المرصد المغاربي: المشهد الليبي – 14

شهدت الساحة الليبية العديد من التطورات الميدانية والسياسية، وقد تمثلت أبرز هذه التطورات في تدهور الأوضاع الأمنية في طرابلس على ضوء تجدد الاشتباكات المسلحة، بالمقابل شهد الواقع الميداني أيضا إصدار أوامر بالقبض على سيف الإسلام القذافي، وذلك بعد عودته للظهور من جديد على ضوء مقابلة صحفية أجرتها معه صحيفة نيويورك تايمز. في المقابل شهد المسار السياسي تواصل النقاشات مع أطراف إقليمية ودولية حول تطورات الملف الليبي خصوصا تلك المتعلقة بإجراء الانتخابات العامة الليبية نهاية العام الجاري. وذلك على ضوء تحركات خارجية للسلطة التنفيذية وتفاعلات أطراف إقليمية ودولية، وقد كانت أبرز أحداث المشهد الليبي كالتالي:

التطورات الميدانية للمشهد الليبي

عودة الاشتباكات المسلحة في العاصمة طرابلس

شهدت التطورات الميدانية تطورا لافتا بعد عودة الاشتباكات إلى العاصمة طرابلس وذلك على إثر اندلاع مواجهات عنيفة بالأسلحة الثقيلة بين وحدتين عسكريتين تابعتين للسلطات الليبية وهما وحدة النخبة اللواء 444 قتال، وجهاز دعم الاستقرار في الضاحية الجنوبية لطرابلس خصوصا في منطقة صلاح الدين وطريق السدرة، وذلك بحسب ما أعلنت عنه القيادة العسكرية في العاصمة.

وفي رد فعل السلطة التنفيذية المؤقتة والمسؤولة عن تسيير شؤون البلاد إلى حين تنظيم الانتخابات في ديسمبر 2021، دعا المجلس الرئاسي الليبي إلى ضرورة وقف جميع الاشتباكات وعودة القوات إلى ثكناتها، وتأكيده على أن كافة الوحدات العسكرية ملزمة بالانضباط والتقيد بما يصدر من تعليمات وبلاغات تحظر التحرك دون إذن مسبق.

وعلى إثر هذا التطور المقلق طالب المجلس رئاسة الأركان العامة إلى ضرورة اتخاذ الإجراءات الفورية حيال من كان وراء إعطاء الأوامر لهذه القوات، من خلال التحقيق معهم من طرف المدعي العام العسكري واتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم.

وقد أكد الرئاسي في خضم هذه المعطيات على أنه لن يتم السماح بتكرار مثل هذه الأحداث، وأن أي مخالفة للقوانين والضوابط، فإنها تدخل في إطار الجريمة التي يعاقب عليها القانون لأنها تشكل خطرا على أمن وسلامة الوطن والمواطن.

ومن جانبه، طالب رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة إلى ضرورة الإسراع في التحقيق حول حيثيات هذه الاشتباكات والوقوف على خلفيتها وفاعليها، واتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة.

وعلى إثر ذلك، عقد الدبيبة جلسة مساءلة بشأن هذه الاشتباكات وبحضور مجموعة من الشخصيات الأمنية، أبرزها مدير إدارة الاستخبارات العسكرية، حيث قدم الأخير لرئيس الحكومة تقريرا تفصيليا بشأن الاشتباكات التي حصلت في الضاحية الجنوبية للعاصمة طرابلس.

وبناء على ذلك، كلف الدبيبة رئاسة الأركان بتشكيل لجنة تقصي حقائق للبحث والتحري حول ما عرفته طرابلس من اشتباكات، مع إعطائه التعليمات لاستكمال التحقيق والخروج بالنتائج بشكل واضح، وقد توعد عبد الحميد الدبيبة في هذا الإطار بمعاقبة كل من تورط في أحداث منطقة طرابلس العسكرية واتخاذ القرارات القانونية اللازمة ضدهم.

ومن جانبها أعربت البعثة الأممية إلى ليبيا عن قلقها البالغ إزاء استمرار الاشتباكات المسلحة من خلال إطلاق نار عشوائي في مجمعات آهلة بالسكان في العاصمة طرابلس، مع دعوتها إلى الوقف الفوري لجميع الأعمال العدائية وضرورة ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، كما طالبت السلطات الليبية إلى تحمل مسؤولياتها في ضمان حماية المدنيين والسيطرة على الوحدات العسكرية المنضوية تحت لواءها.

ما بين أمر القبض على سيف الإسلام القذافي والإفراج عن مسؤولي نظام القذافي

بعد أن عرف المشهد الليبي حدثا بارزا، تمثل في ظهور نجل معمر القذافي الأكبر سيف الإسلام علنيا عبر مقابلة أجرتها معه صحيفة نيويورك تايمز، أظهر من خلالها نيته العودة للمشهد السياسي الليبي، أصدر مكتب المدعي العام العسكري الليبي بعد هذه المقابلة الصحفية أوامره للجهات الأمنية والعسكرية ومن بينها إدارة الشرطة العسكرية والاستخبارات العسكرية والعامة وجهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة …بالبحث والتحري عن سيف الإسلام وإلقاء القبض عليه وإحالته على القضاء لتورطه في جرائم قتل وتعذيب واستعانته بمرتزقة لتنفيذ العديد من الجرائم، وفي هذا الإطار فقد جاء أمر ضبط وإحضار سيف الإسلام بناء على نتائج التحقيقات الجنائية التي تجرى بشأن الملف المتعلق بالجرائم المرتكبة من طرف المرتزقة الروس المنتمين لشركة فاغنر أثناء الهجوم على طرابلس فيما سمي بعملية الكرامة التي قادها خليفة حفتر واستمرت لأكثر من عام وفشل فيها الأخير بالسيطرة على طرابلس مرتبكا خلالها بمعية ميليشياته والمرتزقة المنتمين إليه خصوصا الروس جرائم لا حصر لها ضد المدنيين.

ومن المعروف أن سيف الإسلام القذافي وداعميه يسعون في ظل هذا التوقيت إلى عودته للمشهد السياسي الليبي مع اقتراب الموعد الانتخابي وذلك عبر بوابة المصالحة الوطنية، وبالتالي ارتفاع مؤشر الطموح بخصوص ترشحه للانتخابات الرئاسية في ظل الدعم الداخلي خصوصا من بعض القبائل المؤثرة في العديد من المناطق الليبية، وبعض القوى الخارجية وعلى رأسها روسيا التي يعد أفضل خياراتها من أجل الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في ليبيا.

وفي الوجهة المقابلة، ومع إصدار أوامر بإلقاء القبض على سيف القذافي لارتكابه جرائم قتل وتعذيب في حق المدنيين، عرف المشهد الليبي بالموازاة إعلان الحكومة الليبية إطلاق ما سمي بمشروع مصالحة وطنية شاملة يتضمن الإفراج عن العديد من المعتقلين السياسيين، هذه الخطوة التي عرفت ردود أفعال  رافضة لها لاشتمال لائحة المفرج عنهم أسماء ارتبطت بارتكابها جرائم ضد الليبيين ومن أبرزهم الساعدي القذافي نجل معمر القذافي والذي شارك في جرائم متنوعة ضد الليبيين منذ ثورة 17 من فبراير والتي أدت إلى سقوط نظام القذافي الذي استمر 42 عاما. وردا على الجدل الواسع الذي خلقه إطلاق سراح مسؤولين في عهد القذافي، أصدر الرئاسي الليبي بيانا، جاء فيه أن قرار الإفراج على بعض المعتقلين جاء بناء على أحكام قضائية وأن المجلس سيواصل وبتنسيق مع الجهات القضائية الإفراج عن سجناء آخرين ..وفي هذا الجانب نددت العديد من الجهات الداخلية والخارجية خصوصا الحقوقية منها بهذه الخطوة التي اعتبرتها خرقا للقانون وتعدي على حقوق الإنسان خصوصا أنه لا زالت هناك قضايا عالقة لم يحسم الأمر فيها مرتبطة بالأسماء المفرج عنهم وعلى رأسهم الساعدي القذافي ومن أبرزها مجزرة سجن أبو سليم في العام 2011.

وقد سُجن الساعدي القذافي منذ 2014 عندما تم تسليمه من قبل النيجر التي فر إليها منذ سقوط نظام والده في 2011. وقد وجهت له تهم قتل وتعذيب واغتيال في حق مدنيين ليبيين وذلك على ضوء تورطه في القمع الدموي للانتفاضة الليبية التي أدت إلى سقوط نظام القذافي.

وقد شملت لائحة المفرج عنهم بالإضافة إلى الساعدي القذافي، ستة مسؤولين آخرين من أبرزهم مدير مكتب القذافي أحمد رمضان والملقب بالصندوق الأسود لمعمر القذافي، والذي كان يشغل أيضا منصب رئيس الأركان والمخابرات، بالإضافة إلى ناجي حرير القذافي الذي كان يشغل مناصب أمنية رفيعة في عهد القذافي من ضمنها قيادة كتيبة محمد المقريف المسؤولة عن أمن القذافي.

وقد انتقد العديد من المراقبين والمحللين للشأن السياسي الليبي، هذه الخطوة باعتبار أن المصالحة الوطنية التي أطلقتها الحكومة الليبية اقتصرت على آل القذافي والمسؤولين في نظامه ومناصريه مع إقصاء أطراف عديدة في الساحة الليبية كان يجب أن تشملها لائحة الإفراج. بحيث أكد هؤلاء أن هذا القرار عبارة عن صفقات سياسية وليس مصالحة وطنية، وذلك خدمة لمصالح وأجندة بعض الأطراف التي تتواجد في السلطة الحالية بهدف دعمها والتحالف معها خلال المرحلة القادمة ومن أهمها رهان الانتخابات وذلك في ظل استغلال ما يتمتع به المفرج عنهم من دعم قبلي هام وواسع.

التطورات السياسية للمشهد الليبي

في مقابل المشهد الميداني، الذي يُظهر العديد من التطورات التي شهدها العاصمة طرابلس  على ضوء تجدد الاشتباكات المسلحة العنيفة في بعض أحياءها، شهد المشهد السياسي تفاعلات عديدة، مع اقتراب الموعد الانتخابي في ديسمبر 2021 وتواصل النقاشات حول اعتماد الإطار القانوني والدستوري لها، وتنفيذ خارطة الطريق المتفق عليها من أجل إزالة العقبات أمام تنظيمها في موعدها المحدد، بالإضافة إلى تفاعل الأطراف الإقليمية مع المشهد الليبي عبر تنظيم مجموعة من الاجتماعات لتذييل المعوقات التي تقف أمام تنفيذ خارطة الطريق المتفق عليها وفق مخرجات الملتقى السياسي الليبي ومؤتمرات برلين في شقيها السياسي والأمني وكان آخر هذه النقاشات هو الاجتماع التي احتضنته الجزائر لدول الجوار الليبي.

انتخابات ديسمبر 2021: تأكيد الموعد في ظل تحديات الحدث

تجرى في 24 من ديسمبر 2021 الانتخابات العامة الليبية في شقيها الرئاسي والبرلماني، وذلك طبقا لمخرجات نتائج اجتماعات ملتقى الحوار السياسي الليبي المنعقد بتاريخ 15 نوفمبر 2020. وقد عرفت عملية تسجيل الناخبين إقبالا مهما بحسب المفوضية العامة للانتخابات بحيث وصل عدد المسجلين في الجداول الانتخابية مليونين و830 ألفا و971 ناخب وناخبة.

وفي خضم متابعة مسار الانتخابات الليبية، بحث رئيس مفوضية الانتخابات في ليبيا عماد السائح مع سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا خوسيه ساباديل إمكانية دعم المجتمع الدولي وعلى رأسه الاتحاد الأوروبي للعملية الانتخابية المزمع تنظيمها في ديسمبر 2021. بحيث استعرض الجانبان مستجدات العملية الانتخابية وفق المعطيات السياسية الراهنة، ومدى جاهزية المفوضية وخاصة بعد مرحلة تسجيل الناخبين وأهم ما تبقى من المسار التحضيري للعملية الانتخابية. ومن جانبه ثمن خوسيه ساباديل الجهود التي تقوم بها المفوضية فيما يخص تسجيل الناخبين. كما أبدى استعداد بعثة الاتحاد في ليبيا إلى التعاون مع المفوضية في جل مجريات الحدث الانتخابي من أجل إنجاحه.

ومن جانبها، أعلنت السفارة الأمريكية في ليبيا أن سفيرها ريتشارد نورلاند قام بزيارة للقاهرة، وذلك في إطار الجهود الأمريكية لدعم الانتخابات البرلمانية والرئاسية الليبية المقررة في ديسمبر 2021، وذلك في سبيل دعم التسويات الصعبة للتوصل إلى قاعدة دستورية وقانونية لتنظيم الانتخابات في موعدها المحدد. داعية الشخصيات الرئيسية إلى استخدام نفوذها في هذه المرحلة الحاسمة من أجل إجراء عملية انتخابية حرة ونزيهة تدعم حق الليبيين في اختيار ممثليهم.

وفي نفس السياق، زار مبعوث واشنطن إلى ليبيا أنقرة، وتباحث خلال هذه الزيارة مع كبار المسؤولين الأتراك وذلك في إطار تعزيز الأدوار من أجل دعم الانتخابات الليبية الرئاسية والبرلمانية نهاية العام الجاري، بحيث تركزت المشاورات حول ضرورة التعجيل في وضع الأساس الدستوري والإطار القانوني اللازمين لإجراء هذه الانتخابات، وقد أكد الطرف الأمريكي في هذا الجانب على أن واشنطن تسعى لتقديم الدعم اللازم من أجل  مرور الانتخابات في أجواء تسودها الديمقراطية وبعيدة عن الضغوط الخارجية من أجل مستقبل أفضل لليبيين.

كما قام ريتشارد نورلاند بزيارة إلى المغرب، ناقش في خضمها مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة السبل الكفيلة التي يمكن للمجتمع الدولي مساعدة السلطات الليبية لإتمام مسار تنظيم الانتخابات العامة المزمع عقدها في ديسمبر 2021. وقد أكد الطرفان على ضرورة الإسراع باعتماد الإطار القانوني والدستوري كأرضية ضرورية لتنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة.

وفي إطار العقبات التي تواجه سير مساق التحضير للانتخابات وأبرزه عدم إقرار الإطار القانوني والدستوري لها، بالإضافة إلى المعطيات الميدانية التي تنذر بعودة لغة السلاح، حذر المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيتش من عدم عقد الانتخابات في موعدها المقرر نهاية العام الجاري، لأن ذلك سيتيح مجالا لتعزيز الانقسام بين الليبيين مشددا على ضرورة تقديم المجتمع الدولي جل وسائل الدعم والمساعدة لضمان نزاهة العملية الانتخابية، كما دعا كوبيتش الدول الأعضاء بالأمم المتحدة إلى إرسال فرق لمراقبة الانتخابات بالتنسيق والتعاون مع السلطات والمؤسسات الليبية وعلى رأسها المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ووزارة الخارجية.

وفي نفس السياق، استعرض رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي خالد المشري عند زيارته إلى إيطاليا التحديات التي تواجه العملية الانتخابية مع رئيسة مجلس الشيوخ الإيطالي ماريا كاسيلاتي والتي لا تقتصر في معيقات الإطار القانوني والدستوري للانتخابات بل تمتد لتحديات ميدانية أمنية تتجلى في عدم سيطرة الحكومة على كامل البلاد خصوصا بعض المدن التي تسيطر عليها ميليشيا خليفة حفتر. وفي خضم ذلك، أكد المشري أن المجلس على وشك الانتهاء من إعداد قوانين تنظيم الانتخابات، موضحا أنه يعمل من أجل الوصول إلى اتفاق ورؤية مشتركة لإنشاء قاعدة دستورية تؤطر العملية الانتخابية، أما رئيسة مجلس الشيوخ الإيطالي فقد أكدت متابعة المجلس باهتمام كبير تطورات العملية السياسية في ليبيا ضمن الإطار المتفق عليه في الاتفاق السياسي ووفق مخرجات برلين للوصول للانتخابات.

أما رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة، فقد ناقش مع وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، التحديات التي تواجه إجراء الانتخابات الليبية عند زيارة الأخير للعاصمة طرابلس، وقد ناقش الطرفان آخر التطورات السياسية، وإمكانية المضي قدما نحو تنظيم الانتخابات في موعدها المحدد نهاية العام الجاري.

ومن المغرب، أكد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أنه حان الوقت للحسم في مسألة الشرعية من خلال الانتخابات، وأن مشكلة الانقسام لن تحل إلا عن طريق تنظيم الانتخابات البرلمانية والرئاسية، داعيا دول الجوار والدول العربية والمجتمع الدولي إلى المساهمة بشكل فعال  في تنظيم العملية الانتخابية، وعطفا على ذلك أكد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة أن الأزمة الليبية لن تحل بالمؤتمرات أو التدخلات الخارجية بل الحل سيأتي من طرف الليبيين من خلال الممارسات الديمقراطية عبر الانتخابات التي تعتبر الأفق الوحيد لإنهاء أتون الانقسام والأزمة السياسية القائمة منذ سنوات.

ومن مجمل ذلك، فعلى الرغم من الاتفاق بين الفرقاء الليبيين على تنفيذ مخرجات ملتقى الحوار السياسي وباقي اللقاءات التي خصصت للأزمة الليبية، ومن أبرزها تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة ومستقلة وفق خارطة الطريق المرسومة والتي حظيت بدعم دولي كبير وتمت تزكيتها بقرارات صادرة عن مجلس الأمن، لايزال يعترض هذا المسار مجموعة من العراقيل، منها إشكالات قانونية تتجلى في عدم الاتفاق بين الفرقاء الليبيين على إطار قانوني وأرضية دستورية لتنظيم الانتخابات المقررة نهاية العام الجاري. وعلى المستوى الميداني عدم التزام خليفة حفتر بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وعرقلته لعمل عمل الحكومة الليبية من خلال تحقيق الأهداف المنشودة من خارطة الطريق وتنفيذ الخطوات المتفق عليها للوصول إلى تنظيم الانتخابات نهاية العام. ويتضح جليا من خلال مجموعة من المعطيات أن خليفة حفتر وبعض القوى الخارجية التي تدعمه يسعون إلى عرقلة المسار السياسي ومن ضمنه تنظيم العملية الانتخابية لأن الأخير بات يدرك أنه خارج النسق الانتخابي والعملية السياسية لما بعد ديسمبر 2021، لذلك يسعى بكل أدواته إلى إفشال مخطط خارطة الطريق للوصول إلى هدف تعطيل العملية الانتخابية وإحيائه للخيار العسكري الذي لا يجد غيره بديلا لبقائه في واجهة المشهد الليبي.

اجتماع دول الجوار حول ليبيا: الحيثيات والنتائج

احتضنت العاصمة الجزائرية اجتماعا وزاريا لدول الجوار الليبي، وذلك من أجل تذليل مجموعة من العقبات التي تواجه العملية السياسية، وقد حضر الاجتماع المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيتش إلى جانب وزراء خارجية ليبيا وتونس والجزائر ومصر والسودان والنيجر وتشاد والكونغو الديمقراطية إلى جانب الأمين العام لجامعة الدول العربية وأيضا من جانب الاتحاد الإفريقي مفوض الاتحاد للشؤون السياسية والسلم والأمن.

وقد جاء هذا الاجتماع في ظل التحديات التي تواجه المسار السياسي لحل الأزمة على ضوء العطل الحاصل في ظل إخفاق ملتقى الحوار السياسي الليبي والبرلمان في إعداد الإطار القانوني والدستوري للانتخابات العامة وذلك على مقربة من توقيتها في ديسمبر المقبل، ولذلك جاء هذا الاجتماع كمحاولة لدفع الأطراف الليبية بضرورة تسريع تنفيذ خارطة الطريق وفق قرارات الشرعية الدولية، وذلك تفاديا لفشل المسار السياسي وبالتالي إمكانية فتح بوابة الحل العسكري من جديد.

أولا: مضامين اجتماع دول الجوار الليبي

في خضم هذا الاجتماع تمت مناقشة المحاور التالية:

  • ملف الانتخابات من خلال  تحضير الإطار القانوني والأرضية الدستورية لتنظيمها في موعدها المقرر نهاية العام الجاري، والوقوف على مجمل التحديات التي تواجه المسار الانتخابي من أجل إيجاد السبل لمعالجته. لضمان تنظيمها في موعدها وعدم ترحيلها لموعد لاحق.
  • استعراض الوضعية الأمنية السائدة في ليبيا وانعكاساتها على دول المحيط،
  • التطرق للسبل والوسائل الكفيلة لتمكين دول الجوار الليبي من تفعيل جهودها تحت الرعاية الأممية من أجل ترتيب المسار السياسي بهدف تحييد العقبات التي تواجهه، وبالتالي إنهاء الخلافات وذلك في سبيل الوصول إلى حل دائم يحفظ أمن واستقرار ليبيا ومعها دول الجوار.
  • الوقوف على وضع آلية جديدة لما بعد الانتخابات من خلال مساعدة ليبيا بالنهوض وبناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية وإعادة إعمارها.

ثانيا: مخرجات اجتماع دول الجوار الليبي:

  • الجانب السياسي:  أكد المجتمعون على الدور المحوري لآلية دول الجوار في دعم المسار السياسي تحت الرعاية الأممية، والعمل على إشراك هذه الأطراف في كافة الاجتماعات الإقليمية والدولية الخاصة بالأزمة الليبية، وفي إطار ذلك أكد المشاركين على ضرورة إرسال وفد وزاري إلى ليبيا من أجل تقييم مسار العملية السياسية، والدفع بها عن طريق تكثيف التواصل مع جميع الأطراف الأجنبية للتـأكيد على أهمية تسريع وتيرة الحل السياسي. وكذلك ضمان التنسيق والتكامل بين دول الجوار من جهة والجهود الأممية والتنظيمات الإقليمية وعلى رأسها الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، وذلك بهدف تفادي تكرار وتشعب المبادرات والمسارات المتنافسة في دعم المرحلة الانتقالية للحل الكامل في ليبيا. ولذلك أكدت الأطراف المشاركة على ضرورة تعزيز تدابير بناء الثقة من أجل تهيئة الأرضية الملائمة لإنجاح مساق الانتخابات طبقا لقرار مجلس الأمن 2570 ومخرجات مؤتمر برلين 2 وخارطة الطريق المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي باعتبارها السبيل لخلق مناخ المصالحة الوطنية الشاملة، مرحبين في ذات الوقت بمساعي الاتحاد الإفريقي في هذا الجانب من خلال برمجته لمجموعة من الخطوات التي تمهد الطريق لعقد مؤتمر مصالحة وطنية بين الفرقاء الليبيين.
  • الجانب الأمني والعسكري: أكد البيان الختامي على تمسك دول الجوار بسيادة ليبيا ووحدتها وسلامتها، كما جددوا رفضهم لجميع أشكال التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية الليبية، مع إدانتهم استمرارية تدفق الأسلحة والمرتزقة إلى الأراضي الليبية، وذلك في ظل خرق صارخ لقرارات الشرعية الدولية الممثلة في قرارات مجلس الأمن والتي تحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا. وفي هذا الإطار أكد الوزراء على ضرورة التنسيق بين اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 ودول الجوار الليبي فيما يخص موضوع انسحاب المرتزقة والقوات الأجنبية، وذلك من خلال وضع آلية فعالة وعملية بين الأطراف المعنية لضمان عملية الانسحاب. وعلى ضوء ذلك تم الإقرار بإعادة تفعيل اللجنتين الفرعيتين الخاصتين بالسياسة والأمنين اللتين ترأسهما على التوالي كلا من مصر والجزائر مع ضرورة تحديد المواضيع والمسائل التي تتكفل بتأطيرها هذه اللجان.

ثالثا: ردود الفعل حول اجتماع دول الجوار:

الحكومة الليبية:  في خصم الإعلان عن مخرجات الاجتماع الوزاري لدول الجوار الليبي الذي انعقد بالجزائر، أكدت الحكومة الليبية عبر وزيرة خارجيتها نجلاء المنقوش، عن إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في موعدها المقرر في ديسمبر 2021، على الرغم من التحديات الأمنية والاقتصادية التي لا تزال تواجه انعقادها في توقيتها المحدد، مشيرة إلى أن هناك لجنة تقنية ستتولى وضع الجدول الزمني لانسحاب المرتزقة والقوات الأجنبية من البلاد، مؤكدة على أنه سيتم عقد اتفاق أمني يشمل ليبيا ودول الجوار من أجل تأمين الانتخابات، مردفة قولها بأن حكومة بلادها تتطلع إلى نظام سياسي ذي أساس ديمقراطي وبناء شراكة متميزة مع دول الجوار.  

أما الرئاسي الليبي، فقد صرح عبر مكتبه الإعلامي على ضرورة توحيد الرؤى بين دول الجوار في الملفات ذات الاهتمام المشترك التي تتطلب التنسيق والتشاور لمواجهة جملة من التحديات ولتدعيم الاستقرار واستدامة السلام في ليبيا تنفيذا للقرارات الدولية خصوصا تلك المتعلقة بقرارات مجلس الأمن. مشيرا إلى أن المجلس  يأمل من جميع دول الجوار دعم المبادرة الليبية في استفاضة مؤتمر دولي لتفعيل مقررات الشرعية الدولية المتعلقة بحل الأزمة الليبية.

الأمم المتحدة: أكد المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيتش الجميع إلى التمسك بإجراء الانتخابات في موعدها المقرر نهاية العام الجاري، مشددا على ضرورة تسريع إقرار الإطار القانوني والدستوري التي ستجري على أساسه الانتخابات العامة المقبلة. كما دعا الدول الفاعلة في الملف الليبي ودول الجوار إلى إرسال مراقبين إلى الانتخابات الليبية العامة مع ضرورة العمل والتنسيق المشترك بين ليبيا ودول الجوار من خلال إدارة الحدود بفعالية وفق الاتفاقيات الثنائية. أما في الشق الأمني فقد نوه إلى أن العمل مستمر فيما يخص نشر الفريق الأول لمراقبي وقف إطلاق النار، مؤكدا على عدم تفعيل البند الخاص بخروج المرتزقة والقوات الأجنبية يشكل عائقا وتحديا كبيرا ليس لليبيا فحسب بل تمتد تداعياته إلى دول الجوار الليبي.

الولايات المتحدة:  من جانبها رحبت الولايات المتحدة عبر سفارتها في ليبيا بمخرجات الاجتماع الوزاري لدول الجوار الليبي، بحيث اعتبرته خطوة مهمة في دعم استقرار ليبيا والأمن الإقليمي، داعية إلى استكمال تنفيذ خارطة الطريق المتفق على تنفيذها من خلال إجراء الانتخابات العامة بشقيها الرئاسي والبرلماني في موعدها المقرر في ديسمبر المقبل، وأيضا العمل على سحب جميع المقاتلين والقوات الأجنبية من ليبيا في أقرب الآجال.

مصر: أما مصر فقد أكدت عبر وزير خارجيتها سامح شكري عن موقف مصر الثابت إزاء الأزمة الليبية وهو السعي نحو تعزيز بنية الأمن والاستقرار في ليبيا، مشيرا إلى الدور الفاعل التي تلعبه مصر إزاء الملف الليبي من خلال السعي حسب قوله إلى تغليب الحلول السياسية الليبية في سبيل الحفاظ على وحدة ليبيا واستقرارها وتوحيد مؤسساتها الوطنية، وذلك من أجل الوصول إلى هدف تحقيق تسوية شاملة تنتهي معها كل الإشكاليات العالقة، منوها بالدور الهام التي تقوم به دول الجوار في إطار السعي لإعادة الاستقرار الأمني والسياسي إلى ليبيا من أجل تحقيق التطلعات المشروعة للشعب الليبي في بناء دولة مستقرة مشيدا في ذات الوقت بالأدوار والنتائج التي حققتها لجنة 5+5 العسكرية المشتركة، كان آخر هذه النتائج فتح الطريق الساحلي بين الغرب والشرق، ومن أجل استكمال مهامها شدد شكري على ضرورة توفير الدعم الكامل خصوصا في ملف خروج المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية من كافة الأراضي الليبية.

أما في الجانب السياسي المتعلق بشق الانتخابات، شدد وزير الخارجية المصري على ضرورة الإسراع في اتخاذ كافة الإجراءات لإجراء الاستحقاق الانتخابي في موعده المقرر في ديسمبر 2021، وذلك وفق خارطة الطريق المتفق عليها من أجل تنظيم انتخابات ذات مصداقية تنتهي معها فصول حالة الانقسام وتدشن لمرحلة جديدة تتوحد فيها المؤسسات من خلال تغليب المصلحة الوطنية. كما أكد شكري خلال لقائه بنظيره الجزائري رمطان لعمامرة  على أن مصر بمعية دول الجوار سيواصلان التنسيق من أجل تحقيق الأهداف المرجوة من المسار السياسي للأزمة الليبية.

تونس: وقد أكدت تونس عن طريق وزير خارجيتها عثمان الجرندي على أن تحقيق الاستقرار في ليبيا يتطلب نظاما ديمقراطيا بمرجعيات ليبية. تستجيب لتطلعات الشعب الليبي في بناء دولة عصرية مدنية قوية وموحدة، مؤكدا في ذات الوقت على ارتباط أمن واستقرار البلدين ببعضهما، معربا على أن مواجهة التحديات الأمنية المرتبطة بالظاهرة الإرهابية والجريمة المنظمة، وفي هذا السياق، حذر الجرندي، من استغلال الإرهابيين فوضى انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا أو تسللهم عبر شبكات الهجرة السرية، ما قد يشكل تهديدا خطيرا وجديا ليس فقط على ليبيا فحسب ومسارها الانتقالي، بل سيمتد الأمر ليشمل المنطقة بكاملها وعلى رأسها دول الجوار, هذا الأمر الذي يستوجب بحسبه تنسيقا وتعاونا مشتركا محكما ومسؤولا من خلال تبادل المعلومات وتكاثف الجهود الأمنية عن طريق وضع خطط مدروسة وجدول زمني محدد وذلك بعيدا عن كل ما يمكن أن يربك العلاقات بين البلدين. وذلك في إشارة ضمنية منه على التوتر الحاصل في العلاقات بين البلدين نتيجة إشكالية المعابر الحدودية والتحديات الأمنية المرتبطة بها.

وقد تفاقم التوتر حين تداولت وسائل إعلام محلية وعربية أخبار تفيد بتسلل مجموعة من المرتزقة السوريين من ليبيا إلى تونس لتنفيذ عمليات إرهابية، هذا الأمر الذي استنكرته السلطات الليبية، بحيث نفت هذه الأخيرة المزاعم التي تم تداولها من قبل وسائل الإعلام حول تسلل إرهابيين من أراضيها إلى تونس . هذا الأمر الذي أدى برئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة الخروج بتصريح ليؤكد أن هذه الادعاءات بشأن الأوضاع الأمنية بين البلدين مغلوطة ولن تؤثر على عمق العلاقة التي تجمع البلدين. مشيرا على أنه لا يمكن قبول هذه الاتهامات، وعلى ضوء ذلك أكد الدبيبة إيفاده لوفد مهم إلى تونس للوقوف على مغزى هذه الاتهامات وترتيب التنسيق الأمني بين الطرفين. مضيفا أن مشكلة الإرهاب ليست مرتبطة بليبيا فقط فجميع البلدان تعاني من نشاط هذه الظاهرة وأن تونس ليست استثناء من ذلك.

الجزائر: أكدت الجزائر على لسان وزير خارجيتها رمطان لعمامرة على ضرورة استمرار المساعي لحل الأزمة الليبي وذلك من خلال مسار ليبي-ليبي بمساعدة المجتمع الدولي، وذلك من أجل إنهاء فصول العقبات العالقة ومن أبرزها توحيد المؤسسات الليبية. مشيرا إلى أمن ليبيا مرتبط بأمن دول الجوار لذلك يجب العمل على سحب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا. مبرزا إن بعض القوى الدولية قد استغلت الأراضي الليبية من أجل مصالحها وإعادة رسم توازناتها. مردفا قوله على أن المرحلة الراهنة تقتصي التضامن لتمكين الليبيين من الحفاظ على سيادتهم. مؤكدا على ضرورة تطبيق مخرجات مؤتمري برلين في نسخته الأولى والثانية.

السودان: أكدت السودان على لسان وزيرة خارجيتها مريم الصادق المهدي على ضرورة إيجاد آليات تنفيذية لمبادرة ليبيا، وذلك لارتباط أمن ليبيا واستقرارها بأمن واستقرار دول الجوار والمحيطين، مشيرة إلى أن ما يجري في ليبيا له تأثير مباشر على دول النطاق، لذلك فمن الضروري إيجاد آليات تنفيذية فعالة من أجل استثبات الأمن في هذا البلد، هذا الأمر الذي ستكون له انعكاسات على استقرار المنطقة.

جامعة الدول العربية: من جانبه أعرب الأمين العام لجامعة الدول العربية على أن اجتماع دول الجوار فرصة مناسبة من أجل الوقوف على مجمل التحديات التي تقيد تنفيذ مسار خارطة الطريق المتفق عليها باعتبار هذا البند مبدأ أساسي توافقت عليه القوى الإقليمية والدولية، مشددا على ضرورة تأمين ومراعاة أمن دول الجوار الليبي خلال خروج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، داعيا إلى ضرورة العمل على توحيد المؤسسات الليبية وعلى رأسها المؤسسات الأمنية-العسكرية باعتبارها أحد الأسس لدعم المرحلة الانتقالية.

البرلمان العربي: رحب البرلمان العربي عبر رئيسه عادل العسومي بمخرجات اجتماع دول الجوار الليبي، بحيث أكد على أهمية ما توصل إليه الاجتماع من مضامين بالغة الأهمية من خلال الدور المحوري لآلية دول الجوار في دعم المسار الليبي، من خلال تعزيز تدابير الثقة وتوفير المناخ الملائم لعدم تعطيل العملية الانتخابية المقررة نهاية العام الجاري، بالإضافة إلى التأكيد على ضرورة خروج جميع المرتزقة والمقاتلين الأجانب من الأراضي الليبية مع الرفص القاطع لجميع أشكال التدخلات الأجنبية في الشأن الداخلي الليبي. كما وجه دعوة إلى الأطراف الليبية المشاركة في العملية السياسية على ضرورة طرح الخلافات جانبا وإعلاء المصلحة العليا للبلاد، وذلك في سبيل التوصل إلى مصالحة وطنية تنتهي معها الأزمة الليبية بشكل دائم ومستدام.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.