المرصد المغاربي ـ 10 يونيو 2021

يتناول هذا العدد من التقرير أهم التحولات السياسية في كل من تونس والجزائر خلال شهر مايو 2021، وذلك على النحو التالي:

المشهد التونسي

تونس: وثيقة “انقلاب قيس سعيد” .. الحيثيات والتفاعلات

قام موقع Middle East Eye البريطاني، بنشر وثيقة وصفها بالسرية، يعود تاريخها إلى 13 مايو 2021، وهي مسربة من مكتب مديرة الديوان الرئاسي نادية عكاشة، ينطوي محتواها عن انقلاب دستوري يقوم به الرئيس قيس سعيد بانتزاع السلطات من أيدي باقي مؤسسات الدولة عبر بوابة تفعيل المادة 80 من الدستور.

أولا: مضامين الوثيقة المسربة

من أبرز ما جاء في الوثيقة المسربة حول خطة انقلاب الرئيس تحت مسمى “ديكتاتورية دستورية” ما يلي:

  • دعوة خصوم رئيس الجمهورية قيس سعيد السياسيين وأبرزهم رئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن القومي في القصر الرئاسي تحت ذريعة مناقشة الوضع الوبائي والأمني والاقتصادي التي تمر به البلاد. وفي إطار ذلك، سيبلغ سعيد المجتمعين بخطة الديكتاتورية الدستورية وذلك عبر تركيز كل السلطات في يده، ومن تم انتزاع جميع الصلاحيات من أيدي جميع الهيئات المنتخبة، تحت مزاعم ما تمر به البلاد من ظروف استثنائية صعبة. وذلك من خلال تفعيل نص الفصل 80 من الدستور[1] الذي يسمح للرئيس بالاستيلاء على السلطات في حالة الطوارئ الوطنية.
  • تنص الوثيقة أيضا بعدم السماح لرئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي بمغادرة القصر الذي سيكون في عزلة تامة عن الخارج.
  • وضع العديد من السياسيين والنواب البارزين تحت الإقامة الجبرية من أبرزهم نور الدين البحيري، ورفيق عبد السلام، عبد الكريم الهاروني، سيد الفرجاني عن حركة النهضة، وأيضا الوجوه البارزة في كل من أحزاب قلب تونس سفيان طوبال وغازي القروي، بالإضافة إلى سياسيين من أحزاب أخرى ورجال أعمال وموظفين بارزين في ديوان رئاسة الوزراء.
  • بالتزامن مع ذلك، سيتم إلقاء القبض على العديد من كبار رجال الأعمال والسياسيين، وإعفاء جميع المنتمين إلى الأحزاب السياسية من مناصبهم في البلاد، ومنع أي برلماني مطلوب للمحاكم التونسية من مغادرة البلاد.
  • تنص الوثيقة على تعيين اللواء خالد اليحياوي وزيرا للداخلية بالإنابة، وإجراء تعديل وزاري شامل مع الإبقاء على رئيس الحكومة فقط دون غيره بصفة مؤقتة، وذلك لأن الإقالة تنطوي تحتها إجراءات معقدة منها تصويت البرلمان. ولتجنب كل تلك التعقيدات تنص الوثيقة على الإبقاء اضطراريا على هشام المشيشي.
  • في سبيل امتصاص الغضب الشعبي، سيتم تخفيض أسعار السلع الأساسية والوقود بنسبة 20 بالمئة، مع تعليق تسديد فواتير الكهرباء والمياه والإنترنت والهاتف والقروض والضرائب لمدة 30 يوما، سيقوم قيس سعيد بتوجيه خطاب تلفزيوني موجه إلى الأمة يعلن فيه عن انقلابه.

ثانيا: ردود الأفعال حول “وثيقة الانقلاب”

فجّرت الوثيقة المسربة جدلا واسعا في تونس تواترت على إثره العديد من ردود الأفعال من أبرزها:

الرئاسة التونسية:

 وفي رد فعلها على الوثيقة المسربة، نفت الرئاسة التونسية ما تم تداوله في نص الوثيقة أن الرئيس يخطط لانقلاب دستوري، وهذا ما أكده مستشار الرئيس وليد الحجام الذي أشار إلى أن توقيت نشر الوثيقة غير برئ، تقف وراءه جهات لا تريد الخير لتونس وتعمل على التشويش بهدف تشويه مؤسسة رئاسة الجمهورية والمس بهيبة الدولة التونسية، مؤكدا أن رئيس الجمهورية المنتخب من طرف الشعب وبصفته رجل قانون حريص على حماية الدستور من أي ممارسات غير ديمقراطية، مضيفا أن عهد الانقلابات قد انتهى. وقد أوضح الحجام أن الوثيقة المزعومة تتضمن العديد من الأخطاء الشكلية التي لا يمكن أن تصدر عن الرئاسة، مؤكدا أن الأخيرة لا تتعامل بهذه الأساليب السخيفة، معتبرا إياها مسرحية سيئة الإخراج يتم تسويقها بهدف التشويش على الوضع في تونس.

لكن في الوقت نفسه، فقد رد مستشار رئيس الجمهورية حول ما تم تداوله في مضمون الوثيقة حول تفعيل الفصل 80 من الدستور، معتبرا أن هذا الفصل هو جزء من الدستور، وإذا رأى الرئيس أن هناك مصلحة في تطبيقه فإنه سيفعل ذلك.

وفي هذا الصدد، وفي تصريح له حول الوثيقة المسربة وعقب لقائه برئيس الحكومة هشام المشيشي ووزير الدفاع ابراهيم البرتاجي، قال قيس سعيد إنهم ليسوا من دعاة انقلاب ولا دعاة خروج عن الشرعية، بل دعاة التكامل بين المؤسسات. مضيفا، أنه على الرغم من الاختلاف في وجهات النظر والتصورات أو في المقاربات، فإن ذلك لن يكون إلا في ظل دولة واحدة لها دبلوماسية واحدة ولها تكامل في إطار تنسيق كامل بين مؤسساتها على ضوء احترام الدستور والقانون. مؤكدا أن الدولة ليست قائمة على تصفية الحسابات، بل على احترام المؤسسات باعتبارها دولة قانون.

أمن رئاسة الجمهورية:

من جهته، استنكر جهاز أمن رئيس الجمهورية، ما جاء في مضمون الوثيقة، والتي أشارت على أنه سيكون له دور مهم في تنفيذ عملية الانقلاب، مؤكدا أن ما تم نشره هو عبارة عن مغالطات خطيرة في شأن الإدارة العامة لأمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية، كما أنها تدخل في زاوية المس من هيبة السلطة ومبادئ الشرف والحياد والأمانة، وأن ذكر أسماء قادة وضباط في هذا الجهاز يعد ضربا وكشفا لمعلومات سرية خطيرة.

الأحزاب السياسية:

 وقد تجلت أبرز ردود الأفعال الحزبية حول ما ورد في تقرير Middle East eye في بيان أصدرته “حركة النهضة”، دعت فيه إلى ضرورة فتح تحقيق قضائي وبرلماني في مضمون الوثيقة التي نشرها الموقع، بحيث أدانت الحركة ما ورد في الوثيقة المسربة، وما تضمنته من توجيهات ومقترحات خطيرة تحت طائلة الفصل 80 من الدستور. وفي سبيل ذلك أكدت الحركة على ضرورة تسريع التحقيق حول هذه الملابسات الخطيرة وذلك في سبيل طمأنة الرأي العام الوطني والدولي، وتفاديا لانزلاق البلاد نحو منحنيات خطيرة ممكن أن تعصف بالتجربة الديمقراطية التونسية.

كما دعت في نفس الوقت إلى تشكيل جبهة وطنية تضم جميع المنظمات الوطنية والأحزاب ونشطاء المجتمع المدني وذلك في سبيل الدفاع عن المسار الديمقراطي والحقوق والحريات والوقوف أمام كل المخططات التي تريد أن تنسف بالتجربة الديمقراطية التونسية على ضوء المكاسب التي حققتها الثورة في جل الجوانب والمجالات.

فيما أعلنت كتلة ائتلاف الكرامة بالبرلمان، عن رفع شكاية قضائية أمام وكيل الجمهورية في المحكمة الابتدائية في تونس ضد مديرة الديوان الرئاسي نادية عكاشة وكل من سيكشف عنه البحث والتحقيق من أجل ارتكاب جريمة التآمر لتبديل هيئة الدولة والوفاق الإرهابي بهدف حمل وإجبار أجهزة الدولة على فعل شيء من علائقها، وذلك لأحكام الفصول 68 و 69 و70 و71 و 72 و73 من المجلة الجزائية، هذا فضلا عن الفصل 13 من قانون الإرهاب، وذلك على خلفية ما تم نشره من وقائع على الموقع البريطاني Middle East Eye.

أما كتلة قلب تونس فقد كانت لها نظرة أخرى، بحيث أعلنت على لسان رئيسها أسامة الخليفي، وذلك تعقيبا على ما جاء في الوثيقة المسربة أن زمن الانقلابات انتهى والدولة محصنة بالشعب والمؤسسات. كما أوضح الخليفي أن الهدف من وراء هذا التسريب هو إرباك عمل مؤسسات الدولة، وخلق صراع في دواليبها، مؤكدا أن الكتلة لا تعطي أهمية لمثل هذه المواضيع رغم أنها تساهم في تأزيم الوضع وتروج لصورة أن تونس تعيش في كنف اللاستقرار السياسي-المؤسساتي؛ ومن أجل ذلك دعت الكتلة إلى ضرورة التصدي لكل هذه المحاولات التي تريد النيل من أمن واستقرار تونس.

وعلى نفس المنحى، أكد الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي، أن هناك جهات تستثمر في الأزمات التي تعيشها البلاد، في ظل الخلافات السارية بين مؤسسات الدولة، هدفها تأجيج الصراع بين هذه المؤسسات عبر الترويج لأخبار زائفة هدفها بث الخوف في صفوف المواطنين. مشيرا أن هناك أطراف خارجية بالتعاون مع أطراف داخلية تحاول ضرب تونس وتأجيج الوضع بعدما ظهرت مؤشرات إيجابية عن انفراج الأزمة السياسية بين مؤسسات الدولة. مشيرا أن الخفي من وراء هذه المشاريع هو هدم الانتقال الديمقراطي التي جاءت به الثورة التونسية.

وفي خضم كل هذه التجاذبات، قررت النيابة العمومية في تونس فتح تحقيق حول ماجاء في محتوى الوثيقة التي نشرها موقع Middle East Eye حول خطة انقلاب يقودها رئيس الجمهورية، وذلك بإجراء بحث تحقيقي بواسطة أحد القضاة وفق الفصل 31 من نظام الإجراءات الجزائية والذي ينص على أن: ” لوكيل الجمهورية إزاء شكاية لم تبلغ حد الكفاية من التعليل أو التبرير، أن يطلب إجراء بحث مؤقت ضد مجهول بواسطة حاكم التحقيق إلى أن توجه أو تصدر عند الاقتضاء طلبات ضد شخص معين”. وقد جاء قرار النيابة بفتح تحقيق حول ملابسات الموضوع بعد ارتفاع العديد من الأصوات الداعية في البحث حول حيثيات الموضوع، وذلك لما يشكله هذا الأمر من تهديد مباشر وخطير للأمن القومي التونسي.

ثالثا: استنتاجات عامة

من كل ذلك، يمكن الخروج باستنتاجين حول الجدل الدائر في تونس فيما يخص الوثيقة المسربة:

الاستنتاج الأول:

يعبر عنه فريق يدعو إلى ضرورة التحقيق في المضامين التي تم نشرها على موقع Middle East Eye، وذلك في سبيل التأكد من مدى صحة ما تم تداوله. خصوصا أن المؤشرات الأخيرة التي ظهر عليها الرئيس والجدل حول تصريحاته التي حملت في طياتها دلالات حول محاولاته توسيع صلاحياته تحت ذريعة الوثيقة الدستورية. كان آخرها إعلانه في ذكرى الاحتفال بعيد قوات الأمن الداخلي على أنه هو القائد الأعلى للقوات المسلحة والمدنية. وأن الدستور يخول له كل الصلاحيات في إطار ذلك، هذه التصريحات التي جعلت مؤسسة الرئاسة في مرمى الشكوك على ضوء هذه الوثيقة المسربة.

فلقد أثارت تصريحات وقرارات قيس سعيد منذ بدء أزمة التعديل الوزاري جدلا واسعا في الأوساط السياسية، بحيث اعتبرتها العديد من المكونات والمتابعين للحقل السياسي التونسي انحرافا على النهج الديمقراطي التونسي عبر عرقلة الحياة السياسية والسعي لتعطيل أجهزة الدولة وتفكيك مكوناتها، وذلك من خلال سعي رئيس الجمهورية إلى احتكار جميع السلطات والصلاحيات، عبر استغلال الثغرات القانونية من أجل الانقلاب على السلطة تدريجيا ومحاولة الاستيلاء على الحكم وبسط النفوذ، وهذا ما يشكل عاملا مساعدا في تعميق الأزمة المندلعة من شهور وانتقالها إلى مستويات أكثر تعقيدا من الممكن أن تكون لها تداعيات خطيرة على مستقبل تونس السياسي وعلى تجربتها الديمقراطية.

الاستنتاج الثاني:

يرى أصحاب هذه النظرية أن تسريب الوثيقة في ظل هذه الظرفية هو استثمار واستغلال للأزمة السياسية والمؤسساتية التي تمر بها البلاد، نتيجة الصدام بين اختصاصات وصلاحيات الرؤساء الثلاث )الرئاسة-الحكومة-البرلمان). وذلك بهدف قطع الطريق على أي محاولات لمعالجة أزمة الصلاحيات بين مؤسسات الدولة عبر بوابة حوار وطني سبيله الخروج بتوافقات تنتهي معها دواليب الأزمة السياسية المندلعة منذ نهاية العام الماضي. كما يرى أصحاب هذه الرؤية على أن اختلاق مثل هذه الأزمات هدفه الأكبر هو نسف المسار الديمقراطي التي مرت به تونس منذ الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي عبر مؤامرات خارجية يتم تنفيذها بأيادي داخلية.


المشهد الجزائري

الانتخابات البرلمانية الجزائرية المقبلة: الحيثيات والتفاعلات

تجرى يوم 12 يونيو 2021 الانتخابات البرلمانية بالجزائر، وتعد الأولى بعد الإطاحة بنظام عبد العزيز بوتفليقة على ضوء الحراك الجزائري الذي اندلع في فبراير 2019، وحسب المعطيات التي أدلت بها السلطة المستقلة للانتخابات، يتنافس خلال هذه الانتخابات 1483 قائمة من بينها 646 من أصل 28 حزب سياسي و837 قائمة مستقلة، على 407 من مقاعد المجلس. وتأتي هذه الانتخابات وسط تزايد اشتداد القبضة الأمنية على ضوء تطويق الحراك الداعي إلى تأجيلها لحين تحقيق أهم مطالب الحراك وهي “دولة مدنية لا عسكرية”.

أولاً: حظر مظاهرات الحراك مع اقتراب موعد الانتخابات

أقدمت القوات الأمنية منذ حظر تظاهرات الحراك على اعتقال العديد من الوجوه السياسية والإعلامية والحقوقية، إلى جانب العديد من متظاهري الحراك بحيث وصل مجموع من تم اعتقالهم في مظاهرات شهر مايو إلى أكثر من 2000 متظاهر تم إيداع نحو 100 منهم رهن الحبس الاحتياطي وإصدار مذكرات توقيف في حق 60 شخص.

وقد كانت وزارة الداخلية الجزائرية قد أصدرت قرارا بمنع التظاهر إلا بعد الترخيص له مسبقا وفق شروط وُصفت بالتعجيزية من طرف ناشطي الحراك وذلك في سبيل كبح جماح الحراك الذي بدأت ترتفع أصواته المطالبة بمقاطعة الانتخابات البرلمانية.

قرار السلطات الجزائرية لم ينأى بالجزائريين عن مواصلة حراكهم، الذي امتد إلى خارج الأراضي الجزائرية خصوصا في باريس وجنيف رفضا لقرارات النظام التي تتناقض مع أهداف الحراك الشعبي والتي تسعى من ورائها إلى القضاء على الحراك ونسف مطالبه.

وفي ظل اشتداد القبضة الأمنية على مظاهرات الحراك، نددت منظمات حقوقية جزائرية بالقمع المتزايد قبل الانتخابات البرلمانية التي يقاطعها متظاهرو الحراك الشعبي المؤيد للديمقراطية والرافض لديكتاتورية النظام في تسيير شؤون الدولة، مؤكدة أن القمع المكثف والممنهج من طرف السلطات لدليل واضح على فشل هذا النظام في تدبير الخريطة السياسية وعدم قدرته على إيجاد حل للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد.

ثانياً: المقاطعون والمشاركون في الانتخابات البرلمانية

تقاطع مجموعة من الفعاليات هذه الانتخابات، وعلى رأسها نشطاء الحراك الجزائري ومجموعة من الأحزاب الأخرى، وعلى رأسها الأحزاب اليسارية التي تنضوي تحت لواء تكتل البديل الديمقراطي والتي تضم حزب العمال والاتحاد الديمقراطي الاجتماعي الاشتراكي والحركة الديمقراطية الاجتماعية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية.

وفي إطار اتساع رقعة مقاطعة الانتخابات، أكدت الفئة الرافضة لتنظيمها، وعلى رأسها نشطاء الحراك، على أنها ستكون انتخابات فاشلة وأن البرلمان الذي سيتولد عنها هو برلمان صوري سيكون أداة بيد النظام، كما اعتبرت إجراء الانتخابات بنفس الطريقة والأسلوب الذي عهد إليه النظام السابق، ستساهم في تعميق الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد منذ الإطاحة بنظام بوتفليقة.

وبالمقابل من ذلك، قررت الأحزاب الإسلامية المشاركة في هذه الانتخابات، ومن أبرزها حركة مجتمع السلم التي كانت من أبرز المقاطعين لانتخابات الرئاسة عام 2019، وحركة البناء الوطني؛ وفي إطار ذلك طالب رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، بضرورة توفير ضمانات أكبر لتفادي التزوير في هذه الانتخابات، مؤكدا أن الحركة وضعت ثقتها في الرئيس لضمان شفافية ونزاهة العملية الانتخابية إلى أن يثبت العكس. أما حركة البناء الوطني، فقد دعت إلى إبرام تحالفات على شكل شراكة سياسية، قبل وبعد الانتخابات، تنتج أغلبية برلمانية عن طريق التحالف، وتسمح فيما بعد بتشكيل حكومة سياسية متوافقة مع مؤسسات الدولة.

وفي إطار ذلك تعهدت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، بحماية الأصوات في الانتخابات البرلمانية، بحيث أشارت في بيان لها أن عهد العلبة السوداء أي المحاصصة والتزوير قد انتهى، مع تأكيدها أن دخول الجزائر مرحلة وعصر جديد سوف يكون عبر بوابة البرلمان.

ثالثاً: جدل حول تصريحات قيادة أركان الجيش الجزائري بشأن الانتخابات

دعا قائد أركان الحيش الجزائري سعيد شنقريحة، إلى إفشال ما أسماه مخططات التشويش التي تستهدف بحسبه التأثير على مجريات العملية الانتخابات النيابية المزمع تنظيمها في 12 يونيو. وفي إطار ذلك، لم يحدد شنقريحة الجهة التي تسعى إلى التشويش على هذه الانتخابات، وهل الأمر يتعلق بجهات داخلية أم خارجية.

كما أشار إلى إن الجيش سيسهر على تأمين وضمان السير الآمن للعملية الانتخابية من أجل تمكين المواطنين من التعبير عن أصواتهم في جو يشوبه الهدوء والاستقرار. مؤكدا في نفس الوقت أن المواطن الجزائري قد أصبح أكثر وعيا من أي وقت مضى ولا يمكن تغليطه ودفعه إلى متاهة المخاطر بحيث سيكون صدا أمام كل المخططات التي تستهدف البلاد.

وقد قوبلت تصريحات شنقريحة بالعديد من الانتقادات من طرف ناشطي الحراك والصحفيين الذين أكدوا أن أحوال الجزائر لن تستقيم في ظل الخطابات التي زالت ترددها القيادات العسكرية، منتقدين تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي، مؤكدين في نفس الوقت على ضرورة تحقيق أولى مطالب الحراك وهي دولة مدنية لا عسكرية قبل الذهاب لأي مسار ديمقراطي انتقالي.

توقعات حول نتائج الانتخابات البرلمانية

أما فيما يخص سيناريوهات وتوقعات النتائج التي ستؤول إليه الانتخابات البرلمانية الجزائرية، فقد أكد معظم المتابعين للشأن السياسي الجزائري، بأن كافة المؤشرات ترجح كفة تيار الإسلام السياسي الذي يعتبر الأوفر حظا للفوز في الانتخابات المقبلة، وحصد النسبة الأكبر من أصوات الناخبين. وذلك في ظل غياب ومقاطعة مجموعة من الأحزاب التي كانت لها أهمية كبرى داخل المشهد السياسي والحزبي الجزائري من أبرزها أحزاب التيار الديمقراطي. وفي حال حدوث هذا السيناريو فستكون الكتلة الإسلامية هي الأقرب إلى تشكيل الحكومة المقبلة ضمن تركيبة ائتلافية وهو الخيار الذي يدعمه النظام الحاكم في الجزائر (المؤسسة العسكرية).

ومن صفوة القول، من الواضح، أن انتخابات 12 يونيو ستشهد نسبة مشاركة ضعيفة نتيجة تكالب مجموعة من العوامل، من أبرزها رفض الحراك لهذه الانتخابات قبل تحقيق المطالب التي ناضل من أجلها، بحيث تنطوي نظرة الحراك في تصحيح المسار الديمقراطي وإقامة دولة مدنية متكاملة الأركان، بحيث يعد ذلك هو الهدف الرئيسي لهذه المرحلة في سبيل الوصول إلى إصلاحات جذرية شاملة قبل الذهاب في مسيرة خارطة الطريق التي رسمها الحراك والتي تعتبر الانتخابات من أواخر محطاتها. لذلك، فإن تنظيم الانتخابات في الفترة الراهنة في ظل الاضطراب السياسي والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية التي تعيشها الجزائر لن يفضي إلا لاستفحال وتأزم الوضع العام وهذا ما يعتبر عاملا مساعدا لعدم خروج المؤسسة العسكرية من المشهد السياسي باعتبارها المتحكم الأول في زمام الدولة الجزائرية بجميع أركانها ومؤسساتها وشؤونها. ([2])


[1] – ينص الفصل 80 من الدستور التونسي صلاحيات لرئيس الجمهورية صلاحية اتخاذ التدابير التي تفرضها الحالة الاستثنائية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويتم الإعلان عن هذه التدابير من طرف الرئيس في بيان موجه إلى الشعب.

وفي المقابل، يجب أن تضمن هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، كما يكون نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طوال هذه الفترة، وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس الشعب، كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة.

([2]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.