المرصد الخليجي – 16 يوليو 2021

يتناول التقرير أهم تطورات المشهد الخليجي الخارجي خلال النصف الأول من شهر يوليو 2021، وذلك من خلال ثلاث دوائر: الخليجية-الخليجية، والخليجية-الإقليمية، والخليجية-الدولية.

أولاً: التطورات الخليجية-الخليجية، وكان أبرزها زيارة سلطان عمان للسعودية في أول زيارة خارجية له منذ توليه السلطة وإنشاء مجلس تنسيقي مشترك، والتوتر في العلاقات السعودية الإماراتية على وقع ضبط السعودية إستيراداتها من السلع بشكل يضر الإمارات، ورفض الإمارات اتفاق موسكو_الرياض الخاص بحصص الانتاج النفطي.

ثانياً: التطورات الخليجية-الإقليمية، فيما يتصل بالدائرة العربية، فتشمل الأزمة اليمنية حيث عودة التوتر السياسي للجنوب اليمني وتدخل السعودية والولايات المتحدة للتهدئة، ولبنان حيث أزمة تشكيل الحكومة ودور خليجي “سعودي قطري”_غربي في الدفع بإنهاء الأزمة. أما “إسرائيل”، فشمل فتح الإمارات سفارتها رسميا في تل أبيب، في المقابل رفض السعودية استيراد السلع التي تشارك “إسرائيل” في انتاجها، وإعلان عمان رفضها التطبيع. أخيراً ما يتصل بإيران، فبررز التواصل السياسي بين السعودية وإيران في إطار سلسلة من المحادثات لنزع فتيل صراعهما الإقليمي، وتواصل إماراتي إيراني رسمي ليس بالجديد، لاحتواء الغضب الإيراني من خطوة التطبيع بين أبوظبي وتل أبيب.

ثالثاً: التطورات الخليجية-الدولية: تمثلت في تطورات العلاقات الأمريكية الخليجية، واقتصرت على غلق الولايات المتحدة ثلاث قواعد عسكرية لها في قطر ونقلها للأردن.

أولاً، التطورات الخليجية-الخليجية

زيارة سلطان عمان للسعودية وإنشاء مجلس تنسيقي مشترك

في 11 يوليو 2021، قام سلطان عُمان هيثم بن طارق بزيارة رسمية للسعودية بدعوة من الملك سلمان بن عبد العزيز، في زيارة تعد هي الأولى له خارج بلاده منذ تقلده منصبه في يناير 2020 خلفا لقابوس بن سعيد، حيث التقى الطرفان في مدينة نيوم وعقدا جلسة مباحثات رسمية جرى خلالها استعراض العلاقات الثنائية، وخلال اللقاء تم الإعلان عن إنشاء مجلس للتنسيق السعودي العماني في كافة المجالات، بهدف توسيع آفاق التعاون بين البلدين[1].

وخلال الزيارة، أعلنت السعودية وسلطنة عمان اتفاقهما على الإسراع في افتتاح الطريق البري المباشر والمنفذ الحدودي بين البلدين، وأكدا على ضرورة الاستمرار في التعاون لدعم استقرار أسواق النفط. واتفق الجانبان على مواصلة الجهود لإيجاد حل سياسي شامل للأزمة اليمنية قائم على المبادرة الخليجية، وتعهدت السعودية وعمان بالتعامل الجدّي مع الملف النووي والصاروخي الإيراني بما يسهم في تحقيق الأمن الإقليمي[2]. جدير بالذكر أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 10.6 مليار ريال خلال عام 2019 مقابل 9.37 مليار ريال عام 2018، وبلغ حجم صادرات المملكة إلى سلطنة عُمان نحو 3.62 مليار ريال لعام 2019 مقابل 3.81 مليار ريال في الفترة ذاتها في عام 2018، بينما بلغ حجم الواردات إلى المملكة من السلطنة نحو 6.95 مليار ريال لعام 2019 مقابل 5.55 مليار ريال في المدة ذاتها من عام 2018[3].

يمكن قراءة هذه الزيارة في عدة سياقات، الأول أن السعودية تحاول إعادة ترميم بنية مجلس التعاون الخليجي بعد الأزمة التي منيت بها واستمرت 4 سنوات، عبر العديد من الإجراءات والزيارات، خاصة وأن هذه الزيارة أتت بدعوة من ملك السعودية. الثاني أن هناك توترا سعودياً إماراتياً متعدد الجوانب بدأ يظهر للسطح، أحد جوانبه هو التنافس حول قيادة مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي مثل هذه اللقاءات ووضعها في سياق استراتيجي وتنسيقي طويل الأمد يمكن أن تكون وراءها رغبة سعودية في الإمساك بدول المجلس وجعلهم تحت سيطرتها في مواجهة الإمارات التي تحول سحب هذه السيطرة من تحت أقدام السعودية، ومن ثم فهو توجه استراتيجي قد يؤدي على المدى الطويل لعزلة إماراتية في منطقة الخليج، في ظل تمتين علاقاتها مع إسرائيل على حساب جوارها العربي والخليجي. السياق الثالث هو أنه يأتي في ظل سلسلة من الجلسات التفاوضية والحوارية المباشرة بين السعودية وإيران، ويمكن أن تبرز عمان كطرف وسيط ومدعم لهذه الحوارات ولعلاقاتهما البينية مستقبلا.

توتر محدود في العلاقات السعودية الإماراتية

في 5 يوليو 2021، أعلنت السعودية تعديل قواعد الاستيراد من دول الخليج، في إجراء تعتبر الإمارات المتضرر الأكبر منه، وبموجب القرار، استبعدت المملكة السلع التي تنتجها شركات بعمالة تقل عن 25 بالمئة من العمالة المحلية من اتفاق الإعفاء الجمركي بين دول مجلس التعاون، ويستبعد القرار أيضا المنتجات الصناعية التي تقل نسبة المدخلات المحلية في تصنيعها (القيمة المضافة للسلعة) عن 40 بالمئة؛ ونص على أن كل البضائع المنتجة في المناطق الحرة بالمنطقة لن تعتبر محلية الصنع، ويشمل القرار أيضا استبعاد البضائع التي يدخل فيها مكون من إنتاج “إسرائيل” أو صنعته شركات مملوكة بالكامل أو جزئيا لمستثمرين إسرائيليين، أو شركات مدرجة في اتفاق المقاطعة العربية لإسرائيل[4].

وتعتبر المناطق الحرة، إحدى المكونات الرئيسة لاقتصاد الإمارات، كما أنها والبحرين العضوان الوحيدان في مجلس التعاون الخليجي اللذان يرتبطان باتفاقيات تطبيع وتعاقدات اقتصادية وتجارية مع إسرائيل. القرار الجديد، جاء بعد يوم من تصاعد التوتر بين السعودية والإمارات، بعدما عرقلت الأخيرة مقترحا للرياض وموسكو بزيادة محدودة لإنتاج النفط لدول “أوبك+”، مع تمديد باقي القيود على الإنتاج حتى نهاية 2022، بدلا من نهاية أبريل من نفس العام، الموعد الأصلي باتفاق التخفيضات. الإمارات عارضت نظام حصص الإنتاج الذي تم التفاوض عليه بين روسيا والسعودية وتريد أن تكون قادرة على إنتاج 3.8 ملايين برميل يوميا، بدلا من 3.2 ملايين. كذلك، قررت السعودية في فبراير الماضي، إيقاف التعاقدات الحكومية مع أي شركة أجنبية لها مقر إقليمي في المنطقة في غير المملكة اعتبارا من مطلع 2024، في وقت تعتبر الإمارات عاصمة الشركات الأجنبية في المنطقة[5].

إن السياق العام لهذه التوترات هو التنافس حول القيادة الإقليمية، وبالأخص في منطقة الخليج بين السعودية والإمارات، ولأن الأخيرة تدرك حجم التناقضات بينها وبين السعودية، فإن الأزمة الخليجية التي اندلعت بضغط من الإمارات كانت فرصة للأخيرة للتحايل على هذه التناقضات وامتصاصها في ظل وجود عدو مشترك “قطر”، لذلك لم تكن الإمارات مرحبة بالمصالحة الخليجية التي حدثت في مدينة العلا السعودية، لأنها كانت إيذانا بإظهار هذه التناقضات والخلافات للسطح، بل إن مسار المصالحة أدى لعلاقات سعودية قطرية أقوى من العلاقات السعودية الإماراتية. لكن لهذه التوترات حدود، فالدولتان حريصتان وستظلان كذلك على وضع حدود لهذا التوتر، فحاجة بعضهما لبعض تظل كبيرة حتى وإن تعاظمت تناقضاتهما. خاصة وأن الارتباط والتداخل بينهما بنيوي قوي على جميع المستويات البينية وإن تراجعت مستوى التوافق الإقليمية.


ثانياً، التطورات الخليجية الإقليمية

1_الخليجية-العربية

(أ) اليمن

عودة التوتر للجنوب اليمني والرياض تدفع نحو التهدئة

في 1 يوليو 2021، تم عقد لقاء في الرياض بين ممثلي الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، لبحث استكمال الدفع بتنفيذ اتفاق الرياض، حيث دعت السعودية طرفي اتفاق الرياض باليمن إلى الاستجابة العاجلة لما تم التوافق عليه، وإلى نبذ الخلافات والعمل بالآلية المتوافق عليها. وأعلنت أنه تم التوافق بين الطرفين على وقف جميع أشكال التصعيد، وفق آلية اتفقا عليها، وأن التصعيد السياسي والإعلامي وما تلاه من قرارات تعيين سياسية وعسكرية من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي لا تنسجم مع ما تم الاتفاق عليه بين الطرفين، وأكدت السعودية أن عودة الحكومة اليمنية المشكلة وفقًا لاتفاق الرياض تمثل أولوية قصوى، وشددت على أهمية التزام كلا الطرفين بما تم الاتفاق عليه[6].

وقد ثمّنت الحكومة اليمنية ما أعلنت عنه السعودية بشأن اتفاق الرياض، وقالت الحكومة إنها ترحب بكل ما أعلنت عنه المملكة، وتجدِّد تمسكها بتطبيق اتفاق الرياض بكل جوانبه وتفاصيله، وإنه خطوة مهمة في اتجاه توحيد كل القوى والتيارات الرافضة للسيطرة الإيرانية على اليمن ومواجهة الحوثيين[7].

وفي 8 يوليو، حذرت القائمة بأعمال السفير الأميركي لدى اليمن كاثي ويستلي من الخطاب التصعيدي والإجراءات في محافظات اليمن الجنوبية، وقالت إنها يجب أن تتوقف، وحثت الأطراف على العودة إلى الحوار الذي يركز على تنفيذ اتفاق الرياض ووضع مصلحة الشعب اليمني في المقام الأول[8]. وفي 13 يوليو، حمّل الفريق الحكومي اليمني لمتابعة تنفيذ اتفاق الرياض المجلس الانتقالي الجنوبي مسؤولية تأخير عودة الحكومة لأداء عملها من العاصمة المؤقتة عدن. وعبر الفريق الحكومي عن أسفه لتراجع المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيا عن إيقاف إجراءات التصعيد وتأمين الحكومة ومقراتها. وجدد الفريق الحكومي التزامه بالتفاهمات المتفق عليها مع فريق المجلس الانتقالي، والتي تضمنت الالتزام بوقف كافة أشكال التصعيد، وذكر سلسلة من التدابير التي اتخذها المجلس الانتقالي وتعتبر في نظره تدخلا غير مشروع في عملها[9].

 يلاحظ أنه في الفترة التي كانت العلاقات السعودية الإماراتية قوية وراسخة بالأخص قبل المصالحة الخليجية، كانت الجبهة اليمنية وبالأخص الجنوب اليمني شاهد على قمة تناقض وتضارب مصالحهما، إذ بينما تدعم السعودية الحكومة الشرعية بقيادة عبدر ربه هادي منصور فإن الإمارات كانت ولا زالت تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي الداعي لانفصال الجنوب اليمني، للدرجة التي قصفت معها الإمارات أهداف تابعة للحكومة المدعومة سعودياً. وإذا كان هذا الوضع إبان اتفاق الرياض وأبوظبي وتحالفهم الإقليمي الراسخ، فكيف سيكون الوضع في ظل خلافاتهما التي بدأت تطفو على السطح تباعا منذ التطبيع الإسرائيلي الإماراتي والمصالحة الخليجية. وهذا يعني أن جبهة الجنوب اليمني في الفترة القادم ستزداد توتراً بدفع من الإمارات نكاية في السعودية أو كورقة ضغط عليها، وبالتالي سنكون أمام أحد سيناريوهين إما تهدئة سعودية إماراتية في ملفاتهما الخلافية يتبعه تهدئة في الجنوب اليمني، أو استمرار الخلافات ومن ثم استمرار وتزايد التوتر في الجنوب اليمني.

 (ب) لبنان

حراك خليجي غربي لحل أزمة تشكيل الحكومة اللبنانية

بعد مضي نحو 9 أشهر على تكليف سعد الحريري بتأليف الحكومة من دون أن ينجح بمهمته التي اندرجت تحت غطاء المبادرة الفرنسية نتيجة تعاظم الخلافات بينه وبين رئيس الجهورية ميشال عون، حذر رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب أمام مجموعة من السفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية مما أسماه “زوال لبنان” داعيا للإسراع في تشكيل الحكومة.

وفي هذا السياق، قالت مصادر دبلوماسية أوروبية في بيروت إن اجتماع وزراء خارجية الولايات المتحدة أنتوني بلينكن وفرنسا جان إيف لودريان والسعودية الأمير فيصل بن فرحان، على هامش اللقاء الاقتصادي الذي استضافته روما والذي خُصص للبحث في الوضع المأزوم في لبنان، يمكن أن يشكل أول محطة لحوار ثلاثي أميركي – فرنسي – سعودي يخصص لإنقاذه من الانهيار لما لهذه الدول من حضور في الساحة اللبنانية[10]. وفي ذات السياق، وصل وزير خارجية قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بيروت في 6 يوليو 2021، والتقى كلا من رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة المكلف الحريري إضافة إلى قائد الجيش العماد جوزيف عون، تأكيدا على تضامن الدوحة مع اللبنانيين، كما أعلنت قطر عن دعم الجيش اللبناني بـ 70 طنا من المواد الغذائية شهريا لمدة عام. وفي غضون أقل من عام، زار الشيخ محمد بن عبد الرحمن بيروت 3 مرات، أولها كان عقب انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس من العام الماضي، وفي فبراير من العام الحالي حاملا حينها رسالة من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد دعت القوى السياسية إلى تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية، وضرورة تشكيل حكومة[11].

بالتالي نحن أمام فاعلين خليجيين في الساحة اللبنانية، قطر والسعودية، ولكن دوافع أدوارهما مختلفة. فبينما ينطلق الدور القطري في الملف اللبناني من دوافع السعي للعب دور إقليمي في المنطقة، يتمحور حول دور الوساطة وتهدئة الأزمات الإقليمية، بما يكسب الدوحة وزناً إقليمياً في مواجهة القوى الإقليمية والدولية. فإن الدور السعودي في هذا الملف يأتي في سياق تنافسها وصراعها الإقليمي مع إيران، وبالتالي السعودية بخلاف قطر هي جزء من المشكلة، وبالتالي فإن الحل لابد أن يمر من خلالها كما من خلال إيران. والملف اللبناني كغيره من الملفات الإقليمية كاليمني والسوري والعراقي هي مخرجات لأزمة أكبر وهي الصراع الإيراني السعودي، والإيراني الغربي. وبالتالي حل أزمة تشكيل الحكومة اللبنانية لا يتوقف فقط على الفرقاء المحليين، بل على مسار التطور في العلاقات السعودية الإيرانية من ناحية والتفاوض حول البرنامج النووي الإيراني من ناحية أخرى.


2_الخليجية-الإيرانية

تطورات إيجابية في العلاقات الخليجية الإيرانية

في 6 يوليو 2021، أعلنت إيران أن مفاوضاتها مع السعودية تسير بالشكل الصحيح، تعليقاً على تصريحات وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان التي رحب فيها بالحوار مع إيران على أن تلتزم طهران بضمان أمن واستقرار المنطقة. وقال المتحدث باسم الحكومة علي ربيعي: “نقيّم بشكل جيد المفاوضات بين طهران والرياض، ونؤكد أنها تسير بالشكل الصحيح”. وتابع أن “المفاوضات بدأت على مبدأ أن إيران تسعى إلى الأمن والاستقرار في المنطقة، ولحل الخلافات وخاصة بين البلدين”. وأضاف أن “الحوار مع السعودية يشهد تقدماً إيجابياً”، وأن “الخلافات نوقشت في أجواء ودية”. وقال إن “بعض الخلافات معقدة وقد تحتاج وقتاً لحلها، ونحن ملتزمون بمواصلة هذه المفاوضات على أساس حسن النية المتبادلة لتقليل الخلافات قدر الإمكان وضمان مصالح البلدين”. واستضاف العراق محادثات سابقة بين الطرفين، وكشف الرئيس العراقي برهم صالح أن بلاده استضافت أكثر من جولة محادثات بين السعودية وإيران. ويمثل الحوار أول جهد جدي لنزع فتيل التوترات منذ قطع العلاقات بين السعودية وإيران في 2016، إثر مهاجمة بعثات دبلوماسية سعودية في إيران، على خلفية إعدام رجل الدين الشيعي المعارض نمر النمر في المملكة[12].

وفي 7 يوليو، استقبل الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس الوزراء الإماراتي وزير شؤون الرئاسة في مكتبه، القائم بالأعمال في السفارة الإيرانية بالإمارات سيد محمد حسيني. وجرى خلال اللقاء كما أعلنت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية “استعراض عدد من مجالات التعاون المشتركة وسبل تطويرها، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين الصديقين إلى جانب بحث عدد من المواضيع ذات الاهتمام المشترك”. وفي وقت سابق، قالت الخارجية الإيرانية إن أبوظبي وطهران أكدتا استعدادهما لتعزيز التعاون المشترك. وتسود حالة من الضبابية في علاقة البلدين منذ اتفاق تطبيع العلاقات الذي وقعته أبوظبي مع “تل أبيب” العام الماضي، والذي عارضته طهران بشدة[13].

يعد الدافع الرئيسي بالنسبة للسعودية لعقد حوارات جادة مع إيران للتهدئة ووضع حد لصراعهما حاليا هو وصول بايدن للبيت الأبيض، متبنياً مقاربة مختلفة عن ترامب في التعامل مع إيران، وبالتالي لا تريد السعودية أن تنتظر بايدن حتى يعقد صفقة مع إيران تكون السعودية هي الخاسر الأكبر منها كما حدث مع الاتفاق النووي 2015 في عهد أوباما. أما الإمارات فتواصلها السياسي مع إيران ليس بجديد، فقد اعتادت حتى ف ظل أسوء الفترات التي شهدتها علاقاتها بإيران على الحفاظ على التواصل السياسي معها، ووضع حد للتصعيد معها، حتى لا يلحقها ضرر في الداخل من قبل حلفاء إيران في المنطقة بما يؤثر على استقرارها الداخلي ومن ثم على قطاع السياحة والاستثمار. الجديد في السياق الذي تأتي في ظله هذا اللقاء هو التوتر الإماراتي الإيراني بعد التطبيع بين أبوظبي وتل أبيب.

انتهاء الجولة السادسة من مفاوضات فيينا دون التوصل لاتفاق

في 6 يوليو 2021، أعلنت الخارجية الإيرانية أن مواقف طهران من الاتفاق النووي ورفعِ العقوبات، مبدئية ولا تتغير بتغير الحكومات، وقال متحدث باسم الحكومة الإيرانية إن الحكومة المقبلة ستلتزم بأي اتفاق تتوصل إليه الحالية، وإن أي قرار بشأن الاتفاق النووي يتخذ في مجلس الأمن القومي وبناء على أسس يضعها المرشد. وأضاف أنه لم يحدث تغيير في الفريق الإيراني المفاوض، وحان الوقت كي تتخذ واشنطن قرارها. ومن جانبه قال المتحدث باسم الخارجية سعيد خطيب زاده إن مفاوضات فيينا حققت تقدما، ولكن هناك قضايا تحتاج إلى اتخاذ قرار من بقية الأطراف، بخاصة الولايات المتحدة. وشدد خطيب زاده على أن بلاده لا تستعجل التوصل إلى اتفاق، لكنها لن تسمح للمفاوضات بأن تتحول إلى مفاوضات استنزافية[14].

وفي 12 يوليو، قالت وزارة الخارجية الأميركية إن إيران هي وحدها التي يمكنها أن تحدد موعد استئناف مباحثات فيينا لإحياء الاتفاق النووي الإيراني، مضيفة أن واشنطن مستعدة للجولة السابعة من هذه المفاوضات، وأضافت “نعي أن ما تحرزه إيران من تقدم نووي بمرور الوقت سيكون له تأثير على وجهة نظرنا بشأن العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) في نهاية المطاف”. وانطلقت محادثات فيينا في أبريل الماضي لإعادة إحياء الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى واختتمت الشهر الماضي الجولة السادسة، ولكن لم تفلح هذه الجولات في تحقيق الهدف منها، وذلك بسبب اشتراط طهران وواشنطن بعض الضمانات للموافقة على العودة للاتفاق[15].

في هذا السياق نشير لوجهة نظر إيرانية يمكن تناولها باختصار كالتالي[16]:

  • خلص القادة الإيرانيون إلى أنه سيكون من الحكمة أن تقدّم الجمهورية الإسلامية تنازلات نووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عن كاهلها. فقد اختاروا القبول بقيود غير مسبوقة على برنامج إيران النووي في مقابل أن يتمكّنوا من الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي، وأن يعيش شعبهم بعيدا عن العقوبات، وكانت خطة العمل الشاملة المشتركة في 2015 تتويجا لسلوك هذا النهج. ولهذا السبب، أيضا، تخلت إيران عن مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، كما تخلّت أيضا عن 97% من مخزونها من اليورانيوم المنخفض التخصيب (3.6%). ولنفس السبب كذلك أوقفت إيران استخدام أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وملأت قلب مفاعلها للماء الثقيل في أراك بالإسمنت المسلّح، وقبلت بالمزيد من القيود بما فيها فرض مراقبة غير مسبوقة على عمل منشآتها النووية. لقد كان القبول بتلك القيود من أجل هدف واحد هو الحياة من دون عقوبات. والسؤال الذي يُطرح هنا هو: إذا فشلت واشنطن في رفع العقوبات، فما الذي يحمل طهران، إذن، على وضع خطوط حمراء لبرنامجها النووي؟
  • إن إصرار إيران على عودة أمريكا إلى خطة العمل الشاملة المشتركة ورفع العقوبات عنها، تعني أن الجمهورية الإسلامية تفضّل أن تكون جزءًا من الاقتصاد العالمي. وهذا يعني أنه ليس لدى إيران لا النية ولا الإرادة السياسية لتسليح برنامجها النووي. لذا، فإن ما سيحدث بعد ذلك سيعتمد إلى حد كبير على إدارة بايدن. فرفع العقوبات سيساعد على تهدئة التوترات واستعادة التزام إيران وعودتها الكاملة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، بينما سيكون من المرجح أن يدفع فشل واشنطن في رفع العقوبات قادة إيران إلى إعادة النظر في توجههم الاستراتيجي. في هذا السياق، فإنه يجب أخذ تحذيرات وزير المخابرات الإيراني، محمود علوي، على محمل الجد عندما ألمح إلى أن إيران قد تضطر إلى إعادة النظر في سياستها وتطوّر سلاحًا نوويًا إذا ما استمرت العقوبات المفروضة عليها.
  • *    إذا حدث ذلك، فإنه سيكون النتيجة المباشرة لانسحاب أمريكا من خطة العمل الشاملة المشتركة ورفضها رفع العقوبات عن إيران، كما أنه من شأن حرمان إيران من المزايا المُضمّنة في خطة العمل الشاملة المشتركة أن يدفع الاستراتيجيين الإيرانيين إلى استنتاج أن بلادهم، التي يبلغ عدد سكانها 83 مليون نسمة، ستخضع لعقوبات في كل الأحوال وبغض النظر عمّا تفعله، ودون اعتبار لما إذا كانت تمتثل لخطة العمل الشاملة المشتركة بالكامل، أم لا، وليس من الحكمة في شيء دفع إيران نحو هذا المسار.

3_الخليجية-الإسرائيلية

الإمارات تفتتح سفارتها في تل أبيب وعمان ترفض التطبيع

في 14 يوليو 2021، افتتحت دولة الإمارات سفارة لها في تل أبيب، بعد نحو عام من إعلان تطبيع علاقاتها مع “إسرائيل”، وبعد قرابة أسبوعين من افتتاح سفارة “إسرائيلية” في أبو ظبي هي أول سفارة إسرائيلية في الخليج، وشارك في مراسم افتتاح السفارة الإماراتية الرئيس “الإسرائيلي” إسحاق هرتسوغ، وكانت تل أبيب قد تسلمت مطلع مارس الماضي أوراق اعتماد السفير الإماراتي لديها محمد آل خاجة. ويأتي افتتاح السفارة الإماراتية في تل أبيب، بعد أسبوعين من زيارة وزير الخارجية “الإسرائيلي” يائير لبيد إلى الإمارات، وافتتاحه سفارة إسرائيلية في أبو ظبي، وقنصلية لها في دبي، وتعدّ زيارة لبيد للإمارات هي الأولى لمسؤول إسرائيلي منذ اتفاق البلدين على تطبيع العلاقات بينهما في سبتمبر الماضي[17].

في المقابل، أعلنت السعودية في 5 يوليو تعديل قواعد الاستيراد من دول الخليج، وبموجب القرار، استبعدت المملكة السلع والبضائع التي يدخل فيها مكون من إنتاج “إسرائيل” أو صنعته شركات مملوكة بالكامل أو جزئيا لمستثمرين إسرائيليين، أو شركات مدرجة في اتفاق المقاطعة العربية لإسرائيل[18]. وفي 10 يوليو، أعلن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، إن بلاده لن تكون ثالث دولة خليجية تطبع مع إسرائيل، حيث قال البوسعيدي: “لن نكون ثالث دولة خليجية كما ذكرت، ولكننا مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ونحترم القرارات السيادية للدول مثلما نتوقع احترام الغير لقراراتنا السيادي”[19].

وبالتالي فإن السيناريو الأكثر ترجيحا لعملية التطبيع الخليجية الإسرائيلية هو أنه لن تقدم دولة خليجية أخرى، غير “البحرين والإمارات”، على خطوة تطبيع علاقاتها مع “إسرائيل” في المدى القريب والمتوسط، وذلك لأسباب داخلية وإقليمية ودولية. بالنسبة للأسباب الإقليمية فإن إسرائيل بعد خطوة تطبيعها مع الإمارات وبروزهما في إطار تحالف استراتيجي يريد الهيمنة على الإقليم، دفع القوى الإقليمية الأخرى وحتى الدول الصغيرة للقلق من هكذا تطور، فضلا عن عدم رغبتهم في نسج تطبيع بهذا الشكل الفج الذي يتجاوز مفهوم التطبيع للتحالف. هذا بجانب خصوصية الحالة السعودية في أن دورها الإقليمي مبني على رمزية دينية في العالم الإسلامي والعربي بحكم رعايتها للمقدسات الإسلامية “بلد الحرمين”، وخصوصية الحالة القطرية في كون دورها الإقليمي مبني على القوة الناعمة والاستثمار في الشعوب، وخصوصية الحالة العمانية بعلاقاتها القوية مع إيران. أما الأسباب الدولية فهو أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كان أحد العوامل الدافعة نحو التطبيع مع “إسرائيل”، وكان هناك احتمالية أن يمارس ضغوطا على بقية دول الخليج للتطبيع، الآن رحل ترامب وأتى بايدن، وعلى الرغم أن الأخير يميل في توجهاته لإسرائيل كبقية الرؤساء الأمريكيين، إلا أنه ليس بذات الحدة التي كان عليها ترامب، كما أنه لن يكون من أولوياته الضغط على دول الخليج للتطبيع مع “إسرائيل”. أخيرا الأسباب الداخلية، وهنا تتفرد الكويت بموقف مبادئي رافض للتطبيع بدوافع داخلية شعبية ورسمية، ويلعب البرلمان الكويتي دوراً مركزياً في هذا الصدد.


ثالثاً، التطورات الخليجية الدولية

 1_الولايات المتحدة

الجيش الأميركي يغلق 3 قواعد عسكرية في قطر

أفاد موقع «ستارز أند سترايبس» المتخصص في الشؤون العسكرية، بأن الجيش الأميركي أغلق 3 قواعد عسكرية، مترامية الأطراف في قطر كانت تستخدم كمستودعات لتخزين الأسلحة، ونقل المعدات والجنود منها إلى الأردن. وكانت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، في الأسبوع الأول من شهر يوليو، أكدت فيه أن الجيش الأميركي أغلق معسكر السيلية الرئيسي إلى جانب معسكر السيلية الجنوبي ونقطة إمداد بالذخيرة تسمى فالكون، وأضاف بيان الجيش الأميركي أن المعسكر كان بمثابة نقطة انطلاق أمامية للإمدادات الأميركية في الشرق الأوسط، حيث يحتوي على 27 مستودعاً لتخزين الدبابات وناقلات الجند المدرعة ومجموعة متنوعة من المعدات. وقال بيان للقيادة المركزية الأميركية (سينتكوم) إن الإمدادات من القواعد الثلاث، بالإضافة إلى مهمة دعم متمركزة هناك، أصبحت الآن جزءاً من مجموعة دعم المنطقة في الأردن[20].

لا يبدو أن هذه الخطوة تتعلق بتطور ما يرتبط بالعلاقات الأمريكية القطرية، خاصة وأن هذه العلاقات في عهد بايدن تبدو أفضل مقارنة بفترة ترامب. وبينما يربط البعض هذه الخطوة لمنع استهداف هذه القواعد من قبل إيران وحلفائها في المنطقة، فإن هذا التحليل يبدو بعيد لأن قطر خارج نطاق الاستهداف الإيراني، خاصة مع العلاقات الجيدة التي تربط قطر بإيران منذ اندلاع الأزمة الخليجية. التحليل الأقرب هو أنها تأتي في سياق إعادة تموضع جيوسياسي أمريكي بدأ منذ فترة مع سحب بعض بطاريات الباتريوت من السعودية، كما يمكن أن يقرأ على أنه خطوة في سياق التهدئة الأمريكية مع إيران في ظل التفاوض حول برنامج الأخيرة النووي.


[1] خلال زيارة السلطان هيثم للمملكة.. إنشاء مجلس للتنسيق السعودي العماني في كافة المجالات، الجزيرة نت، 11/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[2] بيان سعودي عماني: طريق بري مباشر واتفاق بشأن اليمن والنفط ونووي إيران، الجزيرة نت، 12/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[3] قمة سعودية ـ عمانية تبحث التعاون المشترك… وتأسيس مجلس تنسيق ثنائي، الشرق الأوسط، 12/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[4] السعودية تُقرر وقف الامتيازات الجمركية على بضائع المناطق الحرة الخليجية، أموال الغد، 5/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[5] شرخ أبوظبي والرياض.. الإمارات متضررة من وقف امتيازات جمركية سعودية (تقرير)، الأناضول، 14/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[6] اليمن.. السعودية تدعو طرفي اتفاق الرياض لنبذ الخلافات وواشنطن تعرب عن انزعاجها من هجمات الحوثيين، الجزيرة نت، 2/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[7] الحكومة اليمنية ترحب ببيان السعودية وتؤكد التزامها باتفاق الرياض، الشرق الأوسط، 2/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[8] رسالة تحذير أميركية من الخطاب التصعيدي في محافظات جنوب اليمن، الجزيرة نت، 8/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[9] الفريق الحكومي لمتابعة اتفاق الرياض: المجلس الانتقالي يعطل مؤسسات الدولة اليمنية، الجزيرة نت، 8/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[10] بداية حوار حول لبنان بين أميركا وفرنسا والسعودية، الشرق الأوسط، 3/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[11] حراك دبلوماسي واسع.. ما العقبات أمام المساعي العربية والدولية لمنع “الارتطام الكبير” في لبنان؟، الجزيرة نت، 7/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[12] طهران: المفاوضات مع الرياض إيجابية..لكنها تحتاج وقتاً، المدن، 7/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[13] الإمارات وإيران تبحثان العلاقات الثنائية وسبل تطوير التعاون، الخليج أون لاين، 8/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[14] قالت إن الوقت حان لتتخذ واشنطن قرارها.. طهران: الحكومة المقبلة ستلتزم بأي اتفاق نووي تتوصل إليه الحالية، الجزيرة نت، 6/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[15] نووي إيران.. واشنطن تنتظر طهران لاستئناف المفاوضات وظريف يحث رئيسي على استكمالها، الجزيرة نت، 13/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[16] علي أكبر داريني، مع رئيسي ..بقاء العقوبات سيدفع إيران لتغيير توجهاتها الاستراتيجية، مركز الجزيرة للدراسات، 7/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[17] بعد نحو عام من التطبيع.. افتتاح سفارة إماراتية في تل أبيب، الجزيرة نت، 14/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[18] السعودية تُقرر وقف الامتيازات الجمركية على بضائع المناطق الحرة الخليجية، أموال الغد، 5/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[19] عمان: لن نكون ثالث دولة خليجية تطبع مع إسرائيل، الأناضول، 10/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابط

[20] الجيش الأميركي يغلق 3 قواعد في قطر للحد من هجمات الصواريخ الإيرانية المحتملة، الشرق الأوسط، 10/7/2021 (تاريخ الدخول:16/7/2021)، الرابطص

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.