تدهور العلاقات المصرية التركية بعد انقلاب 2013

تدهورت العلاقات المصرية التركية بشكل متسارع بعد انقلاب 3 يوليو 2013 في مصر، وتحولت إلى حالة من الصراع والتراشق الإعلامي والسياسي، خاصة وأن النظام التركي كان داعما بقوة لثورة يناير 2011، وداعما أساسيا لنظام الرئيس محمد مرسي.

وازدادت حدة التوتر بين النظامين المصري والتركي، بعد مذبحة رابعة (أغسطس 2013)، وما تلاها من مذابح وممارسات، ولم تبال تركيا بعد الانقلاب العسكري من فقدان حليفاً إقليمياً هاما في المنطقة وهي مصر، وتبنت سياسات رافضة لنظام السيسي أدت إلى تدهور العلاقات بشكل كبير بين الدولتين، الأمر الذي كان سببًا رئيسيا في ظهور تحالفات إقليمية جديدة بالمنطقة.

ووصل الخلاف بين الدولتين التركية والمصرية وقتها إلى ذروته بسرعة قياسية بعد قرار الحكومة المصرية بطرد السفير التركي واعتباره شخصاً غير مرغوب به في مصر، وتم تخفيض مستوى العلاقات بين البلدين إلى مستوى القائمين بالأعمال.

هذا القرار كان كفيلا لسرعة تدهور العلاقات بشكل غير مسبوق، الأمر الذي دفع تركيا وقتها إلى استدعاء القائم بالأعمال المصري، وإبلاغه طرد السفير المصري من تركيا.

غضب المسؤولون المصريون من تصريحات رئيس الوزراء التركي وقتها رجب طيب أردوغان، حيال الوضع المصري، حيث وجه انتقادات للنظام الذي قام بالانقلاب العسكري. ووصفت الحكومة المصرية هذه التصريحات بأنها “تدخل غير مقبول في الشؤون الداخلية لمصر واستفزاز”.

الدور المصري في أزمة غاز المتوسط

الصراع التركي اليوناني على قبرص لم يكن وليد اللحظة، فهو صراع ممتد منذ عشرات السنين، بيد أن الصراع على الموارد الطبيعية بدأ يطفو على السطح خلال السنوات الأخيرة بشكل واضح، تُحرّكه أياد إسرائيلية ويدعمه النظام المصري بزعامة السيسي، والذي أجج استيلاؤه على الحكم عنوة عقب الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي أزمة مع تركيا التي لم ترحب به.

منذ عام 1974، تعيش جزيرة قبرص انقساما بين شطرين؛ تركي في الشمال ورومي في الجنوب، لكن جمهورية شمال قبرص التركية معلنة من جانب واحد ولا تعترف بها سوى تركيا. وفي المقابل حظيت قبرص الرومية بعضوية الاتحاد الأوروبي، وتقول إن الشمال واقع تحت احتلال غير قانوني منذ الغزو التركي للجزيرة عام 1974.

ويتهم القبارصة الأتراك الحكومة القبرصية بالتصرف بشكل منفرد بدعوتها الشركات للتنقيب في المنطقة، ويقولون إنهم يريدون اقتسام أرباح أي إنتاج للغاز، وترفض الحكومة القبرصية الفكرة.

فيما شدد الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” على أنه لا يمكن إقامة أي مشروع للتنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط، يتجاهل تركيا وشمال قبرص التركية، مجددا عزم بلاده البحث والتنقيب عن النفط والغاز فيها.

وفي الوقت الذي أصرّت فيه تركيا على مواصلة التنقيب عن الغاز في الجرف القاري التركي في البحر المتوسط، والذي تزعم قبرص الرومية أحقيتها فيه، تواصلت الاجتماعات بين المسؤولين الإسرائيليين واليونانيين والمصريين.

مع نهاية عام 2014، وفي 10 نوفمبر/تشرين الثاني تحديداً، عقدت أوّل جلسة بين مصر وقبرص الرومية واليونان، لوضع معالم الصراع مع تركيا، كما ذكرت مجلة “جلوبس” الإسرائيلية في وقت سابق، التي رأت أن تشكيل جبهة موحدة بين هذه الأقطار، هدفه التصدي “للاستفزازات التركية”.

عام 2016 زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليونان، حيث عقدت قمّة إضافية، كانت معالمها أوضح هذه المرّة، إذ كانت المرّة الأولى التي تعقد فيها قمّة بمشاركة زعماء الدول الثلاث، اليونان، وإسرائيل، وقبرص الرومية، وقد كان محورها الأساسي هو دعم التحالف الاستراتيجي في مجال الأمن والطاقة.

ويشير موقع واللا الإسرائيلي إلى أن الهدف من تشكيل هذه القوة هو حماية مصادر الغاز في قبرص الرومية.

وأشار مصدر إسرائيلي إلى أن التطور الكبير والمتسارع في العلاقات بين إسرائيل وقبرص الرومية ليس مفاجئاً، “للدولتين أهداف مشتركة على صعيد التنقيب عن الغاز، وكذلك تجمعهما المخاوف المشتركة على صعيد أمني، ولديهما علاقات متأزمة مع تركيا، بينما تجمعهما العلاقات الجيدة مع مصر”.

تصاعد التوتر

في ظل هذا التقارب بين قبرص الرومية ومصر وإسرائيل واليونان، لم تتنازل تركيا عن حقها في التنقيب عن الغاز في منطقة الجرف القاري التركي عند خطوط الطول 32 و16 و18 درجة، فيما قال وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو إن بلاده تقدمت بطلب لرفض اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر وقبرص الرومية، بوصفها “تنتهك الجرف القاري التركي”.

وحذر جاويش أوغلو من إجراء أية أبحاث علمية غير قانونية أو بدء عمليات التنقيب عن النفط والغاز في الجرف القاري التركي والمناطق البحرية المتداخلة فيه، وذلك بعد أن اعترضت تركيا في فبراير/شباط 2018، سفينة تابعة لشركة إيني الإيطالية لاستكشاف النفط، كانت في طريقها للتنقيب عن الغاز المكتشف في مناطق متنازع عليها مع قبرص الرومية.

وأعلنت تركيا في 3 مايو/أيار 2019، عن نيتها إجراء عمليات تنقيب عن الغاز حتى سبتمبر/أيلول المقبل في منطقة من البحر المتوسط.

وفي يوليو الماضي، طالب السيسي بسرعة التحرك في شرق المتوسط، الأمر الذي تبعته تركيا، بإطلاق مناورات “ذئب البحر 2019″، وهي الكبرى من نوعها في تاريخ الجمهورية التركية، ونفذت بشكل متزامن في ثلاثة بحار.

وأشرفت على المناورة قيادة القوات البحرية التركية بشكل فعلي للمرة الأولى في البحر الأسود وإيجة وشرق المتوسط، بمشاركة 131 سفينة بحرية، و57 طائرة حربية، و33 مروحية.

ونشرت الجريدة الرسمية المصرية في نفس التوقيت، مصادقة عبد الفتاح السيسي على اتفاق بين مصر وقبرص بشأن إنشاء خط أنابيب بحري بينهما لنقل الغاز الطبيعي.

بعد وفاة مرسي

بعد وفاة الرئيس محمد مرسي في 17 يونيو 2019، تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ببذل جهود لضمان محاكمة الحكومة المصرية أمام المحاكم الدولية، بسبب وفاة الرئيس مرسي الذي أصيب بنوبة قلبية خلال إحدى جلسات محاكمته بالقاهرة، وأشار أردوغان أن مرسي لم يمُت، ولكن تم اغتياله.

ومن منبر قمة “G20” في اليابان الأخيرة، شن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، هجوما لاذعا جديدا على السلطة المصرية ورئيسها عبد الفتاح السيسي، على خلفية وفاة الرئيس الراحل محمد مرسي.

وعلى هامش اجتماعات الأمم المتحدة، التي عُقدت في نيويورك في سبتمبر الماضي، أثار الرئيس التركي مجدداً قضيَّة وفاة الرئيس محمد مرسي، موجهاً انتقادات إلى “النظام المصري وعبد الفتاح السيسي”، كما رفض “حضور عشاء عدد من زعماء العالم بدعوة من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش”.

فيما وجَّهت الخارجيَّة المصريَّة رداً شديد اللهجة وغير مسبوق دعا إلى محاسبة الرئيس التركي “بزعم جرائم ضد الإنسانيَّة”، وعلى رأسها “استهداف الأكراد بالقمع والقتل والإبادة”، لتُشهر مصر للمرة الأولى بصورة علنيَّة “الورقة الكرديَّة” في مواجهة غريمها الإقليمي، الذي يتعرَّض لانتقادات وتهديدات أميركيَّة وغربيَّة.

مصر تستفز أردوغان بمحاورة كولن

تشن وسائل الإعلام المصرية التي تسيطر عليها الأجهزة الأمنية بشكل كامل هجوما متواصلا على تركيا منذ أكثر من أسبوع. وبجانب تسليط الضوء على ما تسميه “سلبيات” إدارة أردوغان للبلاد وتوجيه عشرات الاتهامات على المستويين السياسي والاقتصادي للرئيس التركي، بدأ الإعلام المصري في استضافة أبرز معارضي أردوغان، في تصعيد جديد للصراع بين الجانبين.

وفي ظهور إعلامي نادر، استضافت قناة “TEN” المصرية فتح الله كولن، المفكر الإسلامي الذي يتخذ من ولاية بنسلفانيا الأميركية ملجأ له، والذي يعد أحد أبرز الخصوم السياسيين لأردوغان، والذي تتهمه أنقرة بتدبير وقيادة محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/ يوليو 2016.

 وقام نشأت الديهي مقدم برنامج “بالورقة والقلم” بتقبيل رأس كولن، وخلع عليه أوصافا، من قبيل العلامة والشيخ الجليل والزعيم التركي.

وخلال اللقاء شن فتح الله كولن هجوما شرسا على أردوغان، وحمّله مسؤولية توتر العلاقات بين تركيا ومصر في أعقاب الإطاحة بالرئيس مرسي عام 2013، فيما كال المديح للنظام المصري، ووصفه بأنه يقدم نموذجا يحتذى به في إدارة الدول؛ بسبب توازنه واعتداله.

وسلط كولن الضوء في حواره مع القناة المصرية على طبيعة النظام الحاكم حاليا في تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية قائلا “هؤلاء المسيطرون على مقاليد الأمور في بلادنا اليوم ليسوا من أبناء الأناضول الحقيقيين.. لقد غابت عنهم قيم شعب الأناضول الأصيلة، لكنهم يتظاهرون بأنهم يحترمون قيم هذا الشعب ومبادئه الدينية والأخلاقية والتراثية والثقافية”.

الدستور التركي الحالي لا يصلح لإدارة مجتمع مثل التركي الذي يشتمل على أطياف وقوميات متنوعة. فبلادنا تشتمل على قوميات مختلفة من أتراك وأكراد وشركس ولاظ وعلويين، وأطياف متعددة من مسلمين وربوبيين وملحدين وكماليين وغير ذلك”.

إذا كان النظام في تركيا يريد أن يضع دستورا جديدا، فعليه أن يضع دستورا يراعي وضع الأغلبية المسلمة ويحترم في الوقت ذاته معتقدات الآخرين وقيمهم.

لو سألوني عن رأيي، لاقترحت على المسؤولين أن يستفيدوا من الدستور الأميركي الذي يحترم كل الآراء والمعتقدات مع مراعاة حقوق المسلمين بصفة أساسية. يمكنهم أن يستفيدوا منه كما استفادوا في الماضي من الدستور الفرنسي.

وقال: إن أردوغان وضع هدف تقويض مؤسسات حركة الخدمة التربوية، منذ وصوله إلى الحكم، وأن أردوغان وفريقه ظهروا على حقيقتهم خلال تحقيقات الفساد والرشوة التي كشف عن نتائجها في ديسمبر 2013، وأن أردوغان لديه مخطط للقضاء على الجيش التركي أولا، من خلال تدبير انقلاب مسرحي تلاه تصفيات جماعية عشوائية، ثم القضاء على حركة الخدمة من خلال اتهامها بتدبيرها الانقلاب، وإطلاق حملة شعواء ضد أعضاء المجتمع المدني.

ورفض كولن إرسال رسالة إلى أردوغان، قائلا “أردوغان لا يصغي إلى أحد، وبالذات إلينا نحن، فلديه أحكام مسبقة عنا، إنه يتهمنا بالإرهاب ويتهمني شخصيا بأنني رأس الإرهاب وقد أصدروا ضدي أحكاما متعددة بالمؤبد، لذلك ليس لدي شيء أوجهه إليه”؟

وأكد كولن على أنه يمكن للبلدان الديمقراطية والدول الغربية ودول العالم الإسلامي أن تتخذ تجاهه (أردوغان) موقفا موحدا للضغط عليه كي يتراجع عن استبداده. وأعتقد أن هذا هو السبيل الوحيد لكي تتوقف الفوضى والاضطرابات التي تشهدها تركيا حاليا.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.