المرصد الخليجي – 29 فبراير 2020

 يتناول التقرير أهم تطورات المشهد الخليجي الخارجي خلال النصف الثاني من شهر فبراير 2020، وذلك من خلال ثلاث دوائر: الخليجية-الخليجية، والخليجية-الإقليمية، والخليجية-الدولية.

أولاً: التطورات الخليجية-الخليجية، وكان أبرزها تطورات جديدة تتعلق بالأزمة الخليجية، تشير إلى أن التفاؤل المتعلق بحل الأزمة بدأ يتراجع، وأن الأزمة مازالت تراوح مكانها، خاصة بعد إعلان قطر رسمياً تعليق محادثات إنهاء النزاع مع السعودية منذ يناير الماضي.

ثانياً: التطورات الخليجية-الإقليمية، فيما يتصل بالدائرة العربية، فقد كان أبرزها دخول محافظة المهرة في أتون الصراع اليمني، ولقاء أمريكي سعودي لبحث دعم المعارضة السورية، وزيارة أمير قطر لدول الأردن وتونس والجزائر، وزيارة رئيسي الجزائر وموريتانيا للسعودية. أما الدائرة الآسيوية، فتتمثل في زيارة رئيس وزراء باكستان عمر خان لقطر.

ثالثاً: التطورات الخليجية-الدولية: أولاً، ألمانيا وزيارة وزير الخارجية السعودي لها، ولقاؤه نظيره الألماني، بعد أن طالب ألمانيا بفك الحظر عن تصدير الأسلحة لبلاده. ثانياً الولايات المتحدة، ما يتعلق بزيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو للسعودية ثم عمان، وأخيراً توقيع الولايات المتحدة وطالبان اتفاق تاريخي ينهي صراعهما برعاية قطرية.

أولاً، التطورات الخليجية-الخليجية

تطورات الأزمة الخليجية.. ما الجديد؟

شهدت الأزمة الخليجية في تلك الفترة تطورات جديدة، لكنها تصب في نفس الاتجاه وهو استمرار الأزمة واستمرار تعقيداتها. ففي 15 فبراير 2020، قال وزير الخارجية القطري “محمد بن عبدالرحمن آل ثاني” في مؤتمر ميونيخ للأمن، إن محادثات إنهاء نزاع الخليج عُلقت في يناير الماضي[1]. وفي 18 فبراير، قال “خالد الجار الله” نائب وزير الخارجية الكويتي، إن وساطة ‫بلاده لحل الأزمة الخليجية مستمرة، وأنها لم تفقد الأمل رغم الإحباط الذي يعتريها[2]. وفي 19 فبراير، قال وزير خارجية قطر إن “دول الحصار يجب أن تعود إلى رشدها”، مشدداً على أن لكل بلد حقه السيادي في اتخاذ إجراءاته[3]. وفي 21 فبراير، اتهمت قطر السعودية بعرقلة اجتماع لدول مجلس التعاون الخليجي بشأن تفشي فيروس كورونا، بعد أن حرمت وزيرة الصحة القطرية من الوصول في الموعد لحضور اجتماع وزراء الصحة في الرياض[4].

وفي 25 فبراير، جدّد نائب رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الدولة لشؤون الدفاع “خالد بن محمد العطية” دعوته للحوار من دون شروط لإنهاء الأزمة، متحدثا عن تغير مفهوم “الدولة الصغيرة” إستراتيجيا[5]. وفي تقرير لها، أشارت وكالة بلومبيرغ أن هناك ضغوط أمريكية على دول الأزمة الخليجية لفتح مجالها الجوي أمام الدوحة، لإنهاء اعتمادها على الأجواء الإيرانية، وأن هذه المساعي تكثفت بعد هجوم على منشأة أرامكو[6]. وفي سياق مغاير لهذه التطورات، رحب الاتحاد البريدي العالمي التابع للأمم المتحدة، باستئناف الخدمات البريدية بين قطر وكل من السعودية ومصر والإمارات والبحرين[7].

   ومع ذلك، فإن الأزمة الخليجية لازالت مستمرة، بل ومستمرة في تعقيداتها. وتعد هذه المرة الأولي التي يعلن فيها مسؤول رسمي عن توقف المفاوضات السعودية القطرية لحل الأزمة، التي بدأت عقب مؤشرات ظهرت مؤخراً حول مساعي حل الأزمة، كانت قد بدأت مع موافقة السعودية والإمارات على إرسال منتخباتهما لبطولة كأس الخليج التي أقيمت في قطر. ومع رفض الإمارات لحل الأزمة، ظهرت قناة تواصل سعودية قطرية لحلها، انطلاقاً من تأثرهما الكبير بالأزمة مقارنةً بغيرهما.

وينبع فشل قناة الاتصال هذه من التماهي الحاصل في التوجهات السعودية والإماراتية الخارجية في أغلب ملفات الإقليم، مع صعود دور محمد بن سلمان في الحكم، وتتويجه بمنصب ولي العهد، وما رافق ذلك من دور محمد بن زايد في دعم الأخير في دوائر صنع القرار الأمريكي والترويج له. ومن هنا بات إحداث فصل في السياسات الخارجية الإماراتية والسعودية في ظل وجود بن زايد وبن سلمان صعباً للغاية. وكان أحد مخرجاته فشل مساعي حل الأزمة الخليجية. وهناك سبب آخر يتعلق بموقف قطر الرافض لحل يمكن أن ينتقص من سيادتها واستقلال سياستها الخارجية. والذي سينعكس على أدوارها الفاعلة في الإقليم.

ثانياً، التطورات الخليجية الإقليمية

1_الخليجية العربية

(أ) اليمن

المهرة تدخل في أتون الصراع اليمني.. الخلفيات والدوافع

في 18 فبراير 2020، أعلن التحالف العربي الذي تقوده السعودية عن تنفيذه عملية ناجحة ضد ما أسمتهم جماعات تهريب البشر والجريمة المنظمة في محافظة المهرة اليمنية، وأسفر ذلك عن سيطرة قوات التحالف على منفذ شحن الحدودي مع عمان، وانسحاب القبائل المحلية[8]. في مقابل ذلك، رفض القيادي في “المقاومة الجنوبية اليمنية” عادل الحسني تصريحات التحالف عن وجود جماعات تهريب وجريمة منظمة في المهرة، مؤكداً أن من يتواجدون في المهرة هم أبناؤها، وهم من يرفض دخول القوات السعودية لمنفذ شحن[9].

تلى ذلك استحداث القوات السعودية نقاط تفتيش في مديرية شِحن بمحافظة المهرة شرقي اليمن[10]. وفي 23 فبراير، أقال الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، محافظ المهرة[11]. وفي 25 فبراير، استهدف كمين مسلح رتلاً عسكرياً يضم عسكريين سعوديين ويمنيين في محافظة المهرة، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم؛ ومن جانبها، نفت قبائل محافظة المهرة واللجنة المنظمة للاعتصام السلمي في المحافظة علاقتهما بالكمين[12].

تتمثل خلفية هذا التطور والهدف الأساسي للسعودية من هذه الحملة في محاولة إيجاد نفوذ مباشر لها في بحر العرب، حيث تسعى السعودية لمد أنابيب النفط من أراضيها مروراً بمحافظة المهرة وانتهاءً بميناء نشطون على بحر العرب ومنها تقوم بتصديره للخارج. ويعد الدفاع الأساسي لذلك، هو تجاوز عقبة مضيق هرمز، والتهديدات الأمنية التي تتعرض لها التجارة الدولية في هذا المضيق، منذ تصاعد الصراع الإيراني الأمريكي، والذي انعكس على منطقة الخليج ومياهه. حيث لن تكون المملكة مضطرة للمرور بمضيق هرمز وفق الخطة المذكورة.

لكن سكان المحافظة أو جزءاً منهم يرفضون السياسة السعودية، ليس لرفضهم مشروع خط النفط، بقدر ما هو رفض للوسيلة التي يتم بها تنفيذ الخطة، وهي الحشد العسكري وفرض السيطرة السعودية كدولة أجنبية على محافظة يمنية اعتُبرت طيلة الصراع اليمني الداخلي بعيدة عن هذا الصراع. وبالتالي، فإن رفض سكان المحافظة يتعلق بأمرين: الأول، رفض الحشد العسكري خوفاً من دخول المحافظة في أتون الصراع الحالي؛ الثاني، رفض تنفيذ المشروع السعودي بشكل ينتقص من سيادة المحافظة، بل يجب أن يتم من خلال القناة الرئيسية أي عبر موافقة وتنسيق مع المحافظة وسكانها وليس بفرض المشروع عليهم بالقوة.

وتدخل عُمان في سياق هذه الأزمة، فما يجمع الأخيرة مع المهرة ليس فقط حدود مشتركة، بل انصهار اجتماعي وقبلي. وبالتالي، فمن ناحية ليس من مصلحة عمان حدوث توتر في هذه المحافظة حتى لا ينعكس على الداخل العماني، ومن ناحية أخرى قد تلعب عمان دوراً في تجييش سكان المحافظة ضد النفوذ السعودي فيها. وهو ما يطرح قضية في غاية الخطورة، وهو مدى تأثير هذا الملف على العلاقات السعودية العمانية في ظل السلطان الجديد.

(ب) سوريا

لقاءات سعودية أمريكية بشأن سوريا. الدلائل والأسباب

في 26 فبراير 2020، استقبل الأمير “فيصل بن فرحان” وزير الخارجية السعودي بالرياض، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون بلاد الشام والمبعوث الخاص لسوريا “جويل رايبرن”[13]. وفي نفس اليوم، أعلنت السفارة الأمريكية في دمشق، أنها بحثت مع شركائها السعوديين الوضع في سوريا، ودعم المعارضة السورية، وأكدا على معارضتهما للعملية العسكرية التي تنفذها قوات النظام السوري ضد “إدلب”[14].

المفارقة في هذا التطور هو أن كلا الطرفين أوقفا دعمهما للمعارضة السورية، بالأخص على المستوى العسكري؛ ففي يوليو 2017، أعلن ترامب وقف تدريب المعارضة عسكرياً[15]. فيما أعلن “نصر الحريري” رئيس هيئة التفاوض في إبريل 2018، أن السعودية ودولاً عربية أخرى أوقفت دعمها للمعارضة عسكرياً[16]. وبالتالي، فما هي المتغيرات الجديدة لهذا التطور؟

قد يكون لذلك علاقة بالمعركة الدائرة في إدلب بين القوات التركية وقوات النظام السوري. فالمعركة من ناحية ليست هذه المرة مع حلفاء الأمريكان الأكراد، بل مع نظام بشار. ومن ناحية أخرى هناك مؤشرات عديدة على دعم أمريكي سياسي لتركيا في هذه المعارك، سواء قبل حادثة مقتل 33 جندي تركي أو بعدها. وبالتالي، فقد تحاول الولايات المتحدة لعب دور في دعم تركيا من خلال الضغط على السعودية لإعادة دعمها للمعارضة. وإن صح هذا التقدير، فقد يواجه بعقبة التأزم في العلاقات التركية السعودية، أو قد يكون أداة لحلحلة هذا التأزم.

 (ج) الجزائر

تزايد الزيارات الرسمية الخليجية الجزائرية.. السياقات والدلائل

في 22 فبراير 2020، التقى الفريق الركن “حمد الرميثي”، رئيس أركان القوات المسلحة الإماراتية، اللواء “سعيد شنقريحة” رئيس أركان الجيش الجزائري بالنيابة، وذلك بدعوة من الإمارات، لحضور فعاليات معرضي “يومكس 2020″ و”سيمتكس 2020”[17]. وفي 25 فبراير، أنهى أمير دولة قطر الشيخ “تميم بن حمد آل ثاني” زيارته للجزائر، التقى فيها بالرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون”، الذي أكد على أن هناك توافقاً تاماً مع قطر بشأن مختلف القضايا الإقليمية والدولية[18]. وفي 27 فبراير، قام الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بزيارة رسمية للسعودية، التقى فيها بالعاهل السعودي الملك “سلمان بن عبد العزيز”[19].

ويمكن قراءة التسابق حول لقاءات وزيارات متبادلة بين دول الخليج والجزائر منذ تولي تبون رئاسة البلاد في سياق إقليمي أوسع. خاصةً بعد تصاعد سياسة المحاور في منطقة الشرق الأوسط، نتيجةً لاستمرار الأزمة الخليجية بالتزامن مع تزايد التوتر في العلاقات التركية السعودية، وهو ما عمق من التوتر في منطقة الشرق الأوسط، وبرز معه محوران لم ينضجا بعد بشكل كامل، مصر والسعودية والإمارات في مواجهة تركيا وقطر. مع وجود دولة باكستان المتبنية سياسة المراوحة بين المحورين، وماليزيا وإيران الأقرب للمحور الثاني. ومنذ ذلك الحين، والتسابق بين المحورين حول كسب الأطراف المختلفة في تعاظم، وبالأخص التي لم تحسم موقفها بعد، كالجزائر وعُمان بعد رحيل قابوس.

من ناحية ثانية، تبرز الأزمة الليبية، ومحاولة كل طرف كسب الجزائر في صفها؛ فبينما تدعم السعودية والإمارات حفتر، فإن قطر ومعها تركيا تدعمان السراج. وفيما يتعلق بزيارة تبون للسعودية، فيمكن قراءتها في سياق ثالث، وهو المتعلق بقضية الصحراء الكبرى، فقد تكون مرتبطة بمحاولة سعودية للوساطة وحل هذه الأزمة بين المغرب والجزائر، خاصةً وأن زيارة تبون تزامن معها زيارة “لفؤاد عالي الهمة” مستشار ملك المغرب للسعودية، والتقى فيها بولي العهد الأمير “محمد بن سلمان”[20].

(د) تونس

زيارة أمير قطر لتونس.. دلالة التوقيت والأهداف

في 24 فبراير 2020، قام أمير قطر الشيخ “تميم بن حمد آل ثاني” بزيارة رسمية إلى تونس، التقى فيها بالرئيس التونسي “قيس سعيّد”[21]. ويمكن قراءة هذه الزيارة في سياقين، الأول سياق إقليمي، حيث قام “تميم” بزيارات متتالية رسمية لثلاث دول عربية، الأردن ثم تونس وأخيراً الجزائر. وهي زيارات تهدف ليس لكسر الحصار أو المقاطعة المفروضة عليها منذ 2017، خاصةً وأن قطر تجاوزت هذه المرحلة، بقدر ما هي محاولة تمتين وتعظيم الدور الإقليمي لقطر المتصاعد منذ فترة. من ناحية أخرى وفي سياق إقليمي أيضاً، تسعى قطر لاقتناص موقف تونسي مؤيد للسراج في الأزمة الليبية.  

الثاني، سياق تونسي محلي، وفيه يبرز بُعدان، سياسي، حيث تزامنت الزيارة مع استعداد البلاد للتصويت على تشكيلة وزارية جديدة، قدمها رئيس الحكومة المكلف إلياس الفخفاخ. خاصةً وأنها واجهت في البداية تأزماً كبيراً، فهل كان لأمير قطر دور في حل هذه الإشكالية؟ البعد الثاني المحلي هو دور قطر في دعم تونس اقتصادياً. خاصة وأن الأمير تميم في آخر زيارة له لتونس عام 2016، قدم مساعدات مالية بقيمة 1.25 مليار دولار، لدعم الاقتصاد التونسي على هامش مؤتمر الاستثمار[22]. كما تعهد في الزيارة الأخيرة بالمساهمة في دعم عدة مشاريع اقتصادية تونسية[23].

(ه) الأردن

لأول مرة منذ 2014 أمير قطر يزور الأردن..السياقات والأهداف

في 23 فبراير 2020، قام أمير قطر الشيخ “تميم بن حمد آل ثاني” بزيارة رسمية إلى الأردن، التقى فيها بالعاهل الأردني الملك “عبد الله الثاني”[24]. ويمكن قراءة هذه الزيارة في عدة سياقات، الأول، محاولة استكمال ترميم وإصلاح علاقاتهما البينية، نتيجةً لتضامن الأردن مع السعودية والإمارات في الأزمة الخليجية، قبل أن تقرر الأردن الاستدارة بموقفها في هذه الأزمة، من خلال إعادة سفيرها لقطر في منتصف العام الماضي. وبالتالي تعد الزيارة استكمالاً لهذه المساعي. كما تعد هذه الزيارة الأولى لأمير قطر منذ مارس 2014.

الثاني هو البُعد اقتصادي، في ظل الحاجة الأردنية للدعم القطري اقتصادياً، خاصةً وأن الدعم المقدم للأردن دولياً وإقليمياً قد تأثر سلباً نتيجة موقفها من صفقة القرن. ففي هذه الزيارة، وجه أمير قطر بتوفير 10 آلاف فرصة عمل للمواطنين الأردنيين، إضافة إلى العشرة آلاف وظيفة التي وفرتها الدوحة سابقاً، كما وافقت قطر على دعم صندوق التقاعد العسكري الأردني بمبلغ 30 مليون دولار[25]. وقد سجلت الاستثمارات القطرية بالأردن ارتفاعاً خلال السنوات الخمس الماضية، حتى وصلت نحو 1.4 مليار دولار، موزعة بين بورصة عمّان وقطاعات الطاقة والسياحة والعقارات. وسجل حجم التبادل التجاري العام الماضي ارتفاعاً بنسبة 18% عن سابقه، إذ بلغ 370 مليون دولار[26]. البعد الثالث، ما يتعلق بصفقة القرن، وموقف الأردن الرافض لها، لتأثيرها على دورها في الملف الفلسطيني، بالأخص ما يتعلق بحق الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس. جدير بالذكر أن قبل هذه الزيارة كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، عن قيام رئيس الموساد “يوسي كوهين” وقائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال “هرتسي هاليفي” بزيارة سرية لقطر قبل أسبوع ونصف الأسبوع[27]. فهل هناك رابط بين الزيارة وهذا اللقاء؟

(و) موريتانيا

الرئيس الموريتاني في السعودية.. السياقات والأهداف

في 26 فبراير 2020، عقد الملك “سلمان بن عبد العزيز”، جلسة مباحثات رسمية مع الرئيس الموريتاني “محمد ولد الشيخ الغزواني” بالرياض[28]. وخلال الزيارة، وقعت الدولتان 4 اتفاقيات ومذكرات تفاهم[29]. ولفهم أهداف الزيارة يمكن الإشارة لمعطيين: أن المملكة تعد أكبر مستثمر عربي في موريتانيا. وأنها ثاني دولة خليجية يزورها الرئيس الموريتاني منذ انتخابه، بعد الإمارات، التي زارها في يناير الماضي[30]، وهي الزيارة التي أعلنت فيها الإمارات عن تخصيصها لـ 2 مليار دولار لمشاريع استثمارية في موريتانيا[31].

وبالتالي لا تخرج هذه الزيارة عن السياق الإقليمي الواسع، والمتعلق بتصاعد التنافس الإقليمي بين محوري قطر وتركيا من ناحية والسعودية والإمارات من ناحية أخرى. وهو ما يفسر توالي زيارة الرئيس الموريتاني للإمارات ثم السعودية. سياق آخر، وهو احتمالية رغبة السعودية في القيام بدور الوساطة في قضية الصحراء الكبرى، والذي يمكن تلمسه من خلال تزامن زيارة الرئيسي الجزائري والموريتاني بجانب مستشار ملك المغرب في نفس الفترة، وهم الأطراف الرئيسية في هذه القضية.

2_الخليجية الآسيوية

 (أ) باكستان

عمر خان في قطر.. الرسائل والأهداف

في 27 فبراير 2020، قام رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان بزيارة رسمية لقطر، التقى فيها بأمير قطر الشيخ “تميم بن حمد آل ثاني”[32]. ويمكن قراءة الزيارة في ثلاث سياقات، الأول اقتصادي، خاصةً في ظل الحاجة الباكستانية لدعم اقتصادها، فقد أصدر أمير قطر إبان الزيارة، وثيقة تصديق على مذكرة تفاهم بشأن تأسيس مجموعة العمل القطرية الباكستانية المشتركة، المعنية بالتجارة والاستثمار، ووثيقة أخرى للتعاون في مجالي السياحة والأعمال بين البلدين[33]. السياق الثاني، قد تكون للزيارة علاقة بجهود الوساطة التي كانت تقوم بها قطر في ملف حركة طالبان، والذي انتهي بنجاح الوساطة في توقيع اتفاق تاريخي بين الحركة والولايات المتحدة، برعاية قطرية. وقد سبقت الزيارة هذا التوقيع بعدة أيام قليلة.

السياق الثالث، المراوحة التي تقوم بها باكستان بين محور السعودية والإمارات من ناحية، وقطر وتركيا من ناحية أخرى. فبعد قمة كوالالمبور التي اعتذرت باكستان عن حضورها بضغوط سعودية، تلاها مباشرة زيارات متعددة ومتبادلة بين باكستان من ناحية والسعودية والإمارات من ناحية أخرى. لكن في الفترة الأخيرة، بدأت تظهر ملامح استدارة باكستانية جديدة، بالتوجه أكثر نحو المحور التركي القطري. تمثل في زيارة الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” لباكستان واستقباله هناك استقبالاً حافلاً، لم يخلُ من رسائل سياسية، وسبقها زيارة عمر خان لماليزيا، واعتذاره عن عدم حضوره قمة كوالالمبور، واعتبر عدم حضوره خطأ في التقدير. ومن ثم تأتي الزيارة الحالية لقطر في ذات السياق. وفي تفسير هذه الاستدارة، يمكن أن تكون لها علاقة بما ذكره التلفزيون الباكستاني، أن السعودية تعارض طلب باكستان عقد اجتماع وزاري طارئ لمنظمة التعاون الإسلامي لمناقشة قضية كشمير، على خلفية قرار الهند بإلغاء الوضع الخاص بمنطقة جامو وكشمير، كما أفادت بأن الرياض كانت قد أبدت مرونة لعقد هذا الاجتماع عقب رفض إسلام آباد المشاركة في قمة كوالالمبور الإسلامية الأخيرة[34].

ثالثاً، التطورات الخليجية الدولية

 1_ ألمانيا

لقاء ألماني سعودي على مستوى وزراء الخارجية.. ملفات ونتائج

في 21 فبراير 2020، التقى وزير الخارجية السعودي الأمير “فيصل بن فرحان” مع نظيره الألماني “هايكو ماس” بالعاصمة برلين، وكان الملف اليمني على رأس أولويات نقاشاتهما، وضرورة إنهاء المعاناة الإنسانية فيه هذا الملف[35]. والسبب في ذلك أن ألمانيا في مارس 2018، أوقفت تصدير أسلحة للدول المشاركة “بصورة مباشرة” في حرب اليمن، والتي من بينها السعودية، ورغم ذلك ترك الاتفاق العديد من الأبواب الخلفية التي يمكن من خلالها توريد أسلحة لهذه الدول، ومددت الحكومة هذا الوقف مرتين، والذي ينتهي في 31 مارس المقبل[36]. وفي 17 فبراير، كان “فرحان” قد دعا الحكومة الألمانية إلى إنهاء وقف تصدير السلاح إلى بلاده[37]. ولم تتلق المملكة إجابة بالموافقة على وقف الحظر، وتنتظر مارس المقبل، إذا ما كانت ألمانيا حينها ستمدد الحظر أم لا.

2_ الولايات المتحدة

زيارة وزير الخارجية الأمريكية للسعودية وعمان.. الملفات والأهداف

في 19 فبراير 2020، قام وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” بزيارة رسمية للسعودية، التقى فيها بالملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان[38]. وتمثلت ملفات الزيارة في إيران ما بعد مقتل قاسم سليماني وطبيعة التعاطي معها، خاصة بعد رسائل إيرانية بالرغبة في الحوار؛ وصفقة القرن، ومناقشة العوائق التي تواجهها، بالأخص الرفض الداخلي الفلسطيني لها؛ وسوريا، ورغبة أمريكية مؤخراً في عودة دعم السعودية للمعارضة، في ظل تصاعد الصراع في إدلب؛ وأخيراً، قضية وليد فتيحي السعودي الأمريكي الذي اعتقل في عام 2017، في إطار ما يعرف بـ “حملة مكافحة الفساد” في السعودية.

وبعد السعودية مباشرة، توجه “بومبيو” في 21 فبراير إلى سلطنة عمان، في أول زيارة له لها بعد وفاة قابوس، التقى بالسلطان هيثم بن طارق آل سعيد[39]. وترجح زيارة بومبيو للسعودية وعمان معاً، وجود الملف الإيراني ضمن جدول الأعمال. ومن ناحية أخرى قد يكون اللقاء مع السلطان الجديد هدفاً في حد ذاته، للتعرف على رؤيته للمنطقة وتوجهاته وتحالفاته المحتملة.

برعاية قطرية الولايات المتحدة وطالبان ينهيان صراعهما باتفاق تاريخي

في 29 فبراير 2020، في الدوحة وبرعاية قطرية، وقع مبعوث الولايات المتحدة الخاص إلى أفغانستان “زلماي خليل زاد” ونائب المسؤول السياسي في حركة طالبان الملا “عبد الغني برادار”، بحضور وزير الخارجية الأميركي “مايك بومبيو”، وممثلين عن 30 دولة، على اتفاق تاريخي، يمهد الطريق نحو انسحاب الولايات المتحدة على نحو تدريجي من أطول حروبها[40]. ويمكن قراءة هذا الدور القطري في الوساطة بين طالبان والولايات المتحدة بأنه من الأدوار الإقليمية المركزية التي تقوم بها قطر في الإقليم، كما أنه قد يراه البعض على أنه دور وظيفي تقوم به قطر بالتنسيق مع الولايات المتحدة، حتى يتسنى للأخيرة ضبط طالبان والتهدئة معها إذا اقتضت الحاجة.


[1] مصحح- قطر تقول إن محادثات إنهاء نزاع الخليج عُلقت في يناير، رويترز، 15/2/2020، (تاريخ الدخول:27/2/2020)، الرابط                         

[2] الكويت: وساطة ‫حل الأزمة الخليجية مستمرة رغم الإحباط، الجزيرة نت، 18/2/2020، (تاريخ الدخول:27/2/2020)، الرابط                          

[3] قطر: على دول الحصار أن تعود لرشدها ولكل بلد حقه السيادي، الأناضول، 19/2/2020، (تاريخ الدخول:27/2/2020)، الرابط

[4] قطر تتهم السعودية بعرقلة مشاركتها في اجتماع خليجي بشأن فيروس كورونا، رويترز، 21/2/2020، (تاريخ الدخول:27/2/2020)، الرابط

[5] جدّد انفتاح قطر على الحوار.. العطية: مفهوم الدولة الصغيرة القديم لم يعد مطروحا، الجزيرة نت، 26/2/2020، (تاريخ الدخول:27/2/2020)، الرابط

[6] بلومبيرغ: دول الحصار تقاوم ضغوطا أميركية لفتح مجالها الجوي أمام قطر، الجزيرة نت، 26/2/2020، (تاريخ الدخول:27/2/2020)، الرابط

[7] بعد نحو 3 سنوات من توقفها.. دول الحصار تستأنف تبادل الخدمة البريدية مع قطر، الجزيرة نت، 26/2/2020، (تاريخ الدخول:27/2/2020)، الرابط          

[8] التحالف العربي في اليمن يعلن إجراءات ضد “خطر أمني حقيقي” في المهرة، آر تي عربي، 19/2/2020، (تاريخ الدخول:27/2/2020)، الرابط

[9] عقب اقتحام المهرة اليمنية.. التحالف يبرره بفرض الأمن والأهالي يعدونه احتلالا، الجزيرة نت، 18/2/2020، (تاريخ الدخول:27/2/2020)، الرابط

[10] اليمن.. نقاط تفتيش سعودية في المهرة عقب السيطرة على منفذ حدودي، الجزيرة نت، 22/2/2020، (تاريخ الدخول:27/2/2020)، الرابط     

[11] اليمن.. هادي يقيل محافظ المهرة بعد أيام من اشتباكات مسلحة، الأناضول، 23/2/2020، (تاريخ الدخول:27/2/2020)، الرابط

[12] اليمن.. مجلس الأمن يجدد العقوبات ومقتل جنود في كمين بالمهرة، الجزيرة نت، 25/2/2020، (تاريخ الدخول:27/2/2020)، الرابط

[13] محادثات للمبعوث الأميركي إلى سوريا في الرياض، الشرق الأوسط، 27/2/2020، (1/3/2020)، الرابط

[14] تنسيق سعودي أمريكي بشأن دعم المعارضة السورية، الخليج الجديد، 26/2/2020، (1/3/2020)، الرابط

[15] ترامب يكشف عن سبب وقف دعم المعارضة السورية، آر تي عربي، 25/7/2017، (1/3/2020)، الرابط

[16] نصر الحريري: السعودية ودول عربية أخرى توقفت عن دعم المعارضة السورية عسكريا، آر تي عربي، 23/4/2018، (1/3/2020)، الرابط

[17] رئيسا الأركان الإماراتي والجزائري يبحثان التعاون العسكري، العين الإخبارية، 23/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[18] بعد مباحثات مع المسؤولين الجزائريين أمير قطر يختتم جولة في المنطقة العربية، الجزيرة نت، 25/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[19] قمة سعودية – جزائرية في الرياض تبحث العلاقات الثنائية ومستجدات الأحداث، الشرق الأوسط، 27/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[20] محمد بن سلمان يؤكد أهمية العلاقات مع المغرب، العين الإخبارية، 27/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[21] أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني في زيارة رسمية إلى تونس تستمر لغاية الثلاثاء، فراتنس24، 24/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[22] جولة أمير قطر في 3 عواصم عربية.. ما الرسائل التي تحملها؟، الحرة، 25/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[23] غادر تونس هذا ما تعهد به أمير قطر خلال زيارته الرسمية، الصباح نيوز، 25/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[24] لأول مرة منذ 2014.. أمير قطر يزور الأردن الأحد، الأناضول، 19/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[25] قمة قطرية أردنية.. الدوحة تدعم صندوق التقاعد العسكري الأردني وتوفر 10 آلاف فرصة عمل للأردنيين، الجزيرة نت، 24/2/2020، (2/3/2020)، الرابط                                                                                                                                                

[26] الأمير تميم في عمّان رسائل سياسية أردنية قطرية بكل الاتجاهات، الجزيرة نت، 21/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[27] ماذا يفعل رئيس الموساد في قطر؟، العين الإخبارية، 23/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[28] قمة سعودية – موريتانية في الرياض تبحث العلاقات الثنائية وأحداث المنطقة، الشرق الأوسط، 26/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[29] قمة سعودية ـ موريتانية في الرياض تتوج باتفاقيات ومذكرات تفاهم، الشرق الأوسط، 27/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[30] توقيع 4 اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين السعودية وموريتانيا، الخليج الجديد، 27/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[31] الإمارات تخصص 2 مليار دولار لمشاريع استثمارية في موريتانيا، رصد، 3/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[32] عمران خان يزور الدوحة الخميس لبحث العلاقات الثنائية، الأناضول، 27/2/2020، (تاريخ الدخول:2/3/2020)، الرابط                                      

[33] مباحثات في الدوحة بين أمير قطر ورئيس الوزراء الباكستاني، الجزيرة نت، 27/2/2020، (تاريخ الدخول:2/3/2020)، الرابط                                                          

[34] رغم التقارب بين البلدين.. السعودية ترفض طلبا باكستانيا بعقد قمة إسلامية بشأن كشمير، الجزيرة نت، 8/2/2020، (تاريخ الدخول: 14/2/2020)، الرابط

[35] اتفاق سعودي ـ ألماني على الحل السياسي في اليمن… وقلق بشأن انتهاكات الحوثي، الشرق الأوسط، 22/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[36] السعودية تحث ألمانيا على رفع حظر تصدير الأسلحة إليها، دويتشه فيلا، 17/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[37] نحن بحاجة لوسائل دفاعية وزير الخارجية السعودي يناشد ألمانيا رفع حظر تصدير السلاح لبلاده، الجزيرة نت، 17/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

[38] بومبيو يزور السعودية اليوم ويلتقي الملك سلمان وولي العهد، آر تي عربي، 19/2/2020، (تاريخ الدخول:2/3/2020)، الرابط

[39] بومبيو يتوجه إلى سلطنة عمان للقاء السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، سبوتنيك عربين 21/2/2020، (تاريخ الدخول:2/3/2020)، الرابط

[40] اتفاق سلام تاريخي بين أميركا وطالبان في الدوحة وترامب سيلتقي قادة الحركة قريبا، الجزيرة نت، 29/2/2020، (2/3/2020)، الرابط

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.