المرصد المغاربي ـ العدد 019

تقديم

المرصد المغاربي تقرير دوري يصدر عن موقع المرصد، يتناول أهم التحولات التي شهدتها الدول المغاربية، من حيث التحولات والتطورات الداخلية في كل دولة من هذه الدول، وتطورات التفاعلات البينية بينها، وكذلك تفاعلاتها الإقليمية والدولية، وذلك على النحو التالي:

التطورات الميدانية والسياسية في المشهد الليبي

شهدت الساحة الليبية العديد من التطورات الميدانية والسياسية، وقد تمثلت أبرز هذه التطورات إعلان خليفة حفتر  وقف جميع العمليات العسكرية، وأعلنت السودان ضبط شحنة من الأسلحة والذخائر قادمة من ليبيا. في المقابل شهد المسار السياسي تواصل النقاشات مع أطراف إقليمية ودولية لمناقشة تطورات الملف الليبي، خصوصا تلك المتعلقة بإجراء الانتخابات العامة الليبية نهاية العام الجاري. وذلك على ضوء تحركات خارجية للسلطة التنفيذية وتفاعلات أطراف إقليمية ودولية من أجل اعتماد القاعدة القانونية لإجراء الانتخابات، وقد كانت أبرز أحداث المشهد الليبي كالتالي:

إعلان حفتر وقف جميع العمليات العسكرية تمهيدا لترشحه في الانتخابات الرئاسية

في خطوة متوقعة من أجل فتح طريق ترشحه للانتخابات الرئاسية، أعلن خليفة حفتر تعليق جميع العمليات العسكرية وذلك قبيل الانتخابات المقرر إجراءها في 24 ديسمبر 2021. وفي خضم ذلك، أعلن حفتر تعيين عبد الرزاق الناطوري بمهام القائد العام للجيش لمدة ثلاثة أشهر حتى 24 من ديسمبر القادم أي موعد الانتخابات الرئاسية. وقد جاء هذا الإعلان بعد إقرار قانون انتخابي مثير للجدل، يتيح له الترشح ثم تولي منصبه العسكري مجددا في حال عدم نجاحه في الانتخابات[1].

ويسعى حفتر من وراء ترشحه إلى انتزاع السلطة عبر صناديق الاقتراع بعد فشله في عملياته العسكرية على التوالي منذ 2014 إلى غاية حربه على طرابلس في أبريل 2019، استعان على إثرها من دعم تمويلي وعسكري من أطراف إقليمية ودولية كم أبرزها روسيا وفرنسا والإمارات ومصر.

ويثير ترشح حفتر العديد من العلامات الاستفهام نتيجة سجله المحمل بجرائم الحرب ومجازر ارتكبتها ميليشياته في الشرق والغرب وجنوب ليبيا، ما أدى إلى ملاحقته دوليا بتهم ارتكاب جرائم دولية أبرزها جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.


اكتشاف مزيد من المقابر الجماعية والدعوة إلى محاسبة المتورطين فيها

لا زال المكتب الإعلامي للهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين يكتشف العديد من المقابر الجماعية، التي تم تصنيفها على أنها إحدى الجرائم الدولية الخطيرة التي ارتكبها حفتر ومرتزقته في حق المدنيين، وفتحت على إثرها المحكمة الجنائية الدولية تحقيقا دوليا لمتابعة المسؤولين عنها.

وفي خضم هذا الموضوع، أعلنت الهيئة اكتشافها مقبرتين جديدتين. لتُضاف إلى قائمة المقابر الجماعية التي تم اكتشافها منذ يونيو 2020، وقد تم اكتشاف الأولى في المشروع الزراعي، والثانية في مكب مدينة ترهونة.

وفي ظل ارتفاع عدد المقابر الجماعية التي تم العثور عليها، شدّدت رابطة ضحايا ترهونة على ضرورة تحريك الحكومة لملف المقابر الجماعية عبر متابعة هذه القضية وتكثيف العمل عليها من دون إدخالها في السجالات السياسية والتعجيل بالقبض على المجرمين ومحاسبتهم على هذه الجريمة التي تصنف على أنها إحدى الجرائم الدولية المنصوص عليها في نظام المحكمة الجنائية الدولية[2].

وفي نفس السياق، دعت منظمات حقوقية دولية، مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لضرورة تجديد ولاية بعثة تقصي الحقائق في ليبيا من أجل محاسبة المتورطين بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية  في ليبيا، مؤكدة أن سياسة الإفلات من العقاب عن انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني التي حدثت طوال السنين الماضية والمستمرة إلى الوقت الحالي، تساهم في تحفيز العنف وانعدام الاستقرار القائم منذ أكثر من 10 سنوات. كما أشارت إلى أنه لا زالت هناك جماعات مسلحة وميليشيات ترتكب جرائم لا حصر لها من قتل وتعذيب وإخفاء قسري واعتقال تعسفي والعنف بجميع أنواعه.

وتواجه هذه البعثة التي أنشئت قبل عام، ولم تبدأ بعملها الفعلي إلا في يونيو 2021، نتيجة القيود التي فرضتها جائحة كورونا والتي عرقلت تنفيذ ولايتها الزمنية بشكل كامل، بالإضافة إلى العراقيل المرتبطة بالجوانب المادية واللوجستية جراء أزمة السيولة التي تعاني منها المنظمة الأممية، بالإضافة إلى عراقيل ميدانية مرتبطة بالتطورات الأمنية، بالإضافة إلى عراقيل تنظيمية قانونية تتمثل في رفض الشهود الإدلاء بشهادتهم خوفا على حياتهم وسلامتهم[3].

السودان تضبط شحنة أسلحة وذخائر  قادمة من ليبيا

كشفت المعطيات الميدانية حدثا آخر يتمثل في إعلان السودان ضبط شحنة أسلحة وذخائر ومتفجرات قادمة من ليبيا، وقد جاء ذلك من خلال بيان لقوات الدعم السريع، بحيث قامت دوريات من الدعم السريع بمنطقة البارلي على المثلث الحدودي، بالاشتباك مع عصابات لتجارة السلاح، وتمكنت على إثرها القبض على 4 عناصر اثنين منهم يحملان الجنسية الليبية واثنين آخرين من جنسيات مختلفة؛ كما تم ضبط وحجز سيارتين على متنها صندوقي قنابل يدوية ومدفع (دوشكا) المضاد للطيران، وقاذف (آربجي 7) المضاد للدروع، بالإضافة إلى 36 بندقية من نوع كلاشنكوف وعدد كبير من الذخائر على اختلاف أنواعها. وقد تمكنت هذه القوات التي تتمحور مهامها في مراقبة الشريط الحدودي بين السودان ومصر وليبيا في العديد من المرات من ضبط شحنات أسلحة ومسلحين قادمين عبر الحدود الليبية[4].


التطورات السياسية للمشهد الليبي:

شهد المشهد الليبي العديد من التطورات والأحداث المتسارعة في ظل اقتراب الانتخابات العامة التي ستنظم نهاية العام، وكان أبرزها كالتالي:

سحب الثقة من الحكومة الليبية: الحيثيات والتفاعلات

شهد المشهد الليبي حدثا بارزا من خلال سحب البرلمان الثقة من حكومة الوحدة الوطنية، وذلك في ظل تعالي السجالات السياسية بين الأطراف الليبية، هذا الأمر الذي كان له انعكاسات على المسار  السياسي من تأمين الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وعدم تعطيل مسارها وسياقها.

فما هي إذاً حيثيات قرار سحب الثقة؟ وما هي أبرز ردود الفعل الدولية حوله؟


أولا: حيثيات قرار سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية

أعلن مجلس النواب الذي يرأسه عقيلة صالح، بموافقة الأغلبية عن سحب الثقة من حكومة عبد الحميد الدبيبة، وقد تم الإعلان عن هذا القرار بعد تصويت 89 نائبا من أصل 118 على ملتمس سحب الثقة.  وعلى هذا النحو، أبدى 38 نائبا بمجلس النواب رفضهم سحب الثقة من حكومة الدبيبة، وذلك عبر عريضة تم التوقيع عليها من طرفهم[5].

وقد جاء هذا القرار، بعد موجه من التوترات التي سادت بين مؤسسات الحكم جراء نشوب خلافات حول الصلاحيات والقوانين الانتخابية بين مجلس نواب طبرق من جهة، والسلطة التنفيذية بشقيها المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية والمجلس الأعلى للدولة من جهة أخرى، كما جاءت جلسة سحب الثقة بعد أيام من جلسات من مساءلة الحكومة والتي تركز محورها حول كيفية التدبير المالي وأوجه الإنفاق.


ثانيا: ردود الأفعال حول قرار مجلس النواب سحب الثقة من الحكومة

توالت ردود الأفعال الداخلية والخارجية حول قرار  البرلمان سحب الثقة من حكومة الوحدة وكانت أبرزها كالتالي:

الأطراف الداخلية:

طالب المجلس الرئاسي الليبي الحكومة بمواصلة عملها ودعم العملية الانتخابية والالتزام باتخاذ الإجراءات المطلوبة لتمكين مؤسسات الدولة القيام بمهامها، كما دعا المجلس السلطات التشريعية إلى تحمل مسؤوليتها الوطنية والقانونية لإنجاز التشريعات المطلوبة لإتمام العملية الانتخابية.

أما المجلس الأعلى للدولة الليبي، فقد أعلن من العاصمة الرباط، أن الحكومة مستمرة في أداء مهامها وعملها حتى إجراء الانتخابات في 24 من ديسمبر 2021، داعيا إلى توفير المناخ المناسب لها إلى حين إجراء الانتخابات، مشيرا إلى أنها البوصلة التي يعمل عليها مجلس الدولة، ومؤكدا أن الهدف في الظرفية الراهنة إجراء الانتخابات مع دعوته إلى تجاوز أي من الأعمال التي يمكن لها أن تعيق الهدف الانتخابي[6].

من جهته، أعلن  أعيان ومشايخ مدن وبلدات الشرق الليبي، دعمهم لحكومة الدبيبة في ظل هذه المرحلة الحساسة والحاسمة التي تمر بها البلاد، وذلك خلال زيارة أجراها وفد من الهيئة الوطنية لأعيان ومشايخ المنطقة الشرقية مشددين بدور الحكومة في تعزيز ودعم الاستقرار[7].

أما درا الإفتاء، فقد دعت إلى التظاهر من أجل إسقاط مجلس النواب، الذي اعتبر بيان صادر عنها على أنه ساقط من الناحية الشرعية والقانونية والأخلاقية برئاسة عقيلة صالح الذي اتهمته على أنه تمادى في فساده، وتوغل  بقراراته اللامعقولة، كما اعتبرت أن كل جلسة يعقدها مجلس النواب تضيف إلى سجل أعماله جريمة جديدة من خلال تأييدهم لخليفة حفتر الذي ارتكب جرائم لا حصر لها في كل أنحاء ليبيا، موضحة أن مجلس النواب تجاوز كل الخطوط الحمراء بسحب الثقة من حكومة الدبيبة وذلك بنية عرقلة تحركاتها وتضييق الخناق عليها[8].

في حين أعلن عمداء 65 بلدية من أصل 116، رفضهم لقرار مجلس النواب الذي قضى من خلاله سحب الثقة من حكومة عبد الحميد الدبيبة، لأن القرار لا يستند على إطار دستوري أو قانوني، معتبرين الخطوة مخالفة صريحة وواضحة للإعلان الدستوري وتعديلاته والاتفاق السياسي للصخيرات 2015 وخارطة الطريق المتفق عليها في جنيف، كما أنها تهدف لإثارة الفتنة والفوضى من أجل الانزياح على مسار خارطة الطريق المتفق عليها كمحاولة لعرقلة الوصول إلى تنظيم المحطة الانتخابية في موعدها المقرر نهاية العام[9].

الأطراف الخارجية:

تواترت مجموعة من ردود الأفعال الخارجية حول قرار سحب الثقة من الحكومة الليبية، وكان من بين أهمها:

  • البعثة الأممية: أكدت البعثة الأممية إلى ليبيا أن حكومة الليبية تظل الحكومة الشرعية حتى يتم استبدالها بحكومة أخرى خلال العملية الانتخابية المقبلة، كما دعت بالمقابل مجلس النواب إلى الانكباب نحو استكمال العمل على قانون الانتخابات النيابية، كما شددت على ضرورة الامتناع عن أي عمل يمكن أن يقوض العملية الانتخابية ووحدة البلاد وأمنها واستقرارها، مشيرة على أن إجراء الانتخابات في موعدها المحدد في 24 من ديسمبر 2021 يجب أن يبقى الهدف الأسمى وأي جهود لتحويل الانتباه إلى أهداف أخرى يقع ضد إجراء الانتخابات في موعدها المحدد[10].
  • الولايات المتحدة: أكد المبعوث الأمريكي إلى ليبيا ريتشارد نورلاند، بأن قرار سحب الثقة لن يغير من الدور الذي تلعبه الحكومة وهو التمهيد للمرحلة الانتقالية، مشيرا إلى أن رئيس الحكومة ملتزم بتنفيذ تلك الواجبات، مستبعدا تكليف حكومة جديدة بدلا من حكومة الوحدة، مشددا على ضرورة إجراء الانتخابات التي تعد السبيل الوحيد لتأمين الشرعية ودعامة أساسية للأمن والاستقرار في ليبيا، مؤكدا على أنه على ثقة في إقرار تشريع قانوني قريبا لتنظيم الانتخابات بشقيها الرئاسي والبرلماني لمفوضية الانتخابات، ومن تم الإعلان رسميا عن انطلاق العملية الانتخابية[11].

كما أكد بيان صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، كما حث البيان القادة الليبيين على اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان إجراء الانتخابات في أجواء حرة وقانونية على النحو الذي تم تحديده وفق خارطة الطريق المنبثقة عن منتدى الحوار السياسي الليبي بما في ذلك القاعدة القانونية والدستورية، وكذلك دعم التنفيذ الكامل لوقف إطلاق النار المتفق عليه في أكتوبر 2020، وإخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة طبقا لقرارات مجلس الأمن[12].

تركيا: أكدت تركيا عبر وزير خارجيتها مولود تشاووش أوغلو خلال اتصال هاتفي أجراه مع رئيس الحكومة الليبية، دعم بلاده الكامل لحكومة الوحدة الوطنية في ليبيا برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وذلك ردا على قرار مجلس النواب الليبي بسحب الثقة منها في بيان صادر عن وزارة الخارجية. كما دعا البيان جميع الأطراف إلى التصرف بمسؤولية والتركيز على أولويات المرحلة، موضحا أن مثل هذه القرارات لن تساهم في استقرار ليبيا، والمرحلة الانتقالية فيها، مشددا على ضرورة استمرار الحكومة في عملها وبكامل صلاحياتها إلى حين إجراء الانتخابات في موعدها المقرر وفق خارطة الطريق المتفق عليها من أجل المرور للمرحلة الانتقالية بنجاح، مشددا على ضرورة تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية والابتعاد عن مناقشات الشرعية العقيمة، والتركيز على أولويات البلاد في هذه المرحلة الحساسة والهامة[13].

السودان: اعتبرت السودان إعلان مجلس النواب الليبي سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية، تهديدا للمكاسب التي تحققت عبر المسار السياسي والتي أدت إلى تشكيل الحكومة تمهيدا لإجراء الانتخابات نهاية العام الجاري، كما دعا البيان إلى تغليب صوت الحكمة والمصلحة الوطنية العليا للبلاد والتي أنجزت بإرادة وطنية ليبية خالصة، ودعم إقليمي ودولي، آملة بأن تواصل القوى السياسية وجميع أطراف المصلحة في ليبيا الحوار والتشاور لحل الخلافات بما يحقق الأمن والاستقرار وصون الوحدة والحكمة[14].

المغرب: أكدت الخارجية المغربية عبر  وزيرها ناصر بوريطة دعم المغرب لاستقرار المؤسسات التنفيذية والمجلس الرئاسي والحكومة ومجلس النواب ومجلس الدولة، داعيا إلى ضرورة إجراء الانتخابات الليبية في وقتها المحدد باعتبارها المنفذ الرئيسي لإخراج البلاد من أتون الأزمة والصراع[15].


ثالثا: التداعيات السياسية والقانونية لقرار سحب الثقة من الحكومة الليبية

أثار قرار مجلس النواب سحب الثقة من الحكومة العديد من الإشكاليات السياسية والقانونية، فعلى المستوى الأول، فإن القرار أنتج العديد من التجاذبات في ظل قرب الانتخابات المقررة نهاية العام، هذا الأمر الذي سيخلق بحسب العديد من المراقبين نوع من الانقسام ومزيد من الفجوة بين الأطراف الليبية وسينسف بالمكتسبات الهامة التي تولدت عن الملتقى الحوار السياسي الليبي التي تشكلت على إثره السلطة التنفيذية المؤثرة، كما أنه سيكون لمثل هذه القرارات أثر بالغ في تدوير عجلة خيار خارطة الطريق من أجل الوصول إلى محطة الانتخابات بعيدا عن الانقسام والمناكفات السياسية.

وقد أكد عدد من الخبراء والمحللين في الشأن القانوني، عدم قانونية سحب الثقة لأنه قرار غير دستوري هدفه عرقلة تنظيم الانتخابات في موعدها، وذلك من أجل مصالح أطراف بعينها، فيما أكد البعض هذا الطرح أي الطرح أي عدم دستورية وقانونية قرار سحب الثقة باعتباره قرار مطعون فيه نظرا لأن النصاب لم يكن كافيا، بحيث أن الأغلبية التي اشترطها الإعلان الدستوري هي وجود 121 نائبا في الجلسة وعدم بلوغ النصاب القانوني المحدد في 87 عضوا، بينما عدد المصوتين بلغ فقط 70 من بين الحاضرين، بالإضافة إلى المخالفات التي شابت جلسات مساءلة الحكومة بحيث لم تبنى المساءلة على الدلائل والحيثيات الواضحة[16].

إقرار القاعدة القانونية للانتخابات البرلمانية والرئاسية في ليبيا

أقر مجلس الدولة للأعلى الليبي القاعدة القانونية لتنظيم الانتخابات العامة المنتظر تنظيمها نهاية العام الجاري، وكذلك مشروعا للقاعدة الدستورية، بحيث  اعتمد قانون انتخاب الرئيس وانتخاب مجلس الأمة المكون من غرفتين مجلس النواب والشيوخ.

وفي خضم ذلك، أكد مجلس الدولة أنه سيحيل مشروع القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية إلى مجلس النواب من أجل الموافقة عليه وفق ما ينص عليه الاتفاق السياسي، كما أنه سيحيل القوانين على المفوضية العليا للانتخابات والبعثة الأممية في ليبيا للإدلاء بملاحظاتهم حول هذه القوانين[17].

أولا: الإطار  العام لقوانين الانتخابات التشريعية والتنفيذية

جاء إقرار  القاعدة الدستورية تنفيذا لمقتضيات اتفاق الصخيرات، وقد تألفت الوثيقة الدستورية من 63 مادة، ففيما يخص السلطة التشريعية، فتنص المادة الأولى منها على أن من سيتولى مهام السلطة التشريعية في البلاد هو مجلس الأمة الذي سيكون مكونا من غرفتين هما مجلس النواب ومجلس الشيوخ. أما المادة الثانية منه فتقضي إلى أن انتخاب أعضاء مجلس النواب سيكون بواسطة الاقتراع العام السري المباشر مع مراعاة المعيار الجغرافي وعلى أساس ساكنة البلاد. كما حددت المادة الرابعة والسادسة عشر ولاية عضوية أعضاء مجلس النواب والشيوخ في أربع سنوات، في حين حددت المادة الثالثة شروط الترشح ومن أهمها أن يكون المترشح ليبيا مسلما وأن لا يحمل جنسية أخرى ومتمتعا بالحقوق المدنية والسياسية وأي شروط أخرى يحددها القانون نفس شروط الترشح سارية على عضوية مجلس الشيوخ على أن لا يتعدى عمر المترشح 40 سنة حسب منطوق المادة 14.

أما فيما يخص السلطة التنفيذية، فقد أكدت فحوى المادة 36 على أن السلطة التنفيذية تعهد إلى رئيس الدولة والحكومة وفق أحكام هذه القاعدة، ويكون الرئيس الضامن لوحدة البلاد واستقلال الوطن وسلامة أراضيه والراعي لشؤون ومصالح الشعب وفق ما جاءت به المادة 38، أما شروط الترشح لهذا المنصب فقد تم تحديدها في ثماني شروط أبرزها أن يكون المرشح مسجلا في سجل الناخبين، وأن لا يقل عمره عن 40 سنة، وأن يكون مسلم وليبي الجنسية لوالدين مسلمين ليبيين، وأن لا يحمل جنسية دولة أخرى، وأن يكون حاملا لمؤهل جامعي أو ما يعادله، وأن لا يكون متزوج من غير ليبي أو ليبية. وأن يكون متمتعا بالحقوق السياسية والمدنية، وأن لا يكون قد حكم عليه في جناية أو جنحة…أما الشرط الأبرز فهو أن لا يكون أحد أفراد المؤسسة العسكرية، ويشترط فيمن كان عسكريا أن يكون قد مضى على انتهاء خدمته العسكرية سنتان على الأقل، حيث يقطع هذا الشرط الطريق أمام ترشح خليفة حفتر[18].


ثانيا: خلاف بين مجلس الأعلى للدولة الليبي ومجلس نواب حول فحوى القاعدة القانونية

جاء إقرار  المجلس الأعلى للدولة للأساس الدستوري للانتخابات ردا على ما أسماها الخطوة أحادية الجانب التي قام بها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح والذي قام بإصدار قانون انتخاب الرئيس وعدم الأخذ بعين الاعتبار ما جاء بالاتفاق السياسي للصخيرات، بحيث جاءت هذه الخطوة منافية لمنطوق المادة 23 من الاتفاق التي تؤكد على ضرورة تشكيل لجنة مشتركة بين مجلسي الدولة والنواب من أجل صياغة التشريعات الانتخابية.

وكان مجلس النواب قد أقر قانون انتخاب الرئيس  وأحاله على المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيتش، وقد أثارت المادة 12 منه ضجة وجدالا واسعا، بمنح حق الترشح سواء كان المتقدم مدنيا أو عسكريا وبدون الاستقالة من عمله، والسماح له بالعودة في حال عدم النجاح في الانتخابات، هذه المادة التي لها دلالة واضحة بفتح الباب على مصراعيه لترشح خليفة حفتر لرئاسيات ليبيا. ويؤكد ذلك، ما قرره حفتر حينما تنحى عن منصبه لمدة ثلاثة أشهر، وكلف عبد الرزاق الناطوري بمهام منصب القائد العام للجيش بدلا منه ، وذلك تمهيدا لخوضه الانتخابات الرئاسية في ديسمبر المقبل[19].


ثالثا: توافق داخلي وخارجي حول تنظيم الانتخابات في موعدها المحدد

أكدت العديد من الأطراف الدولية والإقليمية على ضرورة تنظيم الانتخابات في موعدها المقرر في 24 ديسمبر 2021، فعلى مستوى الأطراف الداخلية، فقد أكد رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة على ضرورة تنظيم الانتخابات في موعدها نهاية العام الجاري، بحيث اعتبرها ضرورة لا رجوع عنها للحفاظ على وحدة ليبيا والسبيل الأساسي لإنهاء الانقسام ووقف حد نهائي للخيار العسكري[20]. وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 76،  أكد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، على أهمية ضرورة إجراءات الانتخابات بشقيها الرئاسي والبرلماني في موعدها المقرر نهاية العام الجاري، مشيرا في نفس الوقت، على أن بلاده تواجه تحديات حقيقية في إتمام العملية السياسية في ظل مرحلة مصيرية ومفصلية مع قرب الحدث الانتخابي في ديسمبر المقبل، منوها إلى أن ليبيا أمام مفترقين إما النجاح نحو التحول الديمقراطي عبر إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة لفتح الطريق أمام تحقيق الاستقرار الدائم والازدهار، وإما العودة إلى مربع الانقسام والصراع المسلّح[21].

الأطراف الخارجية

أما فيما يخص الأطراف الخارجية، فقد أكدت واشنطن على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها المقرر، بحيث ذكر بيان صادر عن الخارجية الأمريكية على دعم الولايات المتحدة لتنظيم العملية الانتخابية في ليبيا بموعدها المحدد في ديسمبر 2021. كما حثّ البيان مؤسسات الحكم إلى اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان انتخابات حرة ونزيهة على النحو الذي حددته خارطة طريق منتدى الحوار السياسي الليبي، بما في ذلك الحاجة إلى اتفاق بشأن إطار دستوري وقانوني[22].

ومن جانبها أكدت فرنسا على لسان وزير خارجيتها جان إيف لودريان على ضرورة إجراء الانتخابات الليبية في موعدها المقرر في 24 من ديسمبر 2021، داعيا جميع الأطراف بالالتزام بتعهداتهم، بحيث أشار أن الطريق لاستعادة الاستقرار والسيادة في ليبيا مشروط بإجراء الانتخابات كما هو مخطط له والالتزام بجميع بنود خارطة الطريق المرسومة، مشددا على ضرورة تقديم المجتمع الدولي الدعم اللازم من أجل استكمال العملية الانتقالية عبر المحطة الانتخابية[23].

في حين جدد الاتحاد الأوروبي دعمه لتنظيم الانتخابات الليبية في موعدها المقرر، وذلك خلال لقاء جمع رئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح بسفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا، بحيث بحث الأخير مع الجانب الليبي الدعم المطلوب من الاتحاد الأوروبي للمفوضية من أجل تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية[24].

أما مصر، فقد أعلن عبد الفتاح السيسي خلال لقاء جمعه برئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة عن استعداد بلاده الكامل لتقديم كافة الإمكانات للمساعدة في تهيئة المناخ لإجراء الانتخابات في موعدها المقرر نهاية العام الجاري[25].

تطورات الأزمة السياسية في ظل استحواذ قيس سعيد على مقاليد السلطة

منذ 25 من يوليو 2021، وتونس تعيش على مسار مغاير لما رفعته الثورة التونسية من شعارات من إرساء لتحول ديمقراطي يقوم على أساس بناء دولة الحق والقانون، هذا المسار الذي رسمه الرئيس التونسي قيس سعيد الذي قرر الانزياح عن المسار الديمقراطي والعودة إلى كنف الديكتاتورية البورقيبية عبر قرارات استثنائية انقلب فيها على الدستور ووسع من صلاحياته على حساب باقي مؤسسات الدولة، وبالتالي التفرد بمقاليد الحكم.


أولا: حيثيات القرارات الجديدة لقيس سعيد: الاستحواذ على جميع السلطات

منذ قرابة الشهرين، توالت قرارات قيس سعيد التي تشكل انحرافا على النصوص القانونية واللوائح التنظيمية، والنزوع نحو التفرد بالسلطة، إذ لم يكتفي بالقرارات الاستثنائية التي اتخذها في 25 من يوليو والتي مدد العمل بها، بل أضاف تدابير استثنائية جديدة انفرد من خلالها بمقاليد الحكم وأجمع السلطات كلها في يده، وذلك تمهيدا لتحويل النظام السياسي للبلاد من شبه رئاسي إلى رئاسي خالص.

ومن التدابير الجديدة التي اتخذها سعيد والتي وسّع على إثرها صلاحياته، كان أبرزها كالتالي[26]:

  • إلغاء العمل بأغلب فصول الدستور الحالي في باب السلطتين التشريعية والتنفيذية وتكليف لجنة إعداد التعديلات اللازمة،
  • تولي رئيس الجمهورية إعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالإصلاحات السياسية، وذلك من خلال الاستعانة بلجنة يتم تنظيمها بأمر رئاسي.
  • مواصلة تعليق جميع اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه وإلغاء جميع المنح والامتيازات المسندة لرئيس البرلمان وجميع الأعضاء.

وفي معرض اتهامه بالانقلاب على الدستور والمعايير الديمقراطية، أكد سعيد أن ما اتخذه من قرارات هي استجابة لمتطلبات الشعب التونسي، وأنه ليس من دعاة الانقلاب والفوضى، مؤكدا أنه ملتزم باحترام الحقوق والحريات والمضي في مسار الإرادة الشعبية، كما أشار أن ما يروج له بخصوص القرارات التي اتخذها بأنها بمثابة انقلاب هدفه فقط الإساءة إلى رئاسة الجمهورية في هذا الظرف الذي تحمل فيه مسؤولية الدولة من دوائر الفساد ودعاة الفوضى[27].

وفي إطار تبريرات الرئاسة التونسية بأن ما أصدر من قرارات هي غير خارجة عن إطار الشرعية القانونية والدستورية ولا يسعى الرئيس من خلالها الاستيلاء على السلطة، أكد وزير الخارجية التونسي عثمان الجرندي، خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة أن التدابير التي اتخذها الرئيس تهدف إلى تأسيس ديمقراطية سليمة. وأن الهدف منها تصحيح المسار الديمقراطي بما يستجيب لتطلعات التونسيين ضمانا لحقوقهم وحرياتهم، مشددا على أن الديمقراطية في تونس خيار لا رجعة فيه ولا تراجع عنه، وأن حقوق الإنسان والحريات العامة والفردية مكفولة ضمن مؤسسات قائمة على سيادة القانون ومبادئ الحكامة الرشيدة. وذلك في سبيل بناء دولة مستقرة حاضنة لجميع مواطنيها على قدم المساواة وذلك في سبيل إرساء السلم الاجتماعي وتحقيق التنمية المستدامة واحترام حقوق الإنسان[28].


ثانيا: ردود الفعل حول قرارات الرئيس التونسي تعزيز سلطاته وتوسيع صلاحياته.

تسارعت ردود الأفعال سواء الداخلية أو الدولية حول ما اتخذه الرئيس التونسي من قرارات الاستثنائية والتي قرر على إثرها تجميد المشهد السياسي التونسي والتلويح بتعديل الدستور، وتعزيز صلاحياته بشكل كبير، من أبرزها:

فيما يخص الأحزاب التونسية، فقد رفضت العديد منها تغيير نمط نظام الحكم والتوجه نحو الاستلاء على السلطة وعودة الاستبداد، ففي هذا السياق أدانت أربعة أحزاب تونسية قرارات الرئيس التونسي ووصفتها بالانقلاب على الدستور، كما أعلنت تشكيل جبهة ديمقراطية تهدف إلى الدفاع عن إدارة الشعب التونسي، مع انفتاحها على جميع القوى السياسية المعارضة للانقلاب. وتضم الجبهة حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري، حزب حراك تونس الإرادة، حزب الإرادة الشعبية وحركة وفاء وغيرهم من الأحزاب، كما أعلنت الجبهة أنها بصدد ضم أحزاب وكيانات أخرى، وفي هذا الصدد أعلن الأمين العام للاتحاد الشعبي الجمهوري لطفي المرايحي بأن الجبهة تضم الأحزاب التي أعلنت منذ الوهلة الأولى رفضها لانقلاب سعيد، كما تضم أحزابا أخرى كانت مساندة لقرارات سعيد، لتظهر لها الصورة واضحة بأن ما قام به انقلاب على الدستور.

ويؤكد المرايحي إجماع أغلبية الأحزاب السياسية بأن ما قام به الرئيس هو انقلاب مرفوض باستثناء بعض الأحزاب القليلة، ومن هذا المنطلق تعتبر الجبهة أن منصب رئيس الجمهورية منصب شاغر، نظرا لأن الأخير فقد أهليته القانونية لرئاسة البلاد[29].

ومن جانبه، اعتبر حزب العمال أن الاتجاه نحو تغيير طبيعة النظام السياسي بقرار فردي اعتباطي دون احترام الضوابط والآليات القانونية وعبر استغلال أجهزة الدولة واحتكار كامل للسلطات وتجييش الرأي العام، يجعل من هذه العملية خطوة متقدمة في مسار الانقلاب وانحراف إضافي خطير يتعارض مع تطلعات التونسيين الذي يأملون في نظام سياسي ديمقراطي يقوم على أساس الشرعية تحت سيادة القانون.

كما اعتبر الحزب أن تعليق الدستور والاعتماد على قانون مؤقت للسلطة العمومية وتشكيل لجنة لصياغة دستور جديد خطوة خطيرة تفتح الباب أمام انفراد سعيد التام بالسلطة والالتفاف على مكاسب التي نادت بها الثورة التونسية.

كما أعلن حزب التكتل رفضه التام الانسياق نحو الحكم الفردي وذلك بنية الرئيس تحويل شكل نظام الدولة إلى نظام رئاسي، مطالبا الرئاسة الإفصاح عن رؤيتها للخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية المزمنة وذلك في إطار احترام الدستور والقانون. داعيا التونسيون إلى الحفاظ على مكتسبات ثورتهم والتجند في سبيل العودة إلى المسار الديمقراطي من أجل مستقبل أفضل لتونس[30].

في حين أعربت 5 أحزاب في بيان مشترك وهي التيار الديمقراطي، وآفاق تونس، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، والجمهوري، والأمل، عن رفضها المطلق لكل دعوات تعليق الدستور، مطالبة الرئيس بالالتزام بتعهداته تجاه التونسيون باحترام الدستور والقانون. كما عبرت عن رفضها لحالة الجمع بين السلطة والانفراد بالقرار، واستنكارها للاعتداءات المتكررة على الحقوق والحريات وعلى رأسها الحق في التعبير والتنقل ولمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وإقصاء نظرية تعدد الآراء والحوار، مع رفضها للمبادرات الفردية وتمسكها بالنموذج الديمقراطي التشاركي والحوار كمنهج لإدارة الشأن العام[31].

أما الحزب الدستوري الحر الذي ترأسه المثيرة للجدل عبير موسى، فقد ندد بالتدابير الأخيرة التي اتخذها الرئيس، معتبرا أنها تكرس لمنطق الحكم الفردي المطلق وتنسف لمفهوم الجمهورية، وتؤسس لنظام حكم يقوم على البيعة للحاكم. محملا الرئيس المسؤولية القانونية والسياسية والتاريخية عن تسببه في توفير فرصة ثمينة لتنظيم الإخوان وأذرعه لوضع أنفسهم في موقع ضحايا الانقلاب وحماة الديمقراطية، كما نبه الحزب الرئيس إلى ضرورة تغليب المصلحة العامة للوطن ومراجعة قراراته التعسفية[32].

كما اعتبر ائتلاف الكرامة، قرارات سعيد خروجا عن الشرعية الدستورية، تجرد من خلالها من كل الاعتبارات السياسية والأخلاقية والقانونية المتعارف عليها وطنيا ودوليا، مشيرا إلى أن الرئيس فقد شرعيته من خلال نزوعه نحو الحكم المطلق، معتبرا أن تعليقه للدستور وإعلان تنظيم مؤقت للسلط العمومية جاء على مقاسه الشخصي.  داعيا جميع المكونات السياسية والشعبية إلى مقاومة كل أشكال الاستبداد ومناهضة الديكتاتورية الجديدة التي تشكل تهديدا لمستقبل التونسيين[33].

أما رئيس البرلمان ورئيس حزب النهضة راشد الغنوشي، فقد دعا إلى النضال السلمي ضد الحكم الفردي المطلق الذي قامت الثورة ضده. وأكد الغنوشي أن قرارات الرئيس هي محاولة للرجوع إلى دستور 1959، من خلال عودة الحكم الفردي المطلق، معتبرا ما قام به سعيد انقلاب كامل الأركان على الديمقراطية وعلى الثورة التونسية، داعيا التونسيين إلى مقاومة الديكتاتورية بالوسائل السلمية لإعادة تونس إلى مسار الديمقراطية. وفي ذات الوقت أقر الغنوشي بمسؤوليات حزبه في الأزمة السياسية[34].

فيما اعتبرت كتلة النهضة في البرلمان، قرارات الرئيس الأخيرة انقلابا على الشرعية الدستورية ونزوع نحو حكم استبدادي مطلق، معبرة عن رفضها تجميع الرئيس لكل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية واستغلال ذلك لفرض خيارات بعينها، ومن أبرزها إلغاء المؤسسات السياسية والرقابية الشرعية القائمة بما فيها البرلمان والهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين ومكافحة الفساد ووضع اليد على كل الهيئات الدستورية. داعية الجميع إلى توحيد الصف والتعالي عن الخلافات للدفاع عن قيم الجمهورية والديمقراطية وحماية البلاد من الأخطار التي تهدد السلم والوحدة الوطنية[35].

وعلى نحو آخر، أعلن 113 عضوا في النهضة، استقالتهم من الحركة، وأرجعوا أسباب ذلك إلى الخيارات السياسية الخاطئة لقيادتها، والتي أدت بحسبهم إلى عزلتها وعدم نجاحها بالانخراط الفاعل في أي جبهة مشتركة لمقاومة الخطر الاستبدادي المتمثل في قرارات الرئيس .

أما على مستوى المنظمات الحقوقية وجمعيات المجتمع المدني، فقد عبّرت أكثر من 18 منظمة حقوقية تونسية ودولية من بينها الرابطة التونسية للمواطنة والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، رفضها للقرارات التي اتخذها الرئيس كان آخرها إلغاء النظام الدستوري الذي يعد ضمنيا خطوة أولى نحو الاستبداد، كما اعتبرت أن هذه الإجراءات تشكل تهديدا لحقوق الإنسان والتطلعات الديمقراطية للشعب التونسي. كما أدانت الانحراف الخطير نتيجة قرارات سعيد الأحادية والتي تشكل تهديدا للديمقراطية التونسية. كما نددت باستحواذ الرئيس على السلطة بدون أي شكل من أشكال الضمانات وبدون أي سقف زمني وأيضا بدون حوار مع باقي مكونات الحقل السياسي التونسي والمجتمع المدني وفي ظل غياب رقابة فعلية[36].

ومن جانبها، حذرت 22 جمعية حقوقية تونسية من بينها المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة ومنظمة 10-23 لدعم مسار الانتقال الديمقراطي، وجمعية بيتي والمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، الرئيس قيس سعيد من خطورة التمادي في إحكام قبضته على مقاليد السلطة، ودون تحديد أمد انتهاء التدابير الاستثنائية وإجراءها لأجل غير مسمى، كما أعربت هذه الجمعيات عن قلقها إزاء اقتصار مشاورات الرئاسة حول المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية على بعض الشخصية المقربة من قيس سعيد. داعية الأخير من هذا المنبر إلى توسيع دائرة الحوار والتشاور لتشمل باقي المكونات السياسية ومكونات المجتمع المدني[37].

في حين حذر الاتحاد العام التونسي للشغل، من مخاطر تجميع السلطات في يد رئيس الجمهورية في غياب باقي المؤسسات الدستورية، معتبرا أن تعديل الدستور شأن يخص جميع مكونات المجتمع  واحتكار الرئيس للتعديل مرفوض وخطر على الديمقراطية وعلى التشاركية، مشددا على أن الخروج من الأزمة الراهنة لن يكون إلا بالاحتكام إلى الحوار والتشاور والتجرد من المصالح الذاتية والفئوية، مطالبا بحكومة تكرس استمرارية الدولية في تنفيذ تطلعات الشعب التونسي[38].

أما على المستوى الشعبي، فقد خرجت عدة مظاهرات في العديد من الولايات التونسية على رأسها العاصمة تونس وتطاوين وصفاقس وغيرها مناهضة للتدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس، داعين إلى إنهاء العمل بها ورافضين الانقلاب على الدستور، رافعين شعارات “لا للديكتاتورية”، “لا للانقلاب”، “المس بالدستور خط أحمر” و”الشعب يريد إسقاط الانقلاب”، “نرفض الاستبداد والحكم المطلق”. أما أقوى الشعارات فكانت “قيس سعيد فاقد للشرعية”، بحيث طالب المشاركون إلى ضرورة المحافظة على مكتسبات الثورة التونسية، إضافة إلى سحب الثقة من الرئيس، باعتباره رئيس غير شرعي وليس لديه أي سند قانوني وحان وقت ترك المنصب. والمقابل من المظاهرات الرافضة لقرارات سعيد، خرجت بعض المظاهرات المؤيدة لقراراته مطالبة بحل البرلمان[39].

أما على مستوى ردود الفعل الخارجية، فقد دعت الخارجية الأمريكية الرئيس التونسي إلى ضرورة صياغة خطة ذات جدول زمني واضح لعملية إصلاح شاملة. كما عبرت عن قلق واشنطن من استمرار الإجراءات الانتقالية دون نهاية واضحة، مشددة على ضرورة أن يقوم الرئيس بالتسريع إلى إعادة المؤسسات التي تتشارك في الحكم إلى وضعها الطبيعي وذلك تلبية لاحتياجات التونسيين، كما  دعت الرئيس إلى صياغة خطة لعملية إصلاح شاملة تضم جميع المكونات من مجتمع مدني وأصوات سياسية متنوعة، مؤكدة الاستمرار في دعم تقدم تونس في مسارها الديمقراطي[40].

وفي زيارة قام بها إلى تونس، التقى فيها كل من الرئيس التونسي قيس سعيد وأعضاء من البرلمان ومجموعة من منظمات المجتمع المدني، أكد وفد أمريكي مكون من أعضاء مجلس الشيوخ على ضرورة العودة إلى المسار الديمقراطي واعتماد إصلاحات من خلال عملية شاملة يكون أساسها الديمقراطية التشاركية بمشاركة ممثلي مكونات الحقل السياسي التونسي وأعضاء من المجتمع المدني، وذلك بدءً من اختيار حكومة ديمقراطية تستجيب لاحتياجات البلاد التي تعيش على وقع أزمات اقتصادية وصحية خانقة[41].

أما فرنسا، فقد أعربت على لسان سفيرها في تونس أندري باران، عن تفهم بلاده للقرارات التي اتخذها الرئيس التونس، مشيرا إلى أن باريس تتطلع إلى أن تتجاوز تونس هذه المرحلة بما يدعم تجربتها الديمقراطية وذلك استجابة لتطلعات التونسيين، مؤكدا وقوف فرنسا إلى جانب تونس في مواجهتها لكافة التحديات التي تعاني منها سواء الاقتصادية أو الصحية[42].

وفي نفس السياق حثّ سفراء مجموعة السبع عبر بيان صادر عنهم الرئيس قيس سعيد إلى ضرورة إعادة البلاد إلى المسار الدستوري الذي يكون فيه للبرلمان دور بارز، كما أكد البيان التزام المجموعة المستمر بالشراكة مع تونس وذلك في سبيل تطوير الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية قصد الاستجابة لتطلعات الشعب التونسي لتحقيق مستوى معيشي أفضل على أساس الحوكمة قوامها النزاهة والشفافية[43].

أما الاتحاد الأوروبي، فقد أعرب عبر ممثله الأعلى جوزيب بوريل خلال زيارة رسمية قام بها إلى تونس، عن مخاوف الاتحاد بشأن الحفاظ على المكتسبات الديمقراطية في تونس التي تعد اللبنة الأساس لاستقرار وازدهار البلاد، بحيث شدد على ضرورة أن تسير البلاد نحو استعادة استقرار المؤسسات مع الحفاظ على هذه الركائز الديمقراطية من خلال تحقيق تطلعات الشعب التونسي من خلال إشراكه في صناعة القرار عبر حوار مفتوح وشفاف وذلك من أجل توطيد الديمقراطية. مؤكدا حرص الاتحاد على ترسيخ الديمقراطية من خلال احترام دولة الحق والقانون والحريات الأساسية. مشيرا إلى أن موقف الاتحاد سيتم تحديده انطلاقا من الإجراءات والتدابير التي سيتم اتخاذها، وذلك من أجل تحديد أفضل السبل لدعم الديمقراطية التونسية[44].


ثالثا: تعيين سيدة لرئاسة الحكومة التونسية

عيّن الرئيس التونسي قيس سعيد نجلاء بودن رئيسة للحكومة، وكلفها بتشكيل الحكومة في أقرب الآجال، وقد جاء قرار قيس سعيد بحسب بيان صادر عن الرئاسة التونسية عملا بأحكام الأمر الرئاسي المتعلق بالتدابير الاستثنائية، لتصبح بذلك بودن أول سيدة تونسية وعربية تتولى منصب رئاسة الحكومة.

نجلاء بودن هي أستاذة التعليم العالي،  تخصص علوم الجيولوجيا بالمدرسة الوطنية للمهندسين بتونس، وقد شغلت نجلاء المودن عدة مناصب في مجال التعليم، بحيث عينت كمديرة عامة مكلفة بالجودة في التعليم العالي، وشغلت في منصب رئيسة وحدة تصرف حسب الأهداف بالوزارة ذاتها، وكلفت بمهمة  بديوان وزير التعليم السابق. وحاليا مكلفة بتنفيذ برامج البنك الدولي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي[45].

وعلى إثر تكليفها أكدت نجلاء بودن، أنها ستعمل على تشكيل حكومة متجانسة لمواجهة التحديات والصعوبات والسياسية الاقتصادية ومحاربة ظاهرة الفساد، والسهر على تنفيذ متطلبات الشعب التونسي الاجتماعية كالنقل والصحة وغيرها[46].

فمهمة بودن تضعها في مواجهة العديد من التحديات والملفات من أبرزها الأزمة السياسية الصعبة التي تمر بها البلاد، بالإضافة إلى تردي الوضع الاقتصادي وتحديات الظروف الاجتماعية وذلك بسبب غياب الاستقرار السياسي الذي تولدت منه العديد من الأزمات أهمها ارتفاع المديونية والتضخم إلى معدلات قياسية، مع ارتفاع نسب البطالة والفقر .

وقد لاقى تعيين بودن جدلا واسعا بين مؤيد ومعارض، فبينما اعتبرها المؤيدون خطوة هامة وتاريخية من خلال تقلد النساء للمناصب العليا من أجل قيادة تدبير الشأن العام، يتوجس المعارضون من هذا التعيين نتيجة عدم امتلاك بودن الخبرة الاقتصادية، بالإضافة أن صلاحياتها ستكون محدودة بعد قرار سعيد تعزيز صلاحياته وتوسيعها على حساب باقي السلطات واستحواذه على السلطة. لذلك، فرئيسة الحكومة الجديدة، ستكون مجردة من أهم الصلاحيات بحيث ستكون مهامها مراقبة وتحت إشراف الرئيس[47].


ملف العدد:

أزمة العلاقات المغربية-الجزائرية: السياقات والسيناريوهات

دخلت العلاقات المغربية-الجزائرية مرحلة حساسة ومتوقعة، على إثر اتخاذ الجزائر قرار أحادي الجانب بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، بل وامتد الأمر بالإعلان عن إغلاق المجال الجوي الجزائري في وجه الطائرات المغربية سواء مدنية أو عسكرية، لتبرر السلطات الجزائرية قرارها ببيان مبهم وهو موصلة الرباط استفزازاتها وممارساتها العدائية تجاه الجزائر دون تقديم الأخيرة دلائل قاطعة توضح فيها طبيعة الممارسات المغربية.

فما هي أسباب قطع العلاقات؟ وما هي أبرز ردود الأفعال حولها؟ وما هي سيناريوهات مستقبل العلاقات؟


أولا: قطع الجزائر علاقاتها مع المغرب: الأسباب وحيثيات القرار

منذ أكثر من 45 عاما والعلاقات المغربية-الجزائرية تعيش في أزمات دائمة ومزمنة، تراوحت ما بين التوتر والقطيعة، فقطع العلاقات الدبلوماسية لم يكن وليد اليوم ، فقد شهدت هذه العلاقات قطيعة دامت أكثر من 12 عاما منذ العام 1976 إلى حدود العام 1988، وكان السبب وراء ذلك هو اعتراف الجزائر بجبهة البوليساريو ومحاولة زرع شوكة في المنطقة عبر تقويتها من خلال تقديم الدعم لها سياسيا وعسكريا، سبقها قبل ذلك نشوب نزاع حدودي وصل إلى حدود المواجهة العسكرية خلال حرب الرمال في العام 1963،  لتدخل العلاقة مرحلة الانفراج والتعاون منذ 1988 إلى 1994 تخللها تأسيس اتحاد المغرب العربي، لتعود العلاقة إلى سابق عهدها من خلال إغلاق الحدود البرية بين البلدين في العام 1994، بعد اتهام الرباط المخابرات الجزائرية بضلوعها في تفجير فندق أطلس أسني بمدينة مراكش في العام 1994.

وفي الفترة الراهنة، عاد الخلاف والتوتر إلى واجهة العلاقات المغربية-الجزائرية، في مشهد يتكرر كل فينة والأخرى، سببه المركزي قضية الصحراء المغربية والدعم الكبير التي يوليه النظام الجزائري لجبهة البوليساريو، فالبلدان تربطهما منطقة جغرافية واحدة وملفات وقضايا حساسة ومصالح استراتيجية مشتركة، على الرغم من ذلك فلم تقف هذه الدوافع أمام الأزمات المتكررة التي تسيطر على صفو العلاقات بين البلدين الجارين، وفي خضم ذلك تعيش العلاقات بين البلدين فصلا جديدا من الأزمة ترجع أسبابها إلى العديد من الملفات أبرزها:

وقد جاء القرار الجزائري بقطع العلاقات مع المغرب عن طريق تسويق مجموعة من الأسباب التي لا تستند على حقائق ملموسة بحسب متتبعين للشأن المغاربي، وتدور أهم المزاعم الجزائرية عبر التالي:

  • اتهام المغرب بدعم حركة تحرير القبائل (الماك): قامت السلطات الجزائرية بتوجيه اتهامات للمغرب بدعم حركة الماك التي تصنفها الجزائر كمنظمة إرهابية، وقد جاءت الاتهامات الجزائرية بعد تصريحات أدلى بها سفير المغرب الدائم لدى الأمم المتحدة عمر هلال اتهم فيه الدبلوماسية الجزائرية بالمزاجية والازدواجية في الخطاب تجاه حق تقرير المصير، وذلك بوضع نفسها موضع المدافع القوي في قضية الصحراء المغربية، بينما تنفي ذلك الحق نفسه أمام  شعب القبائل، وهو ما اعتبرته الجزائر انحراف خطير وحملة عدائية ضد الجزائر، وقد جاء رد الدبلوماسي المغربي على إثر تصريحات وزير خارجية الجزائري رمطان لعمامرة على التوالي في كل من اجتماع دول الانحياز وأمام الجمعية العامة في الأمم المتحدة،

ويعتبر مراقبون أنه لا يوجد أي دلائل تؤكد ضلوع المغرب في دعم حركة الماك، بل إن رد ممثل المغرب الدائم لدى الأمم المتحدة جاء فقط في نطاق الخطابات المكررة لرئيس الدبلوماسية الجزائرية الذي يدرج موضوع قضية الصحراء في اجتماعات مخصصة للنقاش في قضايا محددة. بينما تستعين السلطات الجزائرية بازدواجية التعامل مع الدول، فبينما تقطع علاقاتها مع المغرب وتتهمه بتمويل واستخدام حركة الماك لزعزعة استقرار الجزائر، لا تسير على نفس النحو مع فرنسا التي تأسست الحركة على أراضيها وتوفر لها الدعم  والحماية الكاملة.

ولذلك الرسالة التي أرادت إيصالها الدبلوماسية المغربية فحواها هو أن مبدأ حق تقرير المصير الذي تدعو إليه الجزائر هدفه هو تقسيم المغرب وتهديد لسيادته ووحدته عبر دعم كيان انفصالي أدخل المنطقة المغاربية في أتون التشرذم والانقسام، وقطع الطريق أمام تقدمها وازدهارها من خلال كيان اتحاد المغرب العربي الذي تجمد عمله بسبب العلاقات المتوترة بين المغرب والجزائر على خلفية دعم الأخيرة لجبهة البوليساريو الانفصالية لوجيستيا وعسكريا.

  • اتهام الجزائر للمغرب بافتعال حرائق الغابات: لم تتوقف الاتهامات الجزائرية للمغرب عند هذا الحد، بحيث اتهمت الرئاسة الجزائرية على إثر اجتماع للمجلس الأعلى للأمن المغرب بالتورط في حرائق الغابات التي اجتاحت شمالي الجزائر، بحيث أعلنت السلطات الجزائرية أن هذه الحرائق من تدبير جماعات إرهابية (الماك-رشاد) يدعمها المغرب، وكذلك تورطهما باغتيال جمال بن سليمان.

كما أضافت الرئاسة الجزائرية أن المجلس الأعلى للأمن،  قرر تكثيف الجهود من أجل إلقاء القبض على باقي المتورطين في الجريمتين والمنتمين للحركتين، اللتين بحسب هذا البيان يهددان الأمن العام والوحدة الوطنية، لا سيما الماك التي تتلقى دعما ومساعدة من أطراف خارجية بخاصة المغرب وإسرائيل.

هذه الاتهامات التي فندتها الحقيقة العلمية، بحيث أن هذه الحرائق التي لم تنحصر فقط على الجزائر، بل اندلعت في مناطق مختلفة من بقاع العالم في أستراليا، دول أوروبية مختلفة، ودول بالقارة الأمريكية كالولايات المتحدة وكندا ودول آسيوية كالهند والصين، بل امتدت للمغرب أيضا، وذلك راجع إلى التغير المناخي الناجم عن ارتفاع درجات حرارة الجو إلى مستويات قياسية الشيء الذي أدى إلى زيادة قوة وشدة حرائق الغابات، هذا الأمر الذي يجعل منطق احتمال عمل عدائي أو تخريبي صفريا.

وقد اعتبر مراقبون أن الجزائر تسعى لإثارة الأزمات مع المغرب على  حساب تحويل النظام الجزائري بوصلة المشاكل الداخلية التي تستفحل البلاد كالأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي تضاعفت جراء أزمة فيروس كورونا بالإضافة إلى محاولة إخماد الحراك الشعبي الجزائري نحو تصعيد التوتر مع المغرب.

  • التطبيع مع إسرائيل: من بين الأسباب التي استندت إليها الجزائر في قطع علاقاتها مع المغرب هو قضية تطبيع المغرب مع إسرائيل. وعلى الرغم أن الخطوة لا تخدم القضية الفلسطينية وبمثابة تقوية مناعة شوكة دولة الاحتلال، بحيث لاقت رفضا شعبيا واسعا في المغرب، إلا أن ذلك لا يعتبر من الأسباب المنطقية التي يمكن أن تبني عليها السلطات الجزائرية قرار قطع العلاقات، فالجزائر التي تتهم المغرب بتهديد أمنها القومي من خلال اتفاق التطبيع مع إسرائيل، نفس النظام ينتهج سياسة ازدواجية التعامل إذ أنه تربطه علاقات طبيعية مع دول عربية مطبّعة مع إسرائيل منذ عقود كمصر والأردن، ودول تسعى الجزائر لإقامة علاقات استراتيجية معها من خلال دعم إحداث مشاريع اقتصادية في الجزائر وعلى رأسها الإمارات التي تعتبر علاقاتها مع إسرائيل الأقوى ما بين الدول العربية المطبعة. بل الأبعد من ذلك، فقد كشفت مجلة Media Part مفاجئة من العيار الثقيل حينما كشفت عن وجود اتفاق تجاري سري بوساطة مصرية بين قيادات الجيش الجزائري وإسرائيل في العام 2014.

لكل ذلك الأسباب، خرج رئيس الدبلوماسية الجزائرية ليعلن قطع العلاقات مع المغرب في مؤتمر صحفي بعد اجتماع للمجلس الأعلى للأمن باستحضاره التاريخي للخلاف المغربي-الجزائري الذي كانت بداياته منذ العام 1963، متهما المغرب بشن حرب عدوانية مفتوحة ضد الجزائر آنذاك، مشيرا إلى أن الرباط عبر أجهزتها الأمنية تشن حربا إعلاميا وواسعة النطاق ضد الجزائر قيادة وشعبا، وقيام دبلوماسييها بخلق إشاعات ونشر معلومات مغرضة عن الجزائر في إشارة إلى ما قاله مندوب المغرب لدى الأمم المتحدة عمر هلال الذي اعتبر لعمامرة تصريحه انحراف خطير جدا وغير مسؤول من خلال تطرقه لحق تقرير المصير لشعب القبائل، منددا بصمت السلطات المغربية تجاه ذلك، وهو ما اعتبره الدبلوماسي الجزائري دلالة واضحة على دعم السلطات المغربية من أعلى الهرم لهذه التصريحات.

كما أشار لعمامرة إلى أن عملية تطبيع المغرب مع إسرائيل هدفه استخدام المغرب أراضيه كقاعدة خلفية للتخطيط لاعتداءات خطيرة وممنهجة ضد الجزائر بالتعاون مع إسرائيل، بحيث اتهم السلطات المغربية بمنح موطئ قدم لقوة عسكرية أجنبية في المنطقة المغاربية وهو ما يشكل عملا خطيرا ضد دولة جارة وانتهاكا للمادة 5 معاهدة الإخوة وحسن الجوار والتعاون الموقعة بين البلدين.

وقد واصل لعمامرة توجيه اتهاماته للمغرب، والتهمة هذه المرة دعم الإرهاب وذلك عبر تحريض منظمات إرهابية كالماك ورشاد لزعزعة استقرار وأمن الجزائر لافتعال حرائق الغابات التي شهدتها عدد من الولايات الجزائرية، بالإضافة إلى تهمة التجسس بحيث  قال لعمامرة أن الاستخبارات المغربية تستخدم تكنولوجيا إسرائيلية عبر برنامج بيغاسوس للتجسس على مسؤولين ومواطنين جزائريين.

ولم تقف التصريحات والقرارات الجزائرية عند هذا الحد، بحيث أكد لعمامرة أن قرار قطع العلاقات مع المغرب هو قرار سيادي ونهائي لا رجعة فيه و غير قابل للنقاش، متهما المغرب على هامش اجتماع وزراء الخارجية العرب بأنه السبب وراء تدهور العلاقات بين البلدين على خلفية ما أسماها الاعتداءات المغربية في محاولة لضرب استقرار ووحدة الجزائر.

لم تتوقف القرارات الجزائرية فقط عند نقطة قطع العلاقات الدبلوماسية، بل تجاوزت الأمر بإعلانها غلق الأجواء الجزائرية في وجه الطيران المغربي، بحيث أغلقت الجزائر  مجالها الجوي أمام جميع الطائرات المدنية والعسكرية المغربية وكذلك التي تحمل رقم تسجيل مغربي، متهمة المملكة المغربية بمواصلة ما أسمته الاستفزازات والممارسات العدائية تجاهها.

وعلى إثر هذه الخطوة، صرح مسؤولون في الخطوط الملكية المغربية، على أن المغرب لن يتضرر بشكل كبير من هذا القرار، بحيث أنه لن يؤثر إلا على  رحلة أسبوعيا تربط المغرب بكل من تونس، مصر، تركيا، وسيتم تحويل مسارها عبر البحر الأبيض المتوسط. في حين لم تصدر السلطات المغربية أي ردة فعل على هذا القرار -المعاملة بالمثل- بحيث لازال المجال الجوي المغربي مفتوح أمام الطائرات الجزائرية.


ثانيا: ردود الأفعال إزاء قرار قطع العلاقات بين الجزائر والمغرب

توالت ردود الأفعال حول قطع العلاقات بين الجارتين الجزائر والمغرب على إثر قرار أحادي الجانب اتخذته الجزائر ومن أبرزها:

المغرب:  كانت أولى ردود الأفعال عن قطع العلاقات صادرة من البلد المعني بذلك، بحيث أصدرت الخارجية المغربية بيانا، أكدت من خلاله أن المملكة المغربية أخذت علما بالقرار الأحادي الجانب من السلطات الجزائرية بشأن قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، وأوضح  البيان على أن المغرب يعرب عن أسفه لهذا القرار غير المبرر والمتوقع، بالنظر إلى التصعيد الذي تم رصده من الجانب الجزائري، رافضا بشكل قاطع المبررات الزائفة بل العبثية التي استندت عليها السلطات الجزائرية للخروج بهذا القرار. كما أكد البيان على أن المغرب سيظل شريكا موثوقا ومخلصا للشعب الجزائري وسيواصل العمل بكل حكمة ومسؤولية من أجل تطوير علاقات مغاربية مسؤولة وبناءة[48].

أما رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني، فقد أعرب عن أسفه لما وصلت إليه العلاقات بين البلدين، متمنيا تجاوز هذا الخلاف في القريب، مؤكدا أن بناء الاتحاد المغاربي وعودة العلاقات إلى طبيعتها بين البلدين الشقيقين هو قدر محتوم وضروري تمثيله المصالح المشتركة وبناء المستقبل المشترك، بالإضافة إلى مواجهة التحديات الكبرى من خلال العمل المشترك. مؤكدا في الآن ذاته، على أن المغرب يعتبر استقرار الجزائر وأمنها من استقرار المغرب وأمنه والعكس كذلك[49].

وعقب تصاعد الخلاف بين البلدين الجارين، كان الملك محمد السادس في خطاب العرش يجدد دعوته لفتح صفحة جديدة في العلاقات وطي الخلافات من خلال بناء علاقات ثنائية أساسها الثقة وحسن الجوار، داعيا إلى تغليب منطق الحكمة والمصالح العليا من أجل تجاوز الخلافات، موجها دعوته للرئيس الجزائري في هذا الجانب إلى العمل سويا على تطوير العلاقات،  داعيا  إلى إعادة فتح الحدود المغلقة، مشددا  إلى أن أمن الجزائر واستقرارها من أمن المغرب واستقراره.[50]. وقد واجهت دعوة الملك محمد السادس لتجاوز الخلافات، رفض بل تصعيد جزائري أدى في نهاية المطاف إلى اتخاذ الجزائر قرار قطع علاقاتها مع المغرب.

الأمم المتحدة: دعت الأمم المتحدة الجزائر والمغرب إلى إيجاد السبل لإصلاح العلاقات بين البلدين في سبيل تحقيق الأمن والاستقرار  في المنطقة المغاربية، وقد أكد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن المنظمة أخذت بعلم قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، ومن هذا المنطلق أشار دوجاريك إلى أن الأمين العام أنطونيو غوتيريش يشجع البلدين على المضي قدما نحو ترميم العلاقات بما يحقق السلام والأمن الازدهار  لشعبي البلدين وللمنطقة ككل[51].

الولايات المتحدة: وبدورها، أكدت واشنطن على ضرورة تحسين العلاقات بين الجزائر والمغرب لأن ذلك سيدعم مواجهة التحديات الإقليمية بشكل أفضل، وقد أشار مسؤول في الخارجية الأمريكية على أن إدارة بلاده اطلعت على التقارير التي تفيد قطع الجزائر علاقاتها مع المغرب، مؤكدا على أنها تؤمن بأن تحسين العلاقات بين البلدين سيساهم في معالجة القضايا الثنائية والإقليمية بشكل فعال خصوصا ما يتعلق بالجرائم العابرة للحدود كالهجرة غير الشرعية، الإرهاب، تهريب المخدرات وبالإضافة إلى إنعاش التكامل التجاري[52].

فرنسا: طالبت خارجية فرنسا عبر بيان لها كل من المغرب والجزائر العودة إلى منطق الحوار من أجل الدفع نحو مزيد من الاستقرار في المنطقة المغاربية، كما أكدت تمسك فرنسا بتعميق العلاقات والحوار مع دول المنطقة في سبيل ترسيخ الاستقرار والازدهار فيها. باعتبار البلدان شريكان أساسيان بالنسبة لفرنسا[53].

المنظمات الإقليمية:  توالت ردود أفعال العديد من المنظمات الإقليمية على قرار الجزائر قطع علاقاتها مع المغرب كانت أبرزها:

  • الاتحاد الأوروبي: أكد المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية أن كلا من المغرب والجزائر يعتبران شريكان مهمان بالنسبة للاتحاد الأوروبي، ولذلك فإن الاتحاد يولي أهمية للموضوع وذلك في سبيل رأب الصدع بين البلدين، مشيرا إلى أن الاتحاد التزم على الدوام لتعزيز العلاقات البناءة والحوار والتعاون بين الجارتين الجنوبيتين في إطار سياسة الجوار وفي إطار الاتحاد من أجل المتوسط، كما أكد أنه على استعداد لتقديم المساعدة ودعم الشريكين في أي جهود ترمي إلى إيجاد حل مستدام من أجل علاقات أحسن بينهما[54].
  • الاتحاد الإفريقي: أعرب الاتحاد الإفريقي عن أسفه العميق لقطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب وهما إحدى الدول الأساسية والمركزية في الاتحاد الإفريقي، داعيا البلدين إلى الامتناع عن أي عمل من شأنه التصعيد في الأزمة مع دعوة الطرفين إلى الانخراط بجدية في تبني نهج السلام والتعاون المثمر من أجل مصلحة البلدين. مؤكدا في ذات الوقت، على استعداد الاتحاد الإفريقي لدعم أي مبادرة لاستئناف العلاقات الأخوية في خدمة السلام والازدهار في المنطقة المغاربية خاصة والإفريقية بشكل عام[55].
  • جامعة الدول العربية دعت جامعة الدول العربية عبر أمينها العام للأمم المتحدة إلى ضرورة الحفاظ على ضبط النفس بين المغرب والجزائر، معربا عن أسفه لما آلت إليه العلاقات بين البلدين عقب إعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، معتبرا إياهم بلدان رئيسيان في منظومة العمل العربي المشترك، مضيفا إلى أن الأمل معقود على استعادة الحد الأدنى من العلاقات بما يحافظ على مصالح واستقرار البلدين[56].
  • منظمة التعاون الإسلامي: دعت منظمة التعاون الإسلامي على إثر بيان صادر عنها، الطرفين إلى تغليب مبدأ حسن الجوار وتغليب المصالح العليا للبلدين، نظرا للتاريخ والمصالح المشتركة التي تجمعهما، كما أكدت المنظمة أن المغرب والجزائر عضوان فاعلان ومؤثران في العمل الإسلامي المشترك، كما دعت إلى اعتماد لغة الحوار وتبادل وجهات النظر لحل الخلافات العالقة بينهما[57].

الدول العربية: أعربت العديد من الدول العربية عن آسفها لقرار الجزائر قطع العلاقات مع المغرب وكانت أبرز ردود الفعل كالتالي:

  • السعودية: كانت السعودية أولى الدول العربية التي علّقت على قرار قطع الجزائر علاقاتها مع المغرب، إذ عبّرت الخارجية السعودية، عن آسف حكومة بلادها لما آلت إليه تطورات العلاقات بين البلدين الشقيقين. كما دعت البلدين إلى تغليب لغة الحوار والدبلوماسية لإيجاد حلول للمسائل الخلافية، بما يسهم في فتح صفحة جديدة للعلاقات في أسرع وقت ممكن. وذلك بما يعود بالنفع على شعبي البلدين في سبيل تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة ولتعزيز العمل العربي المشترك.
  • وعلى ضوء الأزمة الدبلوماسية التي تمر بها العلاقات بين البلدين، أجرى وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود محادثات هاتفية مع نظرائه المغربي-الجزائري، بحث من خلالها حسب ما تناقلته وسائل إعلام سعودية سبل تعزيز العلاقات الثنائية بما يحقق مصالح البلدين، بالإضافة لبحث التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
  • مصر: إلى جانب السعودية، تحاول مصر لعب دور  الوسيط في أزمة العلاقات المغربية الجزائرية. ففي خضم قرار  الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، أعلن بيان للخارجية المصرية، بأن وزيرها سامح شكري أجرى محادثات هاتفية مع كل من وزيري خارجيتي المغرب والجزائر، تطرق من خلالها للتطورات الأخيرة التي شهدتها العلاقات بين البلدين، وسبل الدفع قدما لتجاوز ظروف الأزمة بين الطرفين. كما أكد شكري على ضرورة إعلاء لغة الحوار والحلول الدبلوماسية لحلحلة المسائل والقضايا الخلافية العالقة بين البلدين، وذلك في سبيل تعزيز العمل العربي المشترك الذي تضطلع فيه كل من المغرب والجزائر بدور محوري في آلياته المختلفة[58].
  • ليبيا: البلد المغاربي الذي يعاني من أتون صراع امتد لسنوات كانت له انعكاسات على المنطقة، عبر عن أسفه لما آلت إليه العلاقات بين البلدين، وقد دعا بيان صادر عن الخارجية الليبية باعتبار ليبيا ترأس الدورة الحالية لوزراء خارجية اتحاد المغرب العربي، الدولتين إلى ضبط النفس وعدم التصعيد والتمسك بالمبادئ والأهداف المشتركة التي تأسس من أجلها اتحاد المغرب العربي وذلك خدمة لازدهار المنطقة وتطلعات شعوبها[59].
  • الأردن: أما الأردن التي تربطها علاقات متميزة بالمغرب، فهي أيضا أعربت عن أسفها للتطورات الأخيرة التي شهدتها العلاقات الجزائرية المغربية، داعية في بيان أصدرته وزارة الخارجية إلى تغليب لغة الحوار، وحل جميع الخلافات عبر  هذا الخيار  للعودة بالعلاقات إلى طبيعتها بما يعزز أمن واستقرار وازدهار المنطقة، ويرسخ دور البلدين الهام في منظومة العمل العربي المشترك. كما أكد البيان حرص الأردن الدائم لتعزيز العمل العربي المشترك، ورأب الصدع والخلاف بين الأشقاء العرب، وإدامة التواصل والحوار خدمة لمصالح القضايا العربية[60].
  • الإمارات: أعربت الخارجية الإماراتية هي أيضا عن أسفها لقطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب، بحيث أكد وزير خارجيتها عبد الله بن زايد آل نهيان حرص الإمارات الدائم على استقرار وقوة العلاقات العربية ووحدتها وتطويرها لما يخدم مصلحة شعوبها ويعزز ازدهارها ونهضتها، كما أشار بيان الخارجية الإماراتية على أن الإمارات تربط علاقات أخوية متينة مع كلا البلدين وتسعى إلى تطويرها وتنميتها بما ينسجم مع توجه الدولة الداعم لكل الجهود المشتركة وذلك بما يخدم قضايا ومصالح المنطقة العربية[61].
  • الكويت: أعربت الخارجية الكويتية عن أسفها لما آلت إليه الأوضاع بين المغرب والجزائر، معربة عن أملها لطي صفحة هذه الأزمة عبر الحوار بما يضمن عودة العلاقات على نحو يحقق مصالح البلدين ويخدم ويعزز العمل العربي المشترك وذلك لمواجهة التحديات التي تعاني منها المنطقة.
  • البحرين: ومن جانبها، أعلنت الخارجية البحرينية عن أسفها لما وصلت إليه العلاقات بين المغرب والجزائر، داعية إلى حل الخلافات بالطرق الدبلوماسية انطلاقا من الدعوة التي وجهها الملك محمد السادس في خطاب عيد العرش، كما أكدت على أهمية تقوية العلاقات البينية العربية والعمل على تعزيزها وتجاوز كل الخلافات وفتح صفحة من العلاقات بما يخدم مصالح البلدين[62].
  • العراق: وفي نفس السياق، أعربت العراق عن أسفها لقطع العلاقات بين المغرب والجزائر، موجهة دعوتها للطرفين لاعتماد الطرق الدبلوماسية لحل الخلافات البينية. كما وجهت دعوتها للجانبين إلى السعي نحو كل ما من شأنه تحقيق علاقات مستقرة، بعيدا عن التصعيد الذي له تداعيات سلبية على مصالح البلدين، والاعتماد على السبل الدبلوماسية بالجلوس على طاولة الحوار لحل الخلافات ومحاولة إصلاحها[63].

ثالثا: سيناريوهات مستقبل العلاقات المغربية-الجزائرية

يحكم مستقبل العلاقات المغربية-الجزائرية سيناريوهين وهما:

سيناريو التهدئة وتحسين العلاقات:

تبقى إمكانية حدوث هذا السيناريو  ضعيفا أو شبه خصوصا في ظل الوضع الراهن التي تشهده العلاقات المغربية-الجزائرية من توتر  وصل إلى أعلى مستوياته تشبت الجزائر بقرار قطع العلاقات، ولكن يبقى ممكنا في حالة تراجعت الجزائر عن قرارها وقبلت الدعوة المغربية من أجل درء الخلافات وفتح صفحة جديدة في العلاقات بما يخدم مصلحة البلدين والمنطقة المغاربية من خلال تكامل إقليمي اقتصادي عبر إحياء اتحاد المغرب العربي الذي بقي جامدا نتيجة الخلاف السائد منذ عقود بين البلدين، كما يبقى هذا السيناريو ممكنا في حالة كانت هناك وساطة لأحد الفاعلين الدوليين أو الإقليميين المؤثرين الذين يحضون باهتمام لدى صناع القرار في الدولتين، وذلك من خلال حلحلة الخلافات لكسر جليد التوتر الدائم بين البلدين.

سيناريو التصعيد والقطيعة:

يبقى السيناريو السائد في ظل راهن العلاقات المغربية الجزائرية من خلال استمرار نمط التوتر والخلاف الذي وصل إلى حد القطيعة الدبلوماسية، وذلك راجع إلى مجموعة من الاعتبارات يحكمها منطق المصلحة والزعامة الإقليمية، فمن جهة، فإن إعادة العلاقات المغربية-الجزائرية إلى وضعها الطبيعي عبر الانفتاح إلى التعاون والشراكة وفتح الحدود ليس في صالح  السلطة الحاكمة في البلدين، وبالأخص في الجزائر التي تعول مؤسستها العسكرية على طول أمد الصراع من أجل تحقيق مزيد من المكاسب من وراء هذا النزاع، ومن جهة أخرى فإن التنافس الإقليمي عبر تبوء مكانة إقليمية بارزة من خلال قيادة المنطقة المغاربية تعتبر من المطبات التي تقف أمام أي إصلاح في العلاقات المغربية-الجزائرية. ([64])


[1] – أنظر في ذلك: خليفة حفتر يعلّق مهامه العسكرية قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية في ليبيا، القدس العربي، بتاريخ 22 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

حفتر “يستعد” للترشح وألمانيا تدعو لإجراء الانتخابات بموعدها، DW، بتاريخ 22 سبتمبر 2021ـ متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[2] – ليبيا.. اكتشاف مقبرتين جديدتين في ترهونة، الأناضول، بتاريخ 26 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[3] – أنظر في ذلك: إلى مجلس حقوق الإنسان الأممي: جدّدوا ولاية بعثة تقصّي الحقائق في ليبيا، هيومن رايتش ووتش، بتاريخ 21 سبتمبر 2021، متوفر على الرابط التالي: الرابط

[4] – السودان يعلن ضبط شحنة سلاح قادمة من ليبيا، وكالة الأناضول، بتاريخ 18 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[5] – مجلس النواب الليبي يسحب الثقة من حكومة الدبيبة، أصوات مغاربية، بتاريخ 21 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[6] – رئيس المجلس الأعلى ردّاً على سحب الثقة: الحكومة الليبية مستمرة في أداء مهامها، العربي الجديد، بتاريخ 21 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[7] – أعيان من شرقي ليبيا يؤكدون دعمهم لحكومة الدبيبة، وكالة الأناضول، بتاريخ 23 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[8] – ليبيا.. “الإفتاء” تدعو إلى مظاهرات الجمعة لإسقاط البرلمان‎‎، وكالة الأناضول،  بتاريخ 23 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي:  الرابط

[9] – حسين مصطفى: رفض واسع لسحب الثقة من حكومة “دبيبة”.. واتهامات لـ”عقيلة”، عربي 21، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[10] – البعثة الأممية: حكومة الوحدة الوطنية تظل «الحكومة الشرعية» حتى إجراء الانتخابات، بوابة الوسيط، بتاريخ 21 سبتمبر 2021، متوفر عبر الموقع التالي: الرابط

[11] – السفير الأمريكي يكشف موقفه من سحب الثقة من الحكومة، أخبار ليبيا، بتاريخ 27 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[12] – ميشال عندور: سحب الثقة من حكومة الدبيبة.. مسؤول أميركي يؤكد ضرورة تنظيم الانتخابات، موقع الحرة، بتاريخ 22 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[13] – عقب قرار سحب الثقة منها.. تركيا تجدد دعمها لحكومة الوحدة الوطنية بليبيا، TRT عربي، بتاريخ 22 سبتمبر 2021، متوفر بالرابط التالي: الرابط

[14] – السودان: إعلان سحب الثقة من الحكومة الليبية يهدد مكاسب تشكيلها، وكالة الأناضول، بتاريخ 22 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[15] – ناصر بوريطة : إجراء الانتخابات في موعدها هو الحل الوحيد للخروج من الأزمة في ليبيا، جريدة الصحراء، بتاريخ 21 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[16] – أنظر في ذلك: شرعية القرار وتداعياته.. لماذا حجب البرلمان الليبي الثقة عن حكومة الدبيبة؟، الجزيرة نت، بتاريخ 22 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

سحب الثقة من حكومة الدبيبة.. تساؤلات حول “دستورية” القرار ومصير الانتخابات، الحرة، بتاريخ 21 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[17] – ليبيا.. هل يوافق مجلس النواب على القاعدة الدستورية للانتخابات؟، العربي، بتاريخ 20 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[18] – أنظر في ذلك: المجلس الأعلى للدولة في ليبيا يعتمد قانون الانتخابات، العربي الجديد، بتاريخ 19 سبتمبر 2021، متوفر على الرابط التالي: الرابط

أيضا: المجلس الأعلى للدولة الليبي يصوت على قاعدة دستورية أخرى ويحيلها إلى مجلس النواب لإقرارها، القدس العربي، بتاريخ 19 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[19] – أنظر في ذلك: قوانين انتخابية متباينة في ليبيا تشعل الخلاف حول انتخابات الرئاسة، الجزيرة نت، بتاريخ 20 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

ليبيا.. هل يوافق مجلس النواب على القاعدة الدستورية للانتخابات؟، مرجع سابق.

[20] – ليبيا.. الدبيبة يؤكد ضرورة إجراء الانتخابات في ديسمبر، وكالة الأناضول، بتاريخ 24 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[21] – رئيس المجلس الرئاسي الليبي يؤكد أهمية الانتخابات في تحقيق تطلعات الليبيين في الوصول إلى نظام ديمقراطي، أخبار الأمم المتحدة، بتاريخ 23 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[22] – واشنطن تؤكد دعمها إجراء انتخابات ليبيا في موعدها، وكالة الأناضول، بتاريخ 24 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[23] – فرنسا تدعو لعقد الانتخابات الليبية في موعدها، وكالة الأناضول، بتاريخ 28 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[24] – بعثة الاتحاد الأوربي تؤكد دعمها لجهود المفوضية نحو الانتخابات القادمة، المفوضية العليا للانتخابات، بتاريخ 15 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[25] – السيسي يؤكد خلال لقائه مع الدبيبة بالقاهرة على أهمية إجراء الانتخابات الليبية في موعدها، فرانس 24، بتاريخ 17 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[26] – قيس سعيد يحكم قبضته على الحكم بمنح نفسه سلطات جديدة، الجزيرة مباشر، بتاريخ 22 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[27] – بعد نحو شهرين من الفراغ الحكومي.. الرئيس التونسي: لست من دعاة الفوضى، العربي، بتاريخ 15 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[28] – تونس في الأمم المتحدة: تدابير سعيّد هدفها بناء “ديمقراطية حقيقية”، Arabic News، بتاريخ 28 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[29] – المرايحي: نعلن أن منصب رئيس تونس شاغر ونطالب بمحاكمة قيس سعيد، أصوات مغاربية، بتاريخ 23 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[30] – حزبان تونسيان يرفضان “الحكم الفردي وعودة الاستبداد”، TRT عربي، بتاريخ 11 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[31] – 5 أحزاب تونسية ترفض دعوات تعليق الدستور، وكالة الأناضول، بتاريخ 28 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[32] – “الدستوري الحر” بتونس: الأمر الرئاسي الأخير لسعيد تكريس لحكم الفرد، وكالة الأناضول، بتاريخ 25 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[33] – تونس: “ائتلاف الكرامة” يدعو للاحتجاج ضد قيس سعيد، العربي الجديد، بتاريخ 22 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[34] – الغنوشي يدعو للنضال السلمي ضد قيس سعيد، الجزيرة مباشر، بتاريخ 23 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[35] – كتلة النهضة البرلمانية: قرارات سعيّد “انقلاب مكتمل الأركان”، وكالة الأناضول، بتاريخ 25 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[36] – منظمات حقوقية تدين “انفراد” الرئيس التونسي بالحكم وقلق أمريكي من تدابير سعيّد، الجزيرة، بتاريخ 25 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[37] – 22 جمعية تونسية تحذر سعيد من خطورة “إحكام قبضته” على مقاليد الحكم، وكالة الأناضول، بتاريخ 28 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[38] – الاتحاد التونسي للشغل يحذر من مخاطر حصر السلطات في يد الرئيس سعيّد، DW، بتاريخ 24 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[39]– وقفة رافضة لقرارات سعيد في صفاقس التونسية، وكالة الأناضول، بتاريخ 25 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

     تونس… وقفة ضد القرارات الاستثنائية لرئيس البلاد، وكالة الأناضول، بتاريخ 26 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[40] – واشنطن تطالب بعملية إصلاح “شفافة وشاملة” في تونس، وكالة الأناضول، بتاريخ 30 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[41] – تونس.. وفد من الكونغرس يزور قيس سعيد ويحثه على العودة للمسار الديمقراطي، TRT عربي، بتاريخ 4 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[42] – فرنسا: نتطلع لتجاوز تونس هذه المرحلة بما يدعم تجربتها الديمقراطية، وكالة الأناضول، بتاريخ 5 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[43] – سفراء مجموعة الدول السبع يدعون تونس إلى العودة لنظام دستوري وبرلمان منتخب، العربي الجديد، بتاريخ 6 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[44] – الاتحاد الأوروبي يعرب عن “مخاوف” بشأن الوضع السياسي في تونس، القدس العربي، بتاريخ 10 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[45] – حسن سليمان: الرئيس التونسي يكلف نجلاء بودن بتشكيل حكومة جديدة، القدس العربي، بتاريخ 29 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[46]– نجلاء بودن: سأعمل على تشكيل حكومة تونسية متجانسة لمواجهة الصعوبات الاقتصادية، صحافة الجديد، بتاريخ 29 سبتمبر 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[47] – اختيار أول رئيسة للحكومة في تاريخ تونس… إعلاء لشأن المرأة أم دعاية سياسية؟ سبوتنيك، بتاريخ 1 أكتوبر  2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[48] – المغرب يأسف لقرار الجزائر قطع العلاقات ويرفض “الذرائع الواهية”، الجزيرة، بتاريخ 24 أغسطس 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[49] – رئيس الحكومة المغربية: عودة العلاقات مع الجزائر إلى طبيعتها “قدر محتوم”، RT عربي، بتاريخ 24 أغسطس 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[50] – عاهل المغرب يدعو الجزائر لبناء علاقات ثنائية أساسها الثقة كلمة متلفزة للملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 22 لتوليه الحكم، وكالة الأناضول بتاريخ 01 أغسطس 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[51] – الأمين العام للأمم المتحدة يشجع الجزائر والمغرب على إيجاد طريقة لإصلاح العلاقات، أخبار الأمم المتحدة، بتاريخ 25 أغسطس 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[52] – المغرب والجزائر.. الخارجية الأميركية توضح أهمية تحسين العلاقات، الحرة، بتاريخ 25 أغسطس 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[53] – باريس تدعو إلى الحوار حلا لأزمة الجزائر والمغرب، وكالة الأناضول، بتاريخ 25 أغسطس 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[54] – الاتحاد الأوروبي يعلق على قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، جرايزس، بتاريخ 26 أغسطس 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[55] – الاتحاد الإفريقي يعلن استعداده لدعم أي مبادرة لاستئناف العلاقات بين المغرب والجزائر، RT عربي، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[56] – جامعة الدول العربية تدعو المغرب والجزائر إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد، Rue 20، بتاريخ 25 أغسطس 2021، متوفر على الرابط: الرابط

[57] – منظمة التعاون الإسلامي تدعو الجزائر والمغرب إلى تغليب المصالح العليا بينهما، منظمة التعاون الإسلامي، بتاريخ 25 أغسطس 2021، متوفر عبر الرابط: الرابط

[58] – مصر تتدخل لاحتواء الأزمة بين الجزائر والمغرب ودفع العلاقات بينهما، الوطن نيوز، 27 أعسطس 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[59] – ليبيا تعلق على قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، RT عربي، بتاريخ 26 أغسطس 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[60] – الأردن يأمل بتغليب “لغة الحوار” في أزمة الجزائر والمغرب، وكالة الأناضول، بتاريخ 26 أغسطس 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[61] – الإمارات تعلق على قطع العلاقات الجزائرية المغربيةـ سبوتنيك، بتاريخ 26 أغسطس 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[62] – الكويت والبحرين تأسفان لقطع العلاقات الجزائرية المغربية، الخليج أونلاين، بتاريخ 26 أغسطس 2021ـ متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[63] – العراق يأسف لقطع العلاقات بين الجزائر والمغرب، وكالة الأناضول، بتاريخ 27 أغسطس 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

([64]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.