تقارير المرصد المغاربي: المشهد الليبي – 11

تقرير دوري، يصدر عن مؤسسة المرصد للنشر والصحافة والإعلام، يتناول أهم التطورات الميدانية والسياسية التي تشهدها ليبيا، وذلك على النحو التالي:

أولاً: تطورات المشهد الميداني الليبي

لا زالت توضح المعطيات الميدانية العديد من التطورات الأمنية التي شهدتها الساحة الليبية خصوصا علة ضوء التفجيرات الانتحارية التي تبناها تنظيم “داعش”، ومن جانب آخر كشفت المعطيات اكتشاف مزيد من مخلفات جرائم حفتر من الألغام والمتفجرات التي لا زالت تشكل إحدى أبرز التهديدات الأمنية في المشهد الليبي.

1ـ عودة تنظيم “داعش” للمشهد الليبي

في تطور أمني خطير، عاد تنظيم “داعش” إلى المشهد الليبي عبر هجوم انتحاري أسفر عن مقتل ضابطين ليبيين من بينهم رئيس الإدارة العامة للبحث الجنائي كما أصيب 5 آخرين في هذا التفجير الذي تم تنفيذه عبر سيارة مفخخة استهدفت نقطة تفتيش بأحد الحواجز الأمنية المعروفة بمفرق مازق في مدينة سبها جنوب ليبيا، كما خلّفت العملية أيضا خسائر مادية كبيرة في المركبات الآلية الرابضة أمام الحاجز.

وفي معرض ذلك، طالب المجلس البلدي لمدينة سبها كافة الأجهزة الأمنية المعنية بالتصدي لمثل هذه الأعمال الإرهابية وكشف ملابساتها ومن يقف وراءها، ومحاسبة كل من له يد بضرب أمن ليبيا واستقرارها. وقد أعلن تنظيم “داعش” مسؤوليته عن هذا التفجير، وذلك من خلال اقتحام أحد عناصر التنظيم الحاجز الأمني بسبارة مفخخة.

وعلى إثر هذا التطور الأمني الخطير، أدانت وزارة الداخلية الليبية هذا الهجوم الإرهابي، كما توعّدت بملاحقة الجناة ومحاسبتهم. وقد كشف بيان للوزارة تفاصيل الحادث، إذ أكدت بأن سائق مركبة آلية نوع شاحنة صغيرة كيا فرسان، كانت تحمل على متنها خردة حديدية وأسفلها مادة شديدة الانفجار قام بتفجير المركبة فور وصوله لبوابة التفتيش ما أدى إلى استشهاد ضابطين وجرح 5 أعضاء آخرين تابعين لمديرية أمن سبها ومنتدبين للعمل بجهاز المباحث الجنائية كما أحدث التفجير أضرار مادية جسيمة بالبوابة.

وعلى إثر هذا التفجير الذي استهدف نقطة التفتيش تابعة لمديرية أمن سبها، عقد المجلس الرئاسي، اجتماعا طارئا بحضور رئيس المخابرات العامة الليبي، تقرر على إثره تشكيل لجنة يرأسها وزير الداخلية بجانب كل من رئيس جهاز المخابرات العامة، ومنسق مكتب مكافحة الإرهاب، وذلك في سبيل كشف ملابسات هذا التطور الأمني الخطير عبر جمع المعلومات وكشف المتورطين وملاحقتهم وتقديمهم إلى العدالة، كما أكد المجلس تقديم الدعم اللازم والاحتياجات العاجلة للأجهزة الأمنية بالجنوب، بالإضافة إلى وضع آليات وخطط لمكافحة ظاهرة التطرف والإرهاب في كافة التراب الليبي.

ومن جانبه، أدان مجلس النواب، التفجير، مطالبا بضرورة التعجيل بتتبع بؤر الإرهاب والقضاء عليها، كما شدد على ضرورة الضرب من حديد لكل من يسعى إلى استهداف أمن الوطن والمواطن، داعيا الأجهزة الأمنية إلى تحمل مسؤولياتها في هذا الجانب.

كما أدان المجلس الأعلى للدولة هذا الحادث الإرهابي، مطالبا وزارة الداخلية بحكومة الوحدة بفتح تحقيق عاجل وملاحقة المتورطين وبسط سلطة الدولة على كافة التراب الليبي. كما حث على ضرورة تكاثف الجهود لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والخارجين عن القانون والشرعية حتى تنعم ليبيا بالأمن والأمان.

وعلى إثر هذه العملية، أدانت السفارة الأمريكية لدى ليبيا، هجوم سبها، كما أكدت في بيان لها أن هناك جهات مصممة على تقويض أمن واستقرار ووحدة ليبيا وذلك بسبب التطور المهم التي تشهده العملية السياسية، كما أشار البيان، إلى التزام الولايات المتحدة على دعم القوى الليبية الشرعية من أجل بناء مستقبل أكثر سلاما وازدهارا لليبيا، وتقديم الدعم اللازم لها في مكافحتها للإرهاب والعمل على التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار وتوحيد المؤسسات وذلك كله لإفساح الطريق لتنظيم آمن وسلس للانتخابات القادمة في ديسمبر 2021.

وفي نفس السياق، استنكرت السفارة البريطانية لدى ليبيا هذا الهجوم الإرهابي، مؤكدة دعم بريطانيا الكامل لليبيا ضد مرتكبي أعمال العنف والكراهية ضد الشعب الليبي.

من جانبها، أدانت مصر عبر بيان لوزارة الخارجية هذا الهجوم الذي استهدف نقطة تفتيش تابعة لمديرية سبها، كما أكدت وقوف مصر الكامل مع ليبيا ضد كل من ينال من أمنها واستقرارها، ودعمها لها في مواجهة كل أشكال العنف والتطرف والإرهاب.

كما أعربت الجزائر عبر بيان لوزارة خارجيتها عن إدانتها الشديدة لهذا الاعتداء الإرهابي الذي استهدف موقعا للشرطة الليبية، كما جددت وقوفها ودعمها اللامشروط للسلطات الليبية في جهودها الكبيرة من أجل إعادة الاستقرار السياسي والأمني في كافة ربوع ليبيا.

وبذلك، تشهد المنطقة الجنوبية من ليبيا عبر بوابة سرت تطورات أمنية خطيرة، مع بروز مؤشرات عودة نشاط تنظيم “داعش” الإرهابي حذر منه أهالي المنطقة في مرات عديدة وذلك على ضوء التنامي الخطير لتواجد أفراد التنظيم بالمدينة دون أي تحركات فعلية في ظل وجود فراغ أمني في المنطقة طيلة السنوات الماضية، بعدما تم توجيه ضربات عديدة للقضاء على معاقله، وقد شهدت سبها منذ 2014 هجمات انتحارية نفذها تنظيم “داعش”، وأمام التزايد المطرد لهذه العمليات قامت الجوية الأمريكية بتوجيه ضربات لقادة وعناصر الجماعات المتطرفة وعلى رأسها داعش في المدينة والمناطق المجاورة لها

2ـ الألغام والأجهزة المتفجرة ….إرث قاتل لميليشيا حفتر

يعتبر خطر الألغام والأجهزة المتفجرة الإرث الفتاك لميليشيا حفتر، هذه الأخيرة التي قامت بزرعها في مناطق متفرقة من العاصمة طرابلس والمناطق المحيطة بها والطرق المؤدية لمحور الغرب، ، بحيث لا تزال آثارها المدمرة مستمرة إلى غاية الآن، إذ قُتل وأصيب العشرات من المدنيين وغير المدنيين ومن ضمنهم العاملين في مجال إزالة الألغام نتيجة التلغيم الذي لحق بمحاور طرق وأماكن متفرقة ومن ضمنها مناطق سكنية.

وقد كشفت صحيفة “إندبندنت” البريطانية العديد من المعطيات حول مخلفات حرب طرابلس من الألغام والمتفجرات ، بحيث أشار التقرير تحت عنوان ” إنهم يعرفون كيف نفكر، كيف ترك المرتزقة الروس ليبيا مفخخة”، بأن المرتزقة الروس قاموا بتلغيم الشوارع والمناطق السكنية في العديد من المناطق الليبية، عن طريق وضع متفجرات في مناطق دائمة الاستخدام كالأبواب والمقاعد، بل حتى داخل عبوات الحليب والمشروبات الغازية والتي تنفجر بمجرد لمسها أو فتحها.

كما أفاد التقرير أن خبراء إزالة الألغام عثروا أيضا على مجموعة من الألغام المبتكرة، بما في ذلك لغم مبعثر روسي ينتشر ويدمر ذاتيا في غضون 100 ساعة ولغم مضاد للأفراد يستخدم أشعة الليزر بدلا من أسلاك التفجير.

وقد أكد خبراء في مؤسسة “”Free Fields وهي وكالة ليبية لإزالة الألغام، أنه مع فرار المرتزقة الروس من العاصمة الليبية الصيف الماضي، تركوا وراءهم منازل وساحات مفخخة.

وفي معرض ذلك أكد قائد فريق خبراء إزالة الألغام أن الروس درسوا طريقة تفكير الليبيين وكيف يلعب الأطفال، وهذا ما جعلهم يستعملون المشروبات الغازية الفارغة وقاموا بتعبئتها بالمواد المتفجرة، ما يجعلها من أكثر المتفجرات فتكا، كما قال إنه لأمر محزن أن نرى نفايات العالم ملقاة في ليبيا. موضحا أن الدعم الخارجي في إشارة إلى الروس هم المسؤولون على هذه الكارثة الإنسانية بدعهم لأطراف داخلية في الحرب الأهلية الليبية وذلك في إشارة إلى الدعم الذي تلقاه حفتر من الروس عبر تطعيم قواته بمرتزقة “فاغنر” الذين كانت مهمة تلغيم المناطق التي تركوها وراءهم من أبرز الأدوار التي أوكلت لهم.

كما أكدت صحيفة “واشنطن بوست” أنه منذ بدء تمشيط المناطق التي كانت تتموقع بها ميليشيا حفتر، استطاع عضوان من فريق إزالة الألغام والمتفجرات إزالة أكثر من 400 لغم وعبوة ناسفة أخرى من أكثر من 200 منزل، لكن بمقابل ذلك كانت التكلفة عالية إذ قتل العضوات في يوليو الماضي حين انفجرت عبوة ناسفة كانت مخبأة بإحكام داخل أحد البيوت.

ولا يزال عدد كبير من العائلات غير قادرين على العودة لديارها بسبب المتفجرات والألغام التي خلفها هؤلاء المرتزقة، والتي تسببت في معاناة لا حصر لها وراح ضحيتها عدد كبير من المدنيين.

وفي سياق ذلك، أفادت منظمة العفو الدولية إبان تقريرها حول وضعية حقوق الإنسان في ليبيا، أن العناصر التابعة لميليشيا حفتر، زرعت ألغاما مضادة للأفراد وهي من ضمن الأسلحة المحظورة دوليا وفق القانون الدولي، روسية الصنع تشتغل بأسلاك مخفية عند الدوس عليها، وغيرها من الأشراك المخففة في المنازل، وغيرها من الممتلكات المدنية في المناطق التي انسحبت منها في طرابلس والمناطق المجاورة لها، خلفت وراءها العديد من الضحايا ما بين قتلى وجرحى.

وكان تقرير قد أصدرته منظمة لـ “هيومن رايتس ووتش”، أكدت من خلاله أن مرتزقة ينتمون إلى فرق خليفة حفتر العسكرية، قد قاموا بزرع عدد كبير من الألغام إبان انسحابهم من الأحياء الجنوبية لمدينة طرابلس، وهي ألغام روسية الصنع من طراز حديث مما يوحي أنه تم إدخالها إلى ليبيا في السنوات الأخيرة.


ثانياً: تطورات المشهد السياسي الليبي

يحظى الملف الليبي باهتمام العديد من القوى الإقليمية والدولية، ونتيجة لذلك تفاعلت السلطة التنفيذية مع العديد من الأطراف التي لها اهتمام بالشأن الليبي، وذلك من أجل مناقشة العديد من التطورات التي يعرفها المشهد الليبي ، وقد كان أبرزها كالتالي:

1ـ زيارة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى الإمارات

قام رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي بزيارة إلى الإمارات، برفقة وزيرة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية نجلاء المنقوش، التقى على إثرها عدد من المسؤولين الإماراتيين وعلى رأسهم محمد بن زايد، ناقش خلالها الطرفان، حسب بيان للمكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي، الجهود المبذولة من أجل إنجاح العملية السياسية، وكذلك التشاور حول مؤتمر برلين الثاني حول ليبيا وذلك حرصا على توحيد الجهود الإقليمية لتوافق دولي يقود إلى عودة الاستقرار في ليبيا.

وحسب وكالة الأنباء الإماراتية، فقد أكد بن زايد على “استعداد الإمارات تقديم جميع أوجه الدعم والتعاون إلى ليبيا للتغلب على التحديات القائمة، وأيضا مواصلة العمل مع الأطراف الإقليمية والدولية من أجل تعزيز السلام والاستقرار الذي يتطلع إليه الليبيون”.

ومن جانبه، التقى وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد بنظيرته الليبية نجلاء المنقوش، بحيث استعرض الجانبان تطورات الأوضاع على الساحة الليبية وأهمية دعم حكومة الوحدة الوطنية لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار في ليبيا وتهيئة جميع الظروف المواتية لتنظيم الانتخابات المقررة في وقتها بنهاية العام الجاري.

وتشير مجموعة من المعطيات، أن الخفي من هذه الزيارة، هي مناقشة العديد من الملفات المتصلة بالتدخل الإماراتي في ليبيا وذلك تمهيدا لمناقشات مؤتمر برلين الثاني المزمع تنظيمه بنهاية يونيو الجاري.

ويرجع العديد من المحللين أن التغييرات الحاصلة في الموقف الإماراتي من ليبيا هو الضغوط التي تفرضها عواصم كبرى على بن زايد لتغيير موقفه أو بالأحرى الحد من دوره في ليبيا الذي يدعم من خلاله الخيار العسكري عبر بوابة خليفة حفتر. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه التغييرات لا تعني تخلي بن زايد الكامل عن حفتر والقبول بالعملية السياسية، لكن هي محاولة لإنقاذ صورته نتيجة ارتفاع حجم الأصوات التي تدين الدور الإماراتي في ليبيا والذي كان أحد الأسباب الرئيسية لتقويض العملية السياسية نتيجة خروقاتها المستمرة لقرارات الشرعية الدولية حول توريد السلاح إلى ليبيا ونقل المرتزقة.

2ـ زيارة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى تونس

قام رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بزيارة إلى تونس، وذلك بناء على دعوة من الرئيس التونسي قيس سعيد، وقد جاءت هذه الزيارة في أعقاب زيارة كل من قيس سعيد في مارس الماضي ورئيس الحكومة هشام المشيشي في مايو الماضي على التوالي إلى طرابلس.

وفي خضم هذه الزيارة، أجرى المنفي والوفد المرافق له، العديد من المباحثات شملت تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين وأبرزها تعزيز التعاون الاقتصادي وتذليل جل الصعوبات التي تعترض تطويره. وكذا تعزيز التعاون الأمني الذي يفرضه ترابط وتداخل أمن البلدين ببعضهما. فضلا عن مواصلة التشاور والتنسيق بخصوص العديد من الملفات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وعلى رأسها الدور الذي تلعبه تونس فيما يخص دعم العملية الانتقالية بليبيا.

وفي معرض هذه الزيارة، أكد محمد المنفي على الأهمية التي تحتلها تونس بالنسبة لليبيا، وهذا ما يحتم ضرورة تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين وبالخصوص في بعدها الأمني الذي يعتبر من أهم الأبعاد التي لا بد التركيز عليها في ظل التحديات التي تعرفها المنطقة والتي يُستلزم معها تكثيف التعاون بين البلدين من أجل تحقيق الاستقرار الأمني.

ومن جانبه، أكد قيس سعيد على ضرورة وجود إرادة قوية ثابتة لاستكمال المسار الذي انطلق بعد تولي السلطة التنفيذية في ليبيا قيادة البلاد بصفة مؤقتة، مشددا على وقوف تونس بجميع مكوناتها إلى جانب ليبيا في هذه المرحلة وذلك في سبيل إعادة بناء مؤسساتها لتأمين هذه المرحلة الانتقالية.

ومن خلال ذلك، فيتطلع الطرفان إلى الاستفادة من بعضها في العديد من النواحي، فمن جهة تسعى تونس التي كانت الوجهة الأولى لمئات آلاف الليبيين الهاربين من آتون الحرب منذ 2011 إلى تعزيز تعاونها الاقتصادي مع ليبيا وذلك في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها الاقتصاد التونسي وذلك من خلال الاستفادة عبر حضور شركات تونسية ومساهمتها في مشاريع إعادة إعمار ليبيا، بالإضافة إلى تعزيز التعاون في الشق الأمني باعتبار تونس من أكثر الدول تضررا من تردي الأوضاع الأمنية بليبيا، بحيث شهدت تصدعا أمنيا كبيرا نتيجة توسع أنشطة الجماعات الإرهابية في أنحاء متفرقة في الداخل التونسي. ومن جهة أخرى تعتير ليبيا تونس طرفا فاعلا في العملية السياسية ويمكن لها أن تلعب دورا بارزا في المرحلة المقبلة وذلك من أجل تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين في ظل فترة المرحلة الانتقالية قبل الوصول إلى الانتخابات المقررة في نهاية العام الجاري.

3ـ زيارة رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة إلى الجزائر

قام رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة بزيارة إلى الجزائر، رافقه خلالها وفد وزاري مهم، التقى الدبيبة ووزراء حكومته خلالها، العديد من المسؤولين الجزائريين وعلى رأسهم، الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، كما جاءت هذه الزيارة بالتزامن مع انعقاد أشغال المنتدى الاقتصادي الجزائري-الليبي.

وقد تمحورت مباحثات الرئيس الجزائري مع رئيس الحكومة الليبية، حول تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين وسبل دعم في جل المجالات ولا سيما ما يخص التنسيق الأمني ومحاربة الجريمة العابرة وحماية الحدود المشتركة، بالإضافة إلى تكثيف التعاون الاقتصادي عبر زيادة التبادل التجاري من خلال فتح المجال الجوي والبري والبحري.

وفي خضم ذلك، أشار رئيس الحكومة الليبية إلى أهمية التعاون المشترك بين البلدين سواء في الجانب الأمني والاقتصادي ورفعه إلى مستويات كبرى، بالإضافة إلى تأكيده على الدور الذي تلعبه الجزائر في إنهاء الأزمة الليبية عبر تعزيز العملية السياسية من خلال مشاركتها في تعزيز المصالحة الوطنية الليبية، باعتبارها بحسب الدبيبة دولة مؤهلة لأن تقود وتدعم المصالحة الليبية – الليبية، باعتبارها من أبرز الفاعلين الإقليميين الذين ساهموا في تفعيل آليات الحل السياسي في ليبيا.

وفي نفس السياق، أجرت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش محادثات ثنائية مع نظيرها الجزائري صبري بوقادوم، تمحور أساسها حول سبل تعزيز الدعم السياسي الجزائري لليبيا وذلك في سبيل تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي والمصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات وذلك تمهيدا للاستحقاق الانتخابي المزمع تنظيمه نهاية العام الجاري.

ومن كل ذلك، فقد تجلت أبرز النتائج التي أفضت إليها زيارة الدبيبة إلى الجزائر، في الاتفاق على عودة سوناطراك لاستئناف عملها في مجال استكشاف النفط بحوض غدامس جنوب غرب ليبيا والمحاذية للحدود المشتركة بين البلدين، وذلك بعد ما كانت الشركة قد أوقفت جل أشغالها منذ 2011 على إثر تدهور الوضع الأمني بليبيا. كما اتفق الطرفان أيضا على استئناف فتح الرحلات الجوية وفتح الحدود البرية أمام البضائع والمسافرين، بالإضافة إلى الاتفاق على إمكانية فتح خط بحري بين الجزائر وطرابلس. وهذه المخرجات التي تعتبر من أبرز الأهداف الجزائرية في ليبيا، بحيث تعتبر ليبيا الأخيرة بوابة الجزائر لتحقيق مكاسب اقتصادية مهمة وذلك في سبيل حلحلة أزماتها الداخلية خصوصا الاقتصادية، بالمقابل فتعتبر السلطة الانتقالية في ليبيا الجزائر أهم أبرز الفاعلين الإقليميين الذين يمكن الاعتماد عليهم في المرحلة القادمة.

4ـ زيارة رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة إلى فرنسا

قام رئيس الحكومة الليبية بزيارة إلى فرنسا، مرفوقا بوفد وزاري رفيع المستوى، وقد تخللت الزيارة العديد من اللقاءات بين مسؤولي البلدين، كان أبرزها اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة الليبية بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وقد تمحورت نقاشات الطرفين حول العديد من الجوانب السياسية-الأمنية والتي تتعلق بمسائل تثبيت وقف إطلاق النار وكذا التحضير للانتخابات المقررة نهاية العام الجاري، وفي هذا الجانب أشارت الرئاسة الفرنسية إلى دعمها للحكومة الليبية فيما يخص مطالبتها بسحب المرتزقة والقوى الأجنبية من الأراضي الليبية، بالإضافة إلى تقديم الدعم لها في مسار تنظيم الانتخابات العامة القادمة.

وفي سياق ذلك، أكد إيمانويل ماكرون، أن فرنسا تدعم المسار الانتقالي الحالي في ليبيا وذلك في سبيل استعادتها لسيادتها واستقرارها ووحدتها، مشيرا إلى تقديم بلاده الدعم اللازم للحكومة الليبية لمواجهة كافة التحديات خصوصا على المستوى الأمني.

ومن جانبه، أكد عبد الحميد الدبيبة على أهمية الدور الذي لعبته فرنسا في توحيد الجهود الليبية لتعزيز الشرعية السياسية في ليبيا، كما أشار إلى أهمية استمرارها بلعب دور أكبر بتعزيز هذه الشرعية والتنسيق معها، وذلك من خلال دعم ليبيا لبسط سيادتها وتوحيد المؤسسات وإنهاء وجود المرتزقة في كافة أنحاء التراب الليبي.

ولتعزيز التعاون الأمني بين الطرفين، ناقش رئيس الحكومة الليبية مع وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي بحضور وزير الداخلية الليبي خالد مازن سبل تفعيل العديد من الاتفاقيات المبرمة بين البلدين في هذا الجانب، بالإضافة إلى استئناف البرامج التدريبية في الجانب الأمني-العسكري والتي تستهدف تطوير الكوادر البشرية في هذه المؤسسات.

لم تشمل المباحثات بين الطرفين الجانب السياسي-الأمني فقط بل توسعت لتشمل الجانب الاقتصادي بحيث بحث ماكرون مع الدبيبة الاستثمارات الفرنسية في ليبيا، وفي هذا الجانب يتطلع رئيس الحكومة الليبية إلى إعادة تفعيل واستكمال المشاريع المشتركة والمتوقفة منذ فترة بسبب تردي الوضع الأمني في ليبيا، وذلك في مجالات الطاقة والبنية التحتية والاستثمار.

ومن كل ذلك، فتسعى فرنسا خلال المرحلة الانتقالية إلى تأمين مكانة لها داخل المشهد الليبي، إذ حاولت فرنسا طيلة الفترة الماضية الظهور بمظهر الوسيط في العملية السياسية عبر تقريب النظر بين الفرقاء الليبيين والتنسيق بينهم، لكن الخفي هو انحيازها للخيار العسكري عبر الدعم المستتر لخليفة حفتر الذي كانت تعتبره خيارا لها لتحقيق مخططاتها في ليبيا، ففرنسا كانت ولا زالت تبحث عن تثبيت موطئ قدم لها في ليبيا لتحقيق مصالحها الاستراتيجية والتي تتنوع في الظرفية الراهنة بين تحقيق:

مصالح اقتصادية: بحيث تسعى باريس إلى الاستفادة بكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة من النفط والغاز الليبي، بالإضافة إلى الاستثمار في عمليات إعادة إعمار ليبيا والتي تتصارع من خلاله العديد من القوى الدولية والإقليمية للاستحواذ على النصيب الأول من الاتفاقيات مع ليبيا في هذا الجانب. مصالح سياسية: عبر تعزيز مكانتها في القارة الإفريقية التي بدأت تتآكل في السنوات الأخيرة نتيجة ظهور قوى دولية وإقليمية تنافسها في المستنقع الإفريقي، وذلك عبر استعادة النهج الإمبريالي في توسيع مخططاتها في القارة الإفريقية، بحيث تعتبر ليبيا نافذة استراتيجية هامة لتحقيق مآربها.([1])


([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.