المرصد الخليجي – العدد 51

يتناول التقرير أهم تطورات المشهد الخليجي الخارجي خلال النصف الأول من شهر ديسمبر 2021، وذلك من خلال ثلاث دوائر: الخليجية-الخليجية، والخليجية-الإقليمية، والخليجية-الدولية.

أولاً: التطورات الخليجية-الخليجية، وكان أبرزها الجولة التي قام بها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في منطقة الخليج، شملت الإمارات، قطر، البحرين، عمان والكويت. ثم انعقاد القمة الــ42 لمجلس التعاون الخليجي، وهي القمة الأولى بعد قمة العلا التي شهدت حل الأزمة الخليجية.

ثانياً: التطورات الخليجية-الإقليمية، فيما يتصل بالدائرة العربية، فتشمل مصر وانعقاد اجتماع وزاري خليجي مصري وما قرره من عقد آلية تشار سياسي بين الطرفين الخليجي والمصري، ولبنان حيث استقالة قرداحي بعد ضغوط سعودية وما تلاها من مبادرة فرنسية-سعودية حول لبنان. وفيما يتصل بتركيا فكان أهمها زيارة أردوغان للدوحة ولقاؤه أمير قطر والتوقيع على العديد من الاتفاقيات. أما إيران فكان أبرزها زيارة طحنون بن زايد لإيران ولقاؤه نظيره الإيراني والرئيس الإيراني. أخيرا ما يتصل بإسرائيل، وتمثلت في زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي للإمارات ولقائه بمحمد بن زايد.

ثالثاً: التطورات الخليجية-الدولية: تمثلت في الجولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في منطقة الخليج، شملت زيارات لدول السعودية والإمارات وقطر، وما شهدته من مباحثات حول العديد من الملفات.


أولاً، التطورات الخليجية-الخليجية

زيارة بن سلمان لدول الخليج قبل القمة الخليجية

في 6 ديسمبر 2021، بدأ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جولة تشمل 5 دول في مجلس التعاون الخليجي، وذلك قبل انعقاد القمة الخليجية الــ 42 في 14 ديسمبر، التقي خلالها بقادة سلطنة عُمان والإمارات وقطر والبحرين والكويت.

المحطة الأولى، عمان، 7 ديسمبر 2021

بدأت الجولة من مسقط، ففي 7 ديسمبر، بحث ولي العهد السعودي في مسقط مع سلطان عُمان هيثم بن طارق، التعاون الثنائي في مختلف المجالات والمستجدات الإقليمية. وخلال زيارة محمد بن سلمان لمسقط، وقعت مجموعة من الشركات السعودية وأخرى مملوكة لجهاز الاستثمار العُماني والقطاع الخاص، 13 مذكرة تفاهم بقيمة استثمارات تبلغ 30 مليار دولار[1].

المحطة الثانية، الإمارات، 7 ديسمبر 2021

حيث بحث ولي العهد السعودي في 7 ديسمبر، مع ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد تطورات المنطقة والعلاقات الثنائية ومجمل القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وأكدا على أهمية تفعيل العمل الخليجي والعربي المشترك، وضرورة العمل على ترسيخ أركان الاستقرار الإقليمي. وقدم ولي عهد أبو ظبي لمحمد بن سلمان، “وسام زايد من الدرجة الأولى” الذي يُمنح للملوك والرؤساء وقادة الدول، وهذا ثاني وسام يُمنح لولي العهد السعودي، عقب حصوله على وسام عمان المدني من الدرجة الأولى، في ختام زيارته لمسقط[2].

المحطة الثالثة، قطر، 8 ديسمبر 2021

فقد أجرى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني محادثات مع ولي العهد السعودي في 8 ديسمبر، تناولت المحادثات العلاقات الثنائية وتنمية العمل الخليجي المشترك، إضافة إلى أبرز المستجدات الإقليمية والدولية. وترأس تميم وبن سلمان الاجتماع السادس لمجلس التنسيق القطري-السعودي المشترك، بالديوان الأميري بالدوحة. وقد استعرض المجلس علاقات البلدين وسبل دعمها، كما تناول المجلس عددا من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، لا سيما آخر تطورات الأوضاع في المنطقة، إضافة إلى تبادل وجهات النظر حول ما من شأنه حماية الاستقرار والأمن في المنطقة. وتعد الزيارة هي الأولى لولي العهد السعودي لقطر منذ الأزمة الخليجية التي اندلعت في منتصف 2017 وانتهت بعد قمة العلا الخليجية في يناير 2021. وفي وقت سابق من هذه الزيارة، انعقد ملتقى الأعمال القطري السعودي بتنظيم من غرفة صناعة وتجارة قطر بالتعاون مع اتحاد الغرف السعودية[3].

المحطة الرابعة، البحرين، 10 ديسمبر 2021:

حيث التقى العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة بالأمير محمد بن سلمان، بحضور الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في البحرين، وقد تناولوا العلاقات الثنائية وسبل تطويرها وتنميتها في جميع المجالات لتعزيز مصالح البلدين والشعبين. وأكدت البلدين وحدة الموقف والمصير المشترك تجاه مجمل القضايا والتطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وشدد البلدان على تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير التعاون الاستراتيجي[4].

المحطة الأخيرة، الكويت، 10 ديسمبر 2021:

فقد اختتم الأمير محمد بن سلمان جولته الخليجية بالكويت في 10 ديسمبر، التقى خلالها بنواف الأحمد الجابر الصباح أمير الكويت، والذي كرمه بأرفع الأوسمة الكويتية “قلادة مبارك الكبير ووسام الكويت”، وذلك بحضور الشيخ مشعل الأحمد ولي العهد الكويتي حيث جرى استعراض العلاقات الثنائية بين البلدين، وفرص التعاون الثنائي في مختلف المجالات، ومستجدات الأوضاع في المنطقة. وعقد الأمير محمد بن سلمان والشيخ مشعل الأحمد في وقت لاحق جلسة مباحثات رسمية بقصر بيان في العاصمة الكويت، تناولت استعراض أوجه العلاقات بين البلدين وفرص تنميتها وتطويرها في مختلف المجالات. وتعد زيارة ولي العهد السعودي هي الثالثة للكويت بعد زيارته الرسمية الأولى في مايو 2015، والثانية في 30 سبتمبر 2018. كما وقعت الكويت والسعودية عام 2018 محضر إنشاء مجلس التنسيق الكويتي – السعودي الذي يعتبر انطلاقة جديدة في التعاون القائم والمتنامي بين البلدين[5].

يمكن قراءة هذه الجولة الخليجية في سياقين رئيسيين: الأول تهيئة الرياض الأجواء الخليجية للقمة التي كانت ستعقد بعد هذه الجولة، بحيث يتم الاتفاق على جدول الأعمال، خاصة لو كانت هناك مقترحات معينة ترغب السعودية في التركيز عليها خلال أعمال القمة، ومن ثم زيارات ولي العهد السعودي تأتي في هذا السياق. الثاني محاولة السعودية للتأكيد على دورها القيادي في إطار مجلس التعاون الخليجي من ناحية، ولمحاولة ترميم الشروخ الذي نالته جراء الأزمة الخليجية.

انعقاد القمة الخليجية الـ42 ديسمبر 2021

في 14 ديسمبر 2021، استضافت العاصمة السعودية الرياض أعمال اجتماع الدورة الـ 42 لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ورأس ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أعمال القمة في قصر الدرعية، نيابة عن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز. وجاء تمثيل دول المجلس كالتالي: فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء بسلطنة عُمان، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح ولي عهد دولة الكويت، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، والملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البحرين، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي[6]. وهذه أول قمة تعقد بعد قمة مدينة العلا السعودية في 5 يناير 2021، وأنهت خلافا تاريخيا اندلع منتصف 2017 بين الرياض وأبو ظبي والمنامة والقاهرة من جانب وقطر من جانب آخر.

وأكد البيان الختامي للقمة الخليجية على تنسيق المواقف بين دول المجلس بما يحافظ على مصالحها، وعلى تماسك مجلس التعاون ووحدة الصف وتحقيق التكامل، والتأكيد على مضامين إعلان العلا، واستكمال مقومات الوحدة الاقتصادية، وتكثيف الجهود لمواجهة التحديات المستجدة جراء جائحة كورونا، فضلا عن الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي. واعتبر البيان أن استمرار هجمات الحوثيين بدعم إيراني تهديد للأمن الإقليمي، داعيا إيران إلى ضرورة الالتزام بميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حسن الجوار. وأكد على ضرورة العمل على حفظ وحدة اليمن وسيادته ورفض أي تدخل في شؤونه. من جهته قال وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إن القمة الخليجية ناقشت اتفاقات الدفاع المشترك وتعزيز العمل الخليجي، وأشار إلى أن الدول الخليجية ترغب في أن تكون لديها علاقة طبيعية مع إيران، معتبرا أن الأمر يتوقف على طهران[7].

وردا على البيان الختامي للقمة، دعت إيران الدول الخليجية لإعادة النظر في رؤيتها للقضايا الإقليمية واستبدال الاتهامات بالتعاون. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده، في بيان له في 15 ديسمبر، إن الاتهامات التي جاءت في بيان القمة الخليجية في الرياض مكررة ولا أساس لها من الصحة، ووصفت البيان بأنه “مؤشر على الرؤية غير البنّاءة والخاطئة لدى بعض الدول الخليجية”، ورأت الخارجية أن حل القضايا الإقليمية يكون بالتعاون مع دول الجوار، معربة عن ترحيبها بأي مبادرات إيجابية بهذا الخصوص. وأكدت إيران أنه لا مجال لقبول أي تدخل من الدول الخليجية في برامجها النووية والصاروخية والعسكرية. ورأت الخارجية الإيرانية في بيانها أن الحرب على اليمن، والتدخل الأجنبي، والعنصر الإسرائيلي تعدّ تهديدات للأمن الإقليمي[8].

الآن يمر عام كامل على إنهاء الأزمة الخليجية وعقد مصالحة بينية في إطار قمة العلا الماضية، فماذا جنت دول مجلس التعاون الخليجي من هذه المصالحة خلال هذا العام؟ فيما يتعلق بدول الكويت وعمان فلا جديد بالنسبة لهم، فقد وقفوا على الحياد أثناء الأزمة وحافظوا على علاقات جيدة مع طرفي الأزمة، بجانب مساعيهم لحل الأزمة من ناحية، وتنويع علاقاتهم وشراكاتهم مع فاعلين إقليميين أخريين من خارج الإطار الخليجي من ناحية أخرى، بالاخص الكويت التي عمقت علاقاتها مع تركيا أكثر، في محاولة لتجنب أي محاولة للتحرك ضدها مستقبلا كما حدث مع قطر. في حين أن عمان بالفعل تتمتع بتنوع في علاقاتها مع الخارج، ففي الوقت الذي تحافظ فيه على علاقات استراتيجية مع الأطراف الخليجية، فإن علاقاتها مع إيران قوية ومستدامة. وبعد الأزمة فإن الدولتين ظلتا على نفس الوتيرة من العلاقات والتحركات.

أما دول الأزمة قطر، السعودية، الإمارات والبحرين. فإن محاولة ترميم الشرخ الحاصل في علاقاتهم البينية نتيجة الأزمة الخليجية لم تسر بوتيرة واحدة. فقد تجاوزت السعودية وقطر الأزمة بشكل كلي وأصبحت علاقاتهم التعاونية طاغية على أي جانب آخر من هذه العلاقات، بل مرجح أن يتجاوز التحسن والتعاون بينهما المستوى الذي كانا عليه قبل الأزمة. ما يدفع السعودية وقطر لذلك هو أولا إدراكهما أنهما كانا الطرفان الأكثر تأثرا سلبيا بالأزمة في حين كانت الإمارات المنتصر الوحيد لكون الأزمة خدمت دورها الإقليمي في المنطقة آنذاك، ثانيا أن الدولتين تجدان في تعضيد تحالفهم وسيلة ناجعة في مواجهة تصاعد الدور الإقليمي للإمارات بشكل يؤثر على أدوار القوى الفاعلة الأخرى كالسعودية من ناحية، وبشكل مستقل بعيد عن التنسيق مع هذه القوى، كما في حالة التطبيع مع إسرائيل من ناحية أخرى، وثالثا يحاول بن سلمان تكرار نموذج دبي في السعودية بحيث تكون وجهة سياحية واقتصادية عالمية تتجاوز بها الصورة النمطية التقليدية للسعودية كدولة لها خصوصيتها الدينية التي تمنع الدخول في هكذا سباق.

أما العلاقات القطرية-الإماراتية فإنها وإن اتخذت خطوات إيجابية نحو تحسين العلاقات وتجاوز الأزمة، إلا أنه لازالت هناك رواسب تعيق وصول هذا التحسن والتعاون بين البلدين لمستوى معقول، خاصة وأن الإمارات كانت آخر المتحمسين لحل الأزمة الخليجية. أخيرا العلاقات القطرية-البحرينية فهي أقل العلاقات الثنائية التي تأثرت بالمصالحة الخليجية، إذ لازالت علاقاتهما البينية عند مستوى الأزمة، فبينما قدمت المنامة العديد من المبادرات لحل الخلافات بينهما، إلا أن قطر لم تستجب إلى الآن لأي من هذه المبادرات. وهذا الموقف يبدو غريبا نوعا ما، لأن البحرين ليست من الدول المحورية أو الفاعلة في منطقة الخليج، بل هي تابعة بشكل كامل في سياستها الخارجية للسعودية ومن بعدها للإمارات، فإذا كانت الدولتان قد تجاوزتا أزمتهما مع قطر بمستويات مختلفة، فلماذا لم تقدم قطر والبحرين على ذات الخطوة.


ثانياً، التطورات الخليجية الإقليمية

(1) مصر: اجتماع وزاري خليجي-مصري يدشن آلية تشاور سياسي

في 12  ديسمبر 2021، شارك وزير الخارجية المصري سامح شكري للمرة الأولى في اجتماع وزاري خليجي بالعاصمة السعودية الرياض، لتدشين آلية تشاور سياسي بشكل مؤسسي بين القاهرة وعواصم الخليج الستة، وذلك حسب بيان صادر عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية. من جانبها، قالت وزارة الخارجية المصرية -في بيان- إن مشاركة مصر لأول مرة في هذا الاجتماع من خلال تدشين آلية التشاور السياسي مع دول المجلس تعكس العلاقات الوطيدة والمصير المشترك الذي يجمع الجانبين، كما تعكس ضرورة تكثيف التنسيق والتشاور بينهما خلال المرحلة المقبلة.

وخلال مؤتمر صحفي تلا الاجتماع، عبّر شكري عن تطلعه لأن يسهم الإطار التشاوري في استقرار المنطقة، مشيرا إلى أن الإطار التنسيقي التشاوري الذي تم تدشينه ستكون له آليات على مستوى الوزراء وكبار المسؤولين، وسينعقد بشكل دوري لبحث كافة القضايا. وأشار شكري إلى أن مصر ودول مجلس التعاون مستمرون في صياغة رؤية مشتركة داعمة لكل القضايا والتحديات التي تواجه المنطقة العربية، تستهدف النطاق العربي وتعزيز التضامن والمؤازرة والعمل المشترك بين كل الدول العربية. من جانبه، قال وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان -خلال المؤتمر الصحفي ذاته- إن التنسيق مستمر وعنصر أساسي بين دول الخليج ومصر وليس مستجدا، ولكن ما تم هو مأسسة لما هو قائم[9].

وخلال الاجتماع تلقت مصر دعماً خليجياً جديداً في نزاعها مع إثيوبيا بشأن سد النهضة على نهر النيل، وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري، إن وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي أكدوا خلال أعمال الاجتماع على ضرورة الحفاظ على المصالح المائية المصرية والتقدير البالغ لجوهرية قضية سد النهضة لمصر. وأضاف أن دول مجلس التعاون تؤازر وتدعم وتتضامن مع مصر في الدفاع عن مصالحها الوطنية والوصول إلى اتفاق قانوني ملزم بملف سد النهضة يحقق مصالح الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا[10].

تعد هذه الخطوة نتيجة طبيعية للمصالحة الخليجية، وعودة اللحمة لمجلس التعاون الخليجي، ومن ثم إقراره لمثل هكذا إجراءات بتوافق بين جميع أعضاءه. فلو كانت العلاقات المصرية القطرية لازالت عند مستوى الأزمة والتوتر الذي طغى على علاقاتهما البينية منذ 2013، لما كان المجلس قادر على إقرار آلية التشاور السياسي مع مصر بحضور مكتمل لكل أعضاءه. وأهمية هذه الآلية أن العلاقة بين مصر ودول الخليج علاقة راسخة واستراتيجية: فمن ناحية بحكم الوزن الإقليمي لمصر ولأهميتها الجيوسياسية، ومن ناحية موقعها الجغرافي القريب بل المتماس مع دول الخليج من خلال السعودية عبر البحر الأحمر، ومن ناحية العلاقات الاستراتيجية التي تجمع مصر مع الإمارات والسعودية والبحرين والكويت وبشكل أقل قليلا مع عمان وبشكل أقل مع قطر وإن كان مرجح تزايدها في الفترة المقبلة. وبالتالي هناك حاجة لتفعيل وسيلة اتصال دورية بين الطرفين للتنسيق في الملفات الثنائية والإقليمية الحيوية،ـ بل يمكن القول أن هذه الخطوة قد تأخرت كثيرا.

(2) لبنان: عقب استقالة قرداحي.. مبادرة فرنسية سعودية حول لبنان

في 3 ديسمبر 2021، أعلن وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي استقالته من الحكومة، واعتبر أن هذه الخطوة فرصة لإعادة الأمور إلى طبيعتها مع السعودية. وكانت تصريحات سابقة له بشأن الحرب في اليمن قد أثارت أزمة دبلوماسية مع دول الخليج، على إثرها أعلنت الرياض في نهاية أكتوبر الماضي عن استدعاء سفيرها لدى لبنان للتشاور، وطلبت مغادرة السفير اللبناني لديها خلال 48 ساعة. وقال قرداحي -في مؤتمر صحفي في بيروت- إنه قرر التخلي عن موقعه الوزاري والاستمرار في خدمة بلاده من أي موقع كان. وتابع أنه فهم من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي قبل أيام أن فرنسا تريد استقالته قبل زيارة الرئيس الفرنسي للسعودية من أجل حل الأزمة.

وفي 4 ديسمبر، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن مبادرة فرنسية سعودية لمعالجة الأزمة بين الرياض وبيروت، في حين قال نائب لبناني عن كتلة ميقاتي إن الرياض أعطت مؤشرا على الدفع نحو دعم لبنان وحكومته. وجاء إعلان المبادرة عقب وصول ماكرون إلى مدينة جدة بالسعودية بعد زيارته كلا من العاصمة القطرية الدوحة والإماراتية أبو ظبي. وفي مؤتمر صحفي عقب مباحثاته مع ولي العهد السعودي، قال الرئيس الفرنسي إنهما تواصلا مع رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، وأكدا له التزام الرياض وباريس بدعم الإصلاحات في لبنان بهدف إخراجه من أزمته. وتابع: وقد اتصلنا برئيس الوزراء اللبناني وقطعنا معا تعهدات مشتركة تتمثَّل في العمل معا ودعم الإصلاحات، وإفساح المجال أمام البلد للخروج من الأزمة والحفاظ على سيادته.[11]

في إطار الأزمة الحالية بين السعودية ولبنان يمكن الإشارة لعدد من النقاط التي يمكن أن تساعد في فهم هذه الأزمة[12]:

  • ارتبط لبنان بعلاقة تقليدية راسخة مع السعودية ودول الخليج. وخلال الخمسينات والستينات، عاش لبنان ازدهاراً قياسياً بفعل استقباله لفوائض الثروة النفطية، عندما نُظر إليه باعتباره ملاذاً آمناً للمال والسياسة على السواء. ومنذ تحولت دول النفط إلى مستقبل للعمالة العربية، يعمل مئات آلاف اللبنانيين في وظائف مختلفة المستويات في دول الخليج. وحتى بعد اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينات، لم تتخل السعودية ودول الخليج عن لبنان، كونه أصبح مرآة لتوازنات القوة والنفوذ في المشرق. في 1989، لعبت السعودية دوراً فعالاً في إنهاء الحرب الأهلية، عندما جمعت الفرقاء اللبنانيين ورعت توقيع اتفاق الطائف.
  • كانت إيران قد أسست موقعاً لها في لبنان بفعل الدور الذي أخذ حزب الله في تعهده في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية الثمانينات. ولكن السعودية لم تظهر معارضة جادة للوجود الإيراني، طالما ظل هذا الوجود محدوداً، سيما أن اللاعبين الإقليميين والدوليين في لبنان كانوا في ازدياد، على أية حال. وليس ثمة شك أن فترتي وزارة رفيق الحريري الأولى، 1992–1998، والثانية، 2000–2004، أشَّرتا إلى فعالية واستمرارية النفوذ والدور السعودييْن في لبنان. اغتيال الحريري في 2005، الذي خلصت محكمة دولية خاصة إلى أن كوادر متقدمة من حزب الله قامت به، مثَّل انعكاساً لحدة الصراع على لبنان، وعزم إيران وحلفائها السيطرة على الشأن اللبناني. وهو التوجه الذي جرى التوكيد عليه في اجتياح حزب الله لبيروت في مايو 2008. خلال العقد التالي، سيما بعد إحكام الحزب سيطرته على الطائفة الشيعية، والتحالف مع الجنرال عون، عزَّز حزب الله من هيمنته على الساحة اللبنانية السياسية، وعلى القرار اللبناني.
  • في 2015، وبعد إعلان الرياض الحرب على الحوثيين في اليمن لاستعادة الحكومة الشرعية بقيادة عبد ربه منصور هادي، بدأ الصراع السعودي-الإيراني يأخذ طابعاً إقليمياً. ولم يكن غريباً، بالتالي، أن يصبح لبنان أحد ساحات هذا الصراع. طبقاً لدوائر مقربة من ميقاتي، لم يتلق رئيس الحكومة اللبنانية تهنئة سعودية رسمية عندما تولى منصبه، ولا قام وزير الخارجية السعودي بالاتصال التقليدي مع نظيره اللبناني مرحِّباً. مثل هذا الموقف السعودي من الحكومة اللبنانية الجديدة ليس معهوداً، سيما أن رئيس الحكومة في لبنان يأتي من السُّنَّة، وأنه عادة يُحسب على السعودية. ما تقوله مصادر ميقاتي أن الرياض لم تكن سعيدة بتشكيله الحكومة اللبنانية، لأنها لم تكن تريد لحكومة أن تُشكَّل أصلاً، وأن الرياض، وليس تصلب عون، هو ما دفع سلف ميقاتي، سعد الحريري. من وجهة النظر السعودية، يعود جذر الأزمة اللبنانية إلى سيطرة حزب الله وإيران على الشأن اللبناني، وليست مسؤولية السعودية وحلفائها في لبنان إنقاذ الحزب وداعميه الإيرانيين من الأزمة.
  • ما يترتب على الموقف السعودي وضع حدٍّ للضغوط الفرنسية والأميركية، التي كانت تسعى إلى أن تمد السعودية ودول الخليج يد العون إلى لبنان، ومساعدته على تخفيف الأعباء الاقتصادية الهائلة التي يئن تحتها. ترى الرياض أن الأميركيين والفرنسيين، كل لأسبابه الخاصة، أصبحوا أكثر تساهلاً مع التوسع الإيراني في المجال العربي، وفي لبنان على وجه الخصوص، وأنه ليس من مصلحة السعودية مجاراة التواطؤ الفرنسي والأميركي مع النفوذ الإيراني في المشرق العربي. قد تعتقد الرياض أن قطع العلاقات الدبلوماسية، وإيقاف الحركة السياحية، ومنع الواردات، ترسل رسالة واضحة، إلى اللبنانيين والعرب والقوى الدولية، على السواء، بأنها لن تقبل المزيد من السكوت على سيطرة إيران على لبنان.

(3) تركيا: أردوغان يلتقي ابن زايد في تركيا ويزور قطر

في 6 ديسمبر 2021، وصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الدوحة في زيارة رسمية استغرقت يومين، اجرى فيها مباحثات مع أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وفي مؤتمر صحفي بإسطنبول قبل توجهه إلى الدوحة، وصف أردوغان علاقات بلاده بقطر بالإستراتيجية، وقال إنه سيوقع خلال زيارته اتفاقيات جديدة في مجالات مختلفة بين البلدين. وسبق هذه الزيارة، عقد مؤتمرا صحفيا بين نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ووزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في الدوحة بعد مباحثات أجراها الوزيران في نفس اليوم الذي وصل فيه أردوغان للدوحة. وقال وزير الخارجية القطري “ناقشت مع نظيري التركي التطورات في العراق وسوريا وملفات إقليمية أخرى”. وأضاف الوزير أن القمة بين أمير دولة قطر والرئيس التركي ستشهد توقيع مزيد من الاتفاقيات، وأن الزعيمين سيبحثان تطورات الملف الأفغاني سياسيا وإنسانيا، كما سيركزان على تطورات القضية الفلسطينية[13].

وفي كلمة ألقاها بمقر القيادة المشتركة القطرية التركية في الدوحة، قال الرئيس التركي إن أنقرة والدوحة توليان أهمية كبيرة لسلام منطقة الخليج وأمنها، وشدد على أن تركيا تعمل على تطوير تعاونها مع دول الخليج على أسس الاحترام والمصلحة المتبادلة. وأشار إلى أن تركيا لن تنسى الدعم الذي قدمته قطر لها سواء خلال المحاولة الانقلابية في يوليو 2016، أو عندما تعرضت تركيا لاعتداءات اقتصادية. وأكد أن قطر وقفت دائما إلى جانب تركيا في هجمات المضاربة التي تستهدف الاقتصاد التركي، وأظهرت ثقتها بتركيا.

كما شهدت الزيارة انعقاد أعمال الدورة السابعة للجنة الإستراتيجية القطرية التركية العليا برئاسة الشيخ تميم بن حمد والرئيس أردوغان. ووقع الجانبان 14 اتفاقية تعاون في مجالات مختلفة كالاقتصاد والاستثمار والصناعة والدفاع والأمن والأوقاف والإعلام والثقافة والرياضة. كما بحث الطرفان التنسيق بشأن العديد من الملفات الإقليمية والدولية بما فيها الأوضاع في أفغانستان[14]. وفي سياق هذه الزيارة، قال مصدر سعودي إن الأنباء التي ترددت عن عقد لقاء بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي في الدوحة بالتزامن مع زيارة أردوغان وبدء جولة بن سلمان الخليجية غير صحيحة[15].

المزيد من المشاركات

هناك دوافع عديدة لهذه الزيارة، أولا أن تأتي مباشرة بعد زيارة بن زايد لأنقرة ولقاءه أردوغان، خاصة وأن الزيارة كانت مثمرة على المستوي السياسي والاقتصادي ومحاولة تجاوز صراعهما الإقليمي الذي دام سنوات عديدة. هذا يعني أنها محاولة تركية لطمأنة الدوحة بأنها الحليف الاستراتيجي الموثوق فيه بالنسبة لتركيا في منطقة الخليج، وأن أي تطور في العلاقات التركية-الإماراتية لن ينعكس سلبا أو ينتقص من متانة العلاقات التركية القطرية. ثانيا هناك عدة ملفات إقليمية تمثل شاغل للجانبين كالملف الفلسطيني ومساعي إعادة إعمار غزة التي لازالت تواجه صعوبات عديدة، والملف الأفغاني والذي تلعب فيه الدولتان دورا مؤثرا بالأخص قطر، وأخيرا ملف التطورات الأخيرة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط من إعادة الفواعل الإقليمية النظر في صراعاتها وتوتر علاقاتها مع الأطراف الأخرى عبر تجاوز هذه التوترات وتغليب الجانب التعاوني بينهم، كما بين قطر ومصر، ومصر وتركيا، وتركيا والسعودية، وقطر والسعودية، وتركيا والإمارات، والسعودية وإيران. وبالتالي هناك حاجة ماسة للدوحة وأنقرة كحلفاء إستراتيجيين مراجعة هذه التطورات وتقييمها. ثالثا تواجه تركيا أزمة اقتصادية عميقة على إثر انخفاض قيمة عملتها مقابل الدولار، ومن ثم تحتاج تركيا لضخ استثمارات قطرية في الداخل التركي، لإحياء الليرة من جديد وإعادة الثقة في الاقتصاد.

(5) إيران: الرئيس الإيراني يستقبل وفدا إماراتياً برئاسة طحنون

في 6 ديسمبر 2021، التقى مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان في طهران، الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي والأمين العام لمجلس الأمن القومي علي شمخاني في إطار زيارة تعد الأولى من نوعها منذ 2016، وتستهدف توطيد العلاقات بين البلدين. وقد بحث شمخاني مع بن زايد سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، كما ناقش الجانبان آخر التطورات الراهنة في المنطقة. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية عن المسؤول الإيراني قوله خلال استقباله نظيره الإماراتي إن التعاون بين دول المنطقة يضمن الأمن والاستقرار فيها، مضيفا أن العلاقات الودية مع دول الجوار وتبادل الإمكانيات الاقتصادية والتجارية يندرج في سلم أولويات سياسة إيران الخارجية. وأضاف أن “الجهود المشتركة ضرورية لإنهاء بعض الأزمات العسكرية والأمنية في المنطقة، ويجب أن يحل الحوار محل النهج العسكري في حل النزاعات”. وعبر شمخاني عن أمله في أن تكون زيارة طحنون بن زايد بداية لمرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين وتفسح المجال أمام توطيد العلاقات الثنائية.

ونقلت قناة العالم الإيرانية عن الشيخ طحنون بن زايد قوله إن تطوير العلاقات بين أبو ظبي وطهران من أولويات بلاده، وإن البلدين يتمتعان بفرص وإمكانيات اقتصادية كبيرة يمكن تبادلها في مختلف المجالات، بما فيها الطاقة والنقل والصحة والعلاج والاستثمار. وترتبط طهران وأبو ظبي بعلاقات جيدة على المستويين الاقتصادي والتجاري، وخفضت الإمارات مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع إيران يناير2016، بعد قطع السعودية علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية. وكان علي باقري نائب وزير الخارجية الإيرانية للشؤون السياسية زار الشهر الماضي الإمارات والكويت، في خطوة انفتاح جديدة على الدول الخليجية[16].

وقال الدكتور أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات إن زيارة الشيخ طحنون بن زايد إلى طهران تأتي استمراراً لجهود الإمارات الهادفة إلى تعزيز جسور التواصل والتعاون في المنطقة، وبما يخدم المصلحة الوطنية وتعزيز الاستقرار والازدهار الإقليمي عبر تطوير علاقات إيجابية من خلال الحوار والبناء على المشترك وإدارة الرؤى المتباينة[17].

يمكن قراءة هذه الزيارة في سياقين رئيسيين: الأول أنها تأتي متزامنة مع التصعيد الإيراني الإسرائيلي وتهديد الأخيرة بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، في الوقت الذي أصبحت فيه الإمارات في تحالف استراتيجي مع إسرائيل بعد تطبيع علاقاتهما مع بعض، وهنا تظهر الإمارات بسياستها المعتادة وهي محاولة إحداث توازن بين الخصوم والحلفاء بشكل لا يضر بأمنها القومي ويضرب مجال السياحة عندها. الثاني تزامنها مع خفض التصعيد بين الأطراف الإقليمية الأخرى، سواء بين تركيا ومصر أو السعودية وإيران. وبالتالي تحاول الإمارات الدخول في هذه الموجة بل واستباقاها باتخاذ خطوات أسرع في هذا السياق حتى لا تتحول لرد فعل، وهي سياسة تتميز بها الإمارات، وهي المرونة والاستجابة السريعة للتطورات الإقليمية والدولية.

فبينما كانت مصر وتركيا تسعيان لإصلاح التوتر في علاقاتهما البينية، قامت أبوظبي بعدها باتخاذ خطوات أكثر جذرية وقوة في هذا الصدد، بزيارة بن زايد لأنقرة ولقائه بأردوغان لأول مرة منذ 2011. وبينما هناك مساعي عديدة لخفض التوتر في العلاقات السعودية-الإيرانية سواء من خلال الوسيط العراقي، أو مؤخرا الوسيط الأردني. وبعدها قامت الإمارات أيضا بخطوات أكثر جذرية بزيارة مستشار أمنها القومي لإيران ولقاءه بنظيره الإيراني والرئيس الإيراني. ودائما ما تتبع الإمارات تكنيك معين في إصلاح علاقاتها المتوترة مع الأطراف الإقليمية الأخرى، عبر الدفع بمستشار أمنها القومي للقيام بزيارة استكشافية استباقية، يتلوها خطوات سياسية كزيارات رسمية للمسؤولين السياسيين، كما حدث في حالة تركيا، ومرجح أن يحدث مع إيران، سواء عبر زيارة مشابهة لبن زايد لإيران، أو رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع طهران.

(6) إسرائيل: رئيس الوزراء الإسرائيلي في أبوظبي

في 12 ديسمبر 2021، وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت إلى أبو ظبي في زيارة استغرقت نحو 24 ساعة. وخلال الزيارة التقى بينيت بولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد في لقاء علني هو الأول من نوعه، على الاستمرار في تطوير العلاقات والتعاون بين البلدين في المجالات كافة، مع تأكيد خاص على العلاقات التجارية. كما بحث الجانبان مسارات التعاون الثنائي وفرص تنميته في مختلف الجوانب الاستثمارية والاقتصادية والتجارية والتنموية، خاصة مجالات الزراعة والأمن الغذائي والطاقة المتجددة والتكنولوجيا المتقدمة والصحة وغيرها من القطاعات الحيوية.

بدوره، قال السفير الإسرائيلي في أبو ظبي أمير حايك إن الزيارة ستناقش الملف النووي الإيراني، وفق ما ذكره لوسائل إعلام إسرائيلية. وبالتزامن مع زيارة بينيت، وصل مسؤول رفيع في وزارة الخزانة الأميركية إلى أبو ظبي للضغط على شركات ومصارف إماراتية للامتثال للعقوبات على إيران. وعلى هامش الزيارة، قال وكالة أنباء الإمارات إن شركة “إكسبرينس هب” الإماراتية وقعت اليوم على اتفاقية إستراتيجية مع شركة “أمسالم” الإسرائيلية للسياحة والسفر، للترويج للسياحة من إسرائيل إلى جزيرة ياس في أبو ظبي. ووفقا لوكالة “رويترز”، بلغ حجم تجارة السلع الثنائية بين الإمارات وإسرائيل نحو 500 مليون دولار حتى الآن في 2021، ارتفاعا من 125 مليونا عام 2020، ومن المتوقع أن يواصل نموه بوتيرة سريعة[18].

وتعليقا على هذه الزيارة، قالت إيران إن تثبيت وجود إسرائيل في المنطقة يزعزع أمنها، ففي بيان لها، حذرت الخارجية الإيرانية من أي إجراءات تنتهي بتثبيت الحضور الإسرائيلي الذي وصفته بالمخرب والمثير للفتن في المنطقة. وقال البيان إن الحضور الإسرائيلي في المنطقة يتعارض مع مصالح الشعوب والدول العربية والإسلامية، وأضاف أن مسار التطبيع من بعض دول المنطقة مع إسرائيل لن يحقق تطلعات الشعب الفلسطيني. وقالت الخارجية الإيرانية إن إسرائيل هي المسؤولة عن مشاكل المنطقة، ووصفتها بأنها العدو الأول للعالمين العربي والإسلامي[19].

في هذه الزيارة وتفاصيلها وما سبقها من خطوات وما تلاها من تصريحات توضح كيفية إدارة أبوظبي لسياستها الخارجية. فهي تدرك أن هذا اللقاء يمكن أن يسبب توتر في علاقاتها مع إيران، لذلك سبق زيارة بينيت للإمارات زيارة لطحنون بن زايد لإيران، ويبدو أن هناك علاقة بين الحدثين سواء لطمأنة الجانب الإيراني من هذه الزيارة أو إحداث توازن في علاقاتها بين إيران وإسرائيل. كما أنه تزامن مع هذه الزيارة ضعوط أمريكية على شركات إماراتية للامتثال للعقوبات الإيرانية، ومن ثم قد يكون هذا الملف من ضمن الملفات التي تمت مناقشتها.

كما تزامنت أيضا مع إعلان وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إن واشنطن اضطرت لمراجعة بعض الجوانب بشأن صفقة بيع مقاتلات “إف-35” للإمارات لكنها على استعداد للمضي قدما فيها، وذلك بعدما أبلغت أبو ظبي الجانب الأميركي أنها ستعلق المناقشات بشأن الصفقة. وكانت وكالة “رويترز” نقلت عن مصادر -يناير الماضي- أن الإمارات وقعت اتفاقا لشراء 50 طائرة إف-35، ونحو 18 طائرة مسيرة مسلحة، وتقدر القيمة الإجمالية للصفقة التي تشمل أيضا ذخائر متطورة 23 مليار دولار[20]. وبالتالي قد تستغل الإمارات هذه الزيارة في دفع إسرائيل للضغط على الولايات المتحدة لتمرير هذه الصفقة.


ثالثاً، التطورات الخليجية الدولية

(1) جولة الرئيس الفرنسي في منطقة الخليج

في 2 ديسمبر 2021، بدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جولة في منطقة الخليج لمدة 3 أيام، شملت زيارته لدول السعودية والإمارات وقطر. رافقه فيها وزراء الخارجية والدفاع والاقتصاد والثقافة، ومجموعة من النواب وعدداً من مسؤولي كبريات الشركات الفرنسية الفاعلة في المنطقة، بينما انضم إلى الوفد وزير التجارة الخارجية خلال زيارة السعودية. انطلقت الزيارة من دولة الإمارات ثم قطر وختمها في السعودية. التقى خلالها بولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، حيث زار بعدها معرض دبي العالمي، والتقى في الدوحة بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد، وأخيرا أجرى  اجتماعا مطولا مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

ومن أهم الملفات التي كانت موجودة على رأس جدول أعمال الزيارة، أولا ملف “الحرب على الإرهاب” وتمويله، وكيفية تعميق التعاون والتنسيق بين الجانبين الفرنسي والخليجي على الصعيدين الاستخباري والعسكري، خاصة وأن منسق شؤون المخابرات الفرنسي لوران نونيز كان ضمن الوفد الرسمي. وأشار الإليزيه إلى أن هناك تعاوناً وثيقاً بين باريس والسعودية والإمارات وقطر في موضوع محاربة الإرهاب. وسوف يسعى ماكرون إلى تعزيزه من خلال تعزيز التعاون بين الأجهزة المعنية. ثانيا الملف النووي الإيراني، والذي عدته المصادر الفرنسية على رأس مواضيع المناقشات، إلى جانب المسائل الإقليمية المرتبطة بالدور الإقليمي لطهران الذي تعده دول الخليج وباريس مزعزعاً للاستقرار. وكان ماكرون قد استبق زيارته إلى دول الخليج بالتواصل مع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي للمرة الثانية. وفي هذا السياق، استقبل ماكرون وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد الذي زار باريس في الأول من ديسمبر، قادماً من لندن للتنبيه من التساهل مع إيران، في ظل افتراق في المواقف بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية.

الملف الثالث هو العمل على حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة الخليجية، إذ تعمل باريس للمساهمة في توفير الاستقرار فيما تعده محيطها المباشر الممتد من البحر الأبيض المتوسط إلى مياه الخليج. الملف الرابع الملف الليبي من زاوية متابعة نتائج مؤتمر باريس. الخامس الملف اللبناني وطرح مبادرة فرنسية سعودية لحل الأزمة في العلاقات اللبنانية السعودية بعد استقالة قرداحي. أخيرا الملف الاقتصادي، حيث عقد مؤتمر اقتصادي سعودي – فرنسي، بحضور وزير التجارة الخارجية الفرنسية فرانك ريستير، ووزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، كما هنا معلومات تتحدث عن سعي أبوظبي لشراء مقاتلات فرنسية من طراز “رافال”[21].

وبالتالي تبدو هذه الزيارة غير عادية، سواء من حيث كثرة ملفاتها من ملف الإرهاب للنووي الإيراني لليبي للبناني وأخيرا الاقتصادي، أو من حيث تعدد وجهتها، إذ شملت السعودية والإمارات وقطر وهي الدول الثلاث الأكثر فعالية في منطقة الخليج. وبجانب تفاصيل هذه الملفات، فإن الخلفية الأوسع لهذه الزيارة هي رغبة ماكرون في فرض فرنسا كفاعل دولي مهم ومستقل، في ظل الضربة الاقتصادية التي مني بها من حليفه الأمريكي، بعد إلغاء أستراليا صفقة شراء غواصات فرنسية واستبدالها بأخرى أمريكية عاملة بالدفع النووي في صفقة وصفتها باريس أنها “طعنة في الظهر” من الولايات المتحدة.([22])


[1] ولي عهد السعودية وسلطان عمان يبحثان سبل التعاون ومستجدات إقليمية، الأناضول، 7/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[2] وليا عهد السعودية وأبوظبي يبحثان تطورات المنطقة، الأناضول، 7/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[3] في ثالث محطاته الخليجية.. ولي العهد السعودي يجري مباحثات مع أمير قطر بالدوحة، الجزيرة نت، 8/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[4] بيان سعودي ـ بحريني يؤكد استمرار التعاون ووحدة المصير المشترك، الشرق الأوسط، 11/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[5] مباحثات سعودية ـ كويتية تناقش فرص التعاون ومستجدات المنطقة، الشرق الأوسط، 11/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[6] القمة الخليجية تشدد على استكمال مقومات الوحدة اقتصادياً ودفاعياً وأمنياً، الشرق الأوسط، 14/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[7] البيان الختامي للقمة الخليجية: تنسيق المواقف بين دول مجلس التعاون بما يحافظ على مصالحها، الجزيرة نت، 14/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[8] إيران تعلّق على البيان الختامي للقمة الخليجية في الرياض، الجزيرة نت، 15/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[9] لأول مرة.. اجتماع وزاري خليجي مصري يدشن آلية تشاور سياسي، الجزيرة  نت، 13/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[10] مصر تتلقى «دعماً خليجياً» للحفاظ على أمنها المائي، الشرق الأوسط، 13/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[11] عقب استقالة قرداحي.. مبادرة فرنسية سعودية لمعالجة الأزمة ونائب لبناني يتحدث عن مؤشرات للانفراج، الجزيرة نت، 5/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[12] أزمات مركبة: أبعاد النزاع السعودي اللبناني، مركز الجزيرة للدراسات، 18/11/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[13] قبيل زيارته للدوحة.. أردوغان يؤكد التعاون مع قطر لتطوير علاقات تركيا بالخليج ووزيرا خارجية البلدين يبحثان ملفات المنطقة، الجزيرة نت، 6/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[14] قطر وتركيا توقعان 14 اتفاقية وأردوغان يؤكد حرص أنقرة على التعاون مع دول الخليج، الجزيرة نت، 7/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[15] مصدر سعودي: الأنباء عن لقاء بين أردوغان وبن سلمان بالدوحة تزامنا مع جولته الخليجية غير صحيحة، الجزيرة نت، 6/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[16] مستشار الأمن الوطني الإماراتي يبحث في طهران تعزيز العلاقات بين بلاده وإيران، الجزيرة نت، 6/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[17] الرئيس الإيراني يستقبل وفدا إماراتياً برئاسة طحنون بن زايد، الشرق الأوسط، 6/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[18] خلال لقاء وُصف بالتاريخي.. بن زايد وبينيت يتفقان على تعزيز التعاون بين الإمارات وإسرائيل، الجزيرة نت، 13/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[19] بعد زيارة بينيت للإمارات.. إيران تحذر من تثبيت حضور إسرائيل وتصف دورها في المنطقة بالمخرب، الجزيرة نت، 14/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[20] أبو ظبي علقت المباحثات.. وزير الخارجية الأميركي يوضح موقف واشنطن من صفقة إف-35 مع الإمارات، الجزيرة نت، 15/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

[21] ماكرون يحمل «الملف الإيراني» إلى السعودية والإمارات وقطر، الشرق الأوسط، 1/12/2021، (تاريخ الدخول:16/12/2021)، الرابط

([22]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.