المواقف المغاربية من انقلاب مالي

شهدت مالي البلد الواقع في غرب القارة السمراء، في أغسطس الماضي، انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس إبراهيم بيكر كيتا، الذي يحكم البلاد منذ 2013، وأعلن على إثرها قادة الانقلاب اعتقالهم للعديد من المسؤولين والوزراء وسيطرتهم على الوزارات والمؤسسات الحيوية. وقد جاء ذلك بعد تمرد مجموعة من الجنود في قاعدة كاتي العسكرية خارج باماكو وإلقاء القبض على عدد من كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، وعلى إثر ذلك شكل الانقلابيون لجنة انتقالية تتولى أمور السلطة إلى حين إجراء انتخابات رئاسية.

وقد شهدت مالي منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي أريع انقلابات عسكرية، كانت البداية بانقلاب 1960 لتتوالى بذلك الانقلابات في سنوات 1968، 1991، 2012، 2020، لتعيش البلاد منذ استقلالها بين نفق الانقلابات والاستعمار الفرنسي بثوب جديد تحت بند التدخل الإنساني. الارتدادات السياسية والأمنية في مالي كانت لها تأثيراتها على دول المغرب العربي، بحيث تعتبر مالي وليبيا امتدادا للأمن الاستراتيجي لهذه الدول، وعلى إثر ذلك تواترت ردود الأفعال الرسمية لدول المغرب العربي حول الحركة الانقلابية التي شهدتها مالي وهي كالتالي:

الموقف المغربي:

لقد فرضت الأوضاع في مالي حسابات جديدة على السياسة الخارجية المغربية، بحيث تفاعل المغرب منذ انقلاب 2012 مع الأزمة في هذا البلد الإفريقي، بحيث كان له الدور الكبير في دعم جهود الاستقرار وتحقيق المصالحة ومحاربة التنظيمات الإرهابية في مالي. وذلك في محاولة لمعالجة تداعياتها الخطيرة خصوصا على منطقة الساحل والصحراء التي تشكل عمقا أمنيا/استراتيجيا للمغرب.

وتربط المغرب علاقة تاريخية سياسية واقتصادية قوية مع مالي على الرغم من عدم ارتباطه بها حدوديا، وعلى إثر هذه المحاولة الانقلابية، فقد أعلن المغرب عبر بيان صادر عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج رفضه للانقلاب العسكري فيها، من خلال تأكيده على ضرورة الانتقال المدني والسلمي الذي يتيح العودة السريعة للشرعية الدستورية بما يكفل الاستقرار السياسي والأمني داخليا وإقليميا، داعيا كافة الأطراف والقوى الحية في مالي إلى تفضيل المصلحة العليا للبلاد من أجل الحفاظ على استقرارها ووحدة وتطلعات شعبها، كما أكد البيان التزام المغرب بالتعاون مع جميع الأطراف في سبيل إعادة الاستقرار والأمن لهذا البلد الإفريقي.

ويرتبط تحرك الدبلوماسية المغربية منذ انقلاب مالي 2012 والأزمات المتولدة عنه بمقاربة إقليمية تربط مصير الوضع الأمني بمنطقة الساحل والصحراء بإنهاء أزمات وصراعات المنطقة وعلى رأسها الأزمة المالية. بحيث كان للمغرب دور كبير في دعم جهود الاستقرار ومحاربة التنظيمات الإرهابية شمال مالي.

الموقف الجزائري:

الجزائر المتصلة حدوديا بمالي تنظر إلى الوضع في هذا البلد عقب الانقلاب بالكثير من الحيطة والتخوف بسبب التداعيات الأمنية الخطيرة المحدقة به، وعلى إثر التحول الذي شهدته الساحة  المالية، أكدت الجزائر رفضها القاطع لأي تغيير خارج إطار الشرعية والأطر الدستورية المتعارف عليها وذلك بحسب ما أشار إليه بيان أطلقته وزارة الخارجية، والتي أبرزت من خلاله أنه لا يمكن انتهاك الشرعية القانونية المتولدة عن الاتحاد الإفريقي -الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم لعام 2007- كما دعا البيان أيضا جميع الأطراف كافة إلى العمل سريعا من أجل الخروج من الأزمة، مؤكدا أنه لا سبيل للوصول إلى السلطة والشرعية إلا عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع.

وتحتل الأزمة في دولة مالي مكانة مهمة في الأجندة الخارجية الجزائرية نتيجة الترابط الذي يجمع البلدين، بحيث يشكل الوضع المتدهور في مالي  تهديدا مباشرا للأمن الجزائري، وهذه الأسباب هي التي عجّلت من زيارة وزير الخارجية الجزائري إلى مالي بعد الانقلاب والتي جاءت تحت جملة من الأسباب والدوافع وذلك في محاولة لاحتواء أي رجّات أمنية للانقلاب على الأمن القومي الجزائري ومنطقة الساحل والصحراء بصفة عامة، وذلك لتفادي تكرار السيناريو الليبي الذي كانت له تأثيرات أمنية على الحدود الجنوبية للجزائر. 

وقد أكد مقال نشرته جريدة Le Figaro الفرنسية المخاوف الجزائرية من أزمة مالي، بحيث أشارت إلى أن الجزائر التي تنشغل في الظرفية الراهنة بالأوضاع غير المستقرة الدائرة في الدول المحاذية لها في كل من ليبيا والنيجر، ليزيد انقلاب مالي من مصدر القلق الجزائري نتيجة اللااستقرار التي تعاني منه المنطقة والمرتبط بحدودها الجنوبية الممتدة لأكثر من 1300 كلم بينها وبين مالي. مبرزا أن الرفض الجزائري للانقلاب في مالي يستنتج منه أن الجزائر هي في حالة مراقبة إزاء ما يحدث في مالي في انتظار ما سيصدر عن القوى الكبرى من مواقف حول الأزمة في مالي.

الموقف التونسي:

سار الموقف التونسي الرسمي على غرار ما ذهب إليه الموقفان المغربي والجزائري، بحيث أعلنت تونس أيضا رفضها للانقلاب ولأي تغيير خارج إطار الشرعية الدستورية، وذلك انسجاما مع أحكام الميثاق الإفريقي التي تؤكد على ضرورة احترام مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون والحكم الرشيد، وهذا ما أبرزه بيان لوزارة الخارجية التونسية الذي دعا الأطراف المالية إلى تغليب لغة الحوار لإعلاء المصلحة العليا للبلاد من أجل الخروج السريع من الأزمة وذلك في سبيل تحقيق الاستقرار والوحدة الوطنية. كما شدد البيان على دعم تونس للجهود سواء الدولية أو الإفريقية الرامية إلى إعادة الاستقرار والأمن لهذا البلد الإفريقي.

الموقف الموريتاني:

تشترك موريتانيا بمالي عبر شريط حدودي بري صحراوي يعد الأطول في المنطقة والبالغ حوالي 2237 كلم، كما يرتبط البلدان أمنيا، وذلك بسبب تزايد حجم المخاطر الناتجة عن  التهديدات التي تشكلها بعض التنظيمات الإرهابية التي تنشط بالمنطقة وعلى رأسها فرع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، كما يعد البلدان من الدول المنتمية لمجموعة دول الساحل الإفريقي الخمس إلى جانب النيجر، وبوركينا فاسو والتشاد.

على الرغم من عدم صدور أي موقف رسمي موريتاني فوري حول الانقلاب على غرار المنحى الذي سارت عليه المواقف الرسمية المغاربية، إلا أن موريتانيا لعبت دور الوسيط في إطلاق سراح الرئيس المالي المستقيل إبراهيم بيكر بحيث توجه وفد موريتاني إلى مالي يرأسه وزير الخارجية محمد ولد الشيخ التقى خلالها عسكريين وفرقاء سياسيين للتباحث حول الأزمة التي تعيشها مالي، وقد نجحت الوساطة الموريتانية في السماح للرئيس المالي إبراهيم أبو بكر كيتا بالسفر للخارج، بعد حصول وزير الخارجية الموريتاني على تأكيد من رئيس المجلس العسكري الحاكم في مالي بالسماح للرئيس بمغادرة البلاد من أجل العلاج.

وعلى إثر هذه الزيارة برز بوضوح الموقف الرسمي الموريتاني من الوضعية الراهنة في مالي، بحيث أكد ولد الشيخ أن الروابط التاريخية والمصالح المشتركة تحتم على موريتانيا ضرورة الوقوف إلى جانب الجارة مالي في هذه الظرفية العصيبة وذلك في حدود القواعد والأعراف الدولية من أجل الخروج من الأزمة عبر انتقال دستوري سلمي مقبول.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.