تقارير المرصد المغاربي: المشهد الليبي – 12

تقرير دوري، يصدر عن موقع المرصد للنشر والصحافة والإعلام، يتناول أهم التطورات الميدانية والسياسية التي تشهدها ليبيا، وذلك على النحو التالي:

أولا: زيارة رئيس المخابرات المصرية العامة إلى ليبيا: الحيثيات والدلالات

قام رئيس المخابرات المصرية عباس كامل، بزيارة غير معلنة إلى ليبيا غربا وشرقا، وتأتي هذه الزيارة بعد الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في إبريل الماضي إلى ليبيا. والزيارة وإن تحمل في ظاهرها دعم نظام السيسي للسلطة التنفيذية الجديدة، لكن باطنيا تؤكد عدم تخلي القاهرة على رهان حفتر. فما هي سياقات هذه الزيارة؟ وما هي الدلالات والمؤشرات التي حملتها؟

المحطة الأولى: زيارة رئيس المخابرات العامة المصرية إلى طرابلس

كانت طرابلس أولى محطات رئيس المخابرات العامة المصرية عباس كامل خلال زيارته إلى ليبيا، التقى خلالها رأسي السلطة التنفيذية، رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، وقد أجرى مسؤولو البلدين العديد من المباحثات شملت التطورات المحلية والإقليمية والأمنية وسبل تعزيز العلاقات الثنائية. بحيث بحث مع رئيس الحكومة الليبية آلية التنسيق بشأن تفعيل الاتفاقيات المبرمة بين البلدين، وكذلك التنسيق حول محاور الزيارة المرتقبة للدبيبة إلى القاهرة لتفعيل اللجنة المشتركة العليا الليبية-المصرية، ولاستكمال وتفعيل ما تم الاتفاق عليه خلال زيارة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إلى ليبيا.  كما تناول اللقاء حيثيات خارطة الطريق على ضوء التحضير للانتخابات الليبية العامة في ديسمبر 2021.

وبينما نقل عباس كامل رسالة  من السيسي مفادها تأكيد وقوف مصر إلى جانب الحكومة الليبية، ودعوة الأخير المؤسسات الليبية المعنية بالإعداد للانتخابات القادمة والقيام بواجبها لتجاوز هذه المرحلة الدقيقة التي تعيشها ليبيا، بالمقابل أشاد الدبيبة بالدور الفعال لمصر في مسار التسوية السياسية لحل الأزمة الليبية ودعمها لجهود المصالحة الوطنية في سبيل إعادة الأمن والاستقرار لليبيا.

وبعد لقائه برئيس الحكومة الليبية، التقى عباس كامل في ثاني لقاءاته رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، وتناول اللقاء سبل تعزيز التعاون في كافة المجالات بين البلدين، وتفعيل اللجنة الفنية المشتركة بين مصر وليبيا، وعلى نفس سياق تصريحات الدبيبة، أثنى من جانبه المنفي على الدور الإيجابي لمصر في تفعيل سبل الحوار في سبيل تعزيز المصالحة الوطنية بين الأطراف الليبية، من أجل ضمان استقرار البلدين، وذلك بفعل الترابط الأمني بين مصر وليبيا. كما شدد المنفي على ضرورة عودة الشركات المصرية إلى ليبيا من أجل المساهمة في إعادة إعمارها والتعاون في مجالات الطاقة والاستثمار، كما وجه في أعقاب هذا اللقاء دعوة لعبد الفتاح السيسي لزيارة ليبيا في أقرب وقت ممكن.

المحطة الثانية: زيارة رئيس المخابرات العامة المصرية إلى بنغازي

بعد محطة طرابلس ولقائه بمسؤولي السلطة التنفيذية، توجه رئيس المخابرات العامة المصرية عباس كامل  والوفد المرافق له إلى الشرق وبالضبط إلى مدينة بنغازي المعقل الرئيسي لخليفة حفتر، بحيث التقى كامل بحفتر في مقر القيادة العامة بمنطقة الرجمة، وقد أعرب عباس كامل خلال هذا اللقاء عن تقدير مصر لجهود وتضحيات ما أسماه الجيش الليبي بقيادة حفتر في محاربتهم للإرهاب وحفاظهم على مقدرات الشعب الليبي، مع تأكيده على استمرار الجهود المصرية في سبيل إعادة الاستقرار إلى ليبيا.

وقد شمل اللقاء بحسب وسائل إعلام محلية ليبية تابعة لمعسكر حفتر ، التنسيق في الشؤون الأمنية بين الطرفين خصوصا فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب في ظل تنامي أنشطة تنظيم “داعش” مؤخرا، وتأمين الحدود الجنوبية لليبيا ضد تحركات المجموعات الإرهابية. كما أكد كامل خلال لقاءه بحفتر على أهمية ودور المؤسسة العسكرية-ميليشيا حفتر- في تأمين الاستحقاقات المقبلة وعلى رأسها العملية الانتخابية ل 24 ديسمبر 2021.

دلالات زيارة عباس كامل إلى ليبيا

تحمل زيارة رئيس المخابرات العامة المصرية عباس العديد من الدلالات والمؤشرات والأهداف غير معلنة، بحيث جاءت في سياقات متعددة من أبرزها:

  • جاءت زيارة عباس كامل قبيل انعقاد مؤتمر برلين الثاني الذي يؤسس لتفعيل خارطة طريق المشهد الليبي عبر هدفين وهما رهان الانتخابات العامة المقبلة، وخروج المرتزقة والقوات الأجنبية من مجموع الأراضي الليبية، بالإضافة إلى أنها جاءت في ظل التوترات والتجاذبات الحاصلة بين السلطة التنفيذية الجديدة وبين معسكر خليفة حفتر، بحيث اعتبرها مراقبين أنها جاءت في سياق وساطة مصرية لحلحلة التوتر الحاصل بين حفتر والحكومة الليبية فيما يخص العديد من القضايا خصوصا تلك المتعلقة بوزارة الدفاع وتعيين رئيس أركان الجيش في ظل عدم اعتراف حفتر بتسمية الدبيبة وزيرا للدفاع، وكذلك إنجاز متطلبات خارطة الطريق خصوصا تلك المتعلقة بتوحيد المؤسسة العسكرية، هذه الأخيرة التي تشكل أهم أبرز الخلافات بين السلطة التنفيذية المؤقتة  وخليفة حفتر.
  • كما حملت هذه الزيارة دلالة بالغة، فقد جاءت بالتوازي مع إطلاق خليفة حفتر عملية عسكرية واسعة بالجنوب الغربي الليبي، وذلك لمكافحة حسب ما أعلن عنه حفتر لنشاط الجماعات الإرهابية، لكن هذه العملية لها أبعاد أخرى غير المعلن عنها فحفتر يريد إرباك المشهد السياسي وإفشال مخطط تنظيم العملية الانتخابية من خلال إحكام سيطرته على الجنوب الليبي ليكون بوابة له لتوسيع سيطرته على مساحة كبيرة من التراب الليبي ربما يعود من خلالها إلى خيار الهجوم على الغرب، وذلك في ظل عدم اعتراف القوى الدولية به كفاعل داخل العملية السياسية. كما أنه يريد إظهار نفسه أنه فاعل مسيطر في المشهد الليبي وأنه فوق قرارات السلطة التنفيذية الجديدة. ولذلك فزيارة عباس كامل تأتي في هذا السياق فعلى الرغم من إعلان القاهرة أنها تدعم خيار العملية السياسية، إلا أن رهانها على حفتر عسكريا لم ينقطع ولم ينتهي، بحيث تؤكد هذه الزيارة بأن دعم نظام السيسي لحفتر متواصل باعتباره الرهان المفضل له لقيادة المشهد الليبي لما بعد انتخابات ديسمبر 2021، فإذ لم يكن سياسيا فالرهان على الخيار العسكري لا زال قائما لدى القاهرة.
  • بالإضافة إلى الدلالات السابقة، فقد حملت هذه الزيارة مؤشرا بالغ الأهمية، بحيث جاءت في توقيت دقيق، وذلك بعد التقارب في العلاقات بين أنقرة والقاهرة والذي كان الملف الليبي من أهم الدوافع التي حذت بالجانبين لإرساء نمط وسياق جديد في العلاقات بينهما، كما جاءت بعد أسبوع من زيارة وفد تركي رفيع المستوى إلى ليبيا قاده وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو، ووزير الدفاع خلوصي أكار ووزير الداخلية سليمان صويلو وكذا رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان بجانب العديد من مسؤولي الرئاسة التركية، وتشير بعض المؤشرات إلى تحفظ القاهرة على هذه الزيارة التي اعتبرتها الأخيرة محاولات تركية لتحجيم الدور المصري في ليبيا على حساب توسيع دور تركيا باعتبارها أحد الفواعل الإقليمية البارزة  في الملف الليبي.

مؤتمر برلين الثاني حول ليبيا: سياقه ومخرجاته

نظمت في العاصمة الألمانية برلين جولة محادثات ثانية حول ليبيا برعاية الأمم المتحدة، بمشاركة أطراف النزاع الليبي ومسؤولي الحكومة الانتقالية، وأبرز الفاعلين الدوليين والإقليميين من ضمنهم ألمانيا والولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا إلى جانب منظمات إقليمية، وذلك من أجل مناقشة مجموعة من السياقات المرتبطة بالمسار السياسي وإنهاء العمليات العسكرية في سبيل الوصول إلى تنظيم الانتخابات العامة المقبلة في ديسمبر 2021، وذلك لإرساء معالم ليبيا كدولة قانون ومؤسسات، وبالتالي إنهاء حالة الصراع والنزاع العسكري التي عانت منه البلاد لأكثر من 10 سنوات.

المحاور الرئيسية لمحادثات مؤتمر برلين -2-

ناقش مؤتمر برلين ثلاث محاور رئيسية تجلت أبرزها:

أولا: تنظيم الانتخابات بحيث يعد هذا المحور أهم ما ناقشه المؤتمر، وذلك في سبيل تدعيم عمل السلطات الليبية في هذا السياق، بحيث يمثل إجراء الانتخابات في موعدها المحدد المهمة الأساسية للسلطة التنفيذية الجديدة، وفي المقابل تعتمد هذه الأخيرة على دعم المجتمع الدولي لتأمين المسار الانتخابي لتنظيمه في ظروف ملائمة تتسق مع  تقديم الدعم لها سواء لوجستيا أو رقابيا، تفاديا لأي تعطيل لخارطة الطريق المبرمجة منذ ملتقى الحوار السياسي في تونس.

ثانيا: سحب المرتزقة والقوات الأجنبية: يعتبر سحب المرتزقة والقوات الأجنبية من مجموع الأراضي الليبية طبقا لبنود اتفاق وقف إطلاق والمفعل بقرار مجلس الأمن 2571 إحدى القضايا المركزية لمؤتمر برلين-2-، بحيث يعتبر ملف المرتزقة من العقبات التي تواجه عمل الحكومة الليبية باعتباره من أكبر التحديات التي يصعب حلها لأنه مرتبط بقبول بعض القوى الخارجية – روسيا – بتنفيذ شق سحب المرتزقة من ليبيا، وفي ظل سيطرة سياسة المصالح على المشهد الليبي فمن المستعصي حل الخيوط المتشابكة لهذا الملف على المدى القصير.

المحور الثالث: توحيد المؤسسات العسكرية: يعتبر تحدي توحيد المؤسسات من أهم المسارات المهمة في المشهد الليبي، كما تعد خطوة تفكيك الميليشيات والجماعات المسلحة العامل المساعد لتوحيدها وإعادة إدماجها في هيكل وجسم واحد بعيد عن الانقسامات والتشرذمات سواء الجهوية أو القبلية أو السياسية.

نتائج مؤتمر برلين الثاني

أفرز مؤتمر برلين، مجموعة من النتائج التي تخص المسار السياسي على ضوء تنظيم الانتخابات وتثبيت الهدنة عن طريق وقف إطلاق النار وحظر دخول الأسلحة إلى الأراضي الليبية، وكانت أبرزها كالتالي:

الجانب السياسي: دعا البيان الختامي جميع مكونات السلطات الليبية سواء التنفيذية أو التشريعية إلى ضرورة أخذ التدابير اللازمة من أجل التحضير لحدث الانتخابات. مع ضرورة وضع الأساس الدستوري والقوانين التنظيمية قبل الوصول للمحطة الانتخابية. وفي المقابل أكدت الدول المشاركة في المؤتمر على التزامها لدعم الحكومة الليبية في التنظيم والإعداد لهذه الانتخابات.

الجانب الأمني والعسكري: عبّرت الأطراف المشاركة عن استعدادها الكامل لدعم السلطات الليبية لإصلاح القطاع الأمني وذلك من خلال إنشاء قوات أمن وردع ليبية ووضعها تحت إشراف وسلطة رقابة مدنية موحدة، كما  طالب البيان الختامي السلطات الليبية إلى ضرورة تسريع توحيد القوات الأمنية والعسكرية من خلال البدء أولا في التطبيق الفعلي للقرارات الأممية لوقف كل العمليات العسكرية بشكل دائم ومستمر، مع دعوة جميع الأطراف سواء الداخلية أو الخارجية النأي عن أي عمل يمكن له أن يقوض العملية السياسية.

الجانب الاقتصادي والمالي: دعوة الحكومة الليبية إلى ضرورة تسريع خطوات الإصلاح الاقتصادي والمالي عبر معالجة المعيقات التي تعترض إنعاش الاقتصاد الوطني، وذلك من خلال تفعيل آليات محاربة الفساد مع ضمان عدم الاستغلال غير المشروع لموارد ليبيا الطاقية التي هي من حق الشعب الليبي. وتحسين جميع الخدمات الأساسية في مجالات الصحة والتعليم وغيرها.

الجانب الحقوقي والإنساني: دعا البيان الختامي إلى ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ومعالجة الانتهاكات والتجاوزات التي حصلت على أرض الواقع من خلال ارتكاب جرائم دولية لا حصر لها، وذلك من أجل تحقيق العدالة ضمانا لعدم الإفلات من العقاب.

ردود الفعل حول نتائج مؤتمر برلين -2-

لاقت مباحثات برلين الثانية ومخرجاته ردود أفعال داخلية وخارجية واسعة كانت أبرزها كالتالي:

الحكومة الليبية المؤقتة: بحيث أكد رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة، أن حكومته تعمل على كل ما يصب في مصلحة وحدة ليبيا ، مشددا على أنها لن تسمح بعودة البلاد إلى مستنقع الحرب والصراع، بل ستسعى عبر الحوار البناء لتثبيت التقدم الحاصل في العملية السياسية وتقويته عبر الوصول إلى مصالحة وطنية حقيقية باعتبارها الأساس لتحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا. كما أشار أنه سيسعى بمعية ومساعدة المجتمع الدولي إلى تذليل العقبات التي تقف أمام مسار التسوية والاستقرار في ليبيا.

موقف الأمم المتحدة: أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريتش، على ضرورة التنفيذ الفعال لخارطة الطريق التي أفرزها ملتقى الحوار السياسي الليبي من خلال تنظيم الانتخابات العامة في موعدها المحدد، داعيا المؤسسة التشريعية إلى تسهيل الطريق لذلك عبر وضع الأسس والآليات القانونية التي ستجري في سياقها الانتخابات، مع دعوة السلطة التنفيذية إلى توفير الآليات التنظيمية لتسهيل تنظيم هذا الاستحقاق الانتخابي. كما كرر دعوته إلى جميع الأطراف إلى ضرورة الاتفاق على خطة زمنية لإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا. وذلك عبر دعم عمل اللجنة العسكرية 5+5 لتحقيق المزيد من التقدم في هذا الجانب. مؤكدا على التزام الأمم المتحدة بدعم الآلية الليبية لمراقبة وقف إطلاق النار.

أما المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيتش، فقد أكد أن مشاركة ليبيا كعضو في المؤتمر تحمل دلالة واضحة على مدى تقدم العملية السياسية في ليبيا. لكن بالمقابل، ناشد السلطات الليبية والمجتمع الدولي على بدل المزيد من الجهود لتعزيز هذا التقدم واستدامة استقراره وذلك بالتوافق على التنفيذ الكامل لوقف إطلاق النار، وإجراء الانتخابات في موعدها المقرر في 24 ديسمبر 2021.

موقف الاتحاد الأوروبي: أكد الاتحاد الأوروبي استعداده للمساهمة في العمل على تحقيق أولويات بناء المرحلة الانتقالية في ليبيا سواء من الجانب السياسي عبر دعم الحكومة الليبية فيما يتعلق بتنظيم الانتخابات. بالإضافة إلى تقديم الدعم على مستوى ضمان المراقبة الدولية والمحلية لهذا الاستحقاق. أما في الجانب الأمني أوضح مدى الجهود التي تبذلها البعثة الأوروبية في مساعدتها للسلطات الليبية بشأن إدارة الحدود وإنفاذ القانون والعدالة الجنائية.

موقف الولايات المتحدة: دعا وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، إلى ضرورة تطبيق كامل لاتفاق وقف إطلاق النار، بما في ذلك سحب كافة المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا. كما أكد دعم الولايات المتحدة لمسار الحل السياسي في ليبيا وعلى رأسه مسار إجراء الانتخابات المقرر موعدها في 24 من ديسمبر 2021. ومن جانبه، أشار مساعد وزير الخارجية الأمريكي بالإنابة لشؤون الشرق الأدنى، جوي هود، إلى معارضة الولايات المتحدة لجميع أشكال التصعيد العسكري والتدخلات الخارجية التي تعمق الصراع وتطيل أمده. مؤكدا على أن الواقع يظهر مجموعة من التحديات التي تعيق التقدم  في مسار الحل السياسي ومن أبرزها عدم انسحاب ومغادرة المرتزقة والقوات الأجنبية من الأراضي الليبية، مشيرا على أن التدخل الأجنبي والروسي على وجه التحديد يشكل مصدر قلق نظرا لقرب المصالح الأمريكية والأوروبية وحلف الناتو في أنحاء البحر المتوسط.

الموقف الروسي: أكد نائب وزير الخارجية الروسية سيرغي فيرشينين، إلى أن المشاركة الروسية كان لها دور وتأثير إيجابي لا يجب التشكيك فيه في ليبيا، باعتبارها قوة رئيسية ذات تأثير قوي وارتباطها بعلاقات تقليدية مع الليبيين كان مفيد للغاية في العملية السياسية. موضحا أن نجاح المسار السياسي والإسراع في خطواته يجب أن يكون بشكل منهجي تتكاثف وتتسق من خلاله جميع الجهود سواء من الأطراف الداخلية أو القوى الخارجية.

الموقف التركي: أكدت تركيا خلال مؤتمر برلين 2، على مواصلة أنقرة دعم السلام والأمن والاستقرار والسيادة في ليبيا. وعلى الرغم من تأكيدها على أهمية التفاهمات التي أقرها مؤتمر برلين الثاني، إلا أنها في المقابل تحفظت على بعض ما جاء في مخرجاته، خصوصا البند المتعلق بملف المرتزقة والقوات الأجنبية، بحيث شدد بيان صادر عن وزارة الخارجية التركية، على عدم السماح بمساواة المدربين والمستشارين الأتراك في ليبيا بالمرتزقة. وهو أمر أكدت الخارجية التركية أنه يتنافى ويتعارض مع الحقائق على أرض الواقع.

الموقف المصري: أعربت مصر تأكيدها على دعم المسار السياسي لحل الأزمة الليبية استنادا إلى القرارات الأممية، وعلى رأسها تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الموعد المقرر لها، ودعم وقف إطلاق النار والتأكيد على خروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، والدعم الكامل لجهود الأمم المتحدة لإطلاق عملية سياسية ومستدامة ليبية-ليبية تنهي الصراع وتعيد الأمن والاستقرار للبلاد، وفي هذا الإطار ثمّن وزير الخارجية المصري سامح شكري على الدور المحوري الذي لعبته دول الجوار الليبي -إشارة منه لمصر- في تفعيل المسار السياسي، مؤكدا على أن مصر إلى جانب المجتمع الدولي ستدعم السلطة التنفيذية المؤقتة في تنظيم وإجراء الاستحقاق الانتخابي في موعده وتذليل جل العقبات التي يمكن أن تعترضه، كما أنها ستبقى داعمة لتطلعات الليبيين في إعادة الأمن والاستقرار إلى بلادهم.

من نافلة القول، فعلى الرغم من أن مخرجات مؤتمر برلين 2 يحظى بتأييد المجتمع الدولي ، فإن تنفيذ بنود مخرجاته ستواجهها العديد من المطبات، بحيث شهد الملف الليبي محاولات كثيرة من أجل التوصل إلى حل عُقَد بعض الملفات والتي كانت بداية مساعيها من الصخيرات وصولاً إلى مؤتمر برلين 2، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، نتيجة تفاقم الأوضاع الميدانية، وتصاعد التدخلات الخارجية بسبب صراع المصالح بين مجموعة من الفواعل الإقليمية والدولية.

محادثات جنيف حول اعتماد القاعدة الدستورية للانتخابات: السياق والمآلات

عقدت في العاصمة السويسرية جولة من جولات لجنة الحوار السياسي الليبي لمناقشة وإقرار القاعدة الدستورية الضرورية لإجراء  الانتخابات العامة سواء البرلمانية أو الرئاسية  المقرر عقدها في 24 ديسمبر 2021. وذلك طبقا لقرارات مجلس الأمن المنبثقة عن مؤتمر برلين الثاني.

سياق المباحثات حول القاعدة الدستورية للانتخابات: المقترحات والخلافات

المقترحات:

كان الهدف من وراء جولة الحوار السياسي الليبي بجنيف هو التوصل لصيغ توافقية بين الأطراف الليبية لتأمين الظروف الملائمة لإجراء هذه الانتخابات سواء دستوريا أو تنظيميا وذلك من أجل سلامة العملية الانتخابية التي يتطلع إليها الليبيين من أجل إقرار الشرعية الديمقراطية عبر بوابتها. وقد ناقش المشاركين البالغ عددهم 75 عضو من المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب ومجموعة من الأحزاب الأخرى ومستقلين، وممثلين عن الشباب والمرأة المقترحات التي تقدمت بها اللجنة الاستشارية لملتقى الحوار السياسي وتتمحور المقترحات حول:

  • المقترح الأول: يتضمن إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة في 24 ديسمبر دون قيود حول الترشح وفق قاعدة دستورية مؤقتة. وهو المقترح الذي يؤيده التيار الداعم لترشح حفتر للرئاسيات. عن طريق إسقاط كافة الشروط التي تقف عقبة أمام ترشحه. بل الأبعد من ذلك فهذا المقترح يتيح أيضا إمكانية ترشح سيف الإسلام القذافي المطلوب لدى العدالة الجنائية الدولية والذي يحظى بدعم مجموعة من أعضاء ملتقى الحوار بجانب الدعم الروسي.
  • المقترح الثاني: الذهاب إلى انتخابات برلمانية فقط، يليها استكمال المسار الدستوري، وبعده يتم تنظيم انتخابات رئاسية على أساس قواعد دستورية قائمة، هو المقترح الذي يعتبره مجموعة من المراقبون الأكثر واقعية من بين المقترحات ويقوده التيار المدني في ملتقى الحوار بحيث يقترح تنظيم الانتخابات البرلمانية الذي يعتبرها الطريق لحل باقي الإشكاليات المترتبة عن القاعدة الدستورية، وبحسبهم فإن البرلمان المنتخب ستوكل له مهمة تعديل مشروع الدستور وقانون الاستفتاء قبل عرضه على الشعب. ويريد أنصار هذا المقترح من جهة التخلص من عقيلة صالح الذي عرقل مسار عمل المؤسسة التشريعية، ومن جهة ثانية قطع الطريق أمام ترشح خليفة حفتر .
  • المقترح الثالث: تنظيم الانتخابات العامة في الموعد المقرر لها في 24 ديسمبر 2021 بموجب الدستور المعدل. وهو المقترح الذي يؤيده تيار المجلس الأعلى للدولة وحزب العدالة والبناء، الذي يؤكد من خلاله على أنه لا تراجع على ما هو متفق عليه حول إجراء الانتخابات بشقيها الرئاسي والبرلماني في موعدها المقرر نهاية العام الجاري.

نقاط الخلاف وأسباب التعثر:

وقد تعثرت جلسات الحوار الليبي حول إقرار القاعدة الدستورية نتيجة الخلاف حول عدة نقاط بين الأطراف الليبية، تتمحور أبرزها في التالي:

  • مسألة انتخاب الرئيس، وقد تمحور السجال حول طريقة الانتخاب هل سيتم من قبل البرلمان أو بالاقتراع السري من قبل الشعب،
  • الخلاف حول آلية انتخاب الرئيس ونائبه ورئيس الحكومة موزعين على المناطق الثلاث أو عن طريق الترشح الفردي.
  • اشتراط عدم ازدواجية الجنسية سواء للرئيس أو رئيس الحكومة أو أعضاء الحكومة أي الوزراء.
  • كيفية تشكيل الهيئة التشريعية، هل ستكون عبر غرفة واحدة أو غرفتين، أي مجلس النواب يتكون من 200 عضو ومجلس الشيوخ يتكون من 120 عضو، هذه النقطة التي خلقت خلافات أيضا حول المكان الرئيسي للمقرات بين طرابلس، بنغازي، وسبها.
  • أما أبرز الخلافات، فتتجلى في إجراء الاستفتاء على مسودة الدستور، فهناك فريق يدعو لإجرائه قبل الانتخابات، بينما يرى الثاني أنه من الضروري ترحيل الاستفتاء عليه إلى ما بعد تشكيل السلطة التشريعية المنتخبة نظرا للمعوقات الزمنية والعقبات اللوجستية التي تعترض إجراءه.

حوار جنيف حول القاعدة الدستورية: النتائج وردود الأفعال

النتائج:

في نهاية محادثات الحوار الليبي بجنيف، أعلنت الأمم المتحدة على لسان منسق البعثة الأممية إلى ليبيا عن فشل التوصل إلى اتفاق على قاعدة دستورية التي تجري على ضوئها الانتخابات في موعدها المقرر 24 ديسمبر 2021. وعلى الرغم أن الخلافات كانت أبرزها تتعلق بعامل التوقيت وأمور لوجستية وفنية، إلا أن العديد من المراقبين أجمعوا أن جوهر الخلاف وتصاعده هو سياسي بامتياز خصوصا ذلك المتعلق بشروط الترشح لرئاسة الدولة، وذلك على إثر طرح مجموعة من الأعضاء يطالبون فيه بعدم وضع شروط على المترشحين للرئاسة فيما يخص ازدواج الجنسية أو الرتبة العسكرية، وهو ما اعتبر تفصيلها على مقاس مرشح بعينه وهو خليفة حفتر -يحمل الجنسية الأمريكية وحاصل على رتبة عسكرية ومرتكب لجرائم الحرب-، وبالتالي إسقاط كل العقبات التي تقف أمام طريقه للترشح في ظل تمسكه ورفضه التنازل عن الجنسية الأمريكية الذي يعتبرها مصدر قوة لصالحه، ورفضه نزع البذلة العسكرية الذي يعتبرها رهانه الرئيسي للسيطرة على المشهد الليبي، مصادر القوة التي يمتلكها حفتر سواء المتعلقة بالجنسية الأمريكية أو بتفوقه العسكرية يعتبران صمام أمان أمام متابعته جنائيا فيما يخص الجرائم الدولية التي ارتكبها في عملياته العسكرية والتي أسفرت عن مجازر مروعة لا حصر لها، ومقابر ترهونة أكبر دليل على ذلك.

بالإضافة إلى العامل الرئيسي الذي كان السبب في استمرار فشل المناقشات الخاصة بإقرار القاعدة الدستورية والقوانين المتعلقة بتنظيم الانتخابات، والمتمحور حول ترشح كيانات كانت سببا في تعميق الأزمة الليبية وعلى رأسها خليفة حفتر، فهناك تحدي آخر ساهم في إفشال الإقرار على القوانين الخاصة بالاستحقاق الانتخابي ومتعلقاته وهي حصول أي من المقترحات الثلاثة المطروحة للتصويت على 75 بالمئة من مجموع أصوات 75 عضو، بدل الاعتماد على الأغلبية المطلقة وهي 50+1، وهو أمر صعب تنفيذه في ظل الانقسامات الموجودة داخل ملتقى الحوار .

ردود الفعل:

وقد خلف فشل محادثات جنيف مجموعة من ردود الفعل الغاضبة، بحيث انتقد منسق البعثة الأممية إلى ليبيا راديزدون زينينغا، فشل التوصل لاتفاق حول إقرار القاعدة الدستورية، بحيث أكد أن هذا الفشل لا يبشر بالخير ويمثل عرقلة للمسار السياسي، مشيرا إلى أن المقترحات الثلاثة المطروحة لا تجعل الانتخابات ممكنة في الموعد المحدد له، داعيا جميع الأطراف إلى ضرورة التوصل إلى حل وسط، يوحد الأطراف الليبية وينمي لغة الحوار بينكم من أجل الوصول إلى حلول تعزز وحدتهم.

ومن جهته، دعا المبعوث الأممي لليبيا يان كوبيتش الأطراف الليبية بما في ذلك الأعضاء المشاركين في ملتقى الحوار الليبي إلى إقرار القاعدة الدستورية التي تتأسس عليها الانتخابات في ليبيا وذلك في أسرع وقت. كما حث الشركاء الدوليون إلى مساعدة الأطراف الليبية في إحراز التقدم في التعهدات الخاصة بإجراء الانتخابات الوطنية في 21 ديسمبر المقبل من خلال وضع مقترح توافقي على القاعدة الدستورية للانتخابات، والوفاء بالالتزامات تجاه الشعب الليبي بتسهيل إجرائها.

أما الحكومة الليبية، فقد انتقدت هي أيضا على لسان رئيسها عبد الحميد الدبيبة عدم التوصل إلى إقرار توافق حول القاعدة الدستورية، داعيا كافة الأطراف الوطنية والبعثة الأممية للاضطلاع بمسؤولياتها وتغليب المصلحة العامة من أجل تذليل العقبات والتوافق حول صيغة تضمن إجراء الانتخابات في موعدها، وذلك في سبيل تمكين الليبيين من ممارسة حقهم بالانتخاب.

ومن جهته، أكد رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية خالد المشري، على أن تعثر مسار ملتقى الحوار في جنبف يرجع إلى تعنت بعض الأطراف في محاولة منها لفرض تنظيم انتخابات بدون شروط أو قيود للترشح وهو ما يفتح باب الترشح لأشخاص بعينهم -في إشارة منه لخليفة حفتر- داعيا الأخير إلى التخلي عن جنسيته الأجنبية، ونزع زيه العسكري، وتسوية وضعه القانوني المتعلق بجرائم الحرب.

أما السفير الأمريكي في ليبيا، ريتشارد نورلاند فقد اتهم مجموعة من أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي، بعرقلة مسار المحادثات وبالتالي قطع الطريق أمام إجراء الانتخابات، إما عبر إطالة العملية الدستورية أو من خلال خلق شروط جديدة. كما عبر عن استعداد الدبلوماسية الأمريكية في طرابلس إلى المساعدة عبر تقديم الدعم الأساسي للتحضير للانتخابات الليبية.

من صفوة القول فتعد مسألة اعتماد الأساس الدستوري والقانوني لتنظيم الانتخابات من الأمور المستعصية في المسار السياسي، نظرا للانقسام والهوة الموجودة بين التيارات الثلاثة المشاركة في الحوار السياسي والتي تتمسك كل واحدة منها باقتراحها، هذه الاقتراحات التي تفرضها وتدفع بها قوى خارج الملتقى سواء كانت داخلية وعلى رأسها معسكر خليفة حفتر، أو خارجية من طرف قوى إقليمية أو دولية فاعلة في الأزمة الليبية هدفها عرقلة المسار السياسي الذي يشكل خطرا على مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية في ليبيا. ولذلك، فبعد وصول مسار اعتماد القاعدة الدستورية إلى نفق مسدود، وفشل الأطراف الليبية في التوافق حول الأرضية المشتركة لإجراء الانتخابات في موعدها المقرر، نتيجة الأزمات العميقة سواء السياسية أو الاجتماعية أو الجهوية أو الخارجية التي تعرقل خطوات تنفيذ المسار السياسي، فيفتح هذا الانسداد في أهم جزء في المسار السياسي الباب على مصراعيه أمام الخيار العسكري الذي يستهوي بعض القوى الداخلية-خليفة حفتر- وبعض القوى الخارجية التي تسهر على تعطيل أي مسار سياسي للأزمة الليبية. وتحمل تحركات حفتر الميدانية في الجنوب الليبي بدعم من بعض القوى الداعمة التي لا زالت تراهن عليه مؤشرات غير مطمئنة إلى إمكانية عودة مسار حل الأزمة إلى مربع الصفر في ظل تضاءل الاحتمالات حول تنظيم الانتخابات العامة الليبية في 24 ديسمبر 2021. ([1])


([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.