تغيّر العقيدة العسكرية الإيرانية خلال الحرب السورية

كتب: محمد أشقر

شغل موضوع العقيدة العسكرية الإيرانية حيزًا من اهتمام الدوائر البحثية والأكاديمية منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وذلك لسببين أساسيين: أوّلهما طموح إيران العسكري في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها في الأمن الإقليمي. وثانيهما غياب نص رسمي مكتوب لهذه العقيدة يمكّن من تحديد معالمها الرئيسة. وقد شهدت هذه العقيدة منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين تطورًا ملحوظًا في ظل حكم قيادتها الإسلامية، ومثّل ذلك التطوّر استجابة استراتيجية للبيئة الإقليمية المعادية والتنافسية التي حرضتها أيديولوجيتها الإسلامية الثورية. تشكّلت تلك الاستجابة الاستراتيجية بأحداث إقليمية ودولية عدّة، أبرزها حرب الخليج الأولى وحرب الخليج الثانية، ثمّ الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، وصولًا إلى الانخراط المباشر في النزاع السوري بدءًا من عام 2011، وما نجم عنه من تغيّرات في عقيدتها العسكرية. تحاول هذه الورقة استقصاء التطورات التي طرأت على العقيدة العسكرية الإيرانية خلال مجريات النزاع في سورية، فاحصة العناصر الثابتة والمتغيرة فيها، خلال سنوات الحرب السورية العشر.

مفهوم العقيدة العسكرية هو مفهوم متنازع عليه في الدراسات العسكرية. نستخدم في هذه الورقة تعريفًا بسيطًا للعقيدة العسكرية استقيناه من “مسرد الناتو للمصطلحات”، والتي يعرّفها بأنّها “المبادئ الأساسية التي توجِّه عمل القوات المسلحة لتحقيق أهدافها. وهي مبادئ مُلزِمة تُقرُّها سلطة البلاد العليا بالرغم من أنّها تحتاج إلى قدرٍ من المرونة عند تطبيقها”[1]. ينسجم هذا التعريف مع ما أشار إليه بيرت تشابمان في كتابه العقيدة العسكرية بأنّها “تقدم البنية الفكرية للمقاتلين والقادة العسكريين، ولجماعاتهم ومرؤوسيهم، على جميع المستويات لكي يفكروا بتعقّل في استخدام القوة العسكرية مسترشدين بحسن التفكير”[2]. باختصار، تركز العديد من تعاريف العقيدة العسكرية على الجانب الفكري التخطيطي للجيوش، وهي تهتمّ أساسًا بالإجابة عن الأسئلة: لماذا نقاتل؟ وكيف؟ ومن نقاتل؟

أولًا: مرتكزات العقيدة العسكرية الإيرانية

ترتكز العقيدة العسكرية الإيرانية على الردع بالصواريخ الباليستية، والحرب غير التقليدية، وعمق إيران الاستراتيجي، والتعبئة الشعبية. وقد جاءت اللوائح التنظيمية للقوات المسلحة الإيرانية، والتي تمت صياغتها في عام 1992، معبّرةً عن الخطوط العريضة للاستراتيجية والعقيدة الإيرانيتين، وتتمثل في التركيز على الجغرافية العسكرية والعدّة البشرية والحماسة الثورية الوطنية؛ من أجل تلافي ضعف الإمكانات التقنية والمادية للمؤسسة العسكرية الإيرانية. وتعكس هذه اللوائح أيديولوجيا مؤسسي الجمهورية الإسلامية، وهي عبارة عن مزيج من المبادئ الواقعية الدفاعية والثيوقراطية الثورية، حيث تتلخّص الأولى في حماية استقلال إيران الوطني ووحدتها الترابية ومصالحها الإقليمية، وتُعنى الثانية بالدفاع عن الإسلام وباقي الشعوب المسلمة المضطَهَدة. وتؤكد اللوائح أيضًا علويَّة مبدأ ولاية الفقيه، بمعنى تركيز معظم السلطات في الدولة الإيرانية في يدَي شخصية دينية هي المرشد الأعلى للجمهورية. وهكذا، يكون الانضباط العسكري امتدادًا للالتزام الروحي تجاه تعاليم الإسلام وشخصية المرشد الأعلى، وهذا ما يفسح المجال لهيمنة العناصر الأكثر تشددًا ضمن القيادات العسكرية[3].

أتى الانخراط الإيراني في الأزمة السورية مبكرًا جدًا لسببين: أولهما هو محاولة إنقاذ مؤسسات الدولة السورية من الانهيار والإبقاء عليها في يد حليفها الموثوق بشار الأسد، وثانيهما هو الحؤول دون صعود جماعات سنّية متطرفة بحمولة أيديولوجية معادية للشيعية السياسية (والمقصود هنا بالدرجة الأساسية تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، وتنظيم جبهة النصرة)، والتي من شأنها أن تشكّل خطرًا على أمن حلفاء إيران في لبنان والعراق. زيادة على ذلك، يمكن تحديد دوافع التدخّل الإيراني في سورية في هدف استراتيجي أعلى، وهو ضمان بقاء الأراضي السورية جسرًا آمنًا لإمداد حليف إيران في لبنان، حزب الله، في مواجهته مع إسرائيل[4]. جرى تشكيل هذا الهدف الاستراتيجي بالعقيدة العسكرية الإيرانية وأسلوبها في تحديد أعداء إيران، حيث تأتي إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية باعتبارهما أخطر عدوّين لها، بما يتناغم مع أحد المبادئ الأيديولوجية للثورة الإسلامية الإيرانية، وهو معاداة الصهيونية[5].

ثانيًا: ظهور “الدفاع المتقدم”

حافظت العقيدة العسكرية الإيرانية على النهج الدفاعي الردعي على مستوى السردية الكبرى[6]، على الرغم من الانخراط العسكري الإيراني المباشر وغير المباشر خارج الحدود الإيرانية في سورية؛ فكان تفعيل الخيارات العسكرية في سورية منذ عام 2011 قائمًا على مبدأ “الاستجابة للمهدّدات بالمهدّدات” الذي أطلقه المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، والذي يقضي بمعالجة المهدّدات عند أبعد نقطة ممكنة عن الحدود الإيرانية وعدم انتظارها لتتحوّل إلى أخطار محققة داخل إيران، وهو الأمر الذي فتح الباب أمام تزايد التورط العسكري في سورية فيما اصطُلِح عليه لاحقًا باستراتيجية “الدفاع المتقدّم”[7]. جاء هذا الخيار الاستراتيجي في ظل تفسيرٍ إيراني للثورة السورية ومآلاتها على أنّها محاولة لتفكيك “حلف الممانعة” الذي تقوده إيران، وهو ما سيؤدّي إلى تعزيز نفوذ إسرائيل في المنطقة والولايات المتحدة وحلفائها في الخليج العربي، ويخفض أمن إيران ويقوّض مصالحها الحيوية[8].

تساعدنا المقارنة بين التحركات الإيرانية داخل العراق بعد الغزو الأميركي في عام 2003 والمشاركة الإيرانية في الحرب السورية في توضيح تأثير هذه الحرب في العقيدة الإيرانية ومسار تطوّرها. كانت مساهمة إيران في العراق مستندة إلى دعم ميليشيات مقاومة للقوات العسكرية الأميركية وتدريبها من دون أن تسجل حضورًا عسكريًا رسميًا إيرانيًا في الميدان العراقي، وكانت الغاية من ذلك هي رفع التكلفة على الولايات المتحدة وجعل مهمتها في العراق أشد صعوبة؛ حتّى لا تستخدم الخيار العسكري ضد إيران، وهو الأمر الذي كان مطروحًا على طاولة صانع القرار الأميركي بعد إطاحة عدوَّي إيران، طالبان في شرقها في عام 2001، ونظام صدام حسين في غربها في عام 2003[9]. بناء عليه، يمكن اعتبار النشاط الإيراني في العراق حينها منسجمًا مع العقيدة العسكرية الدفاعية الردعية لطهران، ولم يكن هناك أي مشاريع ذات أبعاد هجومية كما حدث في سورية بعد عام 2011، وذلك ليس لأن الوجود العسكري الرسمي الإيراني في العراق غير متوافر فحسب، بل لاعتبار التماسّ الجغرافي بين البلدين أيضًا، فضلًا عن الوجود العسكري الأميركي، عدوّ إيران الأول، على الحدود الإيرانية.

ثالثًا: بناء شبكة ميليشيات محلية وأجنبية

ترتكز إيران في عقيدتها العسكرية على مبدأ “العمق الاستراتيجي”، بمعنى “قدرة إيران على استهداف مصالح العدو في مناطق بعيدة عن حدودها على نحو يمنع الطرف الآخر من استهداف مصالحها”، وهي في سبيل ذلك توظف العناصر الدينية والطائفية والثقافية لتفعيل هذا المبدأ[10]. وتعتبر إيران سوريةَ عمقًا استراتيجيًا مهمًّا، كما صرّح بذلك آية الله خامنئي مرّات عدّة، خلال لقاءاته مع بشار الأسد[11]. واستخدمت إيران هذا المبدأ بوضوح في أثناء الحرب السورية، من خلال ما يمكن وصفه بأنّه أبرز عنصر من عناصر تدخّلها العسكري في سورية، وهو شبكة التنظيمات المسلّحة غير الحكومية التي أنشأتها على الأرض السورية من العناصر المحلية والأجنبية، إضافة إلى الشركات الأمنية التي أنشأتها وتديرها[12].

لم تولد الاستراتيجية العسكرية الإيرانية في سورية مكتملةً، بل تطورت مع تطور الأحداث الميدانية، كالاحتجاجات الشعبية والثورة المسلّحة وتداعياتها اللاحقة. اقتصر دعم إيران نظام الأسد في بداية الاحتجاجات على التوجيه الأمني والدعم اللوجستي، وتطوّر لاحقًا إلى إرسال عدد من عناصر الحرس الثوري إلى سورية[13]. واضطرّت إيران، بسبب ضعف الجيش السوري الناجم عن حركة الانشقاقات والمواجهات مع مجموعات المعارضة العسكرية المسلحة، إلى أن تتبنّى استراتيجية العمل خارج الأطر الأمنية والعسكرية الرسمية، حيث استقدمت ميليشيات شيعية من خارج سورية، وشكّلت شبكات أمنية وعسكرية رديفة، أبرزها: قوات الدفاع المحلي تحت قيادة الحرس الثوري الإيراني، وقوات الدفاع الذاتي تحت قيادة حزب الله، وقوات الدفاع الوطني تحت القيادة المشتركة للطرفين (الحرس الثوري الإيراني وحزب الله)[14].

رابعًا: العامل الطائفي

دأبت القيادة الإيرانية منذ قيام الثورة الإسلامية على استخدام العقيدة الإسلامية وفق التفسيرات الشيعية في التجنيد العسكري والتعبئة الشعبية. وقد وظّفت لهذين الغرضين مفاهيم عَقَدية ورمزيات تاريخية، مثل معنى الشهادة في سبيل الله، وتضحيات آل البيت النبوي الشريف كما ترويها المصادر الشيعية، وخصوصًا واقعة “كربلاء” الفاصلة في الذاكرة الشيعية[15]. وقدّمت الحرب العراقية – الإيرانية، وما صاحبها من خسائر كبيرة في العنصر البشري، المختبر العملياتي لتطوير هذه السردية وصياغتها على أسس أيديولوجيا الثورة الإيرانية، ومنحت القيادة الإيرانية فرصة تطبيقها على الشعب الإيراني[16]. وهكذا، شكَّل العامل الديني محور عملية الحشد والتجنيد العسكري والقتالي في العقيدة العسكرية الإيرانية، وهو ما برهنت عليه تجربة إيران في الحرب السورية، مع إضافة عامل أساسي في النهج الإيراني وهو وضوح العامل الطائفي في استهداف العناصر الشيعية، خصوصًا الأجنبية منها، وذلك لتسهيل تجنيدهم وإرسالهم إلى سورية، وتصوير مهمتهم على أنها جهاد في سبيل حماية المقامات الشيعية في سورية[17]. وتجد هذه السردية مسوّغها بين المجتمعات الشيعية التي استهدفت إيران تجنيدها في فكرة أنّ الفصائل السورية المسلّحة المعارضة هي من المكوّن السني، حيث تم استدعاء مشاهد تاريخية معيّنة كان طرفاها السنّة والشيعة وجرى إسقاطها على الحرب السورية، وهو ما ظهر في استعمال الميليشيات الإيرانية المقاتلة في سورية الشعارات الطائفية، على نحو مكثّف، من قبيل “يا لثارات الحسين”، “ولن تُسبى زينب مرتين”[18]. قدّمت عمليات إيران في سورية أوضح الأمثلة على سلوكها الطائفي؛ حيث سهّلت انخراط آلاف المتشدّدين الشيعة من غير السوريين في الدفاع عن نظام بشار الأسد. ونسجت القوات الإيرانية وأتباعها دورها على منوال مندرجات طائفية فاقعة الوضوح[19]، بالرغم من أن القادة الإيرانيين برّروا شرعية تدخّلهم في سورية على أسس براغماتية واستراتيجية، ونفَوا وجود أيّ أجندة طائفية.

خامسًا: الأداء الميداني

جاء إقحام ميليشيات إيران المسلحة في الحرب السورية على نحو تصاعدي ومتدرّج، حيث بدأت تلك العملية بنشر هذه الميليشيات بالقرب من الجبهات وساحات المعارك، ثمّ جرى تعيين ضباط من فيلق القدس لتوفير القيادة العملياتية والتكتيكية في المعارك. وتمثّلت الخطوة التالية في نشر عناصر من القوات المسلحة النظامية الإيرانية (الحرس الثوري الإيراني، والجيش “أرتش”) لتقدم الدعم المتخصّص في مهمات محدّدة في مناطق معينة. وبلغ الانخراط العسكري الإيراني أوجه حين استخدم فيلق القدس قوّته النارية في المعارك، لتنتهي العملية بمشاركة الميليشيات الإيرانية الميدانية على نحو كامل في المعارك[20]. ونلاحظ من خلال الممارسة العسكرية الإيرانية في سورية أنّ عقيدتها العسكرية لم تكن مرتكزة على الحرب غير التقليدية فحسب، كما كانت حالها قبل الحرب السورية، بل ارتكزت أيضًا على نشر وحدات نظامية والزجِّ بها في ميدان القتال، واستغلال المرونة في نشر القوات وإعادة التموضع، وهو ما يجعل هذه العقيدة تتجه نحو نمط الحرب الهجينة[21].

تبنّت إيران استراتيجيةً قائمة على الردع من خلال الاعتماد على مبدأ رفع المخاطر والتكاليف على الخصم أكثر من تخطيطها لخفضها. لذلك، عملت دومًا على تجنّب الصدام العسكري المباشر مع قوةٍ متفوقة عليها عسكريًا في شكل حرب تقليدية، وهو ما جعلها تعتمد على الحرب غير النظامية والتهديد المبطن بأسلحة الدمار الشامل والإرهاب لكبح الخصوم[22]. غير أن فيلق القدس بدأ يخرج عن هذه العقيدة عندما غيّر استراتيجيته في سورية، بعد أن انتصر على قوات المعارضة المسلحة، إذ بدأ يقيم قواعد دائمة على الأرض السورية، وهو الأمر الذي جعل مقاتلي الفيلق، بمن فيهم رجال الميليشيات، أهدافًا سهلة للطيران الإسرائيلي. لكن سرعان ما تخلّى فيلق القدس عن هذه العقيدة، عندما أطلقت وحدات مدفعية الحرس الثوري الإيراني، التي تعمل تحت قيادته المباشرة، صواريخ على مواقع إسرائيلية أمامية في الجولان[23]. تدلّ هذه الحوادث على أنّ تغيّرًا طرأ على العقيدة العسكرية الإيرانية، لكنها، في المقابل تُعدّ استجابة منسجمة مع سيولة المشهد العسكري في سورية وما فرضه من ضرورات تبنّي مقاربات عسكرية غير تقليدية أو اختبارها من طرف جميع الفاعلين المنخرطين في الصراع على سورية.

سادسًا: شرعنة الميليشيات وإدخال الجيش السوري في شبكتها

من المعطيات المطَّردة في العقيدة العسكرية الإيرانية اتجاهها إلى شرعنة التنظيمات المسلحة التي تُنشئها خارج حدودها ومحاولة دمجها في المؤسسة العسكرية والأمنية في البلد الذي تنشط فيه، على غرار ما فعلت مع الحشد الشعبي في العراق[24]. كان الأمر مختلفًا في سورية؛ فقد كان الدمج في الحالة العراقية مقتصرًا على المواطنين العراقيين، في حين حاولت في الحالة السورية إيجاد حلول قانونية للعنصر الأجنبي بشتّى الطرق، بما فيها منحه الجنسية السورية وتوطينه[25]. وللقيام بذلك، دعت إيران النظام السوري في عام 2017 إلى استصدار قانون يعترف بشرعية قوات الدفاع الوطني، غير أنّ النظام رفض هذا الطلب وأقرَّ بدلًا منه قرارًا عسكريًا لتنظيم ملف القوات الرديفة الإيرانية، وتسوية أوضاع عناصرها[26].

ما يميز، أيضًا، الممارسة العسكرية الإيرانية خلال الحرب السورية هو الاستثمار الإيراني في الجيش السوري النظامي وإلحاق قطاعات منه بالنفوذ الإيراني، ثمّ تشبيكها مع بقية التنظيمات المسلحة التي تديرها. وقد عملت إيران على تعزيز علاقتها بالقوات النوعية في الجيش السوري، وخصوصًا الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، وذلك، عبر منح مكافأة مالية بقيمة 10 آلاف ليرة سورية للمقاتلين في صفوف الجيش الموجودين على جبهات القتال، إضافة إلى أنّها قدّمت بعض الأموال (منحة مالية يتم صرفها كل شهرين أو ثلاثة أشهر وتُعرف بالمنحة الإيرانية) للحرس الجمهوري دون سواه، وكانت المنحة الإيرانية تختلف باختلاف الرتبة العسكرية، حيث كان المجند يتقاضى مبلغ 23 ألف ليرة كل 3 أشهر، بينما كان العقيد ينال 50 ألف ليرة سورية، وقد توقفت هذه المنحة المالية عقب انتهاء معارك الغوطة الشرقية. ولتضمن إيران نفوذها داخل الجيش، تولّت تنظيم وضع المقاتلين من قوات الدفاع المحلي (العساكر النظاميون من الشيعة السوريين) ضمن الجيش السوري، حيث منحوا بطاقات عسكرية نظامية صادرة عن الجيش كي يكونوا تابعين له عملياتيًا، ولا يزالون يعملون تحت ولاية حزب الله ويتلقون رواتبهم من إيران إضافة إلى راتبهم من الجيش السوري، أما العساكر الشيعة الاحتياط فتم تسوية وضعهم بوساطة من حزب الله وجرى منحهم بطاقات عسكرية نظامية، ويعملون وفق نظام المياومة؛ إذ يحسب راتبهم من الجيش السوري بعدد أيام الخدمة الفعلية، إضافة إلى راتب آخر يتلقّونه من إيران[27].

خاتمة

أثّرت الحرب السورية، شأنها شأن جميع الأحداث الكبرى التي شهدها الإقليم منذ الثورة الإسلامية الإيرانية، في العقيدة العسكرية الإيرانية تأثيرًا كبيرًا؛ بسبب الانخراط الإيراني المباشر فيها. وتتمثّل أبرز ملامح التغير في ظهور أبعاد استراتيجية هجومية، إضافة إلى اعتماد الحرب الهجينة استراتيجيةً عسكريةً متضمنةً بناء شبكة ميليشيات من مقاتلين محليين واستقدام ميليشيات أخرى أجنبية، الأمر الذي اختبرته إيران أول مرة في الحرب السورية، مع محاولاتها إلحاق قطاعات من جيش النظام السوري بشبكتها المعقدة. وقد تطلّب خيار تجنيد الميليشيات أن تبني إيران سردية طائفية لتسهيل عملية الحشد القتالي، خصوصًا للعنصر الأجنبي؛ ما أضاف العنصر الطائفي بوضوح إلى المكوّن الإسلامي للعقيدة العسكرية الإيرانية.


المراجع

[1] “NATO Glossary of Terms and Definitions AAP-06,” The Official NATO Terminology Database, accessed on 9/4/2021, at: https://bit.ly/3s1leP1

[2] بيرت تشابمان، العقيدة العسكرية: دليل مرجعي، ترجمة طلعت الشايب (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2015)، ص 12.

[3] Steven R. Ward, “The Continuing Evolution of Iran’s Military Doctrine,” Middle East Journal, vol. 59, no. 4 )2005(, pp. 559-576.

[4] Ali Ansari et al., Understanding Iran’s Role in the Syrian Conflict (London: Royal United Services Institute, 2016), pp. 6-8.

[5] Ward, p. 566.

[6] “الجيش الإيراني: عقيدتنا العسكرية دفاعية وردعية”، وكالة أنباء فارس، 27/1/2018، شوهد في 10/4/2021، في: http://fna.ir/brcpce

[7] Hamidreza Azizi, “The Concept of ‘Forward Defence’: How Has the Syrian Crisis Shaped the Evolution of Iran’s Military Strategy?,” The Geneva Centre for Security Policy (2021), p. 22.

[8] Ibid., pp. 20-24.

[9] Kimberly Kagan, “Iran’s Proxy War against the United States and the Iraqi Government,” Institute for the Study of War, 20/8/2007, accessed on 10/4/2021, at: https://bit.ly/3201KQp

[10] Hamidreza, pp. 8-9.

[11] “القائد: إيران وسوريا تشكلان العمق الاستراتيجي لبعضهما البعض”، موقع مکتب سماحة القائد آية الله العظمى الخامنئي، 18/2/2007، شوهد في 11/4/2021، في: https://bit.ly/3wUqoAf

[12] للاطلاع على المزيد من التفاصيل حول هذه الشبكة، ينظر:

Navvar Saban, “Factbox: Iranian Influence and Presence in Syria,” Atlantic Council, 5/11/2020, accessed on 10/4/2021, at: https://bit.ly/3dOvG7C

[13] أيمن الدسوقي [وآخرون]، المؤسسة العسكرية السورية عام 2019: طائفية وميليشاوية واستثمارات أجنبية ([د. م]: مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 2019)، ص 36-38، شوهد في 29/11/2021، في: https://bit.ly/2Q88HMt

[14] جرى تكليف ضابط من الحرس الجمهوري برفقة مسؤول إيراني يُلقَّب بالحاج بمهمة الإشراف على هذه القوات، وفي جميع الحالات كان يتم تعيين ضابط ارتباط عسكري وآخر أمني بين هذه التشكيلات وبين المؤسستين الأمنية والعسكرية للنظام. المرجع نفسه، ص 38-39.

[15] Ardalan Rezamand, “Use of Religious Doctrine and Symbolism in the Iran-Iraq War,” Journal of the Centre for Studies in Religion and Society Graduate Students Association, vol. 9, no. 1 (2010), pp. 83-107.

[16] Ibid.

[17] Ansari et al., p. 14.

[18] حاتم الفلاحي، “الميليشيات العراقية في سوريا: الدور والمستقبل”، ورقات تحليلية، مركز الجزيرة للدراسات، 1/4/2019، شوهد في 12/4/2021، في: https://bit.ly/2PVxmEg

[19] افشان استوار، “المعضلات الطائفية في السياسة الخارجية الإيرانية: حين تتصادم سياسات الهوية مع الاستراتيجية”، مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، 30/11/2016، شوهد في 12/4/2021، في: https://bit.ly/3g8MZmr

[20] Nader Uskowi, “The Evolving Iranian Strategy in Syria: A Looming Conflict with Israel,” Atlantic Council (September 2018), p. 3, accessed on 11/4/2021, at: https://bit.ly/3t8zXJf

[21] ينظر:

Amr Yossef, “Upgrading Iran’s Military Doctrine: An Offensive ‘Forward Defense’,” Middle East Institute, 10/12/2019, accessed on 11/4/2021, at: https://bit.ly/3d7Wdxg

[22] Ward, p. 567.

[23] Uskowi, p. 3.

[24] الدسوقي [وآخرون]، ص 39.

[25] “خبير: لهذه الأسباب إيران ستبقي على ميليشياتها طويلًا في سوريا”، DW عربية، 3/4/2018، شوهد في 11/4/2021، في: https://bit.ly/2QaZdjA

[26] الدسوقي [وآخرون]، ص 39.

[27] المرجع نفسه، ص 39-40.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.