تركيا مفتوحة للدبلوماسية والمفاوضات.

خلوصي أكار، وزير الدفاع التركي

رابط المقال

إن حل القضايا المعقدة من خلال التعاون والتفاوض على أساس المصالح المتبادلة والإنصاف لطالما كان هدفنا دائماً. لكن من ناحية أخرى، فإن أي محاولة لتحريض الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات على تركيا، أو تعيين شروط مسبقة للمحادثات، لن يؤدي إلا إلى نتائج عكسية. وهنا تأتي على وجه الخصوص أنشطتنا البحثية الاستكشافية المدنية في البحر المتوسط التي أصبحت مؤخراً ذريعةً لتوجيه الاتهامات إلى تركيا بـ”العدوانية وزيادة التوتر”. لكن واقع الأمر أن لدينا وجهة نظر مختلفة تماماً فيما يتعلق بهذه الأحداث.

بادئ ذي بدء، تقوم سفينة “أوروتش رئيس” للأبحاث السيزمية (الموجات الزلزالية) بإجراء مسوحات استكشافية في الجرف القاري الذي سبق أن سجلت تركيا منذ البداية تبعيته لها لدى الأمم المتحدة في عام 2004. ثم انتظرت تركيا بصبرٍ لمدة 16 عاماً، على أمل التوصل إلى اتفاق مع اليونان، قبل بدء المسوحات العلمية الاستكشافية في المنطقة. وفي المقابل، كنا نواجه مراراً إجراءات أحادية الجانب من جانب قبرص الرومية واليونان خلال تلك الفترة، وشمل ذلك إصدار ما يسمى بتصاريح التنقيب عن الغاز للإدارة القبرصية الرومية وأنشطة المسح الزلزالي والحفر على الرغم من احتجاجاتنا على ذلك. هذا الصيف، كانت هناك مرة أخرى فرصة سانحة عبر النافذة الدبلوماسية، لكنها أُغلقت أيضاً مرة أخرى بسبب الإجراءات اليونانية. وعلى وجه التحديد، وقفت تركيا الأنشطة الاستكشافية لسفينة “أوروتش رئيس” مرتين منذ يوليو/تموز 2020 لمنح الدبلوماسية فرصة. ففي البداية كان المقرر في الأصل إرسالَ سفينة “أوروتش رئيس” إلى منطقة المسح الزلزالي الأولى من 21 يوليو/تموز إلى 2 أغسطس/آب 2020، ومع ذلك، بناءً على طلب المسؤولين الألمان والاتحاد الأوروبي، أُجّل المسح الاستكشافي المخطط وتوصلت تركيا واليونان إلى اتفاق مبدئي لاستئناف المحادثات الاستكشافية وفتح قنوات أخرى للحوار.

غير أنه قبل ساعات فقط من إعلان البيان المشترك بشأن المحادثات الاستكشافية، وقّعت اليونان ما يسمى باتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع مصر في 6 أغسطس/آب 2020، منتهكةً بذلك حدود الجرف القاري التركي والليبي. بعد هذا التطور المخيب للآمال، استأنفت سفينة “أوروتش رئيس” المسح الاستكشافي الذي كان مخططاً له، ومن ثم فقد كانت هذه فرصة ضائعة.

جاءت الفرصة الثانية الضائعة بعد عودة “أوروتش رئيس” إلى أنطاليا في 12 سبتمبر/أيلول 2020، لإجراء عمليات صيانتها الروتينية. وقدّم هذا فرصة ثانية للدبلوماسية لتعمل عملها، وكان من الممكن ترويج ذلك واستغلاله على أوسع نطاق ممكن، لكن اليونان للأسف ردّت بدلاً من ذلك بسلسلةٍ من الاستفزازات. على سبيل المثال لا الحصر: نشرت اليونان وحدات من القوات البحرية في جزيرة كاستيلوريزو “ميس” التي يُفترض أنها منزوعة السلاح، وأجرت تدريبات عسكرية في جزيرة خيوس منتهكة بذلك نزع السلاح فيها أيضاً، وأقدمت على إجراء مناورات تضمنت إطلاق النار في جزيرة ليمنوس وحولها، وهو ما يشكّل، مرة أخرى، انتهاكاً لوضعها المتعلق بنزع السلاح، كما أجرت مناورات جوية حول الجزر منزوعة السلاح، في خيوس وكوس ورودس، علاوة على تدريبين عسكريين منفصلين أجرتهما في منطقة شرق البحر المتوسط، وليس نهايةً بإصدارها تحذيرات ملاحية تستغرق فترة زمنية طويلة ومساحة كبيرة من المجال الجوي الدولي في بحر إيجة المشترك.

وقائمة الاستفزازات تطول وتطول، لذلك فإن ما فعلته تركيا ليس إلا رداً على الإجراءات اليونانية والتصريحات والقرارات غير المخول إليها بها من جانب الاتحاد الأوروبي. واسمحوا لي هنا أن أطرح سؤالاً بسيطاً: هل من الواقعي أو العادل أو المقبول أن تكون جزيرة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 10 كيلومترات مربعة ذريعةً للمطالبة بنحو 40 ألف كيلومتر مربع من الجرف القاري؟ وفي هذا السياق، على المرء أيضاً أن يضع في اعتباره هذه الحقيقة: الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كلاهما سبق أن صرّح في مناسبات منفصلة بأن الخريطة التي تنشرها اليونان لدعم مزاعمها ليس لها أي قيمة قانونية. وقد كنا نفضل أن تستغل اليونان الفرصة التي كانت متاحةً بعد قمة الاتحاد الأوروبي السابقة. وفي هذا الصدد ينبغي للمرء الالتفات على نحو خاص إلى واقع أن الاتحاد الأوروبي ليس سلطة مختصة يحقّ لها إصدار بيانات ملزمة في ما يتعلق بالنزاعات الدولية حول ترسيم الحدود البحرية. ومع كل ذلك، لا يزال باب تركيا مفتوحاً أمام حوار ثنائي هادف مع اليونان. وكنا قد شهدنا هذا الصيف أيضاً حادثة أخرى، عندما حاولت فرقاطة يونانية أن تصطدم بقوة مع سفينة “أوروتش رئيس”. ومع ذلك، فقد تعاملت سفننا البحرية المرافقة مع هذه المناورات الخطيرة بطريقة احترافية. على أي حال، لم يكن يجدر بالوضع أن يصل إلى أن نجد أنفسنا مضطرين إلى حماية سفينة استكشافية مدنية. والأكيد أنه لا حماية لسفننا الاستكشافية في البحر الأسود على سبيل المثال.

ومما لا شك فيه أننا لا نريد وقوع عارض طارئ أو حادثة في عرض البحر، ناهيك بمواجهة أو شيء من هذا القبيل.

لهذا السبب بالتحديد، رحّبنا على الفور بآلية حل النزاع التي اقترحها حلف الناتو وانخرطنا فيها بفاعلية لتجنب وقوع أحداث كهذه. ومع ذلك، فقد توقفت اليونان مع الأسف عن حضور هذه الاجتماعات في مقر الناتو دون إبداء أي أسباب. بالإضافة إلى ذلك، عقدنا بنجاح ثلاثة اجتماعات خلال العام ونصف العام الماضيين مع اليونان بشأن تدابير بناء الثقة العسكرية. وما زلنا ننتظر رداً من زملائنا اليونانيين على دعوتنا لعقد الاجتماع المقبل في أنقرة.

الأفعال أعلى صوتاً وأشد أثراً من الكلمات، وإذا كانت اليونان صادقة حقاً بشأن مساعي التوصل إلى حلول، فإننا نود أن نرى الجانب اليوناني في مساري المحادثات كليهما. علاوة على كل ذلك، وبالإضافة إلى الانتهاكات المتعلقة بوضع الجزر منزوعة السلاح بموجب اتفاقات قانونية دولية، فإن اليونان لديها إصرار على دعاوى فيما يتعلق بالمجال الدولي لم يسبق لها مثيل في العالم. فعلى الرغم من أن اليونان لديها مياه إقليمية تبلغ 6 أميال بحرية، فإنها تطالب بنحو 10 أميال بحرية من المجال الجوي التابع لها. وهذا يتعارض مع القانون الدولي، وهو ذريعة تستند إليها دائماً لتوجيه اتهامات بما تسميه “انتهاكات للمجال الجوي”. والأمر لا يتعلق هنا بتركيا فقط، فإن دولاً أخرى أشارت أيضاً إلى عدم اعترافها بتناقضات على هذه الشاكلة. كما أن البلدين، ورغم كونهما جارين في بحر إيجة، فإن الواقع أنه لا توجد حتى الآن اتفاقية لترسيم الحدود الملاحية بين تركيا واليونان هناك أيضاً. ويزيد على ذلك أن أبعاد إقليم معلومات الطيران وغيرها من القضايا ذات الصلة هي مسائل ذات طبيعة فنية، ولا تتعلق بالسيادة، ومن ثم إذا تعاملنا معها وناقشناها على هذا النحو، فسيُمكن الوصول إلى حلول مُرضِية. وأنا، وإن كنت أوكّد أن تركيا ليس لديها نية لانتهاك حقوق أي دولة أو حدودها المشروعة، فإن ذلك لا يعني بطبيعة الحال أن تركيا لن تقف بحزم ضد أي محاولة للإضرار بحقوقها ومصالحها، وحقوق القبارصة الأتراك. وكما قلنا ونقول دائماً، نحن مستعدون للانخراط في حوار جاد مع اليونان دون شروط مسبقة.

ومن جانبها، أبدت تركيا مراراً وتكراراً حسنَ نيتها بطرحها وتجاوبها مع المبادرات الدبلوماسية. وخطوات مثل المحادثات الدبلوماسية والدعوة إلى حوار بشأن المشاركة العادلة في العائدات في جزيرة قبرص وأفكار مثل عقد مؤتمر إقليمي للاتفاق على تقاسم للموارد الهيدروكربونية في البحر الأبيض المتوسط، كلُّها مقترحات ملموسة قدَّمناها. على كل حالٍ، فإن نهجنا العام دائماً هو اتخاذ مواقف بنَّاءة حيال أي مشكلات في بحر إيجة والبحر المتوسط لإيجاد سبلٍ مفيدة للطرفين للتقدم والمضي قدماً.

وختاماً، اسمحوا لي أن أوكد مرة أخرى أننا، في تركيا، نؤيد بشدة حل جميع هذه الخلافات العالقة مع جارتنا اليونان من خلال القانون الدولي وعلاقات حسن الجوار والاحترام المتبادل والحوار والمفاوضات. وإذا كانت الإرادة، فحتماً تكون الوسيلة!.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.