تقارير المرصد المغاربي: المشهد التونسي – 02

التعديل الوزراي بتونس: الحيثيات والعقبات

أعلن رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي إجراء تعديل وزاري يشمل 12 حقيبة من مجموع 25. منها ثلاث حقائب كانت شاغرة بعدإقالات أصحابها من مناصبهم في أوقات سابقة، وهي وزارة الداخلية والثقافة والبيئة، بينما طرأت تغييرات في وزراء ثماني حقائب، العدل، الصحة، الفلاحة، الرياضة، التنمية، الطاقة، الصناعة وأملاك الدولة، أما الوزارة التي أعادها التعديل هي وزارة التكوين المهني والتشغيل، بعد أن كانت مدمجة بوزارة الشباب والرياضة.

ولتبريره لهذه الخطوة، أوضح المشيشي خلال الجلسة العامة التي عقدها البرلمان  لمناقشة هذا الموضوع، بأن الحكومة كانت تحتاج إلى انسجام يتماشى مع التحديات الصعبة التي تمر منها البلاد، وذلك من أجل مواصلة العمل لتحقيق تطلعات التونسيين، مؤكدا على أن أولويات حكومته سوف تتركز على ترشيد منظومة الدعم لوصوله إلى مستحقيه، في إطار سياسة اجتماعية تتأسس على الإنصاف وتحسين الظروف الاجتماعية للمواطن التونسي. كما ستعمل على تحسين مناخ الأعمال والاستثمار وتحفيز المبادرات الخاصة، وإلغاء كافة معوقات النمو الاقتصادي، وكذلك الحد من الإجراءات البيروقراطية. كما شدد أيضا على أن حكومته تمتلك رؤية استراتيجية للإصلاح والتنمية، لكن الاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد عرقلت تنفيذ مخططاتها فيما يخص برنامجها الحكومي. كما أشار أن حكومته تنتظرها تحديات كبيرة في ظل جائحة كورونا التي ساهمت بشكل كبير في تعطيل المخططات الحكومية فيما يخص الجوانب الاقتصادية -الاجتماعية..هذه التحديات بحسب المشيشي لن تقف أمام التزامات الحكومة تجاه التونسيين

ويتطلب من أجل التأشير على التعديل الوزاري من طرف البرلمان حصول كل وزير على حدة على ثقة نواب البرلمان  بنيله موافقة الأغلبية المطلقة من الأصوات وهي 109 من أصل 217 صوتا.

وفعليا صادق البرلمان التونسي على التعديل المقدم من طرف رئيس الحكومة، بالأغلبية المطلقة بعد جلسة عامة ماراثونية امتدت لحوالي 10 ساعات، وعلى إثر ذلك، جاءت النتائج بالترتيب، من خلال حصول:

  • عبد اللطيف الميساوي وزيرا لأملاك الدولة والشؤون العقارية بواقع 144 صوتا،
  • يوسف بن ابراهيم وزيرا للثقافة بواقع 141 صوتا،
  • يوسف الزواغي وزيرا للعدل بواقع 140 صوتا، وبنفس حصة الأصوات حصل شهاب بن أحمد على وزارة الشؤون المحلية والبيئة،
  • زكرياء بالخوجة وزيرا للشباب والرياضة بواقع 138 صوتا، وبنفس الأصوات تمت الموافقة على تعيين وليد الذهبي وزيرا للداخلية..
  • الهادي خيري وزيرا للصحة بواقع 137 صوتا،
  • رضا بن مصباح وزيرا للصناعة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة بواقع 136 صوتا،
  • سفيان بن تونس وزيرا للطاقة والمناجم ب131 صوتا،
  • أسامة الخريجي وزيرا للفلاحة والصيد البحري بواقع 128 صوتا،
  • يوسف فنيرة وزيرا للتكوين المهني والتشغيل ب 118 صوتا.

وقد جاء تصويت الكتل البرلمانية كالتالي:

  • الكتل المؤيدة للتعديل الوزاري وبما مجموعه 126 مقعدا جاءت كالتالي: كتلة حركة النهضة ب 54 مقعدا، وقلب تونس ب 29 مقعدا، والإصلاح ب 16 مقعدا، واثتلاف الكرامة ب 18 مقعدا، تم الكتلة الوطنية ب 9 مقاعد.
  • الكتل المعارضة للتعديل الوزاري جاءت كالتالي: الكتلة الديمقراطية 38 مقعدا وكتلة الدستوري الحر 16 مقعدا، وعدد من النواب المستقلين.

وقد تعرض التعديل الوزاري الذي أجراه رئيس الحكومة هشام المشيشي إلى العديد من الانتقادات من أبرزها:

  • رئيس الدولة: انتقد الرئيس التونسي قيس سعيد، التعديل الوزاري الذي أقدم عليه هشام الميشيشي  معتيرا إياه أنه لم يحترم من خلاله الإجراءات التي نص عليها الدستور، وتحديدا ما نص عليه الفصل 92  أي ضرورة التداول في مجلس الوزراء، إذا تعلق الأمر بإدخال تعديل على هيكلة الحكومة، هذا إلى جانب ما تخلل الإجراء من اختلالات أخرى. كما أشار إلى أن بعض المقترحين في التعديل الوزاري مرتبطة أسماؤهم  بقضايا فساد أو لهم ملفات تضارب مصالح. معبرا عن ذلك بأنه من تعلقت به قضية لا يمكن أن يؤذي اليمين، مشيرا إلى أن الأخير ليس إجراء شكلي بل إجراء جوهري. وقد ذهب انتقاد سعيد للتعديل الحكومي إلى أبعد من ذلك. عندما عبر عن استيائه من غياب المرأة عن قائمة الوزراء المقترحين، موضحا الدور البارز التي يمكن أن تلعبه المرأة باعتبارها قادرة على تحمل المسؤوليات كاملة وأنها قادرة على العطاء.

كما انتقد رئيس الجمهورية أيضا خلال اجتماع مجلس الأمن القومي، عدم التشاور معه حول قائمة الوزراء الجدد التي أعلن عنها رئيس الحكومة قبل عرضها على البرلمان، كما قال إنه لم يحترم الدستور عندما كلف نفسه بالإشراف على وزارة الداخلية بعد إقالة الوزير المكلف بها، مؤكدا أن رئاسة الجمهورية ليست مجرد صندوق بريد، فهي التي تحمي الدولة ومؤسساتها.

وواصل سعيد عدم رضاه على التعديل الحكومي عند لقائه بالأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي، بحيث أكد احترامه الكامل للدستور، ورفضه للخروقات التي حدثت بناء على نصوص أقل مرتبة من الدستور، معربا تمسكه بموقفه من التعديل الوزاري الأخير، مشترطا عدم انتهاك المبادئ والاختيارات التي تعهد بها أمام الشعب في أي حوار لحل الأزمة.

ومن كل ذلك، يظهر مدى تصاعد الخلاف بين مؤسسة الرئاسة ورئاسة الحكومة حول الصلاحيات والسلطات والتحالفات السياسية، واشتداد هذا التوتر من المتوقع أن يكون بداية تشردم حكومة التكنوقراط التي تحوم حولها العديد من علامات الاستفهام بخصوص أعضائها.

الأحزاب التونسية: توزعت مواقف الأحزاب بين مؤيد ومعارض لهذا التعديل. فقد رأت حركة النهضة في أن التعديل الحكومي يعد ضرورة مهمة وملحة في ظل الظرفية الحالية، مع التأكيد على انسجام وتوافق موقف الحركة مع رؤية رئيس الحكومة فيما يخص التعديل الحكومي وذلك بعد إجراء عملية تقييم شاملة للوزراء المعنيين بالتعديل.

كما دعت في نفس الوقت إلى ضرورة تمكين الوزراء الجدد من القيام بمهامهم في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد. كما رحبت الحركة بمبادرة الحوار الوطني التي دعا إليها الاتحاد العام التونسي للشغل وغيره من المكونات السياسية التونسية. مشددة على ضرورة البدء بحوار وطني لتخفيف الاحتقان السياسي والاجتماعي.

وعلى نفس المنوال، أكدت كتلة حزب قلب تونس، أن التعديل الحكومي جاء بعد تقييم جدي وعميق، وبه سيصبح رئيس الحكومية رئيسا فعليا للحكومة الذي يرأسها. بحيث أكد رئيس كتلة الحزب أسامة الخليفي تجديد الثقة في هشام المشيشي، وأن الكتلة ستقدم الدعم لحكومته التي ستكون أولوياتها استكمال بناء المؤسسات الديمقراطية والنجاح في إدارة الأزمة الصحية والاقتصادية والاجتماعية.

أما كتلة الدستوري الحر فتعتبر من أشد الكتل رفضا للتعديل الوزاري، بحيث اعتبرت رئيسة الكتلة عبير موسى أن هذا التعديل خرقا للدستور وتعدٍ على المنظومة السياسية الموجودة. وقالت إن كتلتها المكونة من 16 مقعدا دخلت في اعتصام بالبرلمان، لمحاولة جلب توقيعات على عريضتها لسحب الثقة من رئيسي الحكومة هشام المشيشي والبرلمان راشد الغنوشي.

كما وصفت أحزابا أخرى خارج البرلمان وعلى رأسها الحزب الجمهوري التعديل الوزاري بأنه مجرد تصفية الوزراء المحسوبين على رئاسة الجمهورية في إطار صراع النفوذ والمقايضة السياسية. بالإضافة إلى أن التعديل يكشف زيف ادعاءات رئيس الحكومة الذي اعتبرها حكومة لا تضم في كنفها إلا الكفاءات وبعيدة عن المشاحنات السياسية. وهذا يعد بمثابة إقرار منه على أن المعيار الذي تم الاعتماد عليه عند تعيين أعضاء الحكومة لم يكن قائم على أساس الكفاءة.

وتشتد أزمة تنصيب الوزراء الجدد في ظل استمرار رفض رئيس الجمهورية استقبال الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستورية، هذا الأمر الذي يعد ضروريا وشرطا دستوريا لتسميتهم بشكل رسمي ومن تم إعلان ذلك في الجريدة الرسمية ومباشرة وظائفهم الحكومية.

وفي ظل استمرار هذا المأزق الدستوري، توجه المشيشي بمراسلتين إلى رئاسة الجمهورية، طالب فيهما بالإفصاح ومده رسميا بأسماء الوزراء الذين يتحفظ عليهم رئبس الجمهورية بحجة شبهات الفساد وتضارب المصالح مع توضيح هذه الشبهات بهدف الخروج في أقرب وقت من مأزق أداء اليمين الدستورية لمباشرة الوزراء الجدد لمهامهم بشكل رسمي.  تقاديا لتعطيل سير مؤسسات الدولة، وخدمة للصالح العام والشعب التونسي.

وفي ظل عدم تجاوب مؤسسة الرئاسة مع مطلب رئيس الحكومة، قرر الأخير إعفاء 5 وزراء ممن صادق البرلمان عليهم من مناصبهم، في انتظار استكمال “التحوير الوزاري” الذي نال بمقتضاه الوزراء ثقة البرلمان، ليتقلص عدد الوزراء حكومة المشيشي إلى 16 وزيرا من أصل 24 بعد إعفائه ثلاثة وزراء سابقا.

 وتأتي هذه الخطوة من طرف رئيس الحكومة كمبادرة لتخفيف التوتر من خلال الاستجابة لتحفظات مؤسسة الرئاسة. كما أكدت رئاسة الحكومة على أنها ستبقى منفتحة على كافة الحلول الكفيلة باستكمال إجراءات التحوير الوزاري ليتمكن الوزراء من مباشرة مهامهم في إطار الشرعية الدستورية.

وفي أول تعليق رسمي له على أزمة التعديل الوزراي ومأزق أداء اليمين الدستورية، وجه رئيس الجمهورية ردا مكتوبا إلى رئيس الحكومة قدم من خلاله توضيحات بخصوص تجاوزات التعديل الوزاري، اتهم من خلاله هشام المشيشي بخرق فصول من الدستور ذات علاقة بالتعديل الوزاري. بحيث اعتبر سعيد أن رئيس الدولة غير ملزم بأجل محدد لدعوة الوزراء إلى أداء اليمين الدستورية، كما تحدث عن الخروقات التي عاينها في مسار التعديل الوزراي وصولا إلى التصويت عليه في البرلمان، معتبرا أنها ” حكومة على المقاس”. كما أكد إن السلطة السياسية في تونس يجب أن تعبر عن الإرادة الحقيقية للشعب.

وفي رده على الاتهامات الموجهة له بتعطيل دواليب الدولة نتيجة تمسكه بالفيتو الرئاسي، قال سعيد إن المؤسسات تعمل بشكل طبيعي، وأن هذه الاتهامات مردودة على أصحابها. مؤكدا أن أداء اليمين الدستورية ليست مجرد إجراء شكلي، بل الأهم هو محتواها والآثار المترتبة عليها. مضيفا أنه على العهد ولن يقبل خرق أحكام الدستور.

وفي ظل انسداد الأفق حول حل توافقي بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة فيما يخص أزمة التعديل الدستوري، لم يتبقى أمام رئيس الحكومة التونسية إلا خياران، إما تقديم الاستقالة أو التراجع عن التعديل الحكومي، هذا الخيار الذي قد يفضي إلى محاولة سحب الثقة منه في البرلمان في ظل تراجع حزامه البرلماني والسياسي.


مظاهرات واسعة في تونس في ظل الذكرى العاشرة للثورة

شهدت العديد من المدن التونسية، تظاهرات واسعة مع حلول الذكرى العاشرة لثورة 14 يناير التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي الذي حكم تونس لأكثر من 23 عاما. بحيث شكل سقوط نظامه شرارة الربيع العربي الذي انتقل إلى غالبية الدول العربية.

ومنذ ذلك الحين إلى الفترة الآنية تشهد تونس حراكا اجتماعيا بين الفينة والأخرى، بحيث ارتفعت أصوات المواطنين في ظل تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية واشتداد الصدامات السياسية وأزمة كورونا التي كانت أحد الأسباب الرئيسية لتفجير موجة الغضب في الشارع التونسي في الذكرى العاشرة لثورة الياسمين.

فلم يتغير الحال حسب نظرة المواطن التونسي، بحيث لا تزال البطالة في معدلات قياسية تتأرجح بين 16 و18 بالمئة، 35 بالمئة منها تطال فئة الشباب الغالبية الكبرى منهم خريجي الجامعات، في حين ارتفعت معدلات الفقر إلى ما فوق 20 بالمئة في ظل اشتداد الأزمة الاقتصادية وما خلفته جائحة كورونا من أضرار على كافة المستويات.  كما تشهد تونس منذ سنوات سجالا وصراعا سياسيا متواصلا بين الطبقة السياسية مما ساهم في إضعاف أداء السلطة التشريعية والتنفيذية.

وقد كان المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية  قد أعلن عن تزايد وتيرة الاحتقان الاجتماعي على الرغم من القيود التي فرضتها جائحة كورونا في ظل رصد  7600 حراكا في العام 2020 تمركزت غالبيتها في المدن التي تتمركز فيها الفئات الهشة وعلى رأسها قفصة سيدي بوزيد والقيروان.

ومنذ أسابيع، تشهد عدة ولايات تونسية ومن ضمنها العاصمة، احتجاجات ليلية تطالب بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تخللتها صدمات مع الأجهزة الأمنية تزامنا مع بدء سريان حظر تجوال ليلي ضمن التدابير الاحترازية التي فرضتها جائحة كورونا.

وقد تخللت الاحتجاجات عمليات نهب وتخريب من طرف بعض الأطراف، لكن المتظاهرين انتقدوا تركيز الحكومة ووسائل الإعلام المحلية على عمليات النهب والتخريب التي قام بها أشخاص الذين يستغلون ظرفية الاحتجاجات لتنفيذ مثل هذه الأفعال، وتركها الأسباب الرئيسية التي أدت لاندلاع هذه المظاهرات في عدة ولايات.

وقد استنكر المحتجون عدم حدوث أي تغيير منذ ثورة الياسمين، فيما يتعلق بفرص العمل والتنمية معتبرين أن الحكومات التي تعاقبت منذ 2011 إلى الآن لم تحقق مطالب الثورة بل كانت عاملا مساهما في استفحال الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هذه العوامل التي ساهمت بشكل كبير في تردي البيئة الأمنية.

وقد اندلعت مواجهات ليلية عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن، بحيث أطلقت الأخيرة قنابل مسيلة للدموع لتفريق المحتجين، كما أوقفت العديد منهم، وذلك بحسب بلاغ لوزارة الداخلية التونسية أعلنت من خلاله توقيف ما لا يقل على 632 شخص بتهمة الشغب، كما صرح وزير الدفاع إبراهيم البرتاجي، إن ثمة معلومات حول إمكانية استغلال بعض العناصر  لهذه الاحتجاجات بغرض القيام بأعمال إرهابية في الوقت الذي تنشغل فيه الوحدات الأمنية والعسكرية بتلك الاحتجاجات وتأمين وحماية الممتلكات، كما أضاف أنه تم إيقاف مجموعة من العناصر الإرهابية والمتطرفين ضمن المجموعات التي قامت بأعمال الشغب والتخريب وضبطت بحوزتها أسلحة ومواد قابلة للاشتعال.

وعلى إثر سلسلة الاعتقالات التي قامت بها الأجهزة الأمنية، استنكرت مجموعة من المنظمات الحقوقية العشوائية التي تعاملت بها قوات الأمن مع هذه الاحتجاجات. بحيث أعلنت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عبر بيان صادر عنها على أنه تم توقيف أكثر من 1000 شخص، نصفهم من الأطفال على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها عدة ولايات تونسية. كما أوضح البيان قيام أجهزة الأمن بالتوقيف العشوائي للمحتجين، كما تم التعامل مع البعض منهم بأسلوب مهين وتعسفي من خلال التعنيف والاعتداء بالضرب خصوصا على فئة الأطفال. 


من جانبها عبرت منظمة “أنا يقط” عن دعمها المطلق للاحتجاجات التي شهدتها العديد من الولايات التونسية، مؤكدة على مشروعيتها من حيث المطالب التي رفعها المحتجين والتعبير عن خيبة أملهم لتحقيقها منذ ثورة الياسمين إلى الآن، كما نددت المنظمة بالأعمال القمعية التي قامت بها عناصر الأمن والحرس الوطني وحملة الإيقافات العشوائية التي طالت الشباب والقاصرين والطلبة ونشطاء من المجتمع المدني. مع تنديدها بانخراط النيابة العامة في حملة الاعتقالات التعسفية التي طالت العديد من رواد مواقع التواصل وطلبة الجامعات على إثر مساندتهم لمطالب المحتجين وتوجيه التهم إليهم بمحاولة إثارة العنف والفوضى.  كما دعت الأجهزة القضائية إلى فتح تحقيق في أعمال العنف التي أقدم عليها بعض عناصر الأمن والحرس ومحاسبة المسؤولين عنها. مشددة أن النهج القمعي لن يؤدي إلا إلى تأجيج الأوضاع وتعميق الأزمة في هذا الوضع الصحي الحرج.

وهذا ما أكدته رابطة نقابة الصحفيين التونسيين التي أشارت في بيان صادر عنها على أن سلسلة الإيقافات والاعتقالات الأمنية لم تقتصر على الميدان فقط، بل طالت حتى المغردين والمدونين عبر وسائل التواصل الاجتماعي نتيجة مساندتهم لهذا الحراك الاجتماعي، كما استنكرت بشدة التعامل المفرط بالقوة والعنف من قبل الأجهزة الأمنية مع الاحتجاجات التي شهدتها العديد من المدن التونسية.

أما على المستويات الرسمية فقد تواترت العديد من ردود الفعل سواء من مؤسسة الرئاسة أو الحكومة أو البرلمان.  بحيث ناشد رئيس الجمهورية قيس سعيد المحتجين إلى عدم التعرض للممتلكات العامة خلال الاحتجاجات محذرا ممن يسعون للمتاجرة بهذه المظاهرات لبث الفوضى وإثارة العنف في البلاد، عن طريق توظيف المواطنين للمتاجرة بفقرهم وأوضاعهم الهشة، وهدفهم هو ليس تحقيق مطالب الشعب بل بث الفوضى والتحريض على العنف. مشددا في الوقت نفسه، على حق الشعب التونسي في المطالبة بتحسين أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية من خلال توفير فرص عمل وتحقيق الحرية والكرامة الوطنية. كما أكد أن إدارة الشأن العام لا تقوم على المناورات والتحالفات، بل على قيم أخلاقية ومبادئ ثابتة لا يمكن أن تكون موضوع مساومة أو ابتزاز، كما لا يمكن أن تأتي عن طريق الفوضى.

أما رئيس الحكومة فقد وصف الاحتجاجات التي شهدتها العديد من المدن التونسية ب”غير بريئة”، وأن أعمال النهب والسرقة والاعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة ليس لها أي صلة بالتحركات الاحتجاجية والتعبيرات السلمية والتي هي حق من حقوق المواطن التي يكفلها له الدستور،مشددا في الوقت ذاته على أنه لا مجال لزعزعة الاستقرار .بحيث شجب ما اعتبره دعوات لبث الفوضى والاعتداء على المؤسسات الدستورية تروج له بعض صفحات التواصل الاجتماعي، داعيا كافة الأطراف الشعبية والمدنية والحزبية التونسية، إلى عدم الانجرار وراء حملات التحريض، وعدم اللجوء إلى العنف وبث الشائعات وإرباك مؤسسات الدولة. وإن ذلك سيتم مجابهته والتصدي له عبر الوسائل القانونية وبقوة الدولة، مشيرا في الوقت ذاته أنه يفصل بين الاحتجتاجات الاجتماعية، وما رافقها من أعمال عنف وسرقة تصدت لها القوات الأمنية في تمييز بين المحتجين وبين فئة تسعى إلى التخريب وبث الفوضى. مشددا أن حق الاحتجاج هو مكفول دستوريا، ودور الحكومة الحفاظ على سلميته لأنه المكسب الأساسي لثورة الحرية والكرامة.

معربا في ذات الوقت، تفهمه لحالة الاحتقان الشعبي في العديد من المناطق نتيجة تأزم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتي تفاقمت جراء جائحة كورونا كوفيد 19. مع التأكيد أنه من واجبات الحكومة الإصغاء إلى مطالب المواطنين في جميع المجالات خصوصا الاقتصادية والاجتماعية منها في سبيل تحقيق التنمية الشاملة والعادلة.

فيما دعا رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي إلى التهدئة وتوحيد الصفوف من أجل إنقاد البلاد بعيدا عن التخريب. وفي نفس الوقت أكد على ضرورة التفاعل مع ما يحصل وتفهم الأوضاع التي يمر منها المواطن التونسي خصوصا فئة الشباب العاطل عن العمل، والفئات التي تعيش أوضاعا هشة في مناطق وجهات تشهد ضعفا في التنمية الشاملة…كما دعا في نفس الوقت المحتجين في كل الجهات إلى عدم الانسياق إلى دعوات التخريب وحرق المؤسسات العامة والممتلكات الخاصة.. مشددا على ضرورة العمل بكل جدية لتحقيق التنمية للحفاظ على استقرار وسلامة البلاد. كما دعا إلى توحيد الصفوف من الجميع في سبيل إنقاذ تونس وإخراجها من الأزمات التي تعيشها.

ومن جانبها، دعت حركة النهضة، المواطنين التونسيين إلى توحيد الصف من أجل مواجهة الأعمال التخريبية الراهنة، وحثت الكتل البرلمانية على وضع حد للتجاذبات والمناكفات، مراعاة للظروف التي تمر بها البلاد.

كما حذر بيان صادر عن الحركة على أن الدخول في منحى العنف لن يزيد الوضع الاقتصادي والاجتماعي إلا تعقيدا وتراجعا، كما أدانت الاعتداءات التي مثلت خرقا لكل أشكال الاحتجاج والتعبير السلمية المكفولة بالقانون والدستور. كما دعت المواطن التونسي لمواجهة كل من يستهدف أمن البلاد وطمأنينة المواطنين.

وفي خضم ذلك، أعربت فئة كبيرة من المواطنين على ضرورة الاهتمام بقضايا التشغبل وتنمية المناطق المهمشة ودعم الفئات الهشة، والإسراع من وتيرة إنجاز المشاريع المعطلة للحد من وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية المتصاعدة التي تشهدها عدد من المدن التونسية خصوصا تلك التي تعاني ارتفاعا كبيرا في معدلات الفقر والبطالة. كما ارتفعت الدعوات إلى بذل مجهود أكبر لتجاوز المعيقات الكبيرة التي يعاني منها الاقتصاد التونسي والتي ساهمت في استفحال أزماته الخلافات السياسية وأزمة كورونا. ومن صفوة القول، فيرى العديد من المراقبين أنه الإنجاز والمكسب الذي حققته الثورة التونسية هو الازدهار الذي شهده مجال الحريات والديمقراطية، لكن بالمقابل وعلى مدى العشر سنوات شهدت تونس انتكاسة في المجال التنموي والاقتصادي من خلال تنامي ظاهرة البطالة والفقر وتراجع مداخيل الأنشطة الاقتصادية، بالإضافة إلى الأزمات التي شهدها الحقل السياسي  نتيجة الصراع المتواصل بين الأطراف السياسية وأيضا التحديات الأمنية المتمثلة أساسا في استفحال ظاهرة الإرهاب. ([1])


([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.