المرصد الخليجي – العدد 49

يتناول التقرير أهم تطورات المشهد الخليجي الخارجي خلال النصف الأول من شهر نوفمبر 2021، وذلك من خلال ثلاث دوائر: الخليجية-الخليجية، والخليجية-الإقليمية، والخليجية-الدولية.

أولاً: التطورات الخليجية-الخليجية، وكان أبرزها استمرار التطورات الإيجابية والحراك الخليجي الخليجي بهدف إعادة التماسك لمجلس التعاون الخليجي ورأب الصدع بين دوله.

ثانياً: التطورات الخليجية-الإقليمية، فيما يتصل أولا بالدائرة العربية، فتشمل اليمن وانسحاب قوات موالية للإمارات من الحديدة وسيطرة الحوثيين على هذه المناطق، ولبنان حيث استمرار أزمة جورج قرداحي التي أحدثت أزمة في العلاقات الدبلوماسية بين بعض دول الخليج ولبنان، وسوريا تمثلت في زيارة وزير الخارجية الإماراتي لسوريا ولقاءه بشار الأسد. ثانياً “إسرائيل” فكان أهمها المناورات العسكرية بين إسرائيل والإمارات والبحرين والولايات المتحدة، ولقاء رئيسي وزراء إسرائيل وعمان، أيضا تضمن إعلان السعودية رفضها التطبيع مع إسرائيل قبل وضع حل نهائي للقضية الفلسطينية. أخيرا إيران والتصعيد الخطير بينها والولايات المتحدة في خليج عمان، فضلا عن زيادة مخزون اليورانيوم الإيراني.

ثالثاً: التطورات الخليجية-الدولية: تمثلت في عقد الحوار الاستراتيجي الرابع بين قطر والولايات المتحدة بحضور وزيري خارجية البلدين، وإعلان الولايات المتحدة أن قطر ستتولى إدارة وحماية المصالح الدبلوماسية الأمريكية في أفغانستان.


أولاً، التطورات الخليجية-الخليجية

 حراك خليجي مستمر لإعادة التماسك لمجلس التعاون

شهدت منطقة الخليج استمرار لحراك خليجي بيني يستهدف إعادة التماسك لمجلس التعاون وتعزيز أواصل التعاون بين أطرافه. أولا العلاقات السعودية القطرية، أفاد الديوان الأميري القطري في بيان أن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني التقى سفير السعودية في قطر الأمير منصور بن خالد بن فرحان وتسلم رسالة خطية من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وأوضح البيان أن الرسالة تتصل بـ”العلاقات الأخوية الوطيدة بين البلدين الشقيقين وسبل دعمها وتعزيزها وأبرز المستجدات الإقليمية والدولية”. وذكر البيان أنه جرى خلال المقابلة “استعراض العلاقات الأخوية بين البلدين الشقيقين وآفاق تعزيزها وتطويرها”[1]. وفي 9 نوفمبر، أفادت وكالة الأنباء السعودية بأن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز تلقى رسالة من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وتسلّم الرسالة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، خلال استقباله في ديوان الوزارة بالرياض سفير دولة قطر لدى المملكة بندر بن محمد العطية، وحضر الاستقبال وكيل وزارة الخارجية السعودية للشؤون السياسية والاقتصادية السفير عيد الثقفي[2].

ثانيا فيما يتعلق القطرية العمانية، تسلم أمير دولة قطر الشيخ تميم رسالة خطية من السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان تتعلق بالعلاقات بين البلدين وسبل تعزيزها وتطويرها، وأبرز القضايا الإقليمية والدولية. وقام بتسليم الرسالة فاتك بن فهر آل سعيد المبعوث الخاص لسلطان عُمان، خلال استقبال الشيخ تميم له في مكتبه بالديوان الأميري في 7 نوفمبر. وحمّل أمير قطر المبعوث العُماني تحياته إلى السلطان هيثم وتمنياته له بدوام التوفيق والسداد، وللشعب العماني بالمزيد من التطور والازدهار.[3]

ثالثا ما يتعلق بالعلاقات الإماراتية السعودية، وصلت وحدات القوات البرية الملكية السعودية المشاركة في تمرين “المصير واحد” مع القوات البرية الإماراتية، الذي سيقام على أرض الإمارات ولمدة ثلاثة أسابيع في 8 نوفمبر. ويهدف التمرين، إلى تعزيز أواصر التعاون العسكري الدفاعي، وتبادل الخبرات والمعرفة العسكرية، عبر مراحل التدريب المختلفة، ورفع مستوى القدرات العملياتية للوحدات المشاركة، وتوحيد المفاهيم وتحقيق التجانس والتوافق، وترسيخ مبادئ وأسس التنسيق والعمل المشترك.[4]

أخيرا العلاقات الإماراتية البحرينية، حيث أتفقت الإمارات والبحرين على وضع إطار لترسيخ وتطوير التعاون الثنائي بما في ذلك المجال السياسي والدبلوماسي والأمني والاقتصاد والتجارة والسياحة والشراكة بين الأعمال التجارية والتكنولوجيا المتقدمة والطاقة والنقل والمواصلات والتعليم، وفي مجالات العمل وتمنية الموارد البشرية، وأيضا بشأن التغير المناخي والصحة. وذلك على هامش زيارة الأمير سلمان بن حمد ولي عهد البحرين رئيس مجلس الوزراء إلى الإمارات والاجتماع مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة[5].

في إطار هذه الزيارات يبدو السياق الأشمل لها هو محاولة إعادة التماسك لمجلس التعاون الخليجي وتجاوز أزمات الماضي، وليس هناك تطورات نوعية ضمن هذه الأحداث. فالسعودية وقطر مستمرون في مسار تحسين وتعزيز علاقاتهما على كل الأصعدة بشكل يفوق حتى ما قبل الأزمة، في حين تتقدم العلاقات الإماراتية القطرية ببطء، أما العلاقات القطرية البحرينية فلازالت عند مستوى الأزمة، وليس هناك تفسير منطقي لاستمرار التأزم في هذه العلاقات، خاصة وأن البحرين لا تمثل أهمية محورية في منطقة الخليج وتفاعلاتها وتوازنات القوى داخلها، كما أنها تعد تابع للسعودية وبشكل أقل للإمارات، فإذا كانت علاقات قطر بالسعودية قد تم إصلاحها وبشكل أقل مع الإمارات فلماذا يستمر التأزم في العلاقات القطرية البحرينية، والتي لم تشهد أي خطوة إيجابية نحو تحسين العلاقات بعد قمة العلا. يبدو التفسير الأنسب يرتبط بخصوصية منطقة الخليج وديناميات التفاعلات داخل هذه المنطقة، فدائما لا يمكن تفسير هذه التفاعلات وفقا للأسس والأعراف المعمولة بها عالميا. أما الإمارات والبحرين فقد تعززت علاقاتهما البينية بعد تطبيع الطرفين علاقاتهما مع إسرائيل، وبدا الطرفان أنهما في نفس الخانة وحدهما على عكس دول الخليج الاخرى التي لم تطبع علاقاتها بشكل رسمي إلى الآن مع إسرائيل.


ثانياً، التطورات الخليجية الإقليمية

(أ) اليمن: سيطرة حوثية على مناطق بالحديدة بعد انسحاب قوات مدعومة إماراتياً

بعد انسحاب -وصف محليا وأمميا بالمفاجئ- لقوات مدعومة إماراتيا في محافظة الحديدة على الساحل الغربي لليمن في 13 ديسمبر، سارعت جماعة الحوثي إلى السيطرة على تلك المناطق، كما فتحت الطريق الرئيسي الذي يربطها بالعاصمة صنعاء. وقالت القوات المنسحبة إنها أخلت مناطق قتال في المحافظة، وفقا لاتفاق ستوكهولم، في حين قال الفريق الحكومي في لجنة تنسيق إعادة الانتشار إن ما حدث تم من دون التنسيق معه. وقال المتحدث باسم القوات المدعومة إماراتيا سمير اليوسفي إن ما حدث في الحديدة لم يكن انسحابا، بل إعادة انتشار تم تطبيقا لما ورد في اتفاق ستوكهولم. وفي 13 ديسمبر 2018 توصلت الحكومة اليمنية والحوثيون، إثر مشاورات عقدت في السويد، إلى اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار بمحافظة الحديدة، وانسحاب قوات الطرفين إلى خارج المدينة الخاضعة لسيطرة الحوثيين، كما توصل الطرفان إلى تفاهم لخفض التصعيد في محافظة تعز (جنوب غرب)، وتبادل الأسرى الذين تجاوز عددهم 16 ألفا من الطرفين[6].

وتعليقا على هذه التطورات، قال الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إن اليمنيين لن يقبلوا التجربة الإيرانية مهما كلفهم ذلك، وسيقدمون التضحيات في سبيل خلاصهم من تمرد ما وصفها بالمليشيا وأعمالها “العدائية والإجرامية”، بحسب تصريحاته التي نقلتها وكالة الأنباء اليمنية. وجاء ذلك خلال استقبال هادي -في مقر إقامته بالعاصمة السعودية الرياض- السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر[7].

لم يكن التطور الأخير الخسارة الوحيدة التي مني بها معسكر الحكومة الشرعية. ففي 12 نوفمبر، لوح االمجلس لانتقالي الجنوبي في بيان، بالانسحاب من الحكومة متهما إياها “بالاستمرار في تعطيل تنفيذ بنود اتفاق الرياض”. وحذر من أن صبره “قد بلغ مداه ولن يطول أكثر، ما لم تُتخذ إجراءات وتدابير عاجلة لاستكمال تنفيذ بنود اتفاق الرياض، منها تعيين محافظين ومدراء أمن لمحافظات الجنوب وإدارة جديدة للبنك المركزي”. ورفضت الحكومة اليمنية تهديد الانتقالي، داعيةً إلى تغليب الحكمة والعقل، وعبر مصدر حكومي عن “استغرابه لصدور هذا البيان بلا مبررات مفهومة أو دواع واضحة، وفي لحظة تستعيد فيها الحكومة حضورها ودورها في العاصمة المؤقتة عدن، متحملةً المسؤولية في منعطف حرج وخطير”.

وفي 5 نوفمبر 2019، تم توقيع اتفاق في الرياض بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي المدعوم إماراتيا، برعاية سعودية ودعم من الأمم المتحدة، بهدف حل الخلافات بين الطرفين. ومن أبرز بنود الاتفاق، تشكيل حكومة مناصفة بين محافظات الشمال والجنوب يشارك فيها الانتقالي، وهو ما حدث في ديسمبر الماضي، وكذلك معالجة الوضع العسكري بمحافظة عدن (جنوب) والمناطق الأخرى التي شهدت مواجهات بين الطرفين، كمحافظة أبين (جنوب). ورغم تشكيل حكومة مناصفة، فإنه لم يتم إحراز تقدم ملحوظ في تنفيذ الشق العسكري من الاتفاق، خصوصا دمج القوات العسكرية تحت قيادة موحدة، فيما لا يزال المجلس يسيطر على عدن، منذ أغسطس 2019. وبزعم تهميش المناطق الجنوبية اقتصاديا وسياسيا، يدعو المجلس الانتقالي إلى انفصال جنوبي اليمن عن شماله، وهو ما يثير رفضا واسعا على المستويين الرسمي والشعبي في البلاد.[8]

وفي ذات السياق، أعلن المجلس الانتقالي في 13 نوفمبر، أن رئيسه عيدروس الزبُيدي تلقى دعوة من المملكة العربية السعودية لزيارة الرياض. جاء ذلك خلال الاجتماع الاستثنائي الذي عقدته هيئة رئاسة المجلس في عدن (جنوب) برئاسة الزُبيدي وحضور وزراء المجلس في حكومة المناصفة، ومحافظ عدن أحمد لملس وعدد من القيادات العسكرية والأمنية وفق بيان نشره المجلس على موقعه الالكتروني. وجدد البيان “التزام المجلس بكل ما من شأنه توحيد الجبهة الداخلية للتصدي للتمدد الإيراني وأذرعه المليشياوية في المنطقة”. وأكد، “موقف المجلس الثابت من الشراكة الاستراتيجية مع الأشقاء في التحالف العربي”، منوهًا إلى أن “العلاقة مع الأشقاء في دول التحالف العربي ستظل إستراتيجية راسخة تحكمها القواسم المشتركة والمصير الواحد”.[9]

وفي هذه الأثناء، اختتم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانز غروندبيرغ زيارة إلى إيران في 5 نوفمبر، التقى فيها كبار المسؤولين الإيرانيين وممثلين عن المجتمع الدولي بطهران، في محاولة لتسوية النزاع في اليمن، في حين يواصل الحوثيون هجماتهم على مدينة مأرب معقل الحكومة الشرعية. وشدد غروندبيرع خلال لقاءاته على الحاجة لدعم جهود الأمم المتحدة للتوصل إلى تسوية تفاوضية للنزاع، وأعرب عن قلقه من التصعيد العسكري في اليمن[10]. وفي 9 نوفمبر، بحث تيم ليندركينغ مع نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز، مستجدات الأوضاع الراهنة في اليمن، واستعرضا الجهود المشتركة المبذولة في الشأن اليمني[11].

وفي ذات الصدد، بحث ليندركينغ مع وزير الخارجية اليمني أحمد عوض بن مبارك -بمدينة عدن جنوبي اليمن- الأوضاع في محافظة مأرب شمالي البلاد، وجهود إنهاء الحرب وتحقيق السلام باليمن. في غضون ذلك، وصل مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ في 8 نوفمبر إلى مدينة تعز غربي البلاد؛ في أول زيارة لمبعوث أممي إلى المدينة منذ نحو 7 سنوات[12].

في إطار المعارك العسكرية بين الحوثيين والتحالف العربي يمكن الإشارة للنقاط التالية[13]:

  • .
  • تُقاتل بعضها البعض وهي سلسلة من الظروف التي لم يتمكن السعوديون من تصحيحها
  •  أصبحوا على وشك الاستحواذ عليها. إذ تُعدّ هذه المنطقة الغنية بالنفط هي من بين المناطق الرئيسية الأخيرة في الشمال التي تتنازع عليها حكومة هادي في الشمال، وتشكل أيضاً بوابةً لمحافظة شبوة، وهي محافظة أخرى يسيطر عليها هادي وتتمتع بموارد مهمة من حيث الطاقة والبنية التحتية. 
  • وهذا أسوأ سيناريو يمكن أن يحصل بالنسبة للرياض وواشنطن والشعب اليمني. فحتى لو انتهت الحرب، سيبقى الوضع الإنساني حرجاً، إذ ما زالت المجاعة تهدد ثلثَي سكان اليمن البالغ عددهم 30 مليون نسمة، وما زال هؤلاء يعتمدون على “برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة” لتأمين قوْتهم اليومي. وفي غضون ذلك، سيكون وكلاء إيران قد سيطروا على دولة عربية أخرى، وستبقى السعودية عرضةً للهجمات بالصواريخ والطائرات بدون طيار من الدولة المجاورة لحدودها الجنوبية.

(ب) سوريا: موقف دول الخليج من التطبيع مع النظام السوري

في 2 نوفمبر 2021، قال وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، إن بلاده لا تفكر في التعامل مع الرئيس السوري بشار الأسد، في الوقت الحالي. وذلك في معرض رده على سؤال بمقابلة مع قناة سي إن بي سي الأمريكية. إلا أنه أشار إلى أن الرياض تدعم العملية السياسية في جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة بين النظام السوري والمعارضة، وأنها تريد المحافظة على الأمن وتدعم ما يحقق مصلحة الشعب السوري. وكانت الرياض سحبت سفيرها لدى دمشق عام 2011، وجمدت علاقاتها الدبلوماسية مع نظام بشار الأسد، على خلفية قمع قوات النظام للمظاهرات الشعبية السلمية ما خلف أعدادا كبيرة من القتلى والجرحى. وتبعتها بذلك بقية دول مجلس التعاون الخليجي عام 2012، إلا أن الإمارات والبحرين أعادتا فتح سفارتيهما في دمشق نهاية عام 2018، على مستوى القائمين بالأعمال. وفي أكتوبر 2020، أعادت سلطنة عمان سفيرها إلى دمشق، لتصبح أول دولة خليجية تعيد تمثيلها الدبلوماسي على مستوى السفراء. ووفقا لتقارير إعلامية، أعادت السعودية في مايو الماضي، فتح قنوات مباشرة مع النظام، بزيارة رئيس جهاز المخابرات السعودي خالد الحميدان، لدمشق ولقائه بشار الأسد، ورئيس مكتب الأمن الوطني علي مملوك، إلا أنه لم يصدر تأكيد أو نفي سعودي لهذه التقارير[14].

وفي ذات السياق، في 9 نوفمبر استقبل بشار الأسد وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد آل نهيان، في أول زيارة لمسؤول رفيع منذ قطع دول خليجية عدة علاقاتها الدبلوماسية مع نظام الأسد إثر اندلاع الثورة السورية عام 2011. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية “سانا” أنه جرى خلال اللقاء “بحث العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، وتطوير التعاون الثنائي في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك، وتكثيف الجهود لاستكشاف آفاق جديدة لهذا التعاون خصوصًا في القطاعات الحيوية من أجل تعزيز الشراكات الاستثمارية في هذه القطاعات”. وقالت الرئاسة السورية إن وزير الخارجية الإماراتي شدد على دعم بلاده لجهود الاستقرار في سوريا. وبهذا يصبح وزير الخارجية عبد الله بن زايد آل نهيان المسؤول الإماراتي الأرفع الذي يزور سوريا بعد 10 سنوات على اندلاع الحرب هناك، إذ تتصدر الإمارات جهود بعض الدول العربية لتطبيع العلاقات مع نظام الأسد.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس -تعليقا على الزيارة- “نشعر بالقلق إزاء التقارير عن هذا الاجتماع والإشارة التي يبعث بها”، وأضاف “مثلما قلنا من قبل، لن تعبر هذه الإدارة عن أي دعم لمساعي تطبيع العلاقات مع بشار الأسد، الدكتاتور الوحشي”. وفي وقت سابق، قالت الولايات المتحدة إنها لا تؤيد أي جهود لتطبيع العلاقات مع نظام الأسد، إلى حين تحقيق تقدم صوب حلّ سياسي للنزاع في سوريا[15].

وبالتزامن مع الزيارة الأخيرة، بحث مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون، مع وزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، في مقر الوزارة بالرياض، الجهود السياسة بشأن الأزمة السورية. ويأتي اللقاء بعد يومين من لقاء بيدرسون مع وزير الخارجية الأردن أيمن الصفدي، لـ”بحث سبل تكثيف الجهود المبذولة للوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية، ومعالجة تبعاتها”، وفق الخارجية الأردنية[16]. وخلال مؤتمر صحفي في واشنطن جمع الوزيرين القطري والأمريكي، قال وزير الخارجية القطري أن موقف قطر واضح حيال التطبيع مع نظام الأسد، وأنه خطوة لا تفكر بلاده فيها حاليا، مشيرا إلى أن قطر لا ترى أي خطوات جادة لنظام الأسد تظهر التزامه بإصلاح الضرر الذي ألحقه ببلده وشعبه[17].

من التطورات السابقة، وبرغم تزايد احتمالية عودة سوريا لمقعدها في الجامعة العربية، إلا أن مسألة عودة عضوية سوريا للجامعة العربية لا تعد مسألة عربية خليجية بحتة، حيث يتقاطع معها المتغير الأمريكي. فتزامن لقاء وزير الخارجية الإماراتي مع الأسد زيارة المبعوث الأمريكي لسوريا للسعودية ومن قبلها للأردن، ويبدو أن الهدف الأساسي هو تحجيم أمريكي للتطبيع الذي تسير فيه الأردن منذ فترة مع الأسد بجانب ضغط أمريكي على السعودي لتجميد خطوة عودة سوريا للجامعة ومنع السعودية من اتخاذ خطوة متقدمة في هذا الصدد كما الإمارات والأردن. ومن ثم هناك فيتو أمريكي يحول دون عودة سوريا لعضوية الجامعة العربية، والسبب لا يتعلق بمعارضة أمريكية لاستمرار النظام السوري، بل يتعلق بكونه ورقة ضغط أمريكية في مواجهة بشار الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، وكأداة للتأثير على مخرجات الحل النهائي للأزمة السورية بما يتوافق مع المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

فالإدارة الأمريكية، بالأخص في عهد بايدن، ليس لديهما مشكلة مع استمرار الأسد، بل مع قرار تعويمه سياسيا، حيث يسير بايدن على سياسة صديقه أوباما، بخلاف ترامب، الذي كان موقفه أكثر صرامة ضد الأسد، وإن تشابه معهم في عدم اتخاذ قرار بإسقاط الأسد ودعم المعارضة. ولكن التعويم هذا ليس مجانا، فهناك مصالح لحلفاء الأمريكان بالأخص الإسرائيليين، فيما يتعلق بالنفوذ الإيراني في سوريا. وبالتالي إذا اتخذ النظام السوري خطوات في هذا الاتجاه قد يدفع ذلك الولايات المتحدة لتقليل ضغوطها على حلفائها من العرب والخليج في مساعيهم لتطبيع علاقاتهم مع النظام السوري بما في ذلك عودة مقعدة دمشق في الجامعة العربية. وبالتالي لا تعارض الولايات المتحدة التطبيع في حد ذاته، وإنما تريد أن تتم هذه الإجراءات في إطار استراتيجيتها في وسوريا وبشكل لا يخرج عن سيطرتها على هذا الملف ومخرجاته.

(ج) لبنان: السعودية متمسكة بموقفها وقطر تعرض الوساطة

في الأول من نوفمبر 2021، قال أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إنه سيوفد وزير الخارجية محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت، “للبحث في السبل الكفيلة بدعم لبنان ولا سيما معالجة الأزمة اللبنانية الخليجية”، دون تحديد موعد. جاء ذلك خلال لقاء أمير قطر برئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، على هامش مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرين. وعلى هامش القمة ذاتها، اجتمع ميقاتي مع نظيره الكويتي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، وخلال اللقاء، أكد ميقاتي “حرص لبنان على العلاقة الوطيدة مع دول مجلس التعاون الخليجي والعمل على معالجة أي ثغرة تعتريها بروح الأخوّة والتعاون”. وخلال الأيام القليلة الماضية، أعلنت السعودية والإمارات والبحرين والكويت سحب سفرائها من بيروت، احتجاجا على تصريحات لوزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي، حول الحرب المتواصلة في اليمن منذ نحو 7 سنوات. وقبل تعيينه وزيرا في سبتمبر الماضي، قال قرداحي في مقابلة متلفزة سُجلت في أغسطس الماضي وبُثت في 25 أكتوبر الفائت، إن الحوثيين في اليمن “يدافعون عن أنفسهم ضد اعتداءات السعودية والإمارات”[18].

وفي هذا السياق، رأى الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية حسام زكي، أنه لو تقدم جورج قرداحي باستقالته لكان يمكن أن ينزع فتيل الأزمة بين بيروت ومعظم دول الخليج. والتقى زكي مع رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري في بيروت، ضمن زيارة تهدف إلى بذل جهود لتقريب وجهات النظر وحل الأزمة بين لبنان والسعودية، وعقب اللقاء، قال زكي في تصريح صحفي: “سنقيّم الموقف عقب العودة إلى القاهرة، وسنقرر حينها الخطوة المقبلة في سبيل حل الأزمة الدبلوماسية[19]. كما كرر رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي دعوته جورج قرداحي إلى “تحكيم ضميره” وتغليب المصلحة الوطنية، لكن الوزير تمسك برفض الاستقالة، في حين حمّل حزب الله الرياض مسؤولية الأزمة رافضا الإملاءات الخارجية على الحكومة، وفق تعبيره. في غضون ذلك، دعت فرنسا إلى إبعاد لبنان عن الأزمات الإقليمية الأوسع، وحثت المسؤولين اللبنانيين والقوى الإقليمية على التهدئة، بينما طالبت الخارجية الأميركية بيروت بالإبقاء على قنوات الحوار مع دول الخليج[20].

وفي 12 نوفمبر، قال جورج قرداحي، إنه لا يتحدى أحدا و”جاهز لتقديم الاستقالة” من الحكومة، إذا توفرت ضمانات بتبدل الموقف الخليجي تجاه بلاده”. كلام قرداحي جاء عقب زيارته رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة[21]. وأخيرا قال وزير الخارجية السعودي إن المملكة لا تعتزم التعامل مع الحكومة اللبنانية حاليا، وسط خلاف عميق بين البلدين، مكررا دعوة الطبقة السياسية في لبنان إلى إنهاء “هيمنة” حزب الله المتحالف مع إيران[22].

من الصعب قبول أن سبب تفجير أزمة بهذا الحجم وبهكذا ردود فعل مجرد تصريح لجورج قرداحي، لأن تصريح الأخير مجرد عرض لحقيقة الأزمة التي تجمع العلاقات اللبنانية مع الخليج بالأخص السعودية، وهو ما يمكن تلمسها في تصريحات وزير خارجية السعودية بدعوته الطبقة السياسية في لبنان إلى إنهاء “هيمنة” حزب الله المتحالف مع إيران، وبالتالي تصريحات قرداحي سبب ظاهري لأزمة أكثر عمقا ترتبط بالصراع الإقليمي السعودي الإيراني. ويلاحظ دعم أمريكي فرنسي لحل الأزمة خاصة وأن التشكيل الحكومي الحالي هو نتاج جهود دبلوماسية فرنسية بشكل أساسي. يلاحظ أيضا عرض قطر الوساطة وهو أمر متوقع متماشيا مع تطلع قطر للقيام بهذا الدور في أغلب أزمات المنطقة.

(د) إسرائيل: التطبيع مع دول الخليج يتمدد رأسيا لا أفقيا

في 2 نوفمبر 2021، التقى رئيسا الوزراء البحريني والإسرائيلي لأول مرة منذ تطبيع العلاقات بين البلدين، وذلك على هامش مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في غلاسكو الأسكتلندية. ولم تتوافر على الفور تفاصيل عن الاجتماع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت وولي عهد البحرين ورئيس وزرائها سلمان بن حمد آل خليفة. وأفادت وكالة الأنباء البحرينية الرسمية (بنا)، بأن الأمير سلمان بن حمد، أكد حرص مملكة البحرين على تعزيز السلام ومساعي التنمية والاستقرار في المنطقة. وأشار ولي العهد البحريني، إلى أهمية مواصلة تعزيز علاقات التعاون بين البلدين في العديد من المجالات. فيما وصف حساب رئيس وزراء إسرائيل عبر تويتر اللقاء الأول “بأنه تاريخي”، مرفقا مقطع فيديو قصيرا يظهر مصافحة حارة وابتسامات بين الجانبين[23].

وفي 11 نوفمبر، قالت البحرية الأميركية، إن “قوات إماراتية وبحرينية وإسرائيلية بدأت مع القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية (الأسطول الخامس) في إجراء تمرين متعدد الأطراف على عمليات الأمن البحري في البحر الأحمر”، وشمل التمرين الذي استمر خمسة أيام تدريباً في البحر على متن سفينة نقل برمائية بهدف التدرب على تكتيكات الزيارة والدخول والتفتيش والمصادرة، بما يعزز قابلية العمل بين الفرق البحرية للقوات المشاركة. وتغطي منطقة عمليات الأسطول الأميركي الخامس ما يقرب من 2.5 مليون ميل مربع من مساحة المياه، وتشمل الخليج والبحر الأحمر وأجزاء من المحيط الهندي وثلاث نقاط مهمة هي في مضيق هرمز قرب إيران وقناة السويس في مصر وباب المندب قرب اليمن[24].

في المقابل، أكد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في الأول من نوفمبر، تمسك بلاده بشرط إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 قبل ذهابها إلى خيار تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وأضاف: “ما هو مهم الآن هو عودة العلاقات بين الفلسطينيين وإسرائيل لنرى مسارا واقعيا وحقيقيا يؤدي إلى تحقيق السلام الشامل بما فيه إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية”. وشدد الوزير السعودي، على أنه “بدون هذا المسار لن نحظى بالاستقرار الحقيقي في المنطقة، وذلك هو الأولوية لدينا حاليا”.[25]

فيما يتعلق بالمناورات الأخيرة، فيلاحظ أن طبيعة الدول المشاركة هي إسرائيل وحليفها وداعمها الأول والاستراتيجي “الولايات المتحدة”، والدولتين الخليجيتين اللتان طبعتا علاقاتهما معها “الإمارات والبحرين”، ومن ثم فيبدو المستهدف الأول هو إيران، حيث إيصال رسالة بأن الولايات المتحدة لن تتردد في الدفاع عن مصالح حلفائها في المنطقة إذا ما حدث اشتباكا عسكريا، ورسالة لدول الخليج الغير مطبعة بأن التطبيع مع إسرائيل يضمن غطاءا ودعما أمريكيا مفتوحا.

(هـ) إيران: تصعيد أمريكي إيراني في خليج عمان

في 2 نوفمبر 2021، قدّمت الولايات المتحدة وإيران روايتين متناقضتين حول واقعة سجّلت مؤخرا في بحر عُمان، حيث أعلنت طهران إحباط محاولة أميركية لمصادرة نفط إيراني، وهو ما نفته واشنطن. حيث أعلن الحرس الثوري الإيراني أن قواته أحبطت قبل نحو أسبوعين محاولة أميركية لمصادرة ناقلة نفط محمّلة بنفط إيراني، ونقلت حمولتها إلى ناقلة أخرى، وقادتها إلى جهة مجهولة، في أوج توتر بين البلدين اللذين يتبادلان باستمرار الاتهامات “باستفزازات” في مياه منطقة الخليج، وأضاف أن بحرية الحرس الثوري قامت بإنزال جوي على متن الناقلة وصادرتها، مشيرا إلى أن القوات الأميركية حاولت مجددا إعاقة مسار الناقلة باستخدام مروحيات وسفينة حربية، لكنها فشلت مجددا.

المزيد من المشاركات

وسارعت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى تكذيب الرواية الإيرانية، ووصفتها بأنها “غير دقيقة وكاذبة”، وقال المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي للصحفيين “اطلعت على المزاعم الإيرانية.. إنها زائفة تماما وغير حقيقية.. هذا ادعاء كاذب”، وأضاف كيربي “عملية الاحتجاز الوحيدة التي جرت قامت بها إيران”، مشيرا إلى أن الوجود الأميركي في المنطقة يشكل رادعا للحرس الثوري الإيراني، وأنه مرتبط بدعم حرية الملاحة والتجارة على حد وصفه. وقالت وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) إن “قوات إيرانية سيطرت على ناقلة نفط بمياه الخليج الأسبوع الماضي وبحريتنا كانت تراقب”. ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين أميركيين أن إيران تحتجز منذ 24 أكتوبر الماضي ناقلة نفط ترفع العلم الفيتنامي في خليج عمان، وتظهر بيانات تطبيق “مارين ترافيك” الناقلة “سوثيز” متوقفة في ميناء بندر عباس الإيراني منذ 31 أكتوبر الماضي[26].

في هذه الأثناء، بدأ الجيش الإيراني مناورات واسعة صباح يوم 7 نوفمبر، على سواحل مكران (جنوب شرقي إيران)، بمشاركة وحدات من المشاة والمدرعات والقوة البحرية والدفاع الجوي والقوة الجوية. ونقلت وكالة “تسنيم” الإيرانية عن مساعد الشؤون التنسيقية للقائد العام للجيش الإيراني الأدميرال حبيب الله سياري قوله إن المرحلة الرئيسة للمناورات، التي تحمل اسم “ذو الفقار 1400″، ستقام في منطقة مساحتها تزيد على مليون كيلومتر مربع من شرق مضيق هرمز وبحر عمان إلى شمال المحيط الهندي. ولفت إلى أن المناورة تستهدف “اكتساب مزيد من الجهوزية القتالية في مواجهة أي تهديد محتمل”، وذكر التلفزيون الرسمي الإيراني أن المناورات العسكرية التي بدأها الجيش اليوم تنفذ سنويا قرب مدخل الخليج[27]. وأثناء إجراء هذه المناورات، قال الجيش الإيراني في 9 نوفمبر، إنه رصد طائرات أميركية دون طيار تقترب من منطقة المناورات في بحر عمان، وأضاف أنه قام بتحذيرها، وأنها غيرت مسارها وابتعدت عن الحدود الإيرانية بعد إطلاق الدفاعات الإيرانية عيارات نارية تحذيرية[28].

تزامن مع التصعيد في خليج عمان تصعيد آخر، حيث أعلنت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية في 5 نوفمبر، أن البلاد تواصل توسيع برنامجها النووي، ونقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي قوله “لقد أنتجنا حتى الآن 25 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والتي لا تستطيع أي دولة إنتاجها باستثناء الدول التي تمتلك أسلحة نووية”. ومن المقرر أن تستأنف المفاوضات إحياء الاتفاق النووي المبرم عام 2015 مع القوى العالمية يوم 29 نوفمبر الحالي في فيينا. وتقول القوى الغربية إن فرص إنقاذ الاتفاق تتقلص في ضوء تسريع إيران وتيرة تخصيب اليورانيوم بالقرب من الدرجة المطلوبة لتصنيع أسلحة، معتبرة ذلك انتهاكا للقيود التي نص عليها الاتفاق[29].

وفي سياق أزمة النووي الإيراني يمكن الإشارة إلى النقاط التالية[30]:

  • استخدمت إيران الخطوات الأخيرة لتجاوز عتبات خطيرة، إلا أن هذا الجدل يغفل نقطة أساسية. لقد أدرك الإيرانيون أهمية هذه الخطوات ولم يشعروا بالخوف؛ ومن الواضح أنهم توقعوا ردّ فعل محدود، إن وجد أساساً، سواء دبلوماسياً أو خلاف ذلك، من الولايات المتحدة أو الأعضاء الآخرين في مجموعة دول الخمسة زائد واحد، وهي الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة. وكانوا على حق فلم يترتب أي تداعيات على تلك الخطوات.
  • إن عدم خوف الإيرانيين من تبعات طموحاتهم النووية أمر خطير. فقد يسفر عن سوء تقدير في الحسابات من الجانب الإيراني حول إمكانية إقدام الولايات المتحدة على أي ردّ عسكري، ويقلّص بالتأكيد احتمال تحقيق أي نتيجة دبلوماسية. ومن بين الأسئلة التي تطرح نفسها هنا، هل يمضي الإيرانيون الآن قدماً بالتخصيب القريب من صنع سلاح نووي، للضغط على واشنطن لتحسين شروط الاتفاق النووي، حيث يحصلون على تخفيف العقوبات بأكثر مما يحق لهم به مقابل قيود أقل على بنيتهم التحتية النووية؟ أم هل يقومون بذلك لأنهم يرغبون في امتلاك قدرات عتبة نووية – كتلك التي تتمتع بها اليابان – تمكّنهم من الانتقال بسرعة كبيرة نحو صنع سلاح نووي إذا اختاروا القيام بذلك؟ أو الاثنان معاً، بما أنهما ليسا خيارين متعارضين؟
  • ما لم يدرك الإيرانيون أن المسار الذي يسلكونه يشكل خطراً عليهم، فسترتفع احتمالية استخدام القوة، ومن المؤكد أن الإسرائيليين، انطلاقاً من اعتقادهم بأن التهديد النووي الإيراني هو تهديد وجودي، هم أكثر ميلاً إلى الذهاب أبعد من التخريب وشنّ هجوم عسكري على البنية التحتية النووية الإيرانية بالكامل، ولا سيما في الوقت الذي يرون فيه أن إيران تقترب من نقطة التحول للوصول إلى قدرات عتبة سلاح نووي، وهي القدرة التي من شأنها أن تمنح إيران قابلية تقديم واقع نووي للعالم في التوقيت الذي تختاره.
  • إذا أرادت الولايات المتحدة تقليل مخاطر نشوب صراع ومنح الدبلوماسية فرصة للنجاح، فسيتعين على إدارة بايدن أن تعيد بث الخوف في نفوس الإيرانيين من ردّ فعل أمريكي وممارسة الضغط بشكل أكثر فاعلية، وهذا بالطبع سيؤثر أيضاً على الإسرائيليين ويقلل من حاجتهم المتصورة للعمل بشكل مستقل.

ثالثاً، التطورات الخليجية الدولية

1_الولايات المتحدة: عقد الحوار الاستراتيجي الرابع بين قطر والولايات المتحدة

في 12 نوفمبر 2021، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن عقد الحوار الإستراتيجي الرابع بين الولايات المتحدة وقطر في العاصمة واشنطن، حيث استقبل وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن وفدا قطريا برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وانضم للاجتماع مسؤولين من مجلس الأمن القومي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية ووزارة الدفاع ووكالات أخرى. وناقش وفدي البلدين قضايا عدة، منها الاستقرار الإقليمي والتعاون الدفاعي والصحة العامة ومكافحة الإرهاب، إضافة لقضايا حقوق الإنسان والمناخ واستقلالية الطاقة والمساعدات الإنسانية والتعاون الاقتصادي والتبادلات الثقافية والتعليمية.

وخلال هذا الاجتماع، وقعت الدولتان اتفاقية تتولى بموجبها الدوحة تمثيل وحماية المصالح الدبلوماسية الأميركية في أفغانستان. حيث أعلن بلينكن أن بلاده بصدد إنشاء وحدة داخل السفارة القطرية بأفغانستان لتقديم الخدمات القنصلية الأميركية. وأوضح وزير الخارجية الأميركي أن العلاقات مع قطر في توسع، وأن الأحداث في أفغانستان عززت الشراكة بين البلدين، شاكرا أمير قطر على ما قدمته قطر في هذا الملف. وأكد بلينكن على أن شراكة بلاده مع قطر حتمية في ما يتعلق بقضايا المنطقة، موضحا أن هذه الشراكة واسعة وتنعكس على الحوار البنّاء في كثير من القضايا بالمنطقة[31]. ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن نائب وزير الخارجية القطري قوله إن قطر تأخذ التزاماتها بشأن تمثيل المصالح الدبلوماسية الأميركية في أفغانستان على محمل الجد، وستضيف موظفين إلى سفارتها في كابل للتعامل مع عبء العمل المتزايد. وقال إن المهمة لن تكون سهلة بالنظر إلى تعقيد الوضع في أفغانستان، فهناك الكثير من القضايا المعقدة التي تحتاج إلى حل. وأضاف وزير الخارجية القطري أن هذا الاتفاق يضفي الطابع الرسمي على قطر كمركز عبور رئيسي ينظم معايير وصول ومعالجة الأشخاص الذين تم إجلاؤهم من أفغانستان[32].

إن السياق الأبرز الذي يمكن من خلاله قراءة تطور العلاقات الأمريكية القطرية في عهد بايدن هو أن جو بايدن أتى بأجندة على رأس أولوياتها حل الأزمات وإنهاء صراعات المحاور الإقليمية، وفي ظل سياق كهذا تتراجع أهمية الإمارات ودورها في إطار استراتيجية الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، لغلبة الطابع الهجومي والصراعي على دورها الإقليمي، في حين تتعاظم أهمية دول كقطر لحيادها في أغلب الصراعات الإقليمية وتطلعها للقيام بدور الوساطة في هذه الصراعات. والآن تجني قطر ثمار هذه السياسة.([33])


[1] أمير قطر يتسلم رسالة من ولي عهد السعودية بشأن تعزيز العلاقات، الأناضول، 8/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[2] الملك السعودي يتلقى رسالة من أمير قطر، الجزيرة نت، 9/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[3] أمير قطر يتسلم رسالة خطية من سلطان عُمان، الجزيرة نت، 7/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[4] «المصير واحد» تمرين سعودي – إماراتي لتعزيز أواصر التعاون العسكري الدفاعي، الشرق الأوسط، 8/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[5] اتفاق إماراتي ـ بحريني لتطوير التعاون في شتى المجالات، الشرق الأوسط، 10/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[6] بعد انسحابها “المفاجئ” من الحديدة.. القوات المدعومة إماراتيا تتحدث عن إعادة انتشار والحوثيون يفتحون طريق صنعاء، الجزيرة نت، 13/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[7] تجدد المعارك في الحديدة.. قائمة بمناطق سيطر عليها الحوثيون بعد انسحاب قوات تدعمها الإمارات، الجزيرة نت، 14/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[8] الحكومة اليمنية ترفض تهديد “الانتقالي” بالانسحاب منها، الأناضول، 13/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[9] اليمن.. “الانتقالي” يعلن دعوة السعودية للزبيدي لزيارة الرياض، الأناضول، 13/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[10] اليمن.. المبعوث الأممي زار طهران لخفض التصعيد في مأرب والحكومة تشككك في نجاحها، الجزيرة نت، 5/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[11] خالد بن سلمان يلتقي المبعوث الأميركي لليمن، الشرق الأوسطـ 9/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[12] اليمن.. المبعوث الأميركي يدعو من عدن لإنهاء الحرب وأول زيارة لمبعوث أممي إلى تعز، الجزيرة نت، 9/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[13] ديفيد شينكر، بايدن بحاجة إلى خطة بديلة لليمن إذا انتصر الحوثيون، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، 5/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[14] السعودية: لا نفكر بالتواصل مع رئيس النظام السوري حاليًا، الأناضول، 2/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[15] للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة.. وزير خارجية الإمارات يزور دمشق ويلتقي الأسد، الجزيرة نت، 9/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[16] بيدرسون يبحث في السعودية الأزمة السورية، الأناضول، 9/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[17] توافق أميركي قطري على رفض التطبيع مع نظام الأسد، الجزيرة نت، 12/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[18] أمير قطر يعتزم إيفاد وزير خارجيته لبيروت لمعالجة أزمة لبنان مع الخليج، الأناضول، 1/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[19] الجامعة العربية: استقالة قرداحي كان يمكن أن تنزع فتيل الأزمة مع الخليج، الأناضول، 8/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[20] الأزمة اللبنانية السعودية.. ميقاتي يدعو قرداحي لتحكيم ضميره وواشنطن تطالب بيروت بالحفاظ على قنوات الحوار مع الخليج، الجزيرة نت، 4/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[21]قرداحي: جاهز للاستقالة إذا توفرت “ضمانات” ولا أتحدى أحدا، الأناضول، 4/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[22] وزير الخارجية السعودي: لا نرى أي فائدة من التعامل مع لبنان حاليا، الجزيرة نت، 4/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[23] في أول لقاء بعد التطبيع.. رئيسا وزراء البحرين وإسرائيل يلتقيان في غلاسكو، الجزيرة نت، 2/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[24] تمرين عسكري في البحر الأحمر بمشاركة أميركا وإسرائيل والإمارات والبحرين، الشرق الأوسط، 11/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[25] السعودية تتمسك بشرط إقامة دولة فلسطينية قبل التطبيع مع إسرائيل، الأناضول، 1/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[26] التوتر الأميركي الإيراني.. روايتان متناقضتان لواشنطن وطهران حول واقعة بحر عُمان، الجزيرة نت، 3/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[27] على منطقة مساحتها مليون كيلومتر.. الجيش الإيراني يبدأ مناورات ضخمة قرب مدخل الخليج، الجزيرة نت، 3/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[28] اقتربت من مناورات ذو الفقار.. إيران تعلن اعتراضها مسيرات أميركية فوق بحر عمان، الجزيرة نت، 9/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[29] إيران تزيد مخزون اليورانيوم المخصب وسط تحذير دولي من فشل إنقاذ الاتفاق النووي، الجزيرة نت، 9/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[30] دينس روس، التهديد بالحرب هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام مع إيران، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، 26/10/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[31] في اتفاقية أبرمت بواشنطن.. قطر تمثل المصالح الدبلوماسية الأميركية بأفغانستان، الجزيرة نت، 12/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

[32] وزير الخارجية القطري: نأخذ التزاماتنا بتمثيل الدبلوماسية الأميركية لدى أفغانستان على محمل الجد، 14/11/2021، (تاريخ الدخول:16/11/2021)، الرابط

([33]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.