المغرب: العدالة والتنمية ـ أزمات وتصدعات

يعاني حزب العدالة والتنمية المغربي في الفترة الأخيرة وعلى بعد أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية التي من المقرر تنظيمها في سبتمبر 2021، العديد من الانشقاقات والتصدعات في صفوفه نتيجة الخلافات حول مجموعة من القضايا والأمور، أدت في بعض الأحيان إلى استقالة بعض أعضائه من الحزب وحتى من التركيبة الحكومية.

وترجع أسباب ما يعانيه البيت الداخلي للعدالة والتنمية إلى خلافات حول قضايا وملفات عديدة من أبرزها:

أولاً: ملف التطبيع

يعتبر موضوع التطبيع مع إسرائيل وذلك بالتزامن مع إعلان واشنطن الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه. الملف الذي أبان عن حجم التصدعات الذي يعانيه قائد الائتلاف الحكومي، فعلى الرغم أن الرباط تقول إن الأمر ليس تطبيعا مع إسرائيل، وأنه فقط مجرد استئناف لعلاقات رسمية بدأت منذ العام 1993 وتم تجميدها في العام 2002 بإغلاق مكتب الاتصال إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية. إلا أن ذلك لم يخمد الغضب داخل أروقة الحزب، خصوصا مع توقيع رئيس الحكومة الذي هو في منصب الأمين العام للحزب سعد الدين العثماني على اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل، بحيث لم تشفع له تصريحاته المتكررة التي أوضح فيها إن توقيعه على اتفاق استئناف العلاقات أملته عليه المسؤولية التي يشغلها بصفته رئيس الحكومة. مؤكدا أن هذه الخطوة لن تغير من موقف الحزب إزاء القضية الفلسطينية، وعدم القبول بمنطق المساومة سواء في قضيتي الصحراء وفلسطين، وأن الحزب غير مستعد للتفريط في أي منهما.

ولكن على الرغم من تبريرات العثماني المتكررة إلا أن ذلك لم يكن حصنا منيعا له من الانتقادات الذي تلقاها من قياديين وشخصيات بارزة في الحزب، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الخلافات الداخلية والوصول إلى حد مطالبته بالاستقالة من الحزب. خصوصا مع تزايد الاتهامات التي تلقاها الحزب واتهامات من الانسلاخ عن مبادئه وأديباته التي ترفض التطبيع مع الاحتلال، في مقابل الدعم المطلق لقضية وحقوق الشعب الفلسطيني.

وعلى إثر هذه الخطوة انشق حزب العدالة والتنمية إلى تيارين تيار يقوده رئيس الحكومة وبعض وزراء الحزب داخل التوليفة الحكومية، هذا التيار الذي يعتبر هذه الخطوة خدمة للقضيتين الوطنية والفلسطينية.

التيار الثاني الذي  يتزعمه إدريس الأزمي الذي قدم استقالته من الحزب ومن رئاسة المجلس الوطني للحزب اعتراضا على قرار التطبيع ومشروع تقنين القنب الهندي والنائب البرلماني المقرئ أبو زيد الإدريسي الذي كان من أوائل من جمدوا عضويتهم في الحزب احتجاجا على قرار التطبيع بالإضافة إلى الوزير السابق وعمدة مدينة الدار البيضاء عبد العزيز العماري الذي استقال هو أيضا من الأمانة العامة للحزب بسبب خطوة التطبيع وغيرهم من الأعضاء. هؤلاء الذين يرون أن استئناف العلاقات مع إسرائيل ضربة لمبادئ الحزب الذي كان دائما مساندا للقضية الفلسطينية. ويتعارض مع الفكر التأسيسي للحزب.

وخلال انعقاد الدورة العادية للمجلس الوطني للحزب الذي كان يترأسه إدريس الأزمي، أصدر المجلس بيان عبر فيه عن إدانته ورفضه المطلق لقرار التطبيع الذي يتنافى مع مبادئ الحزب.

ثانياً: اعتراضات واستقالات

إلى جانب ملف التطبيع، يعيش حزب العدالة والتنمية مع وقع أزمة جديدة فجرها مشروع قانون تقنين القنب الهندي الذي يسعى المجلس الحكومي باعتماده خلال الأسابيع المقبلة. بحيث عبر العديد من أعضاء الحزب استيائهم من استمرار تجرد الحزب من مواقفه الثابتة بتمرير العديد من القرارات والقوانين التي تتنافى مع مبادئه بحيث يعتبر تمرير تقنين زراعة القنب الهندي ضربة جديدة للحزب والمواطن المغربي في آن واحد.

وقد جاءت استقالة كل من رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية (برلمان العدالة) وعمدة مدينة فاس إدريس الأزمي ووزير حقوق الإنسان مصطفى الرميد-تراجع عن الاستقالة- تزامنا مع  تراكم العديد من الخلافات وعدم رضاهم عن الرضوخ والتنازلات التي أصبح يقدمها الحزب، وقد أرجع الأزمي سبب استقالته إلى عدم قدرته على استيعاب العديد من الأمور داخل الحزب، وذلك في رسالة ضمنية تبرز مدى اعتراضه على العديد من الملفات ، وهذا ما دل عليه نص الاستقالة التي جاء في فحواها ؛” لقد قررت أن أقدم هذه الاستقالة لأنني وللأسف لم أعد أتحمل ولا أستوعب ولا أستطيع أن أفسر أو أستسيغ ما يجري داخل الحزب، ولا أقدر أن أغيره، وعليه لا يمكنني أن أسايره من هذا الموقع أو أكون شاهدا عليه”.

مضيفا: “مهما كان حمل هذا القرار صعبا ووقعه وأثره، فلن يعادله في ذلك حجم الخبرة والتساؤلات التي تثار في كل مرة وتبقى بدون جواب وبدون عبرة، حول مدى ملائمة مواقف الحزب مع مبادئه المعلنة والمعروفة، وأوراقه المرجعية وأنظمته الأساسية وبرامجه الانتخابية”. وذلك في إشارة واضحة لرفضه لقرار التطبيع وتقنين القنب الهندي وعلى إثره جاءت هذه الاستقالة.

لم تكن استقالة الأزمي هي الأولى فقد سبقتها بساعات استقالة وزير حقوق الإنسان مصطفى الرميد قبل أن يتراجع عنها بعد تدخل رئيس الحكومة واتصال هاتفي من الملك محمد السادس بحسب قوله، وعلى الرغم من تصريح الرميد أن الاستقالة جاءت لأسباب صحية على إثر خضوعه لعملية جراحية التي يصعب الحال معها قدرته على تحمل أعباء المسؤوليات المنوطة به، فإن العديد من المراقبين أرجعوا الاستقالة إلى تراكم العديد من الخلافات بين الرميد ورئيس الحكومة وعدم رضاه على العديد من المسائل كالتطبيع وتقنين القنب الهندي والتي جاءت استقالته واستقالة الأزمي بالتزامن مع مناقشة الحكومة لهذا مشروع تقنين القنب الهندي.

فبعد موجة الغضب والاستياء خصوصا الشعبي على مشروع تقنين القنب الهندي، خرج عبد الإله بن كيران رئيس الحكومة السابق، والرجل الذي يعتبر أحد الأعمدة الرئيسية لحزب العدالة والتنمية ليعلن تجميد عضويته من الحزب بعد مصادقة وزراء الحزب على مشروع هذا القانون، مع تهديده بالانسحاب في حال موافقة الفريق البرلماني بتمرير هذا القانون خلال عرضه على مجلسي البرلمان.

ثالثاً: خلافات داخلية وتضارب الآراء والأفكار

لم يكن موضوع التطبيع أو تقنين القنب الهندي المواضيع الذي أحدثت شرخا كبيرا في صفوف العدالة والتنمية بل سبق ذلك إرهاصات قديمة كانت بدايتها في الولاية الحكومية الثانية للحزب على رأس الائتلاف الحكومي. فمع رحيل بن كيران وإعفائه من تشكيل الحكومة الثانية 2017، أصبح الحزب على صفيح ساخن وبرزت على إثره خلافات واسعة بين أعضائه وتكتلاته، نتيجة الجدل التنظيمي والاختلاف في التدبير السياسي. وقد انعكست الخلافات بين القيادات الحزبية حول المسائل التنظيمية والآراء السياسية في تعطيل عمل مؤسسات الحزب الداخلية في العديد من المرات، كما كان لهذه الخلافات دور كبير في تراجع شعبية الحزب نتيجة وجود أزمة حقيقية داخل الحزب كان لها تداعيات في تدبير الحزب للقضايا السياسية الكبرى. ويرى العديد من المتابعين للشأن السياسي المغربي عامة والحزبي على وجه الخصوص، أن موجه الاستقالات والاعتراضات الذي يشهدها البيت الداخلي للحزب، ستكون بداية لتفكك الحزب، إذا لم يتم تقديم مبادرة هدفها تقليص الهوة والعودة إلى وحدة الصف.([1])


([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.