تقارير المرصد المغاربي: المشهد الليبي – 13

يتابع التقرير الحالة الميدانية والسياسية والأمنية التي شهدتها الساحة الليبية، ويلقى الضوء على ضوء مجموعة من التطورات كان من أهمها إحباط مخطط كان يستهدف إثارة الفوضى في البلاد، وأيضا عودة سيف الإسلام القذافي للمشهد الليبي، بالإضافة إلى مجموعة من التفاعلات السياسية الداخلية وارتباطاتها الخارجية.

التطورات الميدانية للمشهد الليبي

وفي خضم التطورات الميدانية، أعلنت السلطات الليبية، إحباطها لمخطط خطير بأيادي خارجية يتم تنفيذه عبر مجموعة تمتهن الجريمة المنظمة يستهدف إثارة العنف والفوضى في البلاد وافتعال أزمات خانقة للمواطنين  لإثارة الرأي العام وذلك بعد التحري وجمع المعلومات الكافية حول مجموعة من الأماكن التي سيتم استهدافها ومن أبرزها تعطيل ضخ المياه إلى العاصمة طرابلس[1].

أما فيما يخص موضوع المقابر الجماعية التي يتم العثور عليها في المناطق التي كانت تسيطر عليها ميليشيا حفتر، فلا زالت تسيطر على المشهد الميداني، بحيث لا زال المكتب الإعلامي للهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين يكتشف العديد من المقابر الجماعية، هذه الأخيرة التي تم تصنيفها على أنها إحدى الجرائم الدولية الخطيرة، التي تم ارتكابها على يد حفتر والميليشيات التابعة له خصوصا ميليشيا الكاني في حق المدنيين، وفتحت على إثرها المحكمة الجنائية الدولية تحقيقا دوليا لمتابعة المسؤولين عنها.

وفي خضم هذا الموضوع، أعلنت الهيئة اكتشافها 3 مقابر جماعية بمدينة ترهونة جنوب طرابلس. على إثر تمكن فرق البحث التابعة للهيئة من العثور على ما مجموعه 22 جثة مجهولة الهوية من هذه المقابر. وقد كانت السلطات الليبية بالإضافة إلى العديد من المنظمات الحقوقية الدولية وعلى رأسها هيومن رايتش ووتش قد وجهت اتهامات لميليشيا الكاني التابعة لميليشيا حفتر عن ضلوعها بهذه الجرائم. في حين فرضت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على ميليشيا الكانيات[2].

وفي نفس السياق، أعلن الإعلام المحلي، عن مقتل المسؤول والمتورط الرئيسي في مقابر ترهونة الجماعية وأحد المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية محمد الكاني لارتكابه جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية، وقد تمت تصفية الكاني في بنغازي على أيدي ميليشيا طارق بن زياد التابعة لنجل خليفة حفتر بعد مداهمته لمقر إقامته.

وكان محمد الكاني، قد انضم لميليشيا حفتر في الحرب على العاصمة طرابلس، وقد كان حفتر قد صنفه من ضمن قواته، وأطلق على ميليشيا الكاني اسم اللواء السابع، وفي خضم الحرب على طرابلس وضواحيها خصوصا مدينة ترهونة، حول الكاني الأخيرة إلى قاعدة هجوم على العاصمة طرابلس[3].


وقد عرف المشهد الليبي تطورا مهما، عندما كشفت صحيفة نيويورك تايمز، على ضوء لقاء جمع طاقم  الصحيفة مع سيف الإسلام القذافي المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية في رحلة شاقة إلى منطقة بعيدة ومجهولة في مدينة الزنتان[4]، عن تخطيطه للعودة إلى المشهد السياسي الليبي بشكل تدريجي، تحت دافع

حكم البلاد وذلك في ظل دعم داخلي وخارجي مهم، كما أوضحت أنه لا زال متأثرا بأفكار والده بحيث أكد أنه لازال يستمد أفكاره من الكتاب الأخضر. مشيدا بفترة حكم والده، بحيث هاجم بشدة ثورات الربيع العربي التي أطاحت بحكم والده، واصفا إياها بـأنها سبب الخراب التي وصلت إليه ليبيا. محملا مسؤولية تدمير البلاد إلى إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما.

وقد ترددت الصحفية التي حاورت سيف الإسلام، قبل أن تطرح على سيف الإسلام سؤال هل لا يزال سجينا، فجاءت إجابته على أنه رجل حر وينظم صفوفه من أجل عودة سياسية، مشيرا إلى أن الثوار الذين اعتقلوه خاب أملهم وتحللوا من وهم الثورة وأدركوا أنه حليف قوي، واصفا على أنه تحول من أسير إلى أمير منتظر.

وأشارت الصحيفة، إلى أن سيف الإسلام استغل غيابه عن الساحة، ليعيد تنظيم القوة السياسية لوالده، بحيث يعتقد بأن عودته ممكن أن تعيد الوحدة التي فقدت منذ عقد من الزمن بعد الإطاحة بحكم القذافي. كما هاجم الطبقة السياسية في بلاده مؤكدا أنها طبقة فاشلة لم تجلب إلا البؤس لليبيين، مشددا على أنه حان الوقت للعودة إلى الماضي، بحيث أشارت الصحيفة إلى الطموح الكبير لسيف الإسلام في حكم ليبيا، خصوصا بعد بيانات استطلاع الرأي المحدودة التي تم إجراؤها والتي أظهرت أن أعداد مهمة من الليبيين عبروا عن ثقتهم فيه.

وبذلك، يمكن القول أن عودة سيف الإسلام القذافي في هذا التوقيت لها دلالة قوية، مع التحولات التي شهدتها ليبيا في الآونة الأخيرة في ظل التغيرات التي حصلت في معادلة مراكز الفاعلين في المشهد الليبي سواء على مستوى القوى الداخلية أو الخارجية، بحيث يرى أن الظرفية الحالية أكثر ملائمة لرجوعه إلى الواجهة في ظل الدعم الداخلي خصوصا من بعض القبائل المؤثرة في العديد من المناطق الليبية، وبعض القوى الخارجية وعلى رأسها روسيا التي يعد أفضل خياراتها من أجل الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في ليبيا.


التطورات السياسية للمشهد الليبي

أما فيما يخص التطورات السياسية وتفاعلات القوى الخارجية مع الملف الليبي، فقد عرفت العديد من الأحداث ومن أبرزها كالتالي:

فيما يخص دور الأمم المتحدة في الملف الليبي، وفي إطار جهودها من أجل حل الإشكاليات وإزالة العوائق حول العديد من الملفات، فقد حذرت البعثة الأممية إلى ليبيا في إفادة مقدمة إلى مجلس الأمن من انهيار اتفاق وقف إطلاق النار وبالتالي استعصاء تنظيم الانتخابات، بسبب محاولات بعض الأطراف عرقلة المسار السياسي من إصرارها على وضع مجموعة من العراقيل أمام أي تسوية للعملية السياسية عبر فرض شروطها قبل تنظيم الانتخابات، وفي هذا الإطار دعا المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيتش كافة الأطراف الليبية إلى القيام بكل الجهود من أجل إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، محذرا من المحاولات التي تستهدف تعطيلها، مشيرا إلى عدم التزام حفتر بتنفيذ بنوذه عبر عدم السماح للحكومة ببسط سيطرتها على الأرض. محذرا من استمرار تواجد المرتزقة والقوات الأجنبية في ليبيا، باعتبارها من أبرز العوائق التي تقف أمام استقرار  ليبيا[5].

أما فيما يخص تطورات الدور المصري في ليبيا، فقد أكدت مصادر مصرية، أن القاهرة ستلعب دور الوساطة في لقاء مرتقب بين رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر، بحيث نجحت هذه الوساطة في التوصل إلى تفاهمات بين الطرفين، وستكون أولى هذه اللقاءات في بنغازي بحيث ستشمل النقاشات بين الطرفين أهم القضايا محل الخلاف بينهما وهي تمرير ميزانية الدولة، وذلك عبر مقايضة بحيث يتم تمرير الأخيرة بالتصويت عليها بمجلس النواب مقابل ضخ الحكومة الليبية ملياري دينار ليبي بخزينته على مرحلتين، وذلك لدفع رواتب للمنتسبين إليه. وتسعى الحكومة الليبية من وراء التصويت على الميزانية إلى تمكينها من السيطرة على الشرق الليبي للتمهيد لتنفيذ الحدث الانتخابي المقرر آخر العام[6].

وفي إطار تفاعلات السلطة التنفيذية مع قوى إقليمية ودولية، ولمناقشة آخر تطورات المشهد اللليبي مع الجانب التركي، جمع اتصال هاتفي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برئيس المجلس الانتقالي محمد المنفي، ناقش من خلاله آخر تطورات الوضع في ليبيا. بحيث حرص الجانبان على تطوير العلاقات الثنائية في شتى المجالات، كما جدد أردوغان دعم بلاده التام للمجلس الرئاسي والاستقرار الكامل في ليبيا.

وقد اتفقا من خلاله على ضرورة التنسيق والتشاور بشكل دوري لمتابعة كافة القضايا ذات الاهتمام المشترك، وعلى إثر ذلك تم تبادل الرؤى ووجهات النظر حول التطورات والمستجدات الإقليمية والدولية، وعلى ذلك تم التناقش حول مستجد إقليمي مهم وهو مجريات الأحداث بتونس ومدى تأثيراتها على ليبيا[7].

وفي نفس السياق، قام رئيس المجلس الرئاسي الليبي بأول زيارة من نوعها إلى الجزائر، وفي خضمها أجرى محمد المنفي والوفد المرافق له، العديد من المباحثات شملت تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين خصوصا في الجانب الأمني وذلك عبر تأمين مناطق جنوبي ليبيا المجاورة للجزائر[8].

وفي معرض ذلك، أكد المنفي أن أمن الجنوب الليبي، هو أمن قومي مشترك جزائري-ليبي، مبرزا في ذات الأمر على أهمية فتح المعابر لما فيه مصلحة البلدين، مشددا على الدور المحوري للجزائر في تسوية الأزمة الليبية مبديا تطلعاته بأن تساهم الجزائر في المصالحة الوطنية باعتبارها أحد أهم أسس الاتفاق السياسي، وذلك لضمان الوصول إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية المزمع تنظيمها في 24 ديسمبر 2021. كما رحب بما أبداه الرئيس الجزائري من ترحيب إزاء استعداد بلاده لمساعدة السلطة التنفيذية في تأمين مسار الانتقال الديمقراطي. وفي هذا الجانب أكد عبد المجيد تبون على أن الجزائر رهن السلطات الليبية في إنجاز متطلبات المرحلة عبر حلحلة المشاكل المستعصية، مشيرا إّلى أن بلاده ليس لديها أي أطماع أو رؤية وأن الإرادة الشعبية الليبية هي التي لها الحق في تقرير مصيرها.

وبحسب مراقبين، فإن زيارة المنفي إلى الجزائر تهدف إلى تحقيق هدفين مزدوجين، من الجانب الليبي تسعى السلطة التنفيذية الليبية إلى تأمين المسار الانتقالي في أوضاع وبيئة مستقرة وبالاعتماد على الطرف الجزائري، بينما تسعى الجزائر إلى تأمين حدودها في ظل تنامي تهديد أنشطة الجماعات الإرهابية وأيضا خطر الميليشيات التابعة لخليفة حفتر في ظل توالي تحديه الصريح لسيادة الجزائر وتهديد أمنها وذلك عبر إغلاقه للحدود الجنوبية مع الجزائر وإعلانها كمنطقة عسكرية.([9])


[1] -ليبيا تعلن إحباط مخطط لإثارة الفوضى في طرابلس، عربي 21، بتاريخ 28 يوليو 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[2] – ـأنظر في ذلك: ليبيا.. انتشال 10 جثث من مقبرة جماعية في ترهونة، RT عربي، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[3] – مصادر ليبية تؤكد مقتل قائد مليشيا الكانيات على يد كتيبة تابعة لنجل حفتر- (فيديو)، القدس العربي، بتاريخ 27 يوليو 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[4] – حسين مصطفى: NYT: سيف القذافي يعود للمشهد تدريجيا ويخطط لحكم ليبيا، عربي 21، بتاريخ 30 يوليو 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[5]– تحذير أممي من انهيار وقف إطلاق النار وتعذر إجراء الانتخابات بليبيا، وكالة الأناضول، بتاريخ 15 يوليو 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[6] – لقاء مرتقب بين الدبيبة وحفتر بوساطة مصرية، العربي الجديد، بتاريخ 28 يوليو 2021، متوفر عبرالرابط التالي: الرابط

[7] -أردوغان ورئيس المجلس الرئاسي الليبي يبحثان عددًا من القضايا، وكالة الأناضول، بتاريخ 30 يوليو 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

[8] -الجزائر.. تبون والمنفي يبحثان تأمين الجنوب الليبي، وكالة الأناضول، بتاريخ 28 يوليو 2021، متوفر عبر الرابط التالي: الرابط

أنظر أيضا: خلال لقائه المنفي.. تبون: الجزائر رهن إشارة ليبيا وجاهزة لمساعدتها، TRT عربي، بتاريخ 28 يوليو 2021، متوفر عبرالرابط التالي: الرابط

([9]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.