المرصد الخليجي – العدد 52

هذا العدد

يتناول التقرير أهم تطورات المشهد الخليجي الخارجي خلال النصف الثاني من شهر ديسمبر 2021، وذلك من خلال ثلاث دوائر: الخليجية-الخليجية، والخليجية-الإقليمية، والخليجية-الدولية.

أولاً: التطورات الخليجية-الخليجية، وكان أبرزها التطورات الإيجابية الجديدة التي شدتها دول الخليج تطبيقا لمخرجات قمة العلا، التي أسست لمصالحة خليجية خليجية، أهمها اجتماع جديد للجنة المتابعة السعودية القطرية، وتهنئة الإمارات قطر ليومها الوطني وإضاءه مباني شهيرة في الإمارات بعلم قطر.

ثانياً: التطورات الخليجية-الإقليمية، فيما يتصل بالدائرة العربية، فتشمل اليمن وما شهدته من تصعيد كبير بين الحوثيين والتحالف العربي من خلال استهداف التحالف لمطار صنعاء في المقابل استهداف الحوثيين لجازان ونجران، ثم مصر وانعقاد اجتماع للجنة المتابعة والمشاورة المصرية السعودية، والعراق التي دفعت آخر دفعة من تعويضات حرب الخليج للكويت وفتح أحد المعابر المشتركة بين البلدين. أما ما يتصل بإيران، فشهدت عقد الجولة الثامنة من مفاوضات فيينا المتعلقة بمناقشة الاتفاق النووي الإيراني، وأيضا شملت تأكيد الجانبين السعودي والإيراني على الرغبة في إصلاح علاقاتهما والحوار لأجل هذا الهدف.

ثالثاً: التطورات الخليجية-الدولية: تمثلت فيما نشرته شبكة سي إن إن عن معلومات تلقها جهاز السي إن إن عن تصنيع السعودية لصواريخ باليستية بمساعدة صينية.


أولاً، التطورات الخليجية-الخليجية

خطوات إيجابية جديدة تطبيقاً لمخرجات قمة العلا

بالنسبة للعلاقات القطرية السعودية، ففي 30 ديسمبر 2021، بحثت لجنة المتابعة السعودية القطرية المنبثقة عن بيان “قمة العلا”، خلال اجتماعها التاسع، تعزيز العلاقات بين البلدين والشعبين. وناقش الجانبان استكمال أعمال واجتماعات اللجنة السابقة، وإنفاذاً لما تضمنه بيان العلا، ووفقاً لتوجيهات قيادتي البلدين[1].

أما العلاقات القطرية الإماراتية، فقد أشاد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات حاكم دبي بتنظيم قطر الناجح لبطولة كأس العرب، كما هنأ قطر بيومها الوطني، والذي يحل في 18 ديسمبر من كل عام. وقال “نبارك لأهلنا في قطر قيادة وشعبا يومهم الوطني المجيد، ونسأل الله أن يديم عليهم الأمن والأمان والاستقرار والازدهار، تجمعنا مظلة مجلس التعاون وتجمعنا الأخوة والنسب..”[2]. أيضا أضيء برج خليفة وبعض المباني الأيقونية الإماراتية، بألوان علم دولة قطر، احتفالا بـاليوم الوطني، وشهدت دول خليجية أخرى احتفالات مماثلة باليوم الوطني القطري ومنها السعودية والكويت. واعتبر أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أن احتفال بلاده باليوم الوطني القطري، “يحمل دلالات ورسائل إيجابية تتجاوز التقاليد الأخوية بين دول الخليج العربي ليؤكد أن صفحة الخلاف طويت وأن اتفاق العُلا راسخ وجوهري”. وأضاف: “منظور الإمارات للتعامل مع تحديات العقود المقبلة يستند إلى طي الخلافات والبناء على المشترك وتعزيز التضامن والتعاون”[3].

إن التطورات الإيجابية التي شهدتها العلاقات السعودية القطرية لا تنم عن تطورات نوعية جديدة، إذ هي استكمالا واستمرارا لمسار تحسين وتعميق التعاون بين البلدين بشكل يتجاوز به البلدان خلافات الماضي، انطلاقا من كونهما الطرفان الأكثر خسارة من الأزمة الخليجية الأخيرة. التطور الجديد وعلى الرغم من أنه ليس بالتطور النوعي الكبير، لكنه يحمل دلالات هامة وهو ما يتعلق بالعلاقات الإماراتية القطرية، إذ أن الخطوات التي أقدمت عليها الإمارات سواء الإشادة بقطر على تنظيم بطولة العرب أو تهنئتها باليوم الوطني وإضاءة المباني الشهيرة بالإمارات بعلم قطر، هي كلها إجراءات رمزية، لكنها تحمل دلالة إيجابية بشأن مستقبل العلاقات الإماراتية القطرية خلال عام 2022، خاصة وأن في أعراف الخليجية، تعتبر هذه الخطوات الشكلية ذات دلالة. جدير بالذكر أن مساعي عودة وتحسين العلاقات الإماراتية القطرية بعد قمة العلا لم تسر بوتيرة سريعة وإنما بطيئة جدا، ولعلها تكون أكثر سرعة في العام الجديد.


ثانياً، التطورات الخليجية الإقليمية

(1) اليمنالتحالف يستهدف مطار صنعاء والحوثي يرد

في 21 ديسمبر 2021، أعلنت جماعة الحوثي توقف مطار صنعاء عن العمل بعد استهداف عدد من مرافقه من قبل التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، في حين دعا مسؤول أممي إلى إعادة فتح المطار سريعا من أجل تدفق المساعدات. وقد اتهم التحالف جماعة الحوثي باستخدام مطار صنعاء لإطلاق طائرات مسيرة باتجاه السعودية، في حين تنفي الجماعة استخدام المطار لأغراض عسكرية. ومنذ عام 2016، يفرض التحالف حظرا على الحركة الملاحية في مطار صنعاء، باستثناء الرحلات الإنسانية الخاصة بالأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر[4].

وجاء الرد الحوثي في 23 ديسمبر، حينما أعلن التحالف التحالف سقوط مقذوف أطلقه الحوثيون على إحدى الورش الصناعية في مدينة جازان بجنوب السعودية، مما أدى إلى مقتل سعودي ومقيم وإصابة آخرين، وقبلها أعلن عن سقوط مقذوف معاد بإحدى القرى الحدودية في نجران، مشيرا إلى أنه لم يسفر عن وقوع إصابات، فيما تضررت مركبة تعود لأحد المواطنين.

وأعلن التحالف أن المحاولتين انطلقتا من مدينة صعدة (معقل الحوثيين شمالي اليمن)، ولفت التحالف إلى أنه بصدد تنفيذ ضربات جوية للتعامل مع مصدر التهديد. وبالفعل أعلنت قوات التحالف بقيادة السعودية البدء بتنفيذ عملية عسكرية فورية بعد تهديدات الحوثيين ومحاولتهم استهداف المدنيين في جازان ونجران، وأكدت مقتل أكثر من 200 حوثي خلال الـ24 ساعة الماضية. وفي ظل تحركاته العسكرية أعلن التحالف عن تدمير كهفين لتخزين الصواريخ الباليستية والأسلحة بمحافظة صعدة، فضلا عن تدمير 4 مخازن للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بمحافظة (المحويت) شمال اليمن[5].

وفي سياق آخر، في 20 ديسمبر، التقى الأمير خالد بن سلمان نائب وزير الدفاع السعودي برئيس مجلس الوزراء اليمني الدكتور مُعين عبد الملك. وجرى خلال اللقاء استعراض دور المملكة ومبادراتها لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام لليمن، إضافة إلى عدد من القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك[6]. وفي 22 ديسمبر، بحث خالد بن سلمان مع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، جملة من القضايا والمواضيع ذات الاهتمام المشترك[7].

وبالتالي على الرغم من جولات الحوار المشتركة والمباشرة بين السعودية وإيران في العراق ثم مؤخرا في الأردن من ناحية، والجهود الأممية والإقليمية وحتى الأمريكية لوقف الحرب في اليمن من ناحية ثانية، وانطلاق جولة جديدة من مفاوضات فيينا بين إيران والدول الأوروبية من ناحية ثالثة، إلا أن هذه التطورات لم تنجح في كبح جماح الحرب، بل العكس زادت من اشتعالها. فبجانب الديناميات الداخلية الدافعة لهكذا خيار، فإن الديناميات الخارجية المذكورة ساهمت في زيادة حدة الحرب، برغم أن في ظاهرها إيجابي من خلال تهيئة الأجواء لوقف الحرب. والسبب هو أنه من المعروف في العلاقات الدولية بأن دائما ما يرافق أي مفاوضات بين الدول استخدام كل طرف لأوراق قوته وإظهارها، لتقوية موقفه على طاولة المفاوضات.

ولذلك فإن إيران في ظل المفاوضات حول برنامجها النووي ومفاوضاتها مع السعودية ومساعي وقف الحرب، ستدفع حلفائها لمزيد من التصيعد لإثبات أنهم الأقوى وبالتالي تقديم تنازلات أقل. الاستثناء هنا حينما تصل المفاوضات لمراحل متقدمة، وتصبح التهدئة المؤقتة ضمن إجراءات بناء الثقة بين طرفي التفاوض وكجزء متفق عليه ضمن المفاوضات.

(2) العراق يسدد كامل مبلغ تعويضات حرب الخليج للكويت

في 22 ديسمبر 2021، أعلن البنك المركزي العراقي دفع كامل التعويضات المالية التي أقرتها لجنة الأمم المتحدة للتعويضات التابعة لمجلس الأمن الدولي بموجب القرار (687) للعام 1991 لصالح الكويت بسبب حرب الخليج والبالغة 52.4 مليار دولار. وقال البنك في بيان، إنه “تم إكمال دفع الدفعة الأخيرة المتبقية من تعويضات دولة الكويت البالغة 44 مليون دولار”. وأضاف، أنه “من المؤمل أن يسهم إنهاء دفع التعويضات  في إعادة دمج النظام المصرفي العراقي بالنظام المصرفي العالمي والإفادة من الوفرة المالية التي ستتحقق”.

وفي 1991، تشكلت لجنة أممية للتعويضات، ألزمت بغداد بدفع 52.4 مليار دولار تعويضات للأفراد والشركات والمنظمات الحكومية وغيرها، ممن تكبد خسائر ناجمة مباشرة عن غزو واحتلال الكويت في العام ذاته. وكان العراق توقف عن تسديد المدفوعات في عام 2014 أثناء الحرب على تنظيم داعش الذي سيطر على ثلث البلاد، لكنه استأنف في عام 2018. ويدفع العراق مبلغ التعويضات إلى صندوق أممي تم إنشاؤه تحت اسم صندوق الأمم المتحدة للتعويضات. جدير بالذكر أن العراق يعتمد على نحو 98 بالمائة من إيراداته السنوية على تصدير النفط[8].

المزيد من المشاركات

وفي هذا السياق، أكد السفير الكويتي لدى بغداد سالم الزمانان أن لجنة التعويضات التابعة للأمم المتحدة ستصدر قرارا بغلق ملف التعويضات المالية نهائيا بين البلدين. وكشف السفير الكويتي عن خطط مستقبلية لدعم العراق، مشيرا إلى أن الكويت كانت لها مساهمات من خلال منحة 100 مليون دولار التي خصصت للمحافظات المنكوبة، من بينها محافظة الأنبار، مشيرا إلى أن “هناك تعهدات في مؤتمر المانحين الذي استضافته الكويت عام 2018 لا تزال قائمة، إذ خصص مليار دولار لإعادة تأهيل البنى التحتية، وأيضا مليار دولار للاستثمار”[9].

وكانت الكويت، قد أعلنت في 17 ديسمبر، على لسان رئيس مجلس وزرائها صباح الخالد، عن فتح منفذ العبدلي مع العراق الأسبوع المقبل وذلك لزيادة التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري والتنقل بين الكويت والعراق وفق الاشتراطات الصحية. جاء ذلك في جولة تفقدية في قطاع أمن الحدود وقطاع أمن المنافذ بالحدود الشمالية للبلاد، رافقه خلالها نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع حمد العلي ووزير الخارجية وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء الدكتور أحمد الناصر. وكان منفذ العبدلي قد أغلق في الشهر الثالث من عام 2020 عندما انتشرت جائحة كورونا وكان ذلك بناء على قرار من قبل الدولتين[10].
تأتي هذه الخطوة في ظل خطوات أخرى من قبل الدول العربية والخليجية كمصر والسعودية لتعميق تعاونها مع العراق، من أجل مزاحمة النفوذ الإيراني هناك، مستغلين المأزق الاقتصادي الذي يعيشه العراق، لإحداث توازن إقليمي على أرض العراق. وبالتالي تخلص العراق من ديونه للكويت سيخفف من الأعباء المالية عليها من ناحية وسيعمق علاقاتها مع الكويت كدولة العربية وبجانب فتح المعبر فإنها في المحصلة ستساهم في تعاظم العلاقات العربية العراقية.

(3) مصر: اجتماع لجنة المشاورات المصرية السعودية في القاهرة

في 16 ديسمبر 2021، ترأس وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله مع نظيره المصري سامح شكري في القاهرة، الاجتماع الوزاري للجنة المتابعة والمشاورات السياسية السعودية المصرية، وقد نافش الطرفان سبل تعزيز العلاقات الوطيدة بين البلدين في المجالات كافة، كما ناقشا أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية[11].

وفي بيان مشترك، تفقت مصر والسعودية على التصدي لأية محاولات مساس بأمن وسلامة الملاحة في الخليج العربي وباب المندب والبحر الأحمر. كما أكد الجانبان على “رفض أية محاولات للتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية أو تهديد استقرارها وتقويض مصالح شعوبه..واتفقا على مواصلة محاربة التنظيمات الإرهابية في المنطقة بكافة أشكالها”. وأوضح البلدان أن “الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية يتطلب إقامة دولة مستقلة ذات سيادة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، استناداً لمبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة”. وشدد الجانبان على “ضرورة الحفاظ على استقرار ليبيا ووحدة وسلامة أراضيها، وانعقاد الانتخابات بموعدها المقرر نهاية العام الجاري، وضرورة خروج القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب في مدى زمني محدد”.

بدورها، أكدت السعودية “دعمها الكامل للأمن المائي المصري باعتباره جزءً لا يتجزأ من الأمن المائي العربي، ومن ثم أهمية التوصل في أقرب فرصة إلى اتفاق قانوني ملزم حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي”. فيما أعربت مصر عن “تضامنها مع السعودية في كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها الوطني، لا سيما وأن أمن المملكة ومنطقة الخليج العربي يُعد جزءً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري”. وتوافق البلدان على “أهمية استمرار التنسيق والتشاور السياسي لمواجهة التحديات في المنطقة، في ضوء مكانتهما المحورية ومسؤولياتهما تجاه أمنها واستقرارها”[12].

يعبر هذا اللقاء عن رغبة البلدين في تعزيز تعاونهما الاستراتيجي. ويبدو أن هناك دافع مشترك لمصر والسعودية في نسج تحالف استراتيجي بالتوازي مع بروز مؤشرات لدخول الإمارات في شراكات استراتيجية وتحركات إقليمية مستقلة دون تنسيق مع حلفائها في القاهرة والرياض، بل بعضها ينعكس سلبا على البلدين. وبالتالي بينما كانت العلاقات المصرية الإماراتية منذ يوليو 2013 تفوق في قوتها ومتانتها العلاقات المصرية السعودية، فإن العكس هو المرجح أن يحدث في الفترة المقبلة. ولا يعني هذا حدوث انفكاك في التحالف المصري الإماراتي لكنه لن يكون كما السابق.

(4) إيران: انطلاق الجولة الثامنة من مفاوضات فيينا النووية

في 27 ديسمبر 2021، انطلقت الجولة الثامنة من محادثات فيينا، بهدف إحياء الاتفاق النووي الموقع عام 2015 بين إيران والغرب، وبينما رفضت طهران مناقشة أي التزامات خارج الاتفاق، دعتها الدول الأوروبية لإحراز تقدم سريع في القضايا العالقة. وتجري المباحثات بين إيران والدول التي لا تزال منضوية في الاتفاق النووي (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، روسيا، الصين)، في حين تشارك بها الولايات المتحدة بشكل غير مباشر. وقال منسق الاتحاد الأوروبي إنريكي مورا إنهم ملتزمون بإنجاح الجولة الحالية من مفاوضات فيينا. وأضاف، في مؤتمر صحفي بفيينا عقب انطلاق الجولة الثامنة، أن من المهم تسريع وتيرة القضايا الرئيسة العالقة بالعمل من كثب مع الولايات المتحدة. ومضى قائلا “المفاوضات الحالية يجب أن تنتهي في مدة زمنية معقولة، وأقصد أسابيع لا شهورا”. وحذر مورا من مخاطر استئناف إيران أنشطة تخصيب اليورانيوم، لافتا إلى أن الاتفاق يحاول الخروج من طريق مسدود بعدما بدأت المحادثات في فيينا منذ الربيع الماضي. وفي الجولة السابقة، تحدث دبلوماسيون أوروبيون عن تحقيق تقدم على المستوى التقني، لكنهم حذروا من أن الوقت يضيق أمام الاتفاق[13].

وفي سياق بدء الجولة الثامنة من مفاوضات فيينا، توعدت إسرائيل مجددا بمنع إيران من تصنيع السلاح النووي، وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت -في مقابلة مع راديو الجيش الإسرائيلي 28 ديسمبر- “بالطبع يمكن أن يكون هناك اتفاق جيد، بالطبع نحن نعرف المعايير، هل من المتوقع أن يحدث ذلك الآن في الظروف الحالية؟ لا، لأنه يجب أن يكون هناك موقف أكثر حزما”. واعتبر بينيت أن إيران تتفاوض من موقف ضعيف للغاية، لكن العالم يتصرف كما لو أنها قوية، حسب وصفه. وأضاف أن حكومته بنت إستراتيجية عملية للتعامل مع ما سماه الخطر الإيراني لا تقتصر على المشروع النووي وحسب. وأكد أن طهران أحاطت بلاده بمئات آلاف الصواريخ على مدى 30 عاما، وهذا ما يجب إعادته الى الوراء، وفق تعبيره. وشدد بينيت على أن إسرائيل ليست جزءا من المفاوضات الجارية في فيينا بين إيران والدول العظمى.

في الأثناء، في 27 ديسمبر، نشر الحرس الثوري الإيراني فيديو يظهر محاكاة لاختراق القبة الحديدية الإسرائيلية خلال المناورات العسكرية الأخيرة. وبحسب تغريدة على تويتر نشرتها وكالة تسنيم الإيرانية، قال قائد القوات الجوفضائية في الحرس الثوري إن تمرين المحاكاة نجح في كسر القبة الحديدية. وكانت إيران قد اختتمت في 24 ديسمبر الماضي، مناورات عسكرية واسعة جنوب البلاد تحت مسمى “الرسول الأعظم” اختبرت خلالها صواريخ باليستية، وشملت اختبارات صاروخية من البر والبحر وتمارين للقوات البرية والبحرية.[14]

وفي 30 ديسمبر، عُلقت محادثات فيينا بمناسبة أعياد الميلاد، على أن تستأنف في 3 يناير من العام الجديد. ومن المقرر مناقشة الملف هاتفيا في قمة أميركية روسية، بينما كشفت مصادر أوروبية إن مسار الالتزامات النووية يسير باتجاه جيد وأن الخلاف بشأن ملف رفع العقوبات لا يزال عميقا. وأضافت المصادر “لا نزال دون المستوى المطلوب من العمل لإحياء الاتفاق النووي”. من جهته، قال كبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري “ناقشنا آليات التحقق من رفع العقوبات مع الأوروبيين، وتبادلنا رسائل مكتوبة بشأن رفع العقوبات وآلياته، وأحرزنا تقدما جيدا”. وأضاف باقري “نأمل في عمل أكثر جدية في مجال رفع العقوبات مع استئناف المفاوضات لاحقا[15]“.

وبالتواز مع مفاوضات فيينا، شهدت المفاوضات السعودية الإيرانية تطورات إيجابية. ففي 23 ديسمبر، أعلن وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان استعداد طهران لاستئناف المفاوضات مع السعودية والمشاركة في الجولة المقبلة من محادثات تهدئة التوتر مع الرياض بوساطة عراقية. وقال عبد اللهيان، في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره العراقي فؤاد حسين، في العاصمة طهران، إن بلاده قدمت “مجموعة من المقترحات العملية” إلى الرياض وتلقتها السلطات السعودية “بشكل إيجابي” ما يمهد الطريق للجولة المقبلة من محادثات في بغداد. وأضاف أن طهران مستعدة “لتسهيل زيارات الوفود الفنية لإجراء الاستعدادات اللازمة لتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع السعودية”. كما أشار إلى أن طهران تلقت الأسبوع الماضي موافقة الحكومة السعودية على تأشيرات لثلاثة دبلوماسيين إيرانيين سيتمركزون في المقر الرئيسي لمنظمة التعاون الإسلامي في جدة.

وكانت المحادثات التي تهدف إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الخصمين منذ فترة طويلة وبدأت في أبريل الماضي توقفت عقب الانتخابات العامة في العراق في أكتوبر الماضي. وجرت جولات المحادثات السابقة في العاصمة العراقية بغداد، بعيداً من وسائل الإعلام خلال الأشهر القليلة الماضية، وهي أول محادثات مباشرة بين البلدين منذ انقطاع علاقاتهما عام 2016. وأعلنت السعودية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران مطلع العام 2016، على خلفية الهجوم على سفارتها في طهران وموقف الجمهورية الإسلامية إثر إعدام الرياض رجل الدين الشيعي نمر النمر[16]. وخلال افتتاحه أعمال مجلس الشورى عبر الاتصال المرئي في 30 ديسمبر، أكد العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، أن “إيران دولة جارة للمملكة، نأمل في أن تغير من سياستها وسلوكها السلبي في المنطقة، وأن تتجه نحو الحوار والتعاون[17]“.

وفي سياق التطورات السابقة يمكن الإشارة للنقاط التالية[18]:

  • من السذاجة بمكان القول بأن عقوبات الحد الأقصى التي فرضها ترامب على إيران لإجبارها على التفاوض على اتفاق جديد لم تؤثر في إيران؛ إذ إن هذه العقوبات أثَّرت بشكل واضح وخطير على الوضع الاقتصادي للمواطن الإيراني. ولكن لم تصل هذه العقوبات إلى الهدف المرجو منها وهو الضغط على الشعب لإسقاط النظام. ما فعلته هذه العقوبات هو تشويه الطبقة المتوسطة التي لعبت قدرتها الاجتماعية والاقتصادية دورًا مهمًّا في دفع طهران لتوقيع الاتفاق النووي أول مرة. كما أنتجت هذه العقوبات طبقة واسعة من الفقراء والتي تتمحور جهودها حول تأمين قوتها وتقتصر اعتراضاتها على المطالبة بتحقيق الرفاه والمطالبة بالعدالة الاجتماعية.
  • تُظهر استطلاعات الرأي التي قامت بها مؤسسات في الداخل والخارج الإيراني أن أغلبية الشعب الإيراني لم تعد تعول على رفع العقوبات كسبيل لتحقيق الازدهار الاقتصادي. وهذا ما دفع الحكومة الإيرانية نحو مفاهيم جديدة مثل الاقتصاد المقاوِم أو المقاومة بالحد الأكثر. كما تظهر هذه الاستطلاعات فقدان الثقة بالولايات المتحدة بعد فرض العقوبات بالحد الأقصى واتجاه هذه الثقة نحو حكومة رئيسي الأصولية.
  • إن الاستراتيجية الجديدة الإيرانية تبدو ناجعة في شقها الإقليمي؛ إذ تدعو هذه الاستراتيجية إلى تحسين العلاقات مع دول الجوار ورفع التوتر وهذا سيقود إلى تقوية العلاقات الاقتصادية كذلك. إلا أن الاستراتيجية الدولية قد تواجه بعض المعضلات إذا ما قررت الحكومة الجديدة الاكتفاء بالشرق كشريك أساسي في العملية الاقتصادية والتنمية؛ إذ إن هذا التوجه سوف يُوقِع الحكومة الحالية بما وقع فيه حسن روحاني من قبل وهو الاعتماد على قطب أحادي. إن الموازنة بين الشرق والغرب هي ما يجب أن تسعى إليها طهران. علينا ألا ننسى أبدًا أن الصين سحبت شركاتها من القطاع النفطي وقطاع المواصلات وغيرها بعد أن فرضت إدارة ترامب العقوبات بالحد الأقصى. إن مقاومة الصين للعقوبات الأميركية تظهر فقط في قطاع استيراد النفط نظرًا لأنها تحصل على تخفيضات من الجانب الإيراني بالإضافة إلى قدرة كل من الصين وإيران على الالتفاف على العقوبات الأميركية في هذا المجال.
  • إن فشل المفاوضات مع إيران يعني اختبار طهران لنظرية الردع الفعال وهي النظرية التي وُضعت على الرَّفِّ لمدة أكثر من 20 عامًا. جعل النظام في إيران خياراته النووية محدودة بنظرية جليلي القائمة على أن التخصيب الأكثر سيوفر تنازلات أكثر، وبنظرية روحاني التي تتمحور حول التفاوض ضمن إطار ربح-ربح وتعني تقديم التنازلات بشكل سريع للحصول على امتيازات اقتصادية.
  • يجب على الولايات المتحدة أن ترتب أولوياتها بالحيلولة دون وصول إيران إلى السلاح النووي أولًا، ومن ثم تعمل على ربط طهران بالاقتصاد العالمي لتستطيع أن تفتح آفاق التفاوض المستقبلي حول تمديد الاتفاق الحالي لعشر سنوات إضافية؛ إذ إن سياسة “العصا” لم تنتج عنها النتائج المرجوة. ويبدو أن سياسة الجزرة (إذا ما طُبِّقت بشكل كامل) ستكون قادرة على إقناع طهران بالجلوس إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى.
  • يُظهر الإيرانيون مرونة عالية في عمليات التفاوض وذلك لغلبة النظرية النفعية (البراغماتية) لدى أعلى هرم السلطة. فعلى عكس ما يُروَّج له في الأوساط الغربية من أن خامنئي رجل متعصب ولا يقدم تنازلات، يبدو أن 30 عامًا في السلطة أكسبت خامنئي خبرة واسعة في تطوير النظرية النفعية الإيرانية، وتجنب إعلان الحرب على الولايات المتحدة في أعقاب اغتيال الرجل الثاني في إيران “قاسم سليماني”، يظهر مدى غلبة هذه النظرية في السياسة الإيرانية، خصوصًا بأنهم قاموا بترجيح تحقق الهدف الاستراتيجي الأبعد “خروج الولايات المتحدة من المنطقة” على الهدف الأقرب وهو “الانتقام”.
  • بعد الانسحاب غير المبرر من طرف ترامب، تطالب طهران إدارة بايدن بتقديم ضمانات قوية بعدم الانسحاب من الاتفاق النووي. عمليًّا وقانونيًّا، لا تستطيع إدارة بايدن تقديم مثل هذه الضمانات، فالاتفاق النووي لا يتعدى كونه توافق متعدد الأطراف ولم يجرِ تحويله إلى قانون أو معاهدة ملزمة في الكونغرس الأميركي.

ثالثاً، التطورات الخليجية الدولية

 1_ سي آي إيه: السعودية تصنّع صواريخ باليستية بمساعدة صينية

قيمت وكالات الاستخبارات الأمريكية أن المملكة العربية السعودية تعمل الآن بنشاط على تصنيع صواريخها الباليستية بمساعدة الصين، بحسب ما نشرته شبكة سي إن إن في 23 ديسمبر 2021. ومن المعروف أن المملكة العربية السعودية اشترت صواريخ باليستية من الصين في الماضي لكنها لم تكن قادرة على بناء صواريخها حتى الآن، وفقًا لثلاثة مصادر مطلعة على أحدث المعلومات الاستخباراتية. كما تشير صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها إلى أن المملكة تقوم حاليًا بتصنيع الأسلحة في موقع واحد على الأقل. وقالت المصادر المطلعة على التقييمات الاستخباراتية لسي إن إن، إنه تم إطلاع المسؤولين الأمريكيين في العديد من الوكالات، بما في ذلك مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، في الأشهر الأخيرة على معلومات استخبارية سرية تكشف عن عمليات نقل متعددة واسعة النطاق لتكنولوجيا الصواريخ الباليستية الحساسة بين الصين والمملكة العربية السعودية.

وتواجه إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الآن أسئلة ملحة بشكل متزايد حول ما إذا كان التقدم السعودي في مجال الصواريخ الباليستية يمكن أن يغير بشكل كبير ديناميكيات القوة الإقليمية ويعقد الجهود لتوسيع شروط الاتفاق النووي مع إيران ليشمل قيودًا على تكنولوجيا الصواريخ الخاصة بها، وهو هدف تشترك فيه الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل ودول الخليج. وأشار خبراء إلى أن إيران والمملكة العربية السعودية عدوان لدودان ومن غير المرجح أن توافق طهران على التوقف عن صنع الصواريخ الباليستية إذا بدأت السعودية في تصنيع صواريخها.[19]

يأتي هذا التطور متماشياً مع متغيرين رئيسيين: الأول تراجع القوة الأمريكية نسبيا أو تراجع إحكامها وسيطرتها أو هيمنتها بشكل يجعلها متحكمة في كل ديناميكات التفاعل الدولي والإقليمي. وهو ما سمح للعديد من القوى الإقليمية في النظام الإقليمي والقوى المتوسطة في النظام الدولي في الولوج في مسارات مستقلة عن الولايات المتحدى لتحقيق طموحهم الإقليمي والدولي، بما في ذلك القوى الحليفة لها، ويأتي قرار السعودية بتصنيع الصواريخ الباليستية بمساعدة الصين في ذات السياق. المتغير الثاني هو عدم ثقة السعودية في قدرة المجتمع الدولي على عقد اتفاق نووي صارم مع إيران يحكم ليس فقط مشروعها النووي تقنياً بل أيضا مشروعها الإقليمي سياسياً وأمنياً، وهو ما يدفعها لتبني مسارات موازية بجانب مسار المفاوضات في فيينا، لإدراكها أن هذه هي الأدوات الحقيقية التي تضمن الأمن القومي للدولة. ([20])


([20]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.