تقارير المرصد المغاربي: المشهد التونسي – 01

يتناول هذا التقرير تطورات المشهد التونسي خلال الفترة من 15 يوليو إلى 20 أغسطس 2020، وأهم ما شهده من قضايا وملفات وتحولات، وذلك على النحو التالي:

أولاً: استقالة إلياس الفخفاخ: الأسباب والتداعيات

قدم رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ استقالته رسميا في 15 من يوليو 2020، بعد خمسة أشهر من نيل حكومته الثقة بعد مسار عسير لتشكيلها، مؤكدا من خلالها أنه اختار إعلاء المصلحة الوطنية لتجنيب تونس مزيدا من الاحتقان السياسي والصراع بين المؤسسات، مشيرا إلى حرصه على تخليق الحياة السياسية والنأي بمؤسسات الدولة عن الدخول في صراعات سياسية، فما هي الأسباب التي دعت إلياس الفخفاخ للاستقالة؟ وما هي تداعيات الاستقالة ذلك على المشهد السياسي التونسي؟

أسباب استقالة إلياس الفخفاخ: (المباشرة وغير المباشرة)

تقارير المرصد المغاربي: المشهد التونسي - 01

تتعدد أسباب استقالة التي كان لها الأثر البالغ على المشهد السياسي التونسي، وهي على الشكل التالي:

  • الارتباط بقضايا فساد: أحالت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس على القضاء والبرلمان تقريرها الأول المتعلق بالتحقيق في ملفات تتعلق بشبهات فساد تضارب مصالح لها علاقة برئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، وهي عبارة عن وثائق تتعلق بالتصريح بالمكاسب وشبهات تضارب مصالح وفساد مالي وتهرب ضريبي متعلقة برئيس الحكومة تتعلق بامتلاكه أسهما في شركات تتعامل مع الدولة تجاريا، وأبرمت معها صفقات، وهذا الأمر الذي يعتبر أمرا خارجا على القانون. أما التقرير الثاني للهيئة فقد خلص إلى تقديم طلب إصدار أذون قضائية، بمنع السفر وتجميد الأموال لبعض المشتبه فيهم في هذه الملفات التي تأكد للهيئة وطبقا لقرائن قوية تثبت تورطهم في اقتراف أفعال خارجة عن إطار القانون لاتصالها بقضايا فساد.
  • لائحة حجب الثقة: تعود أسباب استقالة إلياس الفخفاخ إلى قرب  إقالته، بعد تقديم لائحة حجب الثقة عنه من طرف أربع كتل برلمانية أبرزها حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة والمستقبل، وذلك على خلفية توجيه اتهامات له بالتورط في تضارب المصالح، وعلى إثر ذلك أعلن رئيس البرلمان راشد الغنوشي إحداث لجنة تحقيق برلمانية للبحث في شبهات الفساد المتعلقة برئيس الحكومة.
  • وكانت اللائحة تحمل توقيع 105 نواب، وهي التوقيعات الضرورية لتقديم عريضة سحب الثقة من رئيس الحكومة، ويتيح الدستور التونسي في الفصل 97 منه سحب الثقة من رئيس الحكومة وذلك عن طريق تقديم عريضة لرئيس البرلمان موقعة من ثلث أعضاء المجلس، كما يشترط لسحب الثقة تصويت 109 نائبا.
  • الاحتقان السياسي: تعيش الحياة السياسية على صفيح ساخن، نتيجة صراعات قوية بين القوى السياسية، فمنذ تشكيل حكومة الفخفاخ التي جاءت هجينة في تركيبتها وتونس تشهد مسارا حكوميا متعثرا نظرا لغياب التوازن بين الأطراف المشاركة فيها، هذا الأمر الذي ساهم بشكل كبير في إضعاف عملها، وبالتالي التأثير المباشر على التجربة الديمقراطية التونسية التي كانت تشكل الاستثناء في المنطقة العربية.
  • وقد جاءت هذه الاستقالة أيضا وسط تنافس حاد بين التيارات الحزبية داخل البرلمان، ففي الوقت التي قدمت فيه كتل حزبية وعلى رأسها حركة النهضة، لائحة تطالب فيها بسحب الثقة من رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، قامت أحزاب سياسية معارضة ومن ضمنها الحزب الدستوري الحر المدعوم إماراتيا بتقديم لائحة برلمانية لسحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي.
  • كل هذه التجاذبات السياسية كانت من بين الأسباب الرئيسية لانهيار التحالف الحكومي الهش، نظرا لعدم مسايرته لتقلبات الأوضاع السياسية التي تشهدها البلاد.
  • تأثيرات أزمة فيروس كورونا الاقتصادية والاجتماعية: تعتبر أزمة فيروس كورونا أحد الأسباب غير المباشرة التي أدت إلى انهيار الحكومة التونسية بسبب عدم قدرتها على تدبير أزمة كورونا، بحيث تزامن الاحتقان السياسي بظهور أزمات اقتصادية/اجتماعية خانقة لم يكن بمقدور الحكومة معالجتها، بحيث يشهد الاقتصاد التونسي في ظل الجائحة انكماشا غير مسبوق نتيجة تراجع إيرادات القطاعات الرئيسية ومن أبرزها القطاع السياحي، بالإضافة إلى الارتفاع المهول في معدلات البطالة والفقر، هذه الأمور التي كانت لها تداعيات اجتماعية أدت إلى انفجار العديد من الاحتجاجات في عدة مدن تونسية ومن أبرزها مدينة تطاوين القريبة من الحدود الليبية التي شهدت موجة من الاحتجاجات باعتبارها المدينة التي تشهد أعلى معدلات البطالة والفقر،  وذلك نتيجة غياب التنمية والاستثمار فيها.

تداعيات استقالة إلياس الفخفاخ

أثارت استقالة رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ جدلا سياسيا في تونس، بحيث أنه بمجرد تقديم طلب استقالته، أصدر الفخفاخ قرارا بإعفاء وزراء حزب النهضة من مناصبهم، وتكليف آخرين بشغل مهامهم، وذلك كردة فعل منه على تقديم حركة النهضة لائحة سحب الثقة منه.

وقد أثار هذا القرار جدلا دستوريا حول أحقية رئيس الحكومة المستقيل بالقيام بتعديلات وتغييرات وزارية بإعفاء بعض من وزرائها، وبالرجوع إلى نص الفصل 98 من الدستور التونسي، فيتضح أن استقالة رئيس الحكومة تعد استقالة للحكومة كاملة، ومن خلال ذلك فلا يمكن لرئيس الحكومة المستقيل وفقا للدستور إقالة أو إعفاء وزراء معينين من الفريق الحكومي، لذلك فهؤلاء الوزراء لهم الحق بمواصلة شغل مناصبهم ضمن حكومة تصريف الأعمال إلى حين تعيين فريق حكومي آخر.

وكان إلياس الفخفاخ قد اتهم حزبي النهضة وقلب تونس، بسعيهم لإسقاط حكومته خدمة لمصالحهم ومحاولة للحفاظ على نفوذهم، واعتبر أنه تم تضخيم التهم الموجهة إليه بخصوص تضارب المصالح، مشيرا أن الخطأ الوحيد الذي ارتكبه هو تأخره في بيع حصصه في الشركات التي لها صفقات مع الحكومة، وبرر ذلك بانشغال الفريق الحكومي بمواجهة أزمة فيروس كورونا، وقد اعتبر أنه تم استغلال هذا الخطأ والاستثمار بهدف تهييج الرأي العام ضده.  كما صرح أن هناك من يتآمر على التجربة الديمقراطية التونسية من الداخل والخارج، معتبرا ما يحصل معركة بين مصلحين للبلاد ومحافظين على النفوذ.

في إطار ذلك، رفضت حركة النهضة على لسان المتحدث باسمها الاتهامات التي وجهها ضدها رئيس الحكومة المستقيل، واعتبرتها أنها تدخل في خانة رد الفعل والتشنج، مشددة على أنها قاومت الفساد، وأصلحت أشياء عديدة داخل الدولة والإدارة التونسية، كما شددت على أنها كانت على الدوام سدا منيعا أمام من يتآمر على البلاد من أعداء الديمقراطية ودعاة الفوضى والاستبداد.


ثانياً: تكليف هشام المشيشي بتشكيل الحكومة: المواقف والخيارات

في خطوة غير متوقعة ومفاجئة، كلف الرئيس التونسي قيس سعيد وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال هشام المشيشي، وهو مستقل، بتشكيل حكومة جديدة، بعد قبول استقالة رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ من طرف رئيس الجمهورية. ولم يكن اسم المشيشي مدرجا على قائمة الترشيحات المقدمة من طرف الأحزاب والكتل البرلمانية. ولا يفرض الدستور التونسي على الرئيس ضرورة التقيد بترشيحات الأحزاب والكتل البرلمانية. فما هي مواقف الأحزاب التونسية من اختيار شخصية هشام المشيشي لقيادة مهام تشكيل الحكومة؟ وما هي السيناريوهات التي ستحدد مآل الحكومة التونسية المقبلة؟

من هو هشام المشيشي؟

شغل هشام المشيشي منصب وزير الداخلية في حكومة إلياس الفخفاخ، كما تولى منصب مستشار أول لدى رئيس الجمهورية المكلف بالشؤون القانونية. وأيضا شغل مناصب عديدة، من ضمنها مدير عام للوكالة الوطني للرقابة الصحية والبيئية للمنتجات، وكذا خبير مدقق باللجنة الوطنية لمكافحة الفساد.

وعلى إثر تعيينه من طرف رئيس الجمهورية، فقد عبر المشيشي عن اعتزازه بثقة رئيس الدولة في شخصه وتكليفه بتكوين حكومة مقبلة، معتبرا أن ذلك يشكل مسؤولية جسيمة وتحديا كبيرا خاصة في ظل الظرف شديد الحساسية التي تعيشه تونس. ووفقا للدستور، فلدى رئيس الحكومة المكلف مهلة شهر لتشكيل حكومته ثم عرضها على البرلمان من أجل نيل الثقة.

مواقف الأحزاب التونسية من تكليف هشام المشيشي

وعلى مستوى موقف الأحزاب التونسية من تعيين هشام المشيشي، فقد تباينت ردود الفعل حول ذلك ومن أبرزها:

  • حركة النهضة: رحبت حركة النهضة باختيار هشام المشيشي بتشكيل الحكومة وقد جاء ذلك على لسان عضو المكتب التنفيذي للحركة والمتحدث الإعلامي خليل البرغومي، بحيث أكد أن موقف الحركة إيجابي من تكليف الرئيس لهشام المشيشي، وتدعوه للعمل على توفير حزام سياسي واسع لهذه الحكومة، عن طريق توسيع المشاورات لتشمل الأحزاب والمنظمات الوطنية من أجل تكوين مقاربة شمولية للاستفادة من جميع وجهات النظر والرؤى، لأن ذلك سيعزز حظوظ الحكومة لنيل الثقة البرلمانية.
  • وأكد المتحدث الإعلامي باسم الحركة، أن موقف الأخيرة سوف يتم تحديده بناءً على تصورات المشيشي بخصوص البعدين الاقتصادي والاجتماعي.
  • قلب تونس: أكد رئيس كتلة قلب تونس أسامة الخليفي، أن كتلته ليس لها أي اعتراض أو تحفظ على تسمية هشام الخليفي لمهمة تشكيل الحكومة، مشيرا إلى أن الحزب سيتابع الاستراتيجية التي سيطرحها لتشكيل الحكومة وفي المشاورات، مؤكدا أنه يستوجب إعطاء الأولوية لإنقاد الاقتصاد الوطني والتفرغ الكامل لمواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد، هذا الأمر الذي يستوجب من الجميع التحلي بروح المسؤولية والوحدة الوطنية.
  • حركة الشعب: رحبت حركة الشعب بتكليف هشام المشيشي، وهذا ما أكده  أمينها العام زهير المغزاوي الذي صرح بأن أغلب المقاييس التي تطالب بها حركة الشعب متوفرة في رئيس الحكومة المكلف. مبرزا أن الرئيس أحسن الاختيار، باعتبار المشيشي شخصية قادرة على قيادة البلاد في المرحلة القادمة.
  • ومن جانبه أكد القيادي في الحركة خالد الكريشي، أن اختيار المشيشي لتشكيل الحكومة هو قرار صائب باعتبار رئيس الحكومة المكلف هو الشخص المناسب في المكان المناسب، باعتباره رجلا ملما بالوضع الاقتصادي والاجتماعي وله دراية واسعة بالإدارة وانتفاء شبهات الفساد أو الولاء لأطراف خارجية، كما اعتبره أنه أكثر شخصية لها القدرة على تجميع الأحزاب السياسية مع توقعه حصول حكومته في حال تشكيلها على أغلبية واسعة.
  • تحيا تونس: أكد رئيس كتلة حزب تحيا تونس مصطفى بن أحمد، أن ليس لدى حزبه أي اعتراض على تكليف المشيشي لقيادة تشكيل الحكومة خلفا لإلياس الفخفاخ. مبرزا أن أداءه  كان محترما عند شغله منصب وزير الداخلية في حكومة الفخفاخ، مشيرا في نفس الوقت أنه لا يمكن الحسم في موقف الكتلة إلا بعد بناء موقف اعتبارا لهندسته وأسسه في تشكيل الحكومة، وما إذا كان سيقع الاختيار على حكومة كفاءات أم سياسية، والتعرف على أولوياتها وبناء على ذلك سوف يتحدد الموقف النهائي من تكليف المشيشي.
  • ائتلاف الكرامة: جاء موقف ائتلاف الكرامة مغايرا لباقي الأحزاب، بحيث انتقد رئيس الكتلة سيف الدين مخلوف تكليف الرئيس لشخصية خارج المقترحات التي قدمتها الأحزاب، مردفا قوله بأن الرئيس أصبح عبئاً حقيقياً على الانتقال الديمقراطي في تونس، وينكر فعلياً الدستور ودور الأحزاب.

سيناريوهات تشكيل الحكومة التونسية المقبلة

بعد انطلاق مشاورات رئيس الحكومة المكلف مع الأطراف السياسية من أحزاب ومنظمات وطنية وشخصيات بارزة، أعلن المشيشي نيته تشكيل حكومة مستقلة ذات كفاءات، مستندا في طرحه إلى  صعوبة تشكيل حكومة من الأطياف السياسية نظرا لغياب الانسجام بين الأحزاب والكتل السياسية، هذا الأمر الذي يضع مصير قرار المشيشي أمام خيارين هما:

  • سيناريو نيل ثقة البرلمان: تعد مهمة المشيشي صعبة لكن ليست مستحيلة من أجل إقناع الأحزاب بضرورة اختيار حكومة كفاءات بدل من حكومة سياسية، فلتحقيق هذا السيناريو فعلى الأحزاب والكتل البرلمانية الاقتناع بالاستراتيجية التي رسمها المشيشي لتشكيل الحكومة. وتبقى حظوظ هذا السيناريو قائمة لأن الأحزاب تعي تمام المعرفة أن إسقاط الحكومة ومن ثم حل البرلمان والمرور إلى انتخابات مبكرة ستكون في ظل ظرفية متأزمة وخانقة تمر منها البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، سيفقدها المكانة التي حصلت عليها في الانتخابات السابقة الأمر الذي يفرض عليها تقبل طرح المشيشي لتشكيل حكومة خارج الأطياف السياسية.
  • سيناريو حجب الثقة: وهو سيناريو قائم أيضا وذلك في ظل تزايد مواقف الأحزاب الرافضة لطرح المشيشي تشكيل حكومة بعيدة عن الأحزاب، هذا القرار الذي تعتبره أنه يبعد تونس عن المسار الديمقراطي باستثنائها من التشكيلة الحكومية، فالأحزاب ترى أنه لا يمكن تحقيق الديمقراطية دونها وهذا ما يتناقض حتى مع مقتضيات الدستور، خصوصا أنها تمثل اختيار الشعب عبر المشاركة في تسيير شؤون البلاد.
  • وفي حال عدم نيل حكومة المشيشي ثقة البرلمان فيحق لرئيس الجمهورية حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة وفق المادة 89 من الدستور التونسي، لكن وبحسب خبراء القانون الدستوري، فهذا الطرح سيصطدم بروح المادة 77 من الدستور والتي تنص صراحة على عدم إمكانية حل البرلمان في الستة الأشهر الأولى من تاريخ نيل الحكومة لثقة البرلمان بعد الانتخابات التشريعية وهي المدة التي لم تكتمل إلى حد الآن.
  • ويستبعد العديد من المحللين سيناريو الذهاب لانتخابات مبكرة، بحيث لا يوجد خيار آخر أمام الأحزاب السياسية سوى تقبل واقع حكومة كفاءات وذلك لاعتبارين، الأول فقدان مكاسبها البرلمانية الحالية وتراجع شعبيتها وذلك في ظل استياء المواطن التونسي من الأوضاع المزرية التي تعيشها البلاد، نتيجة انشغال الأحزاب بصراعاتها السياسية وابتعادها عن دورها المتمثل في تحقيق مطالب وتطلعات المواطنين، أما الاعتبار الثاني فيرجع إلى الوقتية الحالية التي تمر بها البلاد والتي لا تسمح بهزة سياسية عن طريق تنظيم انتخابات مبكرة في ظل ما أفرزته أزمة فيروس كورونا من تداعيات أدخلت البلاد في وضع مقلق ومتأزم اقتصاديا واجتماعيا.

ثالثاً: لائحة إسقاط رئيس البرلمان التونسي: الأسباب والتداعيات

لم تقف تجاذبات المشهد السياسي التونسي عند استقالة رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ وتكليف هشام المشيشي بمهام تشكيل الحكومة، بل شهدت  تونس أيضا حدثا بارزا خلال الآونة الأخيرة نتيجة ارتفاع حدة الأزمة البرلمانية نتيجة السجالات القوية والمستمرة بين الأحزاب والكتل البرلمانية وذلك من خلال طلب ثلث نواب البرلمان بسحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي وعلى رأسهم نواب الدستوري الحر بقيادة عبير موسى، هذه الأخيرة التي سعت على الدوام إلى تأزيم المشهد البرلماني التونسي عن طريق تعطيل جلسات البرلمان وذلك تنفيذا لمؤامرات خارجية هدفها نسف التجربة الديمقراطية التونسية، ومن كل ذلك، فما هو المسار الذي سلكه هذا الحدث؟ وما هي تداعياته على المشهد السياسي التونسي؟

تقارير المرصد المغاربي: المشهد التونسي - 01

مسار تقديم لائحة سحب الثقة من رئيس البرلمان التونسي

تقدم 73 نائبا في البرلمان التونسي من الكتل النيابية لتحيا تونس والإصلاح الوطني والتيار الديمقراطي وحركة الشعب، وبعض المنتمين لكتل المستقبل والوطنية ومستقلون بعريضة لسحب الثقة من رئيس البرلمان. كما انضمت إليهم كتلة الحزب الدستوري الحر التي تتزعمها عبير موسى بإضافة توقيع 16 نائبا.

ويتطلب تمرير عريضة سحب الثقة من رئيس البرلمان توافر النصاب القانوني بالأغلبية المطلقة ب 109 من الأصوات من مجموع 217 نائبا وذلك بحسب النص الدستوري والنظام الداخلي للبرلمان.

وقد عزت هذه الأحزاب تقديم هذه العريضة إلى جملة من الأسباب من أبرزها أنها أصبحت تراه مصدر توتر للعمل البرلماني، في ظل ممارسته الفردانية فيما يخص اتخاذ القرارات دون الرجوع إلى مكتب البرلمان، بالإضافة إلى تصريحاته الخاصة بالسياسة الخارجية والتي تتنافى بحسبهم مع توجهات الدبلوماسية التونسية الرسمية.

وفي معرض رده على هذه الخطوة، أكد الغنوشي أنهم حريصون على ممارسة الديمقراطية وتفعيل كل فصول الدستور بسرعة، مبرزا أنه لم يأت على ظهر دبابة لرئاسة البرلمان، بل جاء بالانتخاب، وهو يرحب بخطوة إعادة تجديد الثقة من عدمها، التي أكد أنها ستكون لصالحه بإعادة تزكيته رئيسا للبرلمان.

وكان راشد الغنوشي قد أدان استهداف بعض القوى للتجربة الديمقراطية التونسية عن طريق تعطيل سير مؤسسات الدولة، وخاصة المؤسسة البرلمانية، مشددا على ضرورة حماية مكاسب التونسيين من خلال تصليب تجربتهم الديمقراطية الفريدة لمواجهة كل المشاريع والمؤامرات التي تسعى إلى النيل منها.

أما رئيس كتلة حركة النهضة في البرلمان نور الدين البحيري فقد أكد أن هناك ضغوطات تمارس من داخل البلاد وخارجها بأموال إماراتية سبيلها تدمير المنظومة السياسية في تونس، أما كتلة ائتلاف الكرامة، فقررت عدم حضور جلسة سحب الثقة من رئيس البرلمان معللة ذلك بأن مشروع لائحة سحب الثقة من رئيس  المجلس، دعت إليها كتلة بن علي الفاشية، وساندتها الكتلة الديمقراطية ومجموعة من الكتل الأخرى بحجة سوء تسييره لأعمال المجلس.

إسقاط لائحة سحب الثقة: ردود الأفعال والتداعيات

عقد البرلمان التونسي جلسة عامة للتصويت على اللائحة التي قدمتها بعض الكتل لسحب الثقة من رئيس البرلمان، وبعد إجراء عملية الاقتراع التي كانت سرية أعلنت لجنة عمليات التصويت وإحصاء الأصوات سقوط اللائحة التي تقدمت بها أربع كتل برلمانية لسحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي، وذلك بتصويت 97 نائبا فقط على العريضة المقدمة، في حين صوت 16 ضد اللائحة، كما تم تسجيل 18 ورقة ملغاة واثنين بدون تصويت، وقد شارك 133 نائبا في التصويت، ويتطلب سحب الثقة تأييد 109 من أصل 217 نائبا في البرلمان.

وكان الغنوشي قد فاز برئاسة البرلمان في نوفمبر 2019 بأغلبية مطلقة تجاوزت 56 بالمئة بتصويت 123 نائبا لصالحه.

وعلى إثر سقوط لائحة سحب الثقة، صرح الغنوشي أن هذا يشكل انتصارا للديمقراطية التونسية، وأن لتونس مستقبلا مادامت متمسكة بالحرية. لكنها تحتاج إلى مزيد من الديمقراطية وثقافة الحوار. كما تعهد بالحفاظ على مسافة واحدة من الجميع خلال مواصلته مهامه كرئيس للمجلس.

وفي رد فعلها على إثر إسقاط عريضة حجب الثقة عن الغنوشي، أعربت الكتل النيابية التي تقدت بها أنه على الرغم من إسقاط لائحة سحب الثقة، فإنه في نظرهم أن رئيس البرلمان فقد شرعيته بحيث أنه لم يعد شخصية توافقية قادرة على تسيير المؤسسة التشريعية، معتبرين أنهم عبروا عن مواقفهم بكل ديمقراطية وإرادة حرة بالرغم من الضغوطات، مؤكدين أن إسقاط اللائحة لا يعني أنهم خسروا المعركة بل النتيجة كانت إيجابية بعد تراجع نسبة الأغلبية التي منحت الرئيس الثقة في بداية الدورة البرلمانية. مشيرين أنهم سيواصلون مسيرة النضال من أجل تغيير المسار.

وقد أكد عدد من المحللين التونسيين أن إسقاط هذه اللائحة لها رمزية تتمثل في حماية الانتقال الديمقراطي الذي شهدته تونس والتي كانت حركة النهضة من أبرز المساهمين فيه، باعتبار أنها كانت شريكا رئيسيا في العملية السياسية لتونس ما بعد الثورة، كما شكل هذا الحدث نكسة لمناهضي الديمقراطية التونسية وأنصار نظام بن علي وأبرزهم عبير موسى رئيسة الحزب الدستوري الحر المدعومة من معسكر الثورات المضادة وذلك لإجهاض التجربة الديمقراطية التونسية عن طريق ضرب الاستقرار السياسي من خلال تعطيل عمل المؤسسة التشريعية وهي أعلى سلطة في البلاد بصفة متكررة.

وقد كان لهذا الحدث تداعيات كبيرة على المشهد السياسي التونسي، بحيث سيكون له دور في تحديد خريطة التحالفات الحزبية داخل المؤسسة التشريعية أو فيما يخص تشكيل الحكومة المقبلة، وتجد حركة النهضة  نفسها اليوم أمام تحديات كبرى بفعل هشاشة الاستقرار السياسي في البلاد نتيجة صراعات الداخل ومؤامرات الخارج. وللخروج من هذا المأزق السياسي يرى العديد من المحللين السياسيين أن النهضة بعد هذا الحدث يجب عليها تعديل خياراتها وتجديد مقاربتها من أجل استعادة الثقة داخل المؤسسة البرلمانية التي تضررت جراء العوامل المذكورة سلفا، وذلك باعتبار البرلمان المؤسسة الأساسية التي تشكل الدعامة الرئيسية لتحقيق الاستقرار السياسي في البلاد. ([1])


([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.