المرصد المغاربي ـ 30 يونيو 2021

تقرير دوري يصدر عن موقع المرصد، يتناول خلال شهر يونيو أهم التحولات التي شهدتها بعض الدول المغاربية، من حيث التطورات الداخلية و تفاعلاتها ، وذلك على النحو التالي:

أولاً:  الجزائر

الجزائر : ما بين الانتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة الجديدة

أجريت في 12 يونيو 2021 الانتخابات البرلمانية بالجزائر، وتعد الأولى بعد الإطاحة بنظام عبد العزيز بوتفليقة على ضوء الحراك الجزائري الذي اندلع في فبراير 2019، وقد شهدت مقاطعة كبيرة للناخبين وعزوف الجزائريين الذين رفضوا أي خطوة قبل تحقيق مطالب الحراك تحت إمرة دولة مدنية لا عسكرية.

وقد شهدت هذه الانتخابات العديد من التجاذبات، التي أفرزت في الأخير ذات المنطق وهو امتداد دواليب النظام السابق في الحكم وبجهود المؤسسة العسكرية التي تسعى بشتى الطرق إلى منع أي تغيير ممكن أن يؤثر على وضعها التي سيطرت به على دواليب السلطة. وقد ترجم ذلك من خلال النتائج التي أفرزتها هذه الانتخابات والتي لم يظهر فيها أي مؤشر للتغيير الذي وعد به الرئيس عبد المجيد تبون منذ وصوله للحكم، بحيث بقيت صورة وشكل البرلمان المنبثق عن انتخابات 12 يونيو كما كان عليه في عهد برلمانات بوتفليقة وذلك من خلال فوز حزب هذا الأخير بالانتخابات البرلمانية.

نسبة مشاركة ضعيفة تعكس التوجه العام الرافض للانتخابات

شهدت الجزائر أسوء نسبة مشاركة انتخابية في تاريخها، بحيث أعلنت السلطة المستقلة للانتخابات، أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 30 بالمئة كأضعف نسبة مشاركة مقارنة مع التشريعيات السابقة، وهو رقم يعتبره الرافضون لها أقل بكثير مما يعكسه الواقع، وبمقارنة مع التشريعيات السابقة، فقد وصلت النسبة في الانتخابات التشريعية 2017 أكثر من 35 بالمئة، في حين تجاوزت عتبة 42 بالمئة في انتخابات 2012.

وبالموازاة، فقد تجاوزت مقاطعة الانتخابات البرلمانية الحدود الجزائرية، بحيث كانت نسبة مشاركة الجزائريين في الخارج شبه منعدمة إذ لم تتجاوز نسبة 5 بالمئة. أما الفيصل في هذه الانتخابات والتي ساهمت بشكل كبير في تدني نسبة المشاركة، هي المقاطعة شبه التامة لولايات منطقة القبائل التي لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 1 بالمئة، وكان يحق ل 24.5 مليون جزائري التوجه لصناديق الاقتراع  للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التشريعية بينهم أكثر من 900 ألف خارج البلاد. وتعكس مقاطعة فئة كبيرة من المواطنين الجزائريين للانتخابات التوجه العام الرافض لأي عملية انتخابية قبل تحقيق أولويات وأساسيات الحراك الشعبي الذي كان هدفه ليس فقط إسقاط جمهورية بوتفليقة، بل إسقاط الدولة العميقة-علائق الفساد- وإخراج المؤسسة العسكرية من المشهد السياسي.

لذلك، وكما توقع الرافضون، فإن الانتخابات كان فاشلة وهشة مشاركة وتنظيما، وجاءت بنفس الطريقة والأسلوب التي سارت عليه إبان النظام السابق، كما أنها ستفرز حسب المقاطعين برلمان صوري منعدم الصلاحية وأداة يحركها النظام لتحقيق أهدافه ومصالحه الضيقة، وأنها ستكون أحد الأسباب الرئيسية لتفجير أزمة سياسية كبيرة ستكون لها تداعيات خطيرة على مستقبل البلاد.

الانتخابات التشريعية الجزائرية: النتائج وردود الأفعال

أعلن المجلس الدستوري النتائج النهائية للانتخابات بفوز  الجبهة الوطنية للتحرير –الحزب الحاكم في عهد بوتفليقة – بالصدارة، مع مفاجأة حققها المستقلين-الموالين لعبد المجيد تبون- المرتبة الثانية، كما أفرزت الانتخابات صعود ملحوظ للتيار الإسلامي إلى المرتبة الثالثة، وبالتالي ضمان أغلبية داعمة للرئيس الجزائري وهذا هو الهدف الذي كان يسعى تبون لتحقيقه وذلك لإضفاء صفة الشرعية على النظام التي تتوالى حدة انتقادات الشارع له، وذلك عبر تكريس لجمهورية بوتفليقة الثانية ذات اللباس العسكري.

وقد تصدر حزب جبهة التحرير الانتخابات بحصوله على 98 مقعدا وفقدانه 7 مقاعد برلمانية بعد النظر في الطعون وتصحيح بعض نتائج الاقتراع في بعض الولايات، وذلك بنسبة 24.07 بالمئة من 407 إجمالي عدد مقاعد المجلس الشعبي الوطني، فيما احتل المستقلون المركز الثاني بحصيلة 84 مقعد أي ما يعادل 20.68 بالمئة، فيما احتلت حركة مجتمع السلم وهي أكبر الأحزاب الإسلامية المرتبة الثالثة بمجموع 65 مقعدا أي ما يعادل 15.97 بالمئة. تلاه حزب التجمع الوطني الديمقراطي والذي يعتبر الظهير الأيمن لحزب جبهة التحرير ب 57 مقعداـ ثم حزب جبهة المستقبل ب 48 مقعدا، ثم حركة البناء الوطني ب 40 مقعدا….

وتعكس نتائج هذه الانتخابات، تكريس لنتائج التشريعيات السابقة، التي فازت بها الأحزاب التقليدية، وهذا ما يدل أن المشهد السياسي الجزائري يراوح مكانه في ظل بسط الدولة العميقة سيطرتها على دواليب القرار والاختيار، التي تهدف إلى نسف كل مبادرات الحراك المطالبة بتغيير جذري وحقيقي لشكل الدولة ونمطية حكمها والانفصال التام والشامل على جمهورية الأنظمة السابقة وعن الدولة المعسكرة.

كما جاءت نتائج هذه الانتخابات لصالح الرئيس الجزائري الذي بات يملك أغلبية مريحة موالية له داخل قبة البرلمان، تتمثل في كثلة الأحزاب التقليدية ممثلة في جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وجبهة المستقبل، بالإضافة إلى المستقلين وذلك من أجل تنفيذ مخططاته لإضفاء غطاء لمكانته التي يشكك بها غالبية الجزائريين الذي لا يعترفون به كرئيس شرعي  ولقراراته التي يهدف من خلالها قطع أوصال الحراك الجزائري والسير على نفس المنهج السابق وذلك من أجل فرض أجندة وخارطة الطريق التي تتجاهل مطالب المواطن الجزائري الذي ينادي بسيادة القانون والانتقال الديمقراطي والسيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية.

جدل حول  تصريحات الرئيس و قيادة أركان الجيش بعد الانتخابات البرلمانية

خلقت تصريحات الرئيس الجزائري بعد إجراء انتخابات 12 من يونيو جدلا واسعا، حينما أبدى عدم اهتمامه لنسبة التصويت، مبررا ذلك أن الأهم هو أن من يصوت عليهم الشعب لديهم الشرعية الكافية لأحذ زمام السلطة التشريعية.

وقد جرّت عليه هذه التصريحات سيل من الانتقادات من طرف الجزائريين الذين اعتبروها تناقضاً مع تصريحاته السابقة حول الحراك الذي قال أنه لا تمثله إلا أقلية ولا أسمع لرأي الأقلية. مؤكدين أن النظام لا يحترم إرادة الشعب، لأنه لا يمكن تشكيل مؤسسات تشريعية أو تنفيذية على أساس مشاركة هزيلة في الانتخابات، بما أنها لا تمثل حقيقة الإرادة الشعبية. ولا يمكن أن يكون هذا البرلمان شرعيا ومشروعا يمكن أن يتق المواطن في عمله والتشريعات الصادرة عنه.

وعلى نفس النحو، كرر رئيس أركان الجيش الجزائري السعيد شنقريحة نفس الخطاب الذي صرح به قبيل تنظيم الانتخابات، فبعد الإعلان عن نتائج الانتخابات والعزوف والمقاطعة الكبيرة التي شهدتها، وعدم اعتراف فئة عريضة من الجزائريين وعلى رأسهم ناشطي الحراك بجميع حيثيات هذه العملية الانتخابية، خرج رئيس أركان الجيش الجزائري من جديد، ليتهم أطرافا لم يسميها بأنها تسعى لزعزعة استقرار وأمن الجزائر، كما حذر من مغبة المساس بسلامة الترابي الجزائري، كما أكد أن الجزائر لن تقبل بأي تهديد أو وعيد من أي طرف كان ولن ترضخ لأي جهة مهما بلغت قوتها. كما توعد كل من يسعى لذلك بالرد القاسي والحاسم، قائلا إن الجيش الجزائري الباسل والشعب الجزائري الثائر المكافح عبر العصور لن ينال منه المتربصين ومن يسعون لزعزعة استقرار هذا البلد. كما خاطب الضباط والجنود بأن يكونوا دائما في الموعد ومواصلة بذل المزيد من الجهود لمواجهة التحديات الأمنية التي يمكن أن تواجهها الجزائر، وأن يقوموا بتأدية مهامهم على أكمل وجه بما ينسجم مع تحقيق تطلعات الجيش الجزائري والوطن وبما يتوافق مع سياسة الدفاع الوطني. مؤكدا في ذات الوقت إصرار الجيش الجزائري أكثر من أي وقت مضى بمضاعفة الجهود في ظل الظروف الأمنية غير المستقرة التي تعرفها المنطقة، مشيرا أن الأوضاع الهشة والمزمنة التي تعيشها المنطقة كانت لها تداعيات مؤثرة على الأمن الجزائري.

وقد قوبلت تصريحات شنقريحة بالعديد من الانتقادات من طرف فئة كبيرة من الجزائريين ونشطاء الحراك ووسائل التواصل الاجتماعي الذين أكدوا أن أحوال الجزائر لن تستقيم في ظل الخطابات التي زالت ترددها القيادات العسكرية، منتقدين تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي، مؤكدين أن التهديد والوعيد من قبل رؤوس المؤسسة العسكرية لن يزيدهم إلا تمسكا بضرورة تحقيق أولى مطالب الحراك وهي دولة مدنية لا عسكرية أي دولة الحق والقانون.

وتسعى المؤسسة العسكرية في ظل خطاباتها المتوالية التي تعكس نهجها المتفاقم بالتمسك بخيوط اللعبة السياسية، إلى المحافظة على مكانتها كأقوى فاعل في الجمهورية الجزائرية، وذلك بهدف إحكام مزيد من السيطرة ليس فقط على الحياة السياسية، بل على الامتيازات الاقتصادية التي استفاد ولا زال يستفيد منها جنرالات الجزائر الذين شكلوا دولة خاصة بهم داخل الجزائر.

ومن كل ذلك، فإن النظام الجزائري ومعه المؤسسة العسكرية وهي السلطة الحقيقية الحاكمة في البلاد، قد أرادوا من وراء تنظيم هذه الانتخابات تحقيق هدف رئيسي وهي: تعطيل أدوات الحراك الشعبي وقطع الطريق أمام  أي تغيير جذري للحياة السياسة في الجزائر يتولد عنه تحقيق تحول ديمقراطي تنتقل به الجزائر بشكل فعلي وواقعي من دولة عسكرية إلى دولة مدنية.

تشكيل الحكومة الجزائرية الجديدة : السيناريوهات والتحديات

بعد إعلان النتائج الرسمية للانتخابات التشريعية، قدم الوزير الأول الجزائري عبد العزيز جراد استقالته، وقد قبل الرئيس الجزائري الاستقالة وكلف جراد  بقيادة حكومة تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وتنص المادة 113 من الدستور على أنه بإمكان الوزير الأول أو رئيس الحكومة، حسب الحالة تقديم استقالة الحكومة لرئيس الجمهورية.

وعلى إثر ذلك، عين الرئيس أيمن عبد الرحمان وزيرا أولا خلفا لجراد، وكلفه بمواصلة المشاورات مع الأحزاب السياسية والمجتمع المدني لتشكيل الحكومة في أقرب الآجال. وقد شغل الوزير الأول المعين سابقا، منصب وزير المالية في حكومة عبد العزيز جراد الثانية، كما شغل مهام منصب محافظ بنك الجزائر.

وعلى إثر تعيينه، صرح الوزير الأول الجديد، أنه سيسعى إلى العمل من أجل تطبيق فعال لبرنامج رئيس الجمهورية. من أجل انطلاقة حقيقية للإصلاحات الاقتصادية المنشودة. وذلك في سبيل بحسب قوله من أجل المضي قدما في تكريس المعالم الجديدة للدولة الجزائرية.

وبعد الانتهاء من المشاورات السياسية التي جمعت الرئيس عبد المجيد تبون وقادة الأحزاب السياسية والمستقلين الفائزين في الانتخابات التشريعية، أعلنت رسميا ثلاثة أحزاب مشاركتها في الحكومة المقبلة، وهي جبهة التحرير الوطني التي حلت أولا ب 98 مقعدا، والتجمع الوطني الديمقراطي الذي حل رابعا ب 58 مقعدا، ثم حركة البناء الوطني التي حلت سادسا ب 39 مقعدا.

ويتطلب تشكيل الحكومة تحالف تلاث كثل نيابية على الأقل من أجل البلوغ إلى 204 من المقاعد، بحيث ينص الدستور الجزائري في صيغته الجديدة أن يقود الحكومة وزير أول في حال أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية رئاسية، والأخيرة تعني كتلة رئاسية تستوفي نصابا معنيا أي 50 بالمئة +1 وتتوافق أو تدعم برنامج الرئيس. أما في حال أسفرت الانتخابات عن أغلبية برلمانية فيقود الحكومة رئيسا للحكومة، ويقصد بهذه الأغلبية كتلة نيابية تستوفي نصاب 50+1 معارضة لبرنامج الرئيس، وبالتالي فرئيس الحكومة يتولى تنفيذ برنامج الأغلبية البرلمانية المعارضة.

أما فيما يخص سيناريوهات وتوقعات تشكيل الحكومة الجزائرية المقبلة، فقد أكد معظم المتابعين للشأن السياسي الجزائري، بأن كافة المؤشرات ترجح سيناريوهين اثنين: السيناريو الأول يطرح – الأكثر ترجيحا-تحالف الكتل الديمقراطية ممثلة في جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة البناء الديمقراطي إلى جانب المستقلين، في سبيل تحقيق الأغلبية البرلمانية التي يتطلبها تشكيل الحكومة. وبالتالي فبالنظر، إلى حسم مختلف هؤلاء الأجسام الحزبية المشاركة في الحكومة، وهي أجسام داعمة للمبادرات السياسية لرئيس الجمهورية، فإن البرلمان سيشهد أغلية داعمة للرئيس.

أما السيناريو الثاني-يبقى قائما- وهي حكومة توافقية تختلط فيها مجموعة من المكونات الحزبية، وذلك تحت مظلة أن المرحلة وتحدياتها تحتاج لجسم حكومي توافقي كبير لمواجهة كافة المعيقات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها الجزائر ، وفي سبيل تنفيذ الإصلاحات التي تتطلبها المرحلة. ومن زاوية أخرى، أكد بعض المراقبين للمشهد السياسي أن حكومة وحدة وطنية هي السبيل الوحيد لتحقيق توافق يعتمد على مقاربة ديمقراطية تشاركية تجتمع عبرها جميع التيارات الحزبية دون استثناء.

ومهما كان الشكل التي ستخرج به الحكومة الجزائرية الجديدة، فإنها ستواجه تحديات كبيرة على جميع المستويات، فاقتصاديا، تشهد البلاد أزمات حقيقية تتجلى في اختلال الموازنة العامة، وعدم استقرار السوق النفطي نتيجة اعتماد النسبة الأكبر من مداخيل الدولة على مصادر الطاقة وكذلك التراجع الكبير في احتياطي الصرف من العملة الصعبة.  اجتماعيا، تواجه الجزائر أزمة بطالة مزمنة وارتفاع في معدلات الفقر، بالإضافة إلى الاختلال في توفير الخدمات الأساسية للمواطن . أمنيا وعلى ضوء التقارير الدولية تشهد الجزائر انخفاضا كبيرا في مؤشرات الديمقراطية والحرية وذلك على ضوء موجه الاعتقالات التعسفية لناشطي الحراك والنشطاء السياسيين والصحفيين، ولذلك يشكل هذا الملف أبرز التحديات الحكومية في ظل تعالي الأصوات المنددة بالسياسة القمعية للنظام الجزائري.

من صفوة القول، فمن الواضح، أن انتخابات 12 يونيو ومخلفاتها تعد انفصالا عن واقع وتأملات فئة عريضة من الجزائريين، وفي ظل هذا الوضع فمن المرجح أن يعود الحراك وتتصاعد وتيرته ومطالبه في ظل تعمد السلطة الحاكمة بإبقاء الجزائر في ظل العهد السابق وفي قبضة دولة الجنرالات، التي لا تقبل بمنطق الديمقراطية الشعبية والانتقال السلس والشفاف للسلطة، فمنحى هذا الوضع سيؤدي لا محالة في حال استمراره على نفس النحو إلى تفجير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في ظل تعنت النظام بالانفتاح على مسار حواري وإصلاحي تحت عنوان الديمقراطية التشاركية لتكون البوابة الرئيسية لإخراج البلاد من أتون الأزمات التي تمر بها.

لذلك، فإن تشكيل حكومة جديدة في ظل الاضطراب السياسي والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية التي تعيشها الجزائر، سيقضي إلى استفحال عمق الأزمات الداخلية وهذا ما يعتبر عامل مساعدا يغدي بقاء المؤسسة العسكرية المتحكم الرئيسي في زمام الدولة الجزائرية بجميع أركانها ومؤسساتها وشؤونها.


ثانياً:  تونس

أزمات حادة تعصف بالمشهد التونسي

تمر  الحياة العامة في تونس بظرفية استثنائية تخللتها أزمات صحية، سياسية، اقتصادية، واجتماعية، هذه الأخيرة التي يمكن من خلالها أن تدخل البلاد في حالة من الفوضى وتعصف بتجربة الانتقال الديمقراطي التي عرفتها.

وتتمحور  أهم الأزمات التي يشهدها المشهد التونسي في التالي:

أزمة كورونا:

تشهد تونس البلد الذي لا يتجاوز عدد ساكنته 12 مليون نسمة تفشي غير مسبوق لموجة وباء لكورونا، بحيث أصبح الوضع الوبائي كارثيا وخارج عن السيطرة في ظل الارتفاع المهول لحالات الإصابات التي تجاوزت عتبة 7000 إصابة يومية والوفيات التي تخطت 200 حالة وفاة يوميا، لتتصدر بذلك قائمة الدول العربية والإفريقية من حيث عدد الضحايا، هذا الأمر الذي ينذر بانهيار المنظومة الصحية التونسية نتيجة الضغط الكبير على المستشفيات وأقسام العناية المركزة. مما ستنعدم من خلاله قدرة الدولة على استيعاب مواجهة أخطار الانتشار السريع للفيروس.

وعلى الرغم من أن ظرفية الفيروس تفرض ضرورة العودة إلى الحجر الصحي الكامل لما يمثله  من حل فاعل صحيا لكن السلطات التونسية عاجزة للجوء إليه نتيجة تداعياته الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة في ظل ما تعيشه البلاد من أوضاع خانقة.

وقد واجه تدبير تعامل مؤسسات الدولة مع الظرفية الكارثية التي تعيشها البلاد جراء استشراء فيروس كورونا، سيلا من الانتقادات اللاذعة من طرف التونسيين، الذين حملوا هذه المؤسسات مسؤولية الوضع الكارثي التي تعيشه تونس، بحيث أكدوا على أن الانقسام السياسي وغياب روح المسؤولية والإرادة السياسية وغلبة المصالح الضيقة على حساب المصلحة العامة كانت أسبابا رئيسية أدت إلى تفاقم الأوضاع الأزماتية التي تعيشها تونس مما أدى معه إلى انفجار الوبائي بشكل غير مسبوق.

كما نددوا بتهاون السلطات التونسية بالتعاطي مع معطيات الجائحة هذا الأمر الذي يدخلها في خندق المحاسبة لما يمثله من انتهاكا حقيقيا لحقوق الإنسان  وفق للدستور والقانون الدولية.

جمود الأزمة السياسية: 

يأتي تفاقم الوضع الوبائي الكارثي في تونس في وقت لا زالت الأزمة السياسية والتجاذبات السياسية المزمنة تراوح مكانها ولم تشهد أي تقدم  بين أطراف العملية السياسية في ظل احتدام الصراع بين مؤسسة الرئاسة من جانب، والحكومة والبرلمان من جهة أخرى، واستمرار رئيس الجمهورية برفض دعوة الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستورية أمامه وذلك من خلال تشبته بأن التعديل شابته العديد من الخروقات. على الرغم من تأييد البرلمان ومصادقته على التعديل الذي طرحه رئيس الحكومة.

وفي ظل تصاعد وثيرة الأزمات المتلاحقة بتونس، أعلنت مجموعة من المنظمات والجمعيات والأحزاب السياسية عن تشكيل جبهة للاستفتاء وذلك من أجل المطالبة بإجراء استفتاء شعبي على تغيير النظام السياسي في البلاد، وذلك في ظل الخلافات والتناقضات القائمة والتنازع في الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية وفشل منطلقات الحوار بين المؤسسات نتيجة الصراع حول السلطة.

ومن كل ذلك، وفي أفق انسداد الأزمة السياسية مع تمسك كل أطراف السياسية بخياراتها، وعدم تنازل أي منها من أجل المصلحة العليا للبلاد. يطرح المشهد التونسي سيناريوهين بحسب المختصين في الشأن السياسي التونسي وذلك في سبيل الخروج من الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، وهي إما الإسراع في تجاوز الأزمة السياسية والدستورية القائمة على أساس حوار وطني فعال وشامل، تتنازل فيه جميع الأجسام السياسية وتلقي بخلافاتها جانبا، وتنصب جهودها في مواجهة الوضع المتردي الذي يشهده الوضع العام التونسي، وإما الذهاب إلى انتخابات مبكرة لوضع حد نهائي لهذه الأزمة التي استمرت سياقاتها لأكثر من نصف عام. بحيث أكد داعمي هذا السيناريو  أن البلاد لا يمكن لها أن تظل في حالة الانقسام والتشرذم السياسي إلى غاية العام 2024.

وعلى الرغم من ذلك، فيتسم كل سيناريو بعيوب تواجه أفق نجاحه، ففيما يخص الحوار فيرى العديد من المراقبين أن فجوى الانقسام وحدة التوتر  بين القوى المتصارعة قد ينعكس سلبا على مبادرة الحوار،  خصوصا في ظل تشبت الرئيس بشرط استقالة رئيس الحكومة مقابل الحوار. كما أن فرص نجاحه تعتبر متضائلة على الرغم من قبول جميع الأطراف المتصارعة مبدئيا الجلوس على مائدة الحوار، بحيث أن كل طرف له أجندة يعتبرها من أولويات تفرضها الظرفية الآنية، فهناك من يركز  على ضرورة تغيير النظام السياسي ومعه الدستور وبعض التشريعات الأساسية كمرحلة أولى من الإصلاحات، في حين تتجه فئة أخرى إلى ضرورة التركيز  على معالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. في حين تظل مسألة انعدام الثقة بين مؤسسات الدولة الثلاث العائق الرئيسي لإنجاح أي حوار وطني. لذلك فعملية إنجاح أي تسوية سياسية  رهينة بالتوافق بين جميع التيارات السياسية وبدون شروط مسبقة بهدف إخراج البلد من المأزق السياسي الذي كانت له تداعيات خطيرة على تجربة تونس الديمقراطية.

أما مسألة الذهاب إلى انتخابات مبكرة في ظل الظروف التي تعيشها تونس بحسب بعض الآراء لن تكون سبيلا لحل المعضلة، لأنها ستنتج نفس الخريطة السياسية السابقة ، إذ أن نجاح هذا الحل يحتاج إلى تهيئة الظروف والشروط السابقة لتنظيمه من أبرزها إرساء المحكمة الدستورية وتعديل القانون الانتخابي وإصلاحات في شكل النظام السياسي-ليس على النحو الذي يبتغيها كل طرف- الذي كان أحد الأسباب الرئيسية لانسداد الأزمة السياسية بين مؤسسات الدولة.

الاقتصاد والوضع الاجتماعي على شفا الانهيار:

في ظل الأزمة المتفاقمة لجائحة كورونا والأزمة اللامتناهية سياسيا، يعيش الاقتصاد التونسي أزمات خانقة بفعل اشتداد أزمة فيروس كورونا إلى منحدر خطير من جهة ، وانسداد أفق الحل للأزمة السياسية التي تشهدها تونس منذ شهور بين مؤسسات الدولة، إذ أنه من المتوقع أن يتجاوز الدين العام لتونس 36 مليار دولار بنهاية العام 2021، بحيث ارتفع الدين العمومي إلى أكثر من 80 بالمئة ونسبة الديون الخارجية تجاوزت 90 بالمئة، وذلك بسبب تراكم القروض وازدياد نسبة المديونية بمقابل ارتفاع حجم ضغوط الجهات المانحة مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية. كما تشير الإحصائيات إلى انكماش الاقتصاد التونسي إلى 3 بالمئة في الربع الأول من العام 2021.

كما عرفت العائدات الرئيسية للاقتصاد التونسي تراجعا ملحوظا وعلى رأسها عائدات القطاع السياحي التي تراجعت إلى أكثر من 55 بالمئة خلال الربع الأول من 2021، بما مجموعه 162 دولار في مقابل  361 دولار خلال نفس الفترة من العام 2020 وذلك حسب مؤشرات البنك المركزي التونسي

كما تضرر أيضا القطاع الزراعي باعتباره أكثر القطاعات حيوية بتونس، بحيث سجل تراجعات ب 6.7 بالمئة مقارنة مع العام 2020، وذلك بفعل تراجع محاصيل الزيتون المصدر الرئيسي للقطاع الفلاحي بتونس.

أما فيما يخص الأزمات الاجتماعية، فقد عمقت جائحة كورونا والتحديات السياسية والاقتصادية من الأزمات الاجتماعية، خصوصا فيما يتعلق بارتفاع منسوب معدلات البطالة والفقر وذلك ما ينذر إلى تلاشي خطير للطبقة الوسطى التي كانت تشكل صمام الأمان للسلم الاجتماعي بالبلاد. إذ ارتفعت معدلات البطالة في تونس إلى مستويات عالية بحيث قاربت من معدل 18 بالمئة  في الربع الأول من العام 2021، أما نسبة الفقر فقد تخطت نسبته 15 بالمئة، بحيث تقاس هذه المعدلات بعدم كفاية الدخل في تلبية الخدمات الأساسية للمواطن مثل الصحة، والتعليم، والماء، والكهرباء. وفي تقرير للمعهد الوطني للإحصاء فقد وصل عدد التونسيون تحت عتبه الفقر إلى حوالي 1.7 من حوالى 12 مليون نسمة. كما ارتفعت نسبة التضخم عند الاستهلاك إلى 5 بالمئة، وذلك بفعل تسارع الزيادة في أسعار المواد الغدائية إلى جانب ارتفاع خدمات الصحة والنقل.

وترجع الأسباب وراء تفاقم الأوضاع الاجتماعية بحسب المراقبين إلى هشاشة المنظومة الاقتصادية بالبلاد التي تراكمت حدتها بفعل تداعيات جائحة كورونا بالموازاة إلى ضعف الأجهزة السياسية في تدبير إدارة الأزمات وانزواءها في حرب سياسية كلفت المواطن ضرائب اقتصادية واجتماعية لا حصر لها.

ومن كل ذلك ، فقد عمقت الأزمة الشاملة في تونس بأنواعها وأبعادها أزمة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وذلك ما يعكس ارتفاع نسبة التشاؤم الشعبي، بحيث كشف استطلاع أجرته مؤسسة SIGMA CONSEIL  عن ارتفاع معدل التشاؤم وانعدام الثقة في الفاعلين السياسيين وسط التونسيين، بحيث ترى نسبة 90 بالمئة، أن البلاد تسير في المنحنى الخاطئ نتيجة الانعكاسات السلبية للأزمة الصحية والسياسية والاقتصادية الراهنة.


ثالثاً:  موريتانيا

موريتانيا: الرئيس الموريتاني الأسبق من المراقبة القضائية إلى السجن

لا زالت تشهد الساحة السياسية الموريتانية تطورات مهمة في قضية متابعة الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز في قضايا تتعلق بتهم الفساد، إساءة استغلال السلطة في ظل ممارسات لا مشروعة، إبان رئاسته لموريتانيا من 2009 إلى 2019. خصوصا بعد إصدار القضاء الموريتاني قرار يحيل فيه ولد عبد العزيز إلى السحن بعد مخالفته لإجراءات المراقبة القضائية. وقد تصاعدت حدة الجدل حول هذا الموضوع عندما رفع ولد عبد العزيز تحدي إثبات أي جهة تورطه في فساد مالي وإداري، مؤكدا أنه ضحية تصفية حسابات من قبل السلطة، في المقابل تؤكد الحكومة الموريتانية أن قضية ولد عبد العزيز لا علاقة لها بالسياسة، بل بالقضاء. انطلاقا من ذلك، فما هي أبرز تطورات هذه القضية على ضوء صدور قرار إيداع الرئيس الموريتاني السجن؟

خلفية قرار إيداع الرئيس الموريتاني السابق السجن

قرر القضاء الموريتاني إيداع الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز المتهم في قضايا فساد إداري ومالي السجن، وقد جاء هذا القرار بعد أيام من عدم امتثاله لأحد شروط الإقامة الجبرية التي كان قد قررها قاضي التحقيق منذ مايو الماضي وهي الحضور إلى مركز الشرطة ثلاث مرات أسبوعيا وعدم مغادرة العاصمة نواكشوط إلا بإذن قضائي.

وفي إطار ذلك، كشفت وزارة الداخلية الموريتانية، أن الرئيس السابق، سيكون رهن الإقامة الجبرية في منزله لمدة أسبوعين، ضمن الإجراءات الصحية التي تتبعها إدارة السجون لمنع انتشار فيروس كورونا، وسيتم إحالته بعد ذلك للسجن المركزي بالعاصمة بعد انقضاء مدة عزله، وقد برر ولد عبد العزيز، امتناعه المثول أمام الشرطة وفق شروط المراقبة القضائية، احتجاجا على قمع أنصاره ومنعهم من مرافقته. بحيث كان ولد عبد العزيز  يذهب إلى مركز الشرطة للتوقيع على محضر الحضور رفقة عدد من مناصريه، هذا الأمر الذي أدى في مناسبات عديدة إلى وقوع احتكاكات بين بعض مرافقيه وأنصاره وعناصر الشرطة.

وفي إطار ذلك، اتهمت الإدارة العامة للأمن الموريتاني، الرئيس السابق بالاستفزاز، نتيجة استغلال ذريعة أنصاره، بحيث أكدت على إثر تلك الوقائع على أنها ستظل حريصة على احترام القانون والالتزام بواجباتها والتحلي بأعلى مستويات ضبط النفس في وجه كافة المناكفات والاستفزازات التي يتعرض جهاز الشرطة من طرف الرئيس السابق وأنصاره. وردا على بيان الإدارة العامة، قال ولد عبد العزيز أن الهدف من وراء هذه التصريحات هو تضليل الرأي العام في محاولة لتبرير حالة الفوضى التي تعيشها الأجهزة الأمنية وفشلهم في حماية أمن الوطن والمواطن.

وفي سبيل عدم تفاقم الأوضاع، قرر قاضي التحقيق إنهاء الرقابة القضائية لولد عبد العزيز وإحالته إلى السجن على ذمة التحقيقات. ليدخل بذلك الملف محطة جديدة بين القضاء والرئيس السابق.

أبرز التهم الموجهة للرئيس الموريتاني السابق

وقد كانت  النيابة العامة الموريتانية قد وجهت في مارس الماضي إلى ولد عبد العزيز و12شخصية بارزة من النظام السابق، من بينهم صهر الرئيس السابق ورئيسان سابقان للحكومة وعدد من الوزراء ورجال الأعمال. عشرة تهم من أهمها: الإثراء غير المشروع، إساءة استغلال السلطة، غسيل الأموال، إخفاء العائدات الإجرامية، وإعاقة سير العدالة.

وتعود خلفية القضية، عندما قرر البرلمان الموريتاني تشكيل لجنة للتحقيق في شبهات فساد شابت فترة حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، كان أبرز ملفاتها تلك المتعلقة بإدارة عائدات النفط وبيع أملاك عائدة للدولة، وتصفية شركة عامة وغيرها من الملفات. وعلى إثر نتائج التحقيقات رفعت اللجنة البرلمانية تقريرها إلى النيابة العامة للدولة. وفي إطار ذلك صرحت النيابة العامة أنه بعد عمليات البحث الابتدائي والتعقب وجمع الأدلة ودراسة آلاف الوثائق وجمع المعلومات من جهات رسمية وكذا الاستماع لعشرات الشهودـ تم إثبات صحة ما جاء في نتائج تقرير اللجنة وتطابقه مع تحريات النيابة العامل بالدلائل، هذا الأمر الذي أدى  إلى مواجهة الرئيس بجميع التهم المنسوبة إليه من قبل النيابة العامة.

رد الحكومة الموريتانية على اتهامات الرئيس

تصاعدت موجة الصراع بين الرئيس السابق والسلطة الحالية، بعد ما أعلن ولد عبد العزيز تحديه لأي جهة بأن تثبت صحة تورطه في أي قضية مرتبطة بالفساد أو سوء استخدامه للسلطة، متهما النظام الحالي بالتفريط في ثروات البلاد. مشيرا أن الدافع الحقيقي وراء توجيه هذه التهم إليه هو اهتمامه بالسياسة ومراقبته للشأن العام، وهو أمر  محل انزعاج السلطة التي تحكم حاليا.

كما كان قد أشار في تصريحات سابقة، بأنه ضحية تصفية حسابات، متهما النظام الحالي بتشويه سمعته، وأن اللجنة البرلمانية -أظهرت تحقيقاتها حجم الفساد التي شهدته فترة الرئيس السابق- ما هي إلا أداة بيد النظام تنفذ خططه وتوجيهاته.

وردا على اتهامات الرئيس الموريتاني السابق، أكدت الحكومة الموريتانية، أن قضية الرئيس السابق لا علاقة لها بالسياسة، وأنه مواطن موريتاني مسؤول أمام القضاء وأن لا مشكلة له إلا مع القضاء، وأن ذلك جاء بعد تحقيقات اللجنة البرلمانية التي اكتشفت شبهات فساد أثناء فترة حكمه، تم نقل نتائجها إلى سلطة أخرى وفق الدستور، وأثبت القضاء وبالأدلة الدامغة صحة نتائجها. وبعد إحالته للسجن من طرف قاضي التحقيق، قال رئيس فريق الدفاع عن الرئيس الموريتاني، بأن موكله يعاني من ظروف اعتقال سيئة، ردت مرة أخرى الحكومة الموريتانية على هذه المزاعم، موضحة بأن وضع الرئيس السابق في الحبس الاحتياطي، أمر قضائي لا علاقة له بأي جهاز تنفيذي، مع تأكيدها أن موريتانيا دولة القانون وعهد فصل السلطات في إشارة ضمنية إلى عدم تدخل السلطة التنفيذية في قرارات السلطة القضائية. ([1])


([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.