ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن في زيارة هي الأولى لمسؤول قطري رفيع المستوى إلى الإمارات منذ اتفاق العلا. وبحث الطرفان خلال اللقاء الذي جرى في قصر الشاطئ في إمارة أبوظبي، العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها بما يخدم مصالح البلدين. وحضر اللقاء الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان مستشار الأمن الوطني للإمارات والشيخ حمدان بن محمد بن زايد آل نهيان[1].

وكان بدر العساكر مدير مكتب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد كشف الشهر الماضي على حسابه في تويتر، عن لقاء “ودي أخوي” جمع ولي العهد السعودي بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ومستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زاي. وأرفق العساكر -مع التغريدة- صورة تبرز الأمير محمد بن سلمان وهو يتوسط أمير قطر ومستشار الأمن الوطني الإماراتي، وتعلو وجوههم الابتسامة. وفي 26 أغسطس، استقبل أمير دولة قطر في مكتبه بالديوان الأميري الشيخ طحنون بن زايد[2].

منذ قمة العلا، وبينما العلاقات السعودية القطرية كانت تسير بمنحنى تصاعدي إيجابيا، عبر طي صفحة الخلافات، وتعميق علاقاتهما بشكل يفوق حتى مستوى ما قبل الأزمة، فإن العلاقات الإماراتية القطرية ظلت تراوح مكانها، بشكل بدى معه أن الطرفين لم يتخذا قرار تجاوز الماضي، وهو ما ظهر في التغطية الإعلامية من الجانبين، حيث ظل هناك نوع من التصعيد الإعلامي، وإن بشكل أقل من فترة ما قبل قمة العلا. والسؤال هنا، هل تعد اللقاءات الثلاثة: لقاء تميم بطحنون، ولقاء طحنون بتميم وبن سلمان، وأخيرا لقاء بن زايد ووزير الخارجية القطري، إيذانا بإذاية الجليد بين الطرفين القطري والإماراتي؟ من الصعب تقديم إيجابة حاسمة في هذا الصدد، لكن يمكن انتظار الخطوات المقبلة، مدى نوعيتها وتسارعها. لكن بشكل عام فإنه حتى وإن تجاوزت العلاقات الإماراتية-القطرية أزمة الماضي، لكنها لن تصل لنفس مستويات التحسن الذي وصلت له العلاقات السعودية-القطرية.


ثانياً، التطورات الخليجية الإقليمية

1_الخليجية-العربية

(أ) اليمن

استمرار الجهود الأممية والدولية لحل الأزمة اليمنية

في 6 أكتوبر 2021، في بيان صادر عن مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ ، في ختام أول زيارة يجريها إلى مدينة عدن (جنوب)، العاصمة المؤقتة، أكد على أهمية التنفيذ الكامل لاتفاق الرياض لدعم الاستقرار وعمل مؤسسات الدولة في البلاد. وفي 5 سبتمبر الماضي، تسلم غروندبرغ مهامه رسميا كرابع مبعوث أممي لليمن، بعد كل من البريطاني مارتن غريڤيث، والموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد، والمغربي جمال بن عمر. وذكر البيان، أن “غروندبرغ التقى في عدن مع رئيس الوزراء اليمني معين عبد الملك، ومحافظي عدن وتعز أحمد لملمس، ونبيل شمسان، ورئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، وعدد من الفاعلين السياسيين[3].

وفي 14 أكتوبر، طالب المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، مجلس الأمن الدولي بدعم جهود التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع الدائر في اليمن. جاء ذلك خلال كلمته في جلسة مجلس الأمن الدولي في نيويورك، بالتزامن مع تصاعد هجمات للحوثيين تستهدف السيطرة على مديرية العبدية بمحافظة مأرب (شمال شرق). وأضاف: “خلال حواراتي مع الأطراف المتحاربة عبّر اليمنيون دون استثناء عن ضرورة إنهاء الحرب والتصدي للهموم الاقتصادية والإنسانية في بلادهم”. وتابع: “فجوات غياب الثقة بين الأطراف المتحاربة تتسع وتتنامي، ونحتاج إلى مناقشة معايير التسوية السياسية للصراع، وفتح مطار صنعاء ووقف التصعيد العسكري في مأرب”. وأكد المبعوث الأممي عدم إمكانية تحقيق حل مستدام سوى خلال تسوية سياسية شاملة قائمة على التفاوض دون شروط مسبقة”، معربا عن أسفه بشأن عدم تجديد ولاية فريق التحقيق الدولي في جرائم الحرب باليمن[4].

وفي 14 أكتوبر أيضا، انعقدت مباحثات عمانية أمريكية حول جهود إنهاء حرب اليمن، وجرت المباحثات خلال لقاء في مسقط بين وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي والمبعوث الأمريكي إلى اليمن تيم ليندركينغ، تأتي الزيارة ضمن جولة يجريها المبعوث الأمريكي في المنطقة لبحث سبل حل أزمة اليمن، تشمل السعودية والأردن والإمارات وسلطنة عمان.[5] وفي 15 أكتوبر، بحث وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في العاصمة واشنطن، سبل إنهاء الصراع في اليمن. وناقش الوزيران التعاون الاستراتيجي الأمريكي السعودي بشأن القضايا الإقليمية، بما في ذلك الهدف المشترك المتمثل في التوصل إلى حل دائم لإنهاء الصراع في اليمن. وأكد بلينكن خلال اللقاء على “التزام الحكومة الأمريكية بمساعدة السعودية في الدفاع عن أراضيها وشعبها، مجددا إدانة بلاده لهجمات الحوثيين على المملكة[6].

وفي ظل الجهود الأممية والدولية والإقليمية السابقة لحل الأزمة اليمنية، سيطرت جماعة الحوثيين في 15 أكتوبر، على مركز مديرية “العَبدية” جنوب غربي محافظة مأرب بعد انسحاب رجال القبائل بسبب نفاد الذخيرة والغذاء، في وقت دعت فيه الأمم المتحدة لوقف القتال في مأرب، قائلة إن استمراره يضع آلاف اليمنيين في وضع صعب، ويؤدي إلى انتهاكات لحقوق الإنسان. ويحاصر الحوثيون مديرية العبدية منذ 3 أسابيع، وشنوا هجوما عنيفا ومكثفا، أسفر عن سيطرة الحوثيين على مركز مديرية العبدية، في وقت لا تزال فيه الاشتباكات مستمرة بشكل عنيف جنوب وشرق المديرية، وسط موجة نزوح داخلية كبيرة من قبل المدنيين جراء القصف. وتقع مديرية العبدية جنوب غربي مدينة مأرب، ويقطنها 36 ألف شخص، وتكتسب أهمية إستراتيجية نظرا لموقعها الجغرافي الذي يجعل منها إحدى بوابات محافظة مأرب، فضلا عن ارتباطها الجغرافي بمحافظتي البيضاء وشبوة من جهتي الغرب والجنوب عبر سلسلة جبلية واسعة[7].

في ظل إحراز الحوثيين تقدم على الأرض نحو تحقيق السيطرة على مأرب، فإن ذلك سيدفع الحوثيين للاستمرار على تعنتهم بعدم الاستجابة للمبادرات الأممية لوقف النار، لأن هذا التقدم على الأرض يعطي لهم الأمل في إمكانية السيطرة على مأرب كاملة، وحينها يمكن لهم الموافقة على وقف إطلاق النار والجلوس للتفاوض، فحينها سيكون موقفهم أقوى بكثير جدا، وسيجعل مخرجات الحوار لصالحهم بشكل كبير، وهو ما قد يؤدي في المقابل لتحول في الموقف السعودي وحلفائهم المحليين في اليمن من الموافقة على مبادارات التهدئة والحوار للتعنت ورفض الجلوس قبل استعادة السيطرة على مأرب، وهو ما يفسر حرص السعودية على دعم المبادارات الأممية، لأنهم يريدون وقفا للنار قبل أي تقدم وسيطرة كاملة يمكن أن يحرزه الحوثيون على كامل مأرب، وهو ليس مستبعدا تماما.

وهذه تمثل معضلة الأزمة اليمنية الحالية بين مرونة حالية من طرف وتعنت من الآخر، يمكن أن يحدث تحول وتبدل في هذه الموافق إذا ما حدث تغير نوعي على الأرض. وتبقى المحادثات التي تتم حاليا بين الرياض وطهران، لتمثل متغير يمكنه أن يؤثر على مسار الأزمة اليمنية، من خلال مقايضة في عدة ملفات إقليمية بما في الحرب اليمنية، بحيث تدفع طهران حلفائها الحوثيين للقبول بالتفاوض قبل السيطرة على مأرب على سبيل المثال، لكن إن حدث ذلك فالبتأكيد سيكون له مقابل.

(ب) الأردن

لقاء ملك الأردن وأمير قطر في الدوحة

في 12 أكتوبر 2021، وصل ملك الأردن عبد الله الثاني بن الحسين إلى العاصمة القطرية الدوحة، في زيارة رسمية هي الأولى له منذ عام 2013. حيث أجرى مباحثات مع أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الديوان الأميري بالدوحة. وبحث الجانبان العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيز التعاون بينهما في المجالات كافة، ولا سيما في مجال الاستثمار والطاقة، وزيادة فرص تشغيل الأردنيين في قطر، إضافة إلى المستجدات الإقليمية والدولية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وخلال اللقاء، أكد الملك عبد الله أكد على مركزية القضية الفلسطينية، وأهمية العمل من أجل تحقيق السلام العادل والشامل على أساس حل الدولتين، الذي يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والقابلة للحياة، على خطوط 4 يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. كما وقّع الجانبان على اتفاقية الإعفاء المتبادل من التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة، إضافة إلى مذكرة تفاهم بين جهاز قطر للاستثمار وشركة إدارة الاستثمارات الحكومية الأردنية، لبناء شراكة إستراتيجية بين البلدين وتطوير فرص التعاون[8].

وشهدت العلاقات بين الأردن وقطر قفزة كبيرة، خاصة بعد عودة تبادل السفراء منتصف 2019، وتقديم الدوحة مساعدات للمملكة بقيمة 500 مليون دولار. وزار الأمير تميم الأردن في 23 فبراير العام الماضي، هي الأولى له عقب اندلاع الأزمة الخليجية عام 2017، وعودة التمثيل الدبلوماسي بين البلدين في 2019. وكان الأردن قد خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع قطر، عقب الأزمة الخليجية التي اندلعت عام 2017، وقاطعت على إثرها السعودية والإمارات والبحرين ومصر، الدوحة[9].

هناك عدة سياقات يمكن قراءة هذه الزيارة من خلالها، أولا السياق الاقتصادي، فالاقتصاد الأردني يعيش على المساعدات التي تقدم له دوليا وإقليميا، وبالتالي شراكته الاستراتيجية مع دول الخليج، وبالأخص قطر تعد حيوية سواء من حيث تقديم دعم مالي واستثماري، أو تسهيل وزيادة عدد العمالة الأردنية الوافدة لقطر. السياق الثاني سياسي، حيث انتهت الأزمة الخليجية الآن، وانتهى معها التجاذب الخليجي وتراجعت حدة صراع المحاور، وهو ما سهل المهمة على الأردن، التي وجدت نفسها في موقف محرج جراء هذه الأزمة، ووضعتها في موقف يجب أن تكون فيه منحازة لأحد الطرفين؛ الآن انتهت الأزمة وانتهى معه الحرج، واًصبحت تحركات الأردن بين شركائها الخليجيين أكثر حرية ومرونة، وهو ما مهد الطريق لهكذا لقاء. السياق الأخير هو الموقف المتقارب بين البلدين من القضية الفلسطينية، حيث رفض موجة التطبيع بشكلها الأخير الذي يكتسب طبيعة استراتيجية، ودعم حل الدولتين، ودولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967. وقد مثل رحيل ترامب، وتراجع موجة التطبيع عاملا مساعدا لترجيح كفة هذه الرؤية ومؤيدوها كقطر والأردن.

(ج) سوريا

الإمارات وسوريا تتفقان على تعزيز التعاون الاقتصادي

المزيد من المشاركات

في 10 أكتوبر 2021، قالت وزارة الاقتصاد الإماراتية إن الإمارات وسوريا اتفقتا على خطط لتعزيز التعاون الاقتصادي واسكتشاف قطاعات جديدة، وأضافت الوزارة أن حجم التجارة غير النفطية بين البلدين بلغ مليار درهم (272 مليون دولار) في النصف الأول من 2021، مؤكدة أن الإمارات تعد أهم الشركاء التجاريين لسوريا على المستوى العالمي[10].

لقد شهد تطور التطبيع العربي مع النظام السوري، 3 محطات بارزة، منذ قرار عربي بتعليق عضويته في نوفمبر2011، وصولا إلى زخم مقاربات اقتصادية وأمنية وتلاقي مصالح عربية مع هذا النظام الشهور الأخيرة. تعد محطة الحياد أولى محطات التطور اللافت تزامنا مع تعليق العضوية، وساهمت في تقارب محدود من دول كسلطنة عمان والجزائر، دون أن يغير ذلك من قواعد المشهد، بأغلبية عربية تصعد ضد النظام السوري وترفضه. وجاءت المحطة الثانية في 2018، وشهدت ما يمكن تسميته إذابة للجليد، وحلحلة للموقف الرافض، وفتح الاتصالات علنا بين النظام السوري ودول عربية، والتي برزت بعد سنوات قليلة من دعم عسكري روسي إيراني، بالأخص من قبل الإمارات، مع إعادة فتح سفارتها في دمشق، وتحقيق أول تواصل سياسي بين زعيم خليجي وبشار الأسد لأول مرة منذ 2011. وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة وتحديدا منذ يوليو الماضي، انطلقت شرارة المحطة الثالثة في تطور التطبيع العربي مع النظام السوري، بلقاءات مكثفة ونادرة، واتفاقات وتفاهمات اقتصادية عابرة بين الدول لاسيما مع الأردن والإمارات ومصر. ولا يزال تطور التطبيع العربي مع النظام السوري، أمامه اختبار صعب في مارس 2022، مع عقد القمة العربية المقررة بالجزائر، وسط “خلاف عربي” معلن بشأن رفع التعليق.[11]

لكن مسألة عودة عضوية سوريا للجامعة العربية لا تعد مسألة عربية خليجية بحتة، حيث يتقاطع معها المتغير الأمريكي. فهناك فيتو أمريكي يحول دون عودة سوريا لعضوية الجامعة العربية، والسبب لا يتعلق بمعارضة أمريكية لاستمرار النظام السوري، بل يتعلق بكونه ورقة ضغط أمريكية في مواجهة بشار الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، وكأداة للتأثير على مخرجات الحل النهائي للأزمة السورية بما يتوافق مع المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة. فالإدارة الأمريكية، بالأخص في عهد بايدن، ليس لديهما مشكلة مع استمرار الأسد، بل مع قرار تعويمه سياسيا، حيث يسير بايدن على سياسة صديقه أوباما، بخلاف ترامب، الذي كان موقفه أكثر صرامة ضد الأسد، وإن تشابه معهم في عدم اتخاذ قرار بإسقاط الأسد ودعم المعارضة.

2_الخليجية-الإسرائيلية

قطر: اتفاقات “أبراهام” لا تساهم بإحلال السلام

في 13 أكتوبر 2021، قال وزير خارجية قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن، إن عملية السلام في الشرق الأوسط لا تشهد أي أفق، وبالتالي فإن اتفاقات “أبراهام” للتطبيع (الذي وقعته كل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان مع إسرائيل) لا يمكن أن تساهم في حل الأزمة. جاء ذلك خلال كلمه له في اليوم الثاني لمنتدى “الأمن العالمي” 2021، تحت شعار “بين التعاون والتنافس – الأمن الدولي: تحديات التنافس وآفاق التعاون”، المنعقد حالياً بالعاصمة القطرية الدوحة. وشدد على أنه “لا ينبغي أن نركز على التطبيع الاقتصادي وننسى الاحتلال (الإسرائيلي للأراضي العربية)”[12]. يأتي هذا التصريح بعد إعلان وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد في 5 أكتوبر، إن حكومته بصدد توقيع اتفاقيات تطبيع جديدة مع دول، رفض الكشف عن هويتها، وذلك بعد أكثر من عام على تطبيع 3 دول عربية علاقاتها مع تل أبيب عقب وساطة الولايات المتحدة. وأضاف -خلال مشاركته في اجتماع للجمعية العامة للاتحادات اليهودية بأميركا الشمالية- إن إسرائيل تقوم بمساعدة الولايات المتحدة والبحرين والمغرب والإمارات بجهود لتوسيع “اتفاقات أبراهام”، فضلا عن استئناف العلاقات مع الرباط، وتوقيع إعلان عن قرار بالتطبيع مع السودان[13].

في المقابل، فإن وتيرة دعم العلاقات الإماراتية والبحرينية مع إسرائيل، بعد تطبيع علاقاتهما تجري على قدم وساق. حيث كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، في الأول من أكتوبر، أن إسرائيل والبحرين “تبحثان التعاون في الرد على هجمات الطائرات الإيرانية بدون طيار، والتي يُنظر إليها على أنها تهديد متزايد في المنطقة”. وأشارت الصحيفة إلى أن وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد، بحث الأمر مع مسؤولين بحرينيين خلال زيارته للمنامة في نهاية الشهر الماضي[14]. وردا على هذه الزيارة وما تلاها من فتح سفارة إسرائيلية في المنامة، أعلن أكثر من 240 من علماء الدين في البحرين رفضهم لكافة أشكال التطبيع بما في ذلك فتح سفارة لإسرائيل في بلادهم، وإقامة علاقات تجارية معها. وفي بيان مشترك، دان العلماء البحرينيون زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد إلى المنامة، وأكدوا على موقفهم الثابت في مناصرة الشعب الفلسطيني ودعم مقاومته للاحتلال الإسرائيلي[15].

أما  الإمارات، فبحث وزير داخليتها سيف بن زايد، في 5 أكتوبر، بلقاء في أبو ظبي مع نظيرته الإسرائيلية، أيليت شاكيد، تعزيز التعاون بالمجالات الأمنية. وأعلنت شاكيد أن اتفاق إلغاء تأشيرة السفر بين تل أبيب وأبو ظبي سيدخل حيز التنفيذ اعتبارا من الأحد 10 أكتوبر، حسب صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية. وكانت إسرائيل والإمارات وقّعتا اتفاقية الإعفاء من تأشيرة الدخول، في ينايرالماضي، لكن الإمارات علقتها بعد فترة وجيزة، بسبب جائحة فيروس كورونا. وفي ذلك الوقت، كان على الإسرائيليين الذين يزورون الإمارات الدخول في حجر صحي لمدة أسبوعين لدى عودتهم لإسرائيل، بسبب ارتفاع معدلات الإصابة في الدولة الخليجية[16].

إن رفض قطر الدخول ضمن موجة التطبيع الحالية متوقع، ومرجح أن يستمر في المدى المنظور، وفي تقديري أن الأمر ليس موقف مبادئي أكثر منه موقف سياسي يرتبط بمتطلبات الدور الإقليمي لقطر. إذ أن قطر من ناحية تحرص على تقديم صورة إيجابية عنها في المنطقة مخاطبة شعوبها، ومن خلالها تبني قوتها الناعمة. ومن ناحية أخرى تسعى قطر للعب دور إقليمي في الملف الفلسطيني، من خلال علاقاتها مع حماس، ودورها في التهدئة والإعمار، وهو ما قد تفقده إن سلكت طريق أبوظبي في التطبيع. ومن ثم فإن الموقف القطري الحازم والرافض للتطبيع حاليا يوفر لها أرضية للعب دور إقليمي فاعل في هذا الملف. وأخيرا فإن طبيعة التطبيع الذي يتم حاليا لا يعبر عن فقط تطبيع أو علاقات باردة كتلك التي نسجتها مصر والأردن مع إسرائيل، وإنما علاقات دافئة وتحالف استراتيجي، وهو ما يتعارض حقيقة مع الرؤية القطرية، التي قد تميل لصيغة التطبيع المصرية والأردنية.

3_الخليجية-الإيرانية

السعودية تكشف عن جولة رابعة من التفاوض مع إيران

في 4 أكتوبر 2021، كشفت السعودية أنها عقدت جولة رابعة من المفاوضات المباشرة مع إيران يوم 21 سبتمبر الماضي، وأكدت أن المباحثات مع طهران ما زالت في مرحلتها الاستشكافية. جاء ذلك في تصريح لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود خلال مؤتمر صحفي في الرياض مع مسؤول السياسة الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل. وهذه الجولة من المفاوضات التي كشفت عنها الرياض، هي الأولى منذ أن تسلّم الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي منصبه في أغسطس الماضي. ولم يحدد المسؤول السعودي مكان انعقاد هذه الجولة، علما بأن العراق استضاف جولات المفاوضات السابقة بين البلدين، كما لم يذكر فصيل بن فرحان تفاصيل بشأن مستوى تمثيل الجانبين ولا ما أسفرت عنه هذه المفاوضات.

وكان السفير الإيراني لدى بغداد إيرج مسجدي قد أعلن في نهاية أغسطس الماضي عن عقد 3 جولات مباحثات مع السعودية في بغداد، بفضل تعاون الحكومة العراقية، وستُجرى الجولة الرابعة بعد تشكيل الحكومة الإيرانية الجديدة. وفي مايو الماضي، أعلن الرئيس العراقي برهم صالح أن بلاده استضافت أكثر من جولة حوار بين السعودية وإيران. وكانت هذه هي أول مرة يتم الكشف فيها رسميا عن إجراء مباحثات رسمية مباشرة بين البلدين منذ قطع العلاقات بينهما عام 2016 إثر اعتداء محتجين على السفارة والقنصلية السعوديتين في إيران[17].

وفي ذات السياق، قال متحدث وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده، إن محادثات بلاده مع الجانب السعودي “مستمرة على أفضل وجه”، في ظل مساعي لخلق علاقة دائمة. وأضاف خطيب زاده أن المفاوضات بين إيران والسعودية لا تزال مستمرة في بغداد وشملت قضايا إقليمية. وأوضح أن عدة جولات جرت بين الجانبين في العاصمة العراقية، وتم تبادل الآراء حول كيفية ضمان بناء علاقات دائمة بين الدولتين. وتابع “تم مناقشة مختلف القضايا، وتركيزنا الأساسي هو العلاقات الثنائية”. ولم يؤكد خطيب زاده الأنباء التي تتحدث عن زيارة وفد سعودي إلى طهران لمناقشة إعادة فتح سفارة الرياض[18].

وفي 8 أكتوبر، كشف وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، أن “المحادثات الإيرانية السعودية تسير بالاتجاه الصحيح، ونحتاج إلى مزيد من الحوار، ووصلنا إلى اتفاقات معينة في مواضيع محددة ونرحب بهذا الحوار”، دون مزيد من التفاصيل. وأضاف أن “دور إيران والسعودية له بالغ الأهمية على صعيد إرساء الاستقرار في المنطقة”.[19] ورحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بـالمفاوضات بين السعودية وإيران، وأعرب عن استعداده لتقديم العون بأي شكل، بحال طُلب منه ذلك؟ جاء ذلك في مؤتمر صحفي عقده الناطق باسم الأمين العام ستيفان دوجاريك، بالمقر الدائم للأمم المتحدة في نيويورك[20].

وفي 11 أكتوبر، قال خطيب زاده مسؤول إيراني، إنّ بلاده على تواصل مستمر مع الجانب السعودي، وإن المفاوضات وصلت إلى مرحلة أكثر جدية، فقد تم بحث الملفات المشتركة والملفات الإقليمية، ومنها الملف اليمني. وأشار في مؤتمر صحفي إلى إن الحوار الإيراني-السعودي يمكن أن يؤدي إلى ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة.[21] كما أفادت وكالة بلومبيرغ الأمريكية، بأن إيران طلبت من السعودية إعادة فتح القنصليات وإعادة العلاقات الدبلوماسية كمقدمة لإنهاء الحرب في اليمن، ونقلت الوكالة إن توقيت فتح القنصليات وإعادة العلاقات هو النقطة الأساسية في المحادثات التي يتوسط فيها العراق بين البلدين، وجرى التركيز في المحادثات على اليمن، حيث تدعم كل دولة طرفا في الحرب[22].

أخيراً في 15 أكتوبر، كشف وزير الخارجية السعودي، في مقابلة مع صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، إننا “جادون بشأن المحادثات”، مؤكداً أن “الأمر ليس تحولا كبيرا بالنسبة لبلاده، التي تعرب باستمرار عن رغبتها بإيجاد سبيل لتحقيق الاستقرار في المنطقة”. كما وصف المسؤول السعودي المفاوضات بأنها “استكشافية”. وأشار “بن فرحان” إلى أن بلاده تدرس السماح لإيران بإعادة فتح قنصليتها في مدينة جدة الساحلية، إلا أن المحادثات لم تحرز تقدما كافيا لاستعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة”. وأوضح المسؤول السعودي أن “طهران تركز على إرسال الإشارات، لاسيما في علاقتها تجاه الغرب، حيث تحاول القول: “انظروا، لقد حللنا مشاكلنا مع السعوديين وأي أمور باقية يمكننا حلها معًا، لذا لا تتحدثوا إلينا عن الأمن الإقليمي، فقط عاملونا كدولة طبيعية ودعونا نحيي الاتفاق النووي”[23].

وفي سياق المحادثات الإيرانية-السعودية، يمكن الإشارة إلى[24]:

مع انسداد الأفق لأي تسوية سياسية بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي، وفشل محاولات مبعوث الأمم المتحدة للتوسط بين طرفي الحرب، واستمرار عجز الحكومة الشرعية المدعومة من التحالف العربي عن حسم الحرب عسكريا، ومواصلة الحوثيين استهداف العمق السعودي بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، وأسباب أخرى، اضطرت السعودية التي تتحمل العبء العسكري والمالي الأكبر في الحرب؛ لقبول إعادة علاقاتها مع إيران الداعمة لجماعة الحوثي، والتي يمكن لها أن تمارس ما يلزم من الضغوط لقبول الجماعة بالجلوس إلى طاولة التفاوض للتوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.

تحاول السعودية الانتهاء من حرب اليمن للتفرغ لمشاريع تنموية تكفل الانتقال من الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على الإيرادات النفطية، إلى اقتصاد متنوع ينسجم مع رؤية 2030، ويعتمد تنمية مختلف القطاعات والأنشطة الاقتصادية التي تحتاج إلى الاستثمارات الأجنبية، بما في ذلك مشروع “نيوم” الاقتصادي الذي تبلغ كلفته التقديرية أكثر من 500 مليار دولار.

خفّت حدة الحملات الإعلامية بين البلدين في الأسابيع الأخيرة، في دلالة واضحة على جدية محادثاتهما، ورغبتهما في التوصل إلى حلول توافقية للقضايا العالقة ومعالجة الملفات الخلافية في ما يتعلق باليمن وسوريا ولبنان.

في مرحلة ما بعد الانتخابات العراقية، واعتراض بعض ممثلي الكتل السياسية الشيعية على نتائج الانتخابات، يرى متابعون أن حكومة الكاظمي التي شكلت لجنة مصغرة لتنسيق لقاءات البلدين، قد تنشغل بالأوضاع الداخلية والأجواء غير الاعتيادية المتوقعة، ما يستدعي التفكير باحتمالات عقد لقاءات إيرانية سعودية في بلد ثالث غير العراق، أو الانتظار لمتابعة التطورات في العراق.

لا يُنتظر أن تؤدي جولات الحوار بين السعودية وإيران إلى تفاهمات سريعة نظرا لطبيعة الملفات المُختلف عليها والتباين في رؤية كل منهما لمصالحه في اليمن. لكن المحادثات سيكون من شأنها على الأقل، تخفيف الحملات الإعلامية المتبادلة، ومستوى العنف مرحليا، واحتمالات تقديم تنازلات متبادلة، إيرانية في الملف اليمني، وسعودية في الملف السوري، بإعادة تطبيع العلاقات مع النظام الحليف الآخر لطهران.


ثالثاً، التطورات الخليجية الدولية

 1_فرنسا

مباحثات سعودية – فرنسية في الرياض لتعزيز العلاقات

في 3 أكتوبر 2021، استقبل وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في مقر الوزارة بالرياض، وزير خارجية جمهورية فرنسا جان إيف لودريان. وجرى خلال الاستقبال استعراض أوجه العلاقات السعودية الفرنسية وسبل تعزيزها في شتى المجالات، بالإضافة إلى تبادل وجهات النظر حيال المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. كما التقى الأخير بوزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء عادل الجبير، في مقر الوزارة بالرياض[25]. كما التقى وزير الخارجية الفرنسي بوزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، وجرى خلال الاجتماع بحث وتعزيز أوجه التعاون في مجالات الطاقة، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك. كما استقبله الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، وبحثا سبل تعزيز التعاون الثقافي بين البلدين[26].

أخيرا، وخلال نفس الزيارة استقبل الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي، اليوم، وزير الخارجية الفرنسي. وجرى خلال الاستقبال استعراض العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها ، كما تم بحث المستجدات الإقليمية والدولية والجهود المبذولة تجاهها. حضر اللقاء وزير الخارجية السعودي ووزير الدولة عضو مجلس الوزراء مستشار الأمن الوطني الدكتور مساعد العيبان. فيما حضر من الجانب الفرنسي القائم بالأعمال بالإنابة لسفارة فرنسا لدى المملكة فيليب ريجيس، وعدد من المسؤولين بوزارة الخارجية الفرنسية[27].

الملاحظ جدا في هذه الزيارة هو الزخم المتعلق باللقاءات التي عقدها وزير الخارجية الفرنسي، إذ شملت أربع لقاءات مستقلة. من وزير الخارجية لوزير الطاقة ثم الثقافة وأخيرا ولي العهد السعودي. ما يعني أن ثمة أمر غير طبيعي يحيط بهذا الزيارة، وأنها ليست زيارة عادية. والفترة الأخيرة وثقت فرنسا علاقاتها بكل من مصر والإمارات والسعودية، في إطار صراعها مع تركيا. حتى مع التهدئة الحاصلة مؤخرا إقليميا، فهناك ثمة حرص من الأطراف جميعها على ضمان تماسك التحالفات القديمة، تحسبا لأي تغيير إقليمي جديد، أو كورقة ضغط في حد ذاته. وهو ما يمكن ملاحظته في اللقاءات والمناورات السعودية والإماراتية مع قبرص واليونان.


قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.