المرصد المغاربي ـ 30 إبريل 2021

المرصد المغاربي تقرير دوري يصدر عن موقع المرصد، يتناول أهم التحولات التي شهدتها الدول المغاربية، خلال الفترة شهر إبريل من حيث التحولات والتطورات الداخلية في كل دولة من هذه الدول، وذلك على النحو التالي:

استمرار الأزمة بين رؤساء السلطات الثلاث في تونس

لا زالت الأزمة السياسية في تونس بين السلطات الثلاث تراوح مكانها، بحيث خلقت سجالا كبيرا بين أهم أجهزة الدولة: الرئاسة، الحكومة، البرلمان -رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي- حيث تصاعدت حدة الخلاف بعد تشبت كل طرف على حدة بقرارته. وبمرور الوقت، تزداد الأزمة السياسية في تونس تعقيدا، هذه الأزمة التي يمكن أن تُدخل تونس في أتون الفوضى بين اختصاصات ومهام مؤسسات الدولة.

وقد دخلت الأزمة السياسية في منحى تصعيدي آخر، على إثر إعلان رئيس الجمهورية قيس سعيد نفسه قائدا أعلى للقوات المسلحة والمدنية. وذلك في كلمة ألقاها في 18 من إبريل بمناسبة الاحتفال بالذكرى 65 لعيد قوات الأمن الداخلي بحضور كل من رئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي.

وقد شدد قيس سعيد أن صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة وذلك بحسب الدستور تشمل أيضا قوات الأمن الداخلي، قائلا “فليكن هذا الأمر واضحا بالنسبة إلى كل التونسيين في أي موقع كان”.

وهو تصريح من شأنه أن يصعد ويعمق الخلاف القائم بين صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ليفتح خطا جديدا من النزاع حول أهم أجهزة الدولة وهي وزارة الداخلية التي يتولاها المشيشي بالإنابة.

وقد آثار خطاب قيس سعيد جدلا واسعا في الأوساط السياسية، بحيث اعتبر الكثيرون أن المواقف المتتالية للرئيس هي سعي من أجل احتكار جميع السلطات والصلاحيات، هذا الأمر الذي يمكن أن يجر البلاد إلى صراع قد يهدد استقرارها في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تعيشها منذ سنوات.

وقد وجهت العديد من المكونات السياسية والحقوقية انتقادات واسعة لقيس سعيد، واتهمته بعرقلة الحياة السياسية والسعي لتعطيل أجهزة الدولة وتفكيك مكوناتها، كان آخرها عرقلة تشكيل المحكمة الدستورية، وذلك على ضوء رفضه التوقيع على التعديلات التي أدخلت في البرلمان على قانون انتخاب المحكمة الدستورية[1] بذريعة انتهاء آجال انتخاب المحكمة الدستورية. هذا القرار التي أدى إلى تعميق الأزمة نتيجة فشل تعيين محكمة دستورية من شأنها الفصل في النزاعات الدستورية بين السلطات في البلاد، باعتبارها أساس النظام الدستوري.

وخلفت قرارات الرئيس ردود أفعال مباشرة من طرف رئيس الحكومة والبرلمان والأحزاب وباقي المكونات السياسية. ففي إطار ذلك وصف رئيس الحكومة هشام المشيشي تصريحات الرئيس بخصوص القيادة العليا لقوات الأمن الداخلي بأنها خارج السياق وأنها قراءة فردية وشاذة للنص الدستوري لا موجب لها، مشيرا إلى أن هذه التصريحات تذكرنا بالأولوية القصوى لتركيز المحكمة الدستورية والتي تمثل الهيكل الوحيد للبت في مثل هذه المسائل.

كما أكد من جانب آخر، عدم تخليه عن التحوير الوزاري بما أن الوزراء نالوا ثقة البرلمان، وأن مآل الوزراء هو تولي مهامهم، مشيرا إلى أن الحكومة الحالية ستواصل عملها بالإمكانيات المتوفرة لديها خصوصا أنها بصدد إعداد برنامج للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.

أما حركة النهضة، فقد أعلنت في بيان صادر عنها حمل توقيع رئيس الحزب راشد الغنوشي، عن استغرابها عودة الرئيس إلى خرق الدستور واعتبار وثيقة ملغاة مصدرا لتبرير نزوعه نحو الحكم الفردي، مؤكدة أن هذا الإعلان هو انسلاخ عن الدستور وتعدي على النظام السياسي وصلاحيات رئيس الحكومة، كما شددت على أن إقحام المؤسسة الأمنية في الصراعات يمثل تهديدا للديمقراطية والسلم الأهلي ومكاسب الثورة. كما عبرت عن رفضها لما وصفته المنزع التسلطي لرئيس الدولة. موجهة دعوة للرئيس إلى ضرورة الالتزام الجاد بالدستور والتوقف عن كل مسعى من شأنه تعطيل دواليب الدولة وتفكيكها.

أما باقي الأحزاب التونسية، فأغلبيتها انتقدت طريقة إدارة قيس سعيد للحكم وصراعه مع باقي مؤسسات الدولة سواء التنفيذية أو التشريعية، وفي هذا الإطار أكد حزب قلب تونس والذي يعتبر أبرز مكونات الحزام البرلماني للحكومة، على ضرورة  أن يأخذ رئيس الحكومة كل صلاحياته ويحكم ويخاطب الشعب، في حين أكد الحزب الجمهوري المعارض أن تصريحات الرئيس عبر إقحام المؤسسات الأمنية في الصراع بين السلطات هو أمر يهدد استقرار وأمن البلاد ويفتح مخاطر قد تعصف بالتجربة الديمقراطية التونسية، مبرزا أن السبيل الوحيد لمعالجة الأزمات هي فتح باب الحوار وذلك لتجنب الانزلاق نحو مطبات وخيمة. أما حزب الأمل فقد أكد عبر لسان أبرز قيادييه أحمد نجيب الشابي استغلال الرئيس للثغرات القانونية من أجل الانقلاب على السلطة تدريجيا ومحاولة الاستلاء على الحكم وبسط النفوذ، وأنه يستغل الأمور لصالحه من خلال تأويلات فردانية لأحكام الدستور، مشيرا إلى أن الأخطاء الجسيمة الذي ارتكبها الرئيس أصبح بموجبها محط للمساءلة وحتى العزل.

أما حزب التيار الديمقراطي الذي ظل على مسافة بين جميع الفرقاء فقد أكد عبر أمينه العام غازي الشواشي أن حزبه غير متفق مع رئيس الجمهورية حول تصريحه الذي اعتبر نفسه فيه قائدا للقوات المسلحة والقوات الأمنية، مشيرا في معرض ذلك أن الأمن الداخلي يدخل في إطار صلاحيات رئيس الحكومة، مؤكدا في الوقت ذاته، على ضرورة رحيل الحكومة وتعويضها بحكومة إنقاذ وطني.

وعلى غرار باقي الأحزاب، ساندت حركة الشعب الرئيس في تصريحه الذي اعتبرته الضامن لتطبيق الدستور والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، وأنه فعليا هو القائد العام للقوات المسلحة العسكرية والمدنية، كما اعتبرت حكومة المشيشي بأنها عاجزة وفاشلة.

أما منظمات المجتمع المدني والمكونات الشعبية، فقد ذهب بعضها أو القليل منها إلى تأييد سعيد فيما قاله، بينما انتقد الكثيرين تصريحاته معتبرين إياها أنها بمثابة انقلاب على الدستور، كما ذهب البعض بالقول إلى إن خطوات سعيد الأخيرة هي مماثلة لنهج وخطى السيسي بمصر، خصوصا أن هذا الإعلان الذي تخللته إشارات باحتكار السلطات والاختصاصات والاعتماد على الأدوات الأمنية كأداة للحكم عن طريق إقحام المؤسسات الأمنية في الحياة السياسية-المدنية. جاء مباشرة بعد عودة سعيد من زيارته لمصر، هذه الزيارة التي أثارت ردود فعل واسعة في الأوساط السياسية أو الشعبية بحكم موقف التونسيين من نظام السيسي ذو العقلية العسكرية والمنقلب على الرئيس المدني الراحل محمد مرسي في العام 2013، كما يعتبرونه أحد الأذرع الرئيسية للثورات المضادة المعادية للثورات الشعبية وعلى رأسها الثورة التونسية التي أطاحت بحكم زين العابدين بن علي في العام 2011.

وتُحمل العديد من الأوساط السياسية والأكاديمية والشعبية رئيس الجمهورية مسؤولية تعطيل الحياة السياسية وشل العمل الحكومي نتيجة التعسف في استعمال السلطة عبر قراءة نصوص دستورية وقانونية بطريقة تطغى عليها الفردانية ونسف كل إمكانية الحوار. ويرون أنه يجب وطبقا للظرفية التي تمر بها تونس أن يلتفت الرئيس إلى إيجاد حلول ناجعة للأزمات الخانقة التي تعصف بالمجالين الاقتصادي والاجتماعي بدل الدخول في صراع مع باقي مؤسسات الدولة الأخرى. وضرورة تغليب المصلحة العليا للوطن والمواطن التي اعتبرها الأساس في حملاته الانتخابية وعلى أساسها انتخبه التونسيون ليكون رئيسهم.

ومن صفوة القول، يلتف الغموض مستقبل الحياة السياسية في تونس على ضوء اشتداد الصدام والصراع بين الرئاسيات الثلاث، نتيجة تنازع الاختصاصات والصلاحيات. وعلى ضوء ذلك فهل ستشهد الأزمة تعقيدات أعمق في ظل اتساع الفجوة واحتدام المواجهة بين الأطراف المعنية، مما ستتحول معه الأزمة إلى مستويات أعلى ممكن أن تكون لها تداعيات خطيرة على مستقبل تونس السياسي وعلى تجربتها الديمقراطية. أم ستعرف الأزمة انفراجا بجلوس أطراف الأزمة على طاولة الحوار، وبالتالي إيجاد السبل الكفيلة لإنهاء أتون الأزمة المشتعلة منذ أكثر من 5 شهور.

ومن كل ذلك، يمكن القول إن المؤشرات تؤكد استمرار مأزق تنازع الاختصاصات والصلاحيات بين المؤسسات الثلاث في ظل الانسداد السياسي الذي تعرفه الأزمة مع تمسك كل الأطراف بمواقفها وعدم تقديم تنازلات تضع حدا لهذه الأزمة التي كانت لها تداعيات سلبية والتي من الممكن أن تصل إلى حدود شل عمل مؤسسات الدولة ومرافقها الأساسية، وبالتالي تعطيل آليات تدبير الشأن العام. ويأتي استمرار هذا الصدام بين السلطات في وقت تحتاج فيه البلاد إلى وحدة مؤسسات الدولة وتعاونها لمواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية القاتمة التي أثقلت كاهل التونسيين.

الحراك الشعبي الجزائري والتضييق الأمني

منذ عودة الحراك الجزائري من جديد بعد توقفه لمدة عام جراء تفشي جائحة كورونا ومشهد الحراك يعيش على صفيح ساخن جراء التضييق الأمني الذي تمارسه السلطات الجزائرية على مسيراته وذلك بهدف منع المتظاهرين من مواصلة حراكهم الأسبوعي.

وفي خضم ذلك، منعت قوات الأمن الجزائرية على مدار شهري مارس وإبريل المسيرات الأسبوعية للمتظاهرين في شوارع المدن الجزائرية وعلى رأسها الشوارع الرئيسية بالعاصمة الجزائر، كما أنها شنت حملة اعتقالات واسعة في صفوق العديد من النشطاء والطلبة.

ورغم التضييق الأمني الذي يعاني منه متظاهري الحراك إلا أن ذلك لم يمنعهم من مواصلة مسيرتهم الأسبوعية المطالبة بالتغيير الجذري للحياة السياسية بالجزائر، مع رفض تنظيم إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة. والمطالبة بتحقيق جميع مطالب الحراك ومن أبرزها مدنية الدولة.

وفي نفس السياق، وتزامنا مع مسيرات الحراك فقد توسعت دائرة الاحتجاج لتشمل فئات مهنية بحيث تخوض العديد من القطاعات المهنية حركة من الإضرابات وذلك في سبيل تحسين ظروفهم المهنية والاجتماعية، وقد تمثلت أبرزها في احتجاجات عناصر الحماية المدنية الذين يطالبون بتلبية مطالبهم المهنية وتحسين رواتبهم، وقد تمت مواجهة هذه الاحتجاجات من طرف القوات الأمنية باستعمال الغاز المسيل للدموع من أجل فض مظاهرتهم.

وتعاني فئة أعوان الحماية المدنية من تردي أوضاعها المهنية نتيجة هزالة رواتبهم التي لا تتجاوز 15 ألف دينار أي ما يعادل 120 يورو، في حين أن الحد الأدنى للأجور هو 20 ألف دينار أي ما يعادل 125 يورو. هذه الرواتب التي تتناسب مع ساعات العمل المضاعفة التي تصل إلى 80 ساعة أسبوعيا في حين أن عدد الساعات القانونية للعمل لا تتعدى 40 ساعة أسبوعيا.

وفي رد سريع على احتجاج أعوان الحماية المدنية، فبدلا من أن تلبي الحكومة الجزائرية المطالب التي نادت إليها هذه الفئة لتحسين أوضاعها المهنية، أصدرت السلطات الجزائرية قرارا انتقاميا وذلك بتوقيف 230 عونا من الحماية المدنية عن العمل والأبعد من ذلك متابعتهم قضائيا وذلك بسبب مشاركتهم في المظاهرة المطالبة بتحسين ظروفهم العملية والرفع من معاشاتهم المتدنية. وقد اتهمت الداخلية الجزائرية هذه الفئة بانتهاك نص المادة 173 من القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية وبانتهاك الوضع الخاص للموظفين المنتمين إلى هيئات محددة مثل الحماية المدنية الذين لا يحق لهم لا الإضراب ولا التظاهر. بحيث اعتبرت ذلك خيانة للواجبات والمسؤوليات المنوطة بهم، والتي تهدف بضرب استقرار والمساس بمصداقية السلك نحو الوطن والمواطن. كما دعت إلى عدم انسياق المنتسبين لهذه المؤسسة لما سمته الدعوات المغرضة لزعزعة استقرار هذه المؤسسة العمومية النظامية.

وفي خضم ذلك، أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بأن كل أشكال التعبير المطلبي في مختلف القطاعات ينبغي أن تراعي مصلحة الوطن والمواطن.

ومن جانبها، حذرت الحكومة الجزائرية، النقابات بما سمته التعسف في استعمال الحريات النقابية، وذلك في ظل تزايد الاحتجاجات من قبل تنظيمات نقابية غير متعمدة، رافعة مطالب غير قابلة للتحقيق.

وردا على الاتهامات التي وجهتها السلطات لفئة أعوان الحماية المدنية، نددت هذه الفئة بالتصريحات الكيدية لأجهزة الدولة والتي تم اتهامهم من خلالها بأشياء لا أساس لها من الصحة هدفها شيطنة هذه الفئة في سبيل ردعها عن المطالبة بحقوقها.

ونتيجة ما يعانيه الحراك الجزائري والاحتجاجات المهنية المصاحبة له من تضييقات أمنية كبيرة، رفع أكثر من 300 ناشط ومنظمة عريضة تحت عنوان” وقف الحرب المعلنة على الشعب الجزائري”، بحيث يطالب الموقعين عليها، وقف كل أشكال الحرب والعدوان التي يشنها النظام وسلطاته الأمنية على مكونات الشعب الجزائري. مطالبين بضرورة إقرار جميع الحقوق والحريات المكفولة بموجب الدستور والقانون، ووقف كل أشكال الملاحقة الأمنية والقضائية للمعارضين السياسيين ونشطاء الحراك الشعبي والإفراج على جميع المعتقلين السياسيين. ووفق اللجنة الوطنية للإفراج عن المعتقلين، فيوجد حاليا أكثر من 70 موقوفا بتهم تتعلق بمشاركتهم في الحراك.

كما حذر الموقعون من العواقب الوخيمة للقمع الأمني الذي من شأنه أن يخلف تداعيات خطيرة جراء انزلاق الدولة في خانة التعدي على حقوق وحريات المواطن الجزائري التي تزايدت بشكل لافت مع اقتراب موعد الانتخابات المزمع تنظيمها في يونيو القادم.

وتعيش الجزائر إضافة إلى الأزمة السياسية المستمرة أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، تتجلى في تراجع أسعار المحروقات التي تشكل العصب الرئيسي للاقتصاد الجزائري والارتفاع المهول في معدلات البطالة والفقر. وفي ظل استمرار هذا الوضع فإن السؤال الذي يطرح نفسه ما هي مآلات الحراك الشعبي الجزائري في ظل تنامي الحل الأمني عبر الممارسات القمعية للنظام في سبيل تحقيق هدف إنهاء هذا الحراك المستمر لأكثر من عامين.

الأساتذة المتعاقدين بالمغرب: بين مطرقة الرضوخ أو سندان الفصل والاعتقال

يعتبر ملف الأساتذة المتعاقدين بالمغرب من أكثر الملفات تجاذبا على الساحة الداخلية المغربية، ويعيد للواجهة ملف العمل بنظام التعاقد في القطاع العام بالمغرب[2]، فقد خلق هذا الملف جدلا سياسيا وقانونيا، ومنذ أكثر من سنتين يخوض الأساتذة المتعاقدين الذي يبلغ عددهم أكثر من 100 ألف أستاذ وأستاذة-عقود مؤقتة-إضرابات رفضا للعمل بالتعاقد وهو الأمر الذي أثار العديد من الإشكاليات القانونية والإدارية.

وفي خضم ذلك، شهد شهري مارس وإبريل احتجاجات تصعيدية وواسعة للأساتذة المتعاقدين في العاصمة الرباط، خاضوا خلالها إضرابات عن العمل في العديد من المرات، تدخلت على إثرها الأجهزة الأمنية لتفريق وفض احتجاجاتهم ما أسفر عن تعنيف واعتداء متكرر التي طالت رجال ونساء التعليم من طرف عناصر قوات الأمن، هذا الوضع الذي كانت له نتائج استنكرها الرأي العام المغربي وهي العنف الممنهج ضد فئة الأساتذة الذي كانت نتيجته وقوع إصابات للبعض منهم وصفت بالبليغة، بالإضافة إلى الاعتقالات التعسفية التي طالتهم تحت طائلة-لا يبرر حجم التدخل العنيف ضدهم- خرق حالة الطوارئ الصحية التي يمنع في إطارها أي تجمهر أو تجمع بالشارع العام.

وفي هذا الصدد، قرر وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط، متابعة الأساتذة المتعاقدين الذين تم اعتقالهم من قبل قوات الأمن خلال احتجاجاتهم في شوارع العاصمة الرباط في حالة سراح، كما تم تحديد تاريخ 20 ماي موعدا لأول جلسة لمحاكمتهم. وقد جاء ذلك بعد تقديم 20 منهم أنظار النيابة العامة، وعلى إثر ذلك انخرط ما يزيد عن 60 محامي في إطار هيئة الدفاع عن الأساتذة المتعاقدين.

وفي هذا الإطار، أكدت التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد أن أجهزة الدولة اختارت الأساليب القمعية ومعاملة أفراد الأسرة التعليمية معاملة المجرمين عبر اعتقالهم بشكل تسعفي وتحرير محاضر كيدية في حقهم، مسلسل التضييقات الأمنية هذا الذي وصل إلى حد مثولهم أمام الضابطة القضائية بدون أي مبررات ملموسة. وذلك كضريبة لمطالبتهم بحقهم في الإدماج في سلك الوظيفة العمومية.

وعلى الرغم أنه يعتبر من ضمن الأجهزة الحكومية، استنكر المجلس الوطني لحقوق الإنسان التدخل العنيف من طرف القوات الأمنية لفض احتجاجات الأساتذة المتعاقدين. إذ أكد في بيان صادرعنه أن استخدام السلطات للقوة لفض تجمع الأساتذة المتعاقدين أسفر عن إصابات وإغماءات في صفوفهم، بل الأبعد من ذلك تعرض بعض المحتجات للتحرش من طرف أحد عناصر القوات المساعدة وذلك بناء على تصريح إحدى الأستاذات التي تعرضت لهذا الفعل الشنيع.

كما دعا في هذا الإطار، النيابة العامة إلى توسيع نطاق البحث حول طريقة فض احتجاجات الأساتذة المتعاقدين، ليشمل مختلف وقائع التعنيف التي تعرض لها الأساتذة والتي تداولتها العديد من وسائل التواصل الاجتماعي. مشددا على أهمية إعمال القانون في علاقته بعناصر الضرورة والتناسبية في فض الاحتجاجات مع التأكيد على ضرورة حماية الحريات العامة بما فيها حق التظاهر السلمي.

ويسعى الأساتذة المتعاقدين الذين فرض عليهم التعاقد إلى إسقاط هذا النظام، وبالتالي إدماجهم في الوظيفة العمومية وتمتيعهم بالحقوق والمرجعيات القانونية المنصوص عليها في نظامها الأساسي.

فمنذ 2016 ألغت الحكومة المغربية نظام الإدماج في الوظيفة العمومية واستبداله بنظام التعاقد، هذا هو الخيار الوحيد الذي اصطدم به المترشحين لاجتياز مباريات التعليم باعتبار أن الوزارة الوصية أي التعليم لم تفتح أمامهم مباراة نظامية في الترسيم وفق نظام الوظيفة العمومية، هؤلاء الشباب خريجي الجامعات وحاملي الشهادات العليا الذي كانوا يواجهون شبح البطالة[3] أرغموا على هذا النمط عن طريق العقد بالإذعان دون مشاركتهم في تسطير بنوده والتفاوض حوله مما أدى في الأخير إلى فرض نظام على مقاس الحكومة.

وقد أكدت التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد استمرارية النضال حتى تحقيق هدف إسقاط مخطط التعاقد، كما كشفت أن رهان الحكومة على استخدام القوة في التعامل مع الاحتجاجات من أجل ردع الأساتذة عن المطالبة بحقوقهم، لن يثنيهم على السير نحو تحقيق مطالبهم المشروعة، محملين الحكومة وعلى رأسها وزارة التعليم ووزيرها سعيد أمزازي المسؤولية في إقفال كل أبواب الحوار من أجل إيجاد حلول جذرية لملف الأساتذة المتعاقدين. وفي معرض ذلك أكد رئيس المركز المغربي للأبحاث حول المدرسة أن نمط التوظيف بالتعاقد الذي جاءت به الحكومة بهدف سد الخصاص في قطاعات معينة وعلى رأسها التعليم، ما هي إلا مجرد تبريرات وادعاءات غير منطقية، لأن هذا النمط سيعصف بالأمن الوظيفي. وسيرسخ ثقافة اللا استقرار المهنية والنفسية والاجتماعية التي يحتاجها قطاع التعليم وذلك عبر أرضية صلبة وقوية للعمل. مبرزا أن نظام التعاقد ستكون له انعكاسات سلبية ووخيمة على المنظومة التربوية وعلى مردودية وجودة التعليم، بالإضافة إلى أنه يقضي على مبادئ تكافؤ الفرص بين الأستاذ المرسم والأستاذ المتعاقد -الحرمان من الترقية- وانعدام الإنصاف-التهديد بالطرد- لأنه مبني على أسس قانونية ضعيفة.

من صفوة القول، فعلى الرغم من ارتفاع منسوب احتجاجات الأسرة التعليمية التي فرض عليها التعاقد واستمرارها بالمطالبة في حقها بالإدماج في الوظيفة العمومية كحق من الحقوق المنصوص عليها في التشريعات الداخلية والدولية، فإنه في المقابل تصطدم هذه المطالب بتعنت السلطات المعنية في الاستجابة لها نتيجة اعتمادها خيار التعاقد كسبيل لترقيع فشلها في الحد من ظاهرة البطالة بالخصوص وسط حاملي الشهادات الجامعية والشهادات العليا على وجه الخصوص. وأمام عجزها في معالجة الوضع لجأت إلى الخيارات الزجرية-الأمنية ما بين التهديد بفسخ العقود والطرد من العمل وما بين الترهيب بالقمع والاعتقال.

الرئيس الموريتاني السابق في قفص القضاء

تشهد الساحة السياسية الموريتانية حدثا داخليا هاما، يتجلى في متابعة الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز في قضايا فساد. وذلك على إثر انتهاء التحقيق الابتدائي وإحالته للنيابة العامة في إطار جرائم مرتبطة بممارسات لا مشروعة إبان العشرية التي كان فيها ولد عبد العزيز في سدة الحكم.

وقد وجهت النيابة العامة الموريتانية إلى ولد عبد العزيزو12 شخصية بارزة من النظام السابق، من بينهم صهر الرئيس السابق ورئيسان سابقان للحكومة وعدد من الوزراء ورجال الأعمال. عشرة تهم من أهمها:

  • الإثراء غير المشروع،
  • إساءة استغلال السلطة،
  • غسيل الأموال،
  • إخفاء العائدات الإجرامية،
  • إعاقة سير العدالة.

وقد جاء ذلك بناء على نتائج البحث الابتدائي والبحث المالي الموازي في القضايا المتعلقة بما يعرف بملف العشرية. تحقيقات النيابة العامة التي كشفت النقاب عن عدة ملفات وتمكنت على إثرها من اتخاذ قرار تجميد وحجز أموال وممتلكات منقولة وعقارية تتجاوز 115 مليون دولار، تعود 80 مليار منها للرئيس السابق والباقي موزع بين صهره ودائرة المقربين منه. وفي نفس السياق طالبت النيابة العامة بوضع المتهمين الـ 13 تحت تدابير المراقبة القضائية المشددة في حالة سراح.

وحسب المحامي لدى المحاكم الموريتانية محمد ولد المصطفى فإن أقصى عقوبة يمكن أن ينالها المتهمون في هذا الملف هي الحبس من 5 إلى 10 سنوات وغرامة من مليون إلى 5 ملايين أوقية (العملة الموريتانية).

ويرى العديد من المراقبين، أنه على الرغم من أن الملف أخذ منحى حاسما لكنه لا يزال في بدايته وسيأخذ مسارا طويلا خصوصا أنه لا زال في مرحلة التحقيق الابتدائي ويتعلق بقضايا متعددة تراكمت على طيلة عشرية حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.

وقد رفض الرئيس السابق التجاوب مع الأسئلة الموجهة إليه من طرف النيابة العامة، وذلك تحت ذريعة تمتعه بالحصانة المطلقة التي قال إن الدستور يمنحها له، وقد أكد ذلك فريق الدفاع المرافق له بأن موكله متمسك بالحصانة التي يكفلها له الدستور بموجب المادة 93 منه[4].

وفي هذا الإطار، بينما يتمسك محمد ولد عبد العزيز ودفاعه بالحصانة الدستورية، فإن العديد من الفقهاء القانونيين خصوصا فقهاء القانون الدستوري، يقرون أن مبدأ الحصانة الدستورية لا تحمي الرئيس السابق. وهذا ما أكده الخبير الدستوري الموريتاني محمد الأمين ولد الداهي بأن الحصانة الدستورية ليست مبدأ شامل يحمي الرئيس من أي متابعة قضائية. وأن هذا الفصل لا يجعل منه مواطنا فوق القانون والمحاسبة، مشيرا إلى أن الفصل 93 يحمي الرئيس من الملاحقة القضائية ما دام في السلطة، لكن عندما تنتهي ولايته تنتهي معها هذه الحصانة ويكون معرضا كأي مواطن لمبدأ المساءلة والمحاسبة ويكون تحت طائلة القانون، لأن الحصانة تحمي الوظيفة لا الأشخاص. مؤكدا أنه لا يوجد في الدستور ما ينص على حماية الرئيس في قضايا متعلقة بالفساد.

وردا على مثوله أمام النيابة العامة جراء توجيه مجموعة من التهم إليه، هاجم محمد ولد عبد العزيز اللجنة البرلمانية، هذه الأخيرة التي كان لها الفضل في فتح تحقيق بشأن تدبير شؤون البلاد طوال السنوات التي حكم فيها محمد ولد عبد العزيز موريتانيا، مشيرا إلى أن عمل هذه اللجنة فارغ وأن النظام الداخلي للبرلمان لا يمكن له أن يحاكم الحكومة أو القضاء، مشددا إلى أن أمواله تخصه وأنه لم يستغل وجوده في السلطة لهدر المال العام أو استخدامه لمصالحه الشخصية. وأن جميع التهم الموجهة له لا أساس لها من الصحة.

كما أشار الرئيس السابق، أنه مستهدف سياسيا ولأسباب شخصية من جهة لم يسمها تسعى إلى تصفية الحسابات معه، هذه الجهة التي كانت تحاول إقناعه للترشح لولاية أخرى، وأن رفضه لهذا المطلب كان ثمنه استهدافها له حتى قبل مغادرته للسلطة.

وتعود فصول القضية، عندما قرر البرلمان الموريتاني العام الماضي تشكيل لجنة للتحقيق في شبهات فساد شابت فترة حكم الرئيس السابق، كان أبرز ملفاتها تلك المتعلقة بإدارة عائدات النفط وبيع أملاك عائدة للدولة، وتصفية شركة عامة وغيرها من الملفات. وأحالت اللجنة البرلمانية بعد ذلك تقريرها على النيابة العامة للدولة. وفي إطار ذلك أكدت النيابة العامة أن عمليات البحث الابتدائي شملت تعقب وجمع الأدلة ودراسة آلاف الوثائق وجمع المعلومات من جهات رسمية وكذا الاستماع لعشرات الشهود ومعاينة أماكن مختلفة في مجموعة من المدن الموريتانية.

وعلى ضوء هذه القضية التي تشغل الرأي العام الموريتاني، تظاهر العديد من الموريتانيين في العاصمة نواكشوط مطالبين باستعادة الأموال المنهوبة خلال حقبة حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، مؤكدين أن أموال الشعب أمانة في عنق القضاء من أجل استرجاعها من مختلسيها.

فصول الصراع بين ولد عبد العزيز والسلطات الموريتانية لم تقف عند هذا الحد، بحيث أقدمت الأخيرة على إغلاق مقر حزب الرباط من أجل الحقوق وبناء الأجيال في ولاية نواكشوط الغربية، هذا الحزب الذي انضم إليه الرئيس السابق هَدف من خلاله للعودة إلى المشهد السياسي الذي غادره في صيف 2019. وقد اعتبر ولد عبد العزيز قرار الإغلاق، إجراء تعسفي وجائر، متوعدا بفتح أكثر من 50 مقرا في كامل التراب الموريتاني. ومن صفوة القول، يمثل ملف عشرية الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز ومتابعته قضائيا هو ومن معه بتهم مرتبطة بفساد حدثا لم تشهده موريتانيا من قبل، والذي يمكن أن تنتهي فصوله بسجن الرئيس وأعوانه، هذا الملف الذي أثار جدالا واسعا داخل الرأي العام الموريتاني، بحيث اعتبره البعض على أنه خطوة مهمة لمحاسبة كل من تبث تورطه بقضايا فساد كانت سببت ضررا بالمصالح العليا للبلاد وبالتالي السير نحو إقرار دولة الحق والقانون، في حين اعتبرها البعض الآخر أنها مجرد مسرحية تصفية حسابات بين السلطة السابقة والسلطة الحالية ليس إلا.


[1] – صادق البرلمان على تعديل قانون المحكمة الدستورية بأغلبية 141 صوتا مقابل اعتراض 15 نائب، وتتمحور التعديلات الموافق عليها بخفض عدد الأصوات المطلوبة لانتخاب أعضاء المحكمة من 145 إلى 131 صوتا، كما تتيح التعديلات أيضا للمجلس الأعلى للقضاء ورئاسة الجمهورية اختيار 8 أعضاء دون انتظار استكمال البرلمان لانتخاب بقية الأعضاء.

[2] -برنامج التوظيف بالقطاع العام أطلقته الحكومة المغربية في العام 2017 بموجب عقد يمتد لعامين قابل للتجديد، كانت بدايته بقطاع التعليم ليمتد إلى باقي القطاعات الأخرى.

[3] – حسب المندوبية السامية للتخطيط فنسبة البطالة في أوساط حاملي الشهادات الجامعية ومن بينها الشهادات العليا، يصل إلى 19.8 بالمائة.

[4] – تنص المادة 93 من الدستور الموريتاني على أن رئيس الجمهورية لا يكون مسؤولا عن أفعاله أثناء ممارسة سلطاته إلا في حالة الخيانة العظمى. لا يتهم رئيس الجمهورية إلا من طرف الجمعية الوطنية التي تبث بتصويت عن طريق الاقتراع العلني، وبالأغلبية المطلقة لأعضائها. وتحاكمه في هذه الحالة محكمة العدل السامية.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.