تقارير المرصد المغاربي: المشهد الليبي – 15

شهدت الساحة الليبية العديد من التطورات الميدانية والسياسية، وقد تمثلت أبرز هذه التطورات بإقرار خطة عمل إخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا، بالإضافة إلى ملف المقابر الجماعية التي تعد من أفظع الجرائم التي ارتكبتها الميليشيات التابعة لخليفة حفتر إبان حربه على طرابلس والغرب الليبي، في المقابل عرف المسار السياسي تواصل النقاشات مع أطراف إقليمية ودولية لمناقشة تطورات الملف الليبي خصوصا تلك المتعلقة بإجراء الانتخابات العامة الليبية نهاية العام الجاري. في ظل العقبات التي تواجه تنظيمها في موعدها المحدد، بالإضافة إلى احتضان العاصمة طرابلس أول مؤتمر دولي منذ سقوط نظام القذافي هدفه “دعم استقرار ليبيا”، وقد جاءت حيثيات هذه التطورات كالتالي:

إقرار خطة عمل إخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا: الحيثيات والعقبات

أقرت اللجنة العسكرية المشتركة الليبية 5+5 في أكتوبر 2021 بالعاصمة السويسرية جنيف، خطة عمل لإخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا بشكل تدريجي ومتوازن ومتزامن. وتنص الخطة على أربع خطوات أساسية وهي:

  • الخطوة الأولى: البدء أولا من خطوط التماس، بحيث أن كل طرف سيقوم بسحب القوات الأجنبية إلى نقاط متفق عليها في مدينتين معينتين،
  • الخطوة الثانية: يتم على إثرها استدعاء مراقبين دوليين تحت إشراف دولي، تتمحور مهمتهم حول العمل على تنفيذ الخطة الموضوعة والتي تستلزم الإخلاء بطريقة منظمة ومتوازنة ومتزامنة،
  • الخطوة الثالثة: تتضمن شروع المراقبين في عملية رصد الأعداد الحقيقية للمرتزقة والقوات الأجنبية وتوثيقها توثيقا دقيقا، وذلك بهدف وضع التفاصيل المتبقية للإخلاء،
  • الخطوة الرابعة: وهي الخطوة الأخيرة في مسار خطة العمل، يتم على إثرها ترحيل المرتزقة على شكل دفعات متتالية، وفق خارطة زمنية محددة سيتم الكشف عنها لاحقا.

وفي معرض ذلك، أكد البيان الصادر عن اجتماع جنيف، إن اللجنة ستتواصل مع الأطراف المحلية والدولية ذات الصلة لدعم تنفيذ الخطة في إطار احترام السيادة الليبية. كما أكدت على ضرورة جاهزية آلية المراقبة الليبية لاتفاق وقف إطلاق النار، لا سيما تواجد المراقبين الدوليين التابعين للأمم المتخذة وذلك قبل البدء بتنفيذ الخطة على أرض الواقع.

ومن جانبها، رحبت الأمم المتحدة، بإقرار اللجنة العسكرية المشتركة خطة عمل لإخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من الأراضي الليبية، كما أكدت أن هذه الخطة تشكل حجر الزاوية في تنفيذ اتفاق أكتوبر 2020 لوقف إطلاق النار. داعية الجهات الفاعلة الليبية والدولية إلى العمل على تنفيذ خطة العمل التي تم الاتفاق عليها.

كما رحبت البعثة الأممية في ليبيا، بإقرار خطة العمل، واصفة إياها بأنها إنجاز آخر من إنجازات اللجنة العسكرية المشتركة، وقد أكد يان كوبيتش المبعوث الأممي إلى ليبيا، بأن هذه الخطوة تستجيب لمطلب الأغلبية من الشعب الليبي وتشكل منعطفا إيجابيا للمضي قدما نحو مرحلة يسودها الاستقرار والديمقراطية، بما في ذلك، إجراء انتخابات وطنية حرة وشفافة وتتمتع بالمصداقية في موعدها المقرر، ويقبل الجميع النتائج المتمخضة عنها. كما ستشكل عاملا جوهريا في استعادة سيادة ليبيا وسلامة أراضيها وصون السلم والاستقرار والأمن فيها.

كما أشادت واشنطن على لسان سفيرها في طرابلس ريتشارد نورلارد بالتقدم المحرز من قبل اللجنة العسكرية المشتركة في ليبيا 5+5، والذي يمكنه تشكيل نموذج للقادة السياسيين للوصول لاتفاق بشأن الانتخابات.

كما رحب المجلس الرئاسي الليبي، بإقرار خطة العمل من طرف اللجنة العسكرية المشتركة لإخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من البلاد تدريجيا، كما دعا إلى جانب ذلك، كل الشركاء المعنيين بالأزمة الليبية، بما في ذلك دول الجوار الليبي، إلى التعامل بإيجابية ومسؤولية من خلال تقديم الدعم والمساندة، والتعاون في تنفيذ الآلية التي اعتمدتها اللجنة تحت إشراف الأمم المتحدة.

وبعد إقرار خطة عمل إخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا، شهدت العاصمة المصرية القاهرة، اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة 5+5، بمشاركة المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيتش. وقد ناقشت اللجنة حيثيات إعداد خطة تنفيذ ملموسة لانسحاب كافة المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا بالتزامن وبلا استثناء، بالإضافة إلى تنسيق الجهود من أجل اتخاذ إجراءات حاسمة تجاه انتهاء حظر توريد السلاح إلى ليبيا.

وفي إطار ذلك، أبدت كل من السودان وتشاد والنيجر استعدادهم التام للتنسيق والتعاون الذي يكفل خروج كافة المقاتلين الذين يتبعون لدولهم وبكافة تصنيفاتهم من الأراضي الليبية، وضمان عدم عودتهم مرة أخرى للأراضي الليبية. وتعد هذه الخطوة في غاية الأهمية من أجل إحلال الأمن والاستقرار في ليبيا.

وتواجه خطة العمل التي تم إقرارها من طرف اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 العديد من العقبات من أبرزها:

  • ضعف نفوذ اللجنة على الأرض واعتمادها على دعم الأمم المتحدة وبعض القوى الدولية. بحيث أنه لم تحقق لحد الآن أي إنجازات ملموسة في ملف إخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا.
  • جمود ملف توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية، بحيث يعتبر تحدي توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية من أهم العقبات التي شهدها المسار السياسي، ويرجع الفشل في تحقيق هذا المسعى إلى عدم تحقيق خطوة خروج المرتزقة والمقاتلين الأجانب، وبالتالي العمل على تفكيك الميليشيات والجماعات المسلحة بحيث تعتبر هذه الخطوة عاملا مساعدة لتوحيد هذه المؤسسات وإعادة إدماجها في هيكل وجسم واحد بعيدا عن الانقسامات سواء الجهوية أو القبلية أو السياسية، لكن جميع الأطراف تنتظر ما ستسفر عنه الانتخابات وتنصيب حكومة لها شرعية وصلاحيات واسعة التي من الممكن أن يخضع الجميع لقراراتها.

ملف المقابر الجماعية والفردية: سياقه وتطوراته

تعد قضية المقابر الجماعية من أفظع الجرائم التي خلفتها حرب حفتر على طرابلس، بحيث ارتكبت على إثرها الميليشيات التابعة له جرائم لا حصر لها، هذه الأخيرة التي تم تصنيفها على أنها إحدى الجرائم الدولية الخطيرة، وفتحت على إثرها المحكمة الجنائية الدولية تحقيقا دوليا لمتابعة المسؤولين عنها.

ومنذ يونيو 2020، تم انتشال مئات الجثث وغيرها من الرفات البشرية، والتي تعود لمدنيين في الغرب الليبي وبالأخص في مدينة ترهونة التي تعتبر معقل المقابر الجماعية والفردية، بحيث تم اختطاف واحتجاز الأفراد عندما اقتحمت ميليشيا حفتر والمرتزقة التابعين له منازل المدنيين في غرب طرابلس وترهونة، وقد ضمت هذه المقابر مئات الجثث من النساء والأطفال، منذ بداية اكتشاف هذه المقابر إلى حدود الآن.

ووفق تقارير صادرة عن الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين وهي هيئة حكومية، فمنذ يونيو 2020، تم اكتشاف أكثر من 80 مقبرة جماعية وفردية 43 منها جماعية و37 فردية وتم انتشال أكثر من 232 جثة تم التعرف على 65 منها بواسطة حمض DNA بمدينة ترهونة جنوبي طرابلس، هذه المدينة التي كانت تحت سيطرة ميليشيا “الكاني” التابعة لخليفة حفتر. وقد توزعت المقابر بين ثلاث مناطق في هذه المدينة، 55 مقبرة في مشروع الربط، و18 في المشروع الزراعي، و7 مقابر في مكب القمامة.

وتعد ميليشيا الكاني من الميليشيات التي انضمت إلى خليفة حفتر خلال حربه على الغرب الليبي، ومن تم أطلق عليها حفتر اسم اللواء السابع، بحيث ارتكبت جرائم قتل جماعية بحق العديد من العائلات والأفراد في مدينة ترهونة والمناطق المجاورة لها، هذا الأمر الذي دفع وزارة الخزانة الأمريكية إلى فرض عقوبات عليها وعلى قائدها محمد الكاني المتورط الرئيسي في جرائم المقابر الجماعية والفردية وأحد أبرز من كانوا مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية، قبل أن يتم الإعلان عن مقتله في بنغازي على ميليشيا طارق بن زياد التابعة لنجل خليفة حفتر. وقد أقر تقرير الخزانة الأمريكية على تبوث مسؤولية ميليشيا الكاني عن قتل المدنيين الذين عثر على جثثهم في العديد من المقابر الجماعية في مدينة ترهونة، وقد أصدر قرار العقوبات بموجب قانون “ماغنيتسكي الدولي للمساءلة حول حقوق الإنسان” وعلى إثر فرض عقوبات على ميليشيا الكاني قامت واشنطن بتجميد جميع الأصول التابعة لقائدها ولأفرادها المتواجدة بالأراضي الأمريكية.

وعلى نفس النحو، فرض كل من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عقوبات على ميليشيا الكاني، وذلك بسبب إشاعتها الرعب وتورطها في عمليات إخفاء قسري، وقتل وتعذيب مدنيين، هذه العقوبات التي أكدت الجهتين على أن المسؤولين عن انتهاكات  القانون الدولي لحقوق الإنسان  والقانون الدولي الإنساني في ليبيا لن يفلتوا من العقاب.

وكانت المحكمة الجنائية الدولية، قد فتحت تحقيقا حول قضية المقابر الجماعية، وقد جاء ذلك بناء على موافقة المحكمة إرسال فريق للتحقيق في هذه الجرائم، وفعليا تركزت زيارات فريق تحقيق المحكمة  إلى ليبيا  على معاينة مواقع المقابر الجماعية في ترهونة وتوثيق شهادات أهالي الضحايا.

وفي ظل ارتفاع عدد المقابر التي تم العثور عليها، شددت العديد من المنظمات الحقوقية الدولية، على ضرورة محاسبة المتورطين في جرائم المقابر الجماعية، مؤكدة أن سياسة الإفلات من العقاب عن انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني التي حدثت طوال السنين الماضية والمستمرة إلى الوقت الحالي، تساهم في تحفيز العنف وانعدام الاستقرار .


مؤتمر دعم استقرار ليبيا: سياقه ومخرجاته

احتضنت العاصمة الليبية طرابلس (الخميس 21 أكتوبر 2021) مؤتمرا دولياً لدعم استقرار ليبيا، والذي نظمته حكومة الوحدة الوطنية بمشاركة العديد من الدول المعنية بالشأن الليبي، ويعتبر هذا المؤتمر الأول التي تستضيفه العاصمة طرابلس منذ سقوط نظام معمر القذافي.

وقد شهد المؤتمر مشاركة 27 دولة و4 منظمات إقليمية ودولية، ومن أبرز المشاركين في المؤتمر وزراء خارجية فرنسا جان إبف لودريان، والمصري سامح شكري، والكويتي أحمد ناصر الصباح. وقد تركزت نقاشات وأهداف المؤتمر على ثلاث مسارات مهمة لحل الأزمة الليبية، وهي:

  • المسار السياسي: يهدف المؤتمر بدرجة أولى إلى دعم السبل والوسائل وتهيئة الظروف من أجل تنظيم الانتخابات في موعدها المقرر في 24 من ديسمبر القادم، بالإضافة إلى حشد الدعم اللازم للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات عبر تمكينها من أداء دورها بشكل فعال وإيجابي وبمساعدة المجتمع الدولي، وذلك في سبيل دعم العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية،
  • المسار الأمني والعسكري: يرتكز على دعم جهود اللجنة العسكرية المشتركة 5+5، في مهمة تنفيذ خطة انسحاب كافة المرتزقة والمقاتلين الأجانب الذين يشكل وجودهم تهديدا لأمن ليبيا ومحيطها الإقليمي، بالإضافة إلى تفكيك الميليشيات والتشكيلات المسلحة، ودمج غير المتورطين منها في أعمال إرهابية وإجرامية، وإعادة تأهيلهم أمنيا ومدنيا، وذلك لتسهيل مهمة توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية تحت قيادة واحدة.
  • المسار الاقتصادي-الاجتماعي: الهدف من الاجتماع الدفع بعجلة الاقتصاد الذي تضرر وانهار بشكل كبير بفعل سنوات الحرب خصوصا الأضرار التي لحقت بالمورد الأساسي للاقتصاد الليبي ألا وهو النفط، بحيث عانت المراكز النفطية من الإقفال المتكرر نتيجة انتشار المواجهات العسكرية في العديد من المناطق، بحيث تهدف المبادرة إلى أن تكون ليبيا ساحة للمنافسة الاقتصادية الإيجابية، بالإضافة إلى العمل على معالجة الأوضاع الاجتماعية عن طريق تحسين مستوى معيشة المواطن الليبي وتوفير الخدمات اللازمة والضرورية له.

وفي معرض المؤتمر، أكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، خلال كلمة ألقاها أمام المشاركين في المؤتمر، إلى أن انعقاد المؤتمر هو دليل على الإرادة القوية لليبيين وقدرتهم على الوصول إلى حل ليبي خالص، وعلى أن ليبيا استعادت عافيتها بعد سنوات من الحرب والصراع. مؤكدا التزام حكومته بدعم مفوضية الانتخابات من أجل تنظيم الانتخابات في موعدها، ومن أجل ذلك تم تشكيل لجنة حكومية معنية بدعم وتنفيذ الانتخابات، مؤكدا حرص الحكومة على إشراك جميع المناطق في مسار الحل السياسي السلمي والشامل، داعيا المجتمع الدولي إلى دعم ليبيا في ملف الهجرة غير الشرعية الذي يعد من أبرز الملفات التي تؤرق الليبيين، مشيرا إلى أن الليبيين متمسكين بخيار الاستقرار، الذي يعتبر السبيل الوحيد لرسم معالم دولة ذات أسس ديمقراطية، بالإضافة إلى إعادة هيكلة المؤسسات المدنية والأمنية والعسكرية.

ومن جانبها، شددت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو على ضرورة الحفاظ على مكتسبات المسار السياسي، وتأكيدها على أهمية إجراء انتخابات حرة ونزيهة في الوقت المناسب والمحدد لها. موضحة أهمية الحوار في تعزيز الوحدة وحشد الدعم للمسار الانتخابي. مع الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يقوض هذا المسار والقبول بنتائجه. كما حثث الدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية على مساعدة السلطات الليبية من خلال إيفاد فرق مراقبة بالتنسيق مع السلطات والمؤسسات الليبية للمساعدة على ضمان مصداقية المسار الانتخابي.

في حين، أكدت بعثة الاتحاد الأوروبي في ليبيا، إن مؤتمر استقرار ليبيا يمثل فرصة مهمة لمراجعة تنفيذ اتفاقيات مؤتمر برلين، والإعداد للانتخابات والتنمية الاقتصادية، وعبرت البعثة التزامها الكامل بدعم الاستقرار في ليبيا.

أما وزير الخارجية الكويتي الذي تترأس بلاده الدورة الحالية لمجلس جامعة الدول العربية، فقد أكد أن مشاركة الكويت في المؤتمر تأتي لدعم استتباب الأمن والاستقرار في ليبيا، داعيا تغليب المصالح العليا والحلول السلمية، ونبذ كافة أشكال العنف، والسعي وراء تنفيذ بنود خارطة الطريق لتنظيم الانتخابات في موعدها المقرر.

كما أكد وزير الخارجية التونسي عثمان الجرندي، بأن إنجاح المسار الانتقالي الحالي في ليبيا يستدعي تلازم 3 مسارات وهي ما هو سياسي وعسكري وأمني، مشددا على أهمية تفكيك ونزع الأسلحة وحل الميليشيات وسحب المرتزقة والمقاتلين الأجانب باعتبار ذلك شرطا أساسيا لدعم الاستقرار في ليبيا.

في حين أعلنت وزيرة خارجية السودان مريم المهدي استعداد السودان للعمل في سبيل بلورة موقف إقليمي ودولي موحد لدعم الأمن والاستقرار في ليبيا، كما أكدت دعم السودان السياسي والدبلوماسي للعملية السياسية والمصالحة بما يحقق لها أمنها واستقرارها.

كما أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري، دعم مصر لمختلف المساعي التي من شأنها أن تفضي إلى إيجاد تسوية سياسية شاملة في ليبيا، وتنفيذ مقررات خارطة الطريق التي أقرها الليبيون وخروج جميع القوات الأجنبية والمسلحة من ليبيا، كما ثمن الإجراءات المتخذة من طرف السلطات الليبية للإعداد للانتخابات وذلك في سبيل  تهيئة المناخ والظروف لتنظيمها في موعدها المقرر، مؤكدا تطلع مصر إلى نجاح إتمام هذا الاستحقاق دون إقصاء أو تهميش وذلك بما يساهم في تحقيق تطلعات الليبيين.

وقد توافق المشاركين في المؤتمر على مجموعة من المحاور والقضايا التي يمكن لها دعم المسار السياسي للوصول إلى تنظيم الانتخابات التي ستكون البوابة الرئيسية لإعادة الأمن والاستقرار إلى ليبيا، وقد أكد البيان الختامي على مجموعة من الأمور ومن ضمنها:

  1. الالتزام الدائم والثابت والقوي لحكومة الوحدة الوطنية بسيادة ليبيا واستقلالها ووحدتها الوطنية وسلامتها الوطنية،
  2. الرفض القاطع لجميع التدخلات الأجنبية في الشأن الليبي، وإدانة محاولات خرق حظر السلاح وإثارة الفوضى في ليبيا،
  3. التزام الحكومة الليبية بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بليبيا، ومن أبرزهم القرارين رقم 2750 و2751، بالإضافة إلى مخرجات برلين الأول والثاني وخارطة الطريق الصادرة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي، ودعوة الجميع للالتزام بتنفيذ هذه القرارات.
  4. أهمية اتخاذ التدابير اللازمة لاستحقاقات بناء الثقة، وخلق بيئة مناسبة من أجل إجراء انتخابات نزيهة وشفافة في 24 من ديسمبر 2021، مع التأكيد على أن إنهاء النزاع وتحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا يعد اللبنة الأساسية لإحلال السلام وبناء الدولة، وركيزة للتعايش السلمي ودافع لعجلة الاقتصاد والتنمية.
  5. دعم الحكومة الليبية للجهود المبذولة من قبل اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 والتنفيذ الكامل لبنود اتفاق وقف إطلاق النار، وخطط العمل التي تم اتخاذها لإخراج المرتزقة والمسلحين الأجانب من ليبيا في لقاء جنيف.
  6. التزام السلطات الليبية بالتعهدات الدولية المرتبطة باحترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان في إطار التعاون مع بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس  حقوق الإنسان وتسهيل مهامها في إطار حماية وتعزيز حقوق الإنسان.
  7. الإشادة بالدور الهام للعديد من المنظمات الدولية والإقليمية وعلى رأسها الأمم المتحدة، وجهود الاتحاد الإفريقي ولجنته المعنية بليبيا، والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية في دعم الاستقرار في ليبيا عبر الدفع بعجلة التسوية السياسية إلى الأمام.
  8. الترحيب بعودة سفارات عدد من الدول للعمل من داخل العاصمة الليبية طرابلس، مع دعوة باقي الدول لعودة سفاراتها للعمل مجددا بعد انقطاع دام لسنوات.

تطورات تنظيم الاستحقاق الانتخابي في ليبيا: الإشكالات والعقبات

تعتبر المحطة الانتخابية من أهم رهانات المسار السياسي لحل الأزمة الليبية، بحيث تعتبر المحك الرئيسي من أجل العبور إلى مرحلة بناء الدولة على أسس ديمقراطية سليمة، وتوحيد كياناتها ومؤسساتها، ويعرف مسار تنظيم الانتخابات العديد من التطورات، كما تواجهه العديد من العقبات نتيجة عدم التوافق على الإطار القانوني لتنظيمها، وكذلك الإشكاليات المتعلقة بموعد تنظيم هذه الانتخابات في ظل عدم تذليل العقبات التي تواجه الحيز الزمني. ولحد الآن لم يتمكن الفرقاء الليبيون من التوافق على قاعدة دستورية، بحيث صاغ  كل طرف على حدة أي المجلس الأعلى للدولة ومجلس برلمان طبرق الإطار الدستوري والقانوني لتنظيم الانتخابات.

وقد أعلنت المفوضية العليا للانتخابات، تسلمها رسميا قانون انتخاب البرلمان الصادر عن مجلس النواب بطبرق. وقد أكدت في معرض ذلك عن تخطيطها لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن، وذلك بالاعتماد على القانونيين الصادرين من مجلس النواب.

وقد أكد رئيس المفوضية عماد السايح على أن تحديد يوم الاقتراع بالنسبة للجولة الأولى من انتخاب رئيس الدولة وذلك بناء على مقترح يقدم من المفوضية إلى مجلس النواب لإقراره، في حين تتزامن الجولة الثانية مع الانتخابات البرلمانية. كما أعلن أنه سيتم فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في النصف الأول من شهر نوفمبر الجاري، مشددا على أن المفوضية لن تحيد عن التزاماتها بتنفيذ انتخابات حرة ونزيهة، مع تأكيده عدم التساهل مع أي محاولة للتعدي على اختصاصاتها وصلاحياتها.

وفيما يخص الخلاف الراهن بين المجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة والمجلس الرئاسي من جانب، ومجلس النواب من جانب آخر، حول قانوني الانتخابات، أكدت العليا للانتخابات أن الجهاز القضائي هو الفيصل لحل هذه الخلاف، وأن الفرصة متاحة للجميع للاحتكام إلى القضاء من أجل الطعن على أي نص قانوني.

وفي هذا الصدد، كان المجلس الأعلى للدولة قد أعلن رفضه لقانون الانتخابات الصادر عن مجلس النواب والتي اعتبرها خطوة أحادية الجانب لم تحترم من خلالها ما جاء بالاتفاق السياسي للصخيرات والذي يؤكد ضرورة تشكيل لجنة مشتركة بين مجلسي الدولة والنواب من أجل صياغة التشريعات الانتخابية.

وعلى إثر ذلك، طالب المجلس المفوضية العليا للانتخابات بعدم العمل بالقوانين التي أصدرها البرلمان وإيقافها إلى حين التوافق بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، كما حمل المجلس، المفوضية العليا للانتخابات المسؤولية القانونية والأخلاقية والأمنية في حال اتخاذ أي إجراء يتجاوب مع القوانين الصادرة عن مجلس النواب.

وفي إطار ذلك، قدم المجلس الأعلى للدولة طعونا تخص القوانين الصادرة عن مجلس النواب، وطعن إداري حول إجراءات المفوضية العليا للانتخابات، وعلى إثر ذلك حذر رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي خالد المشري، إجراء الانتخابات بقوانين مطعون فيها أمام المحكمة الدستورية.

كما أشار المشري إلى أن قوانين الانتخابات جاءت بناء على إملاءات خارجية، بحيث كتبت ما بين القاهرة وباريس بإشراف إماراتي، وبالتالي فاعتبر ذلك منافي لاستقلالية قرارات الدولة.

ولرأب صدع الخلافات بين الفرقاء الليبيين حول قوانين إجراء الانتخابات، أعلن المجلس الرئاسي الليبي عن مبادرة لإنهاء الانسداد السياسي في القوانين والتشريعات التي تخص العملية الانتخابية، وتنطوي هذه المبادرة على تقديم مقترح لجمع مجلسي النواب والأعلى للدولة من خلال لقاء بين رئاستي المجلسين للتوافق حول النقاط الخلافية المتعلقة بقوانين وتشريعات الانتخابات. كما تم وضع خارطة طريق للعملية ابتداء من توافق الأطراف السياسية وصولا إلى الاستحقاق الانتخابي البرلماني والرئاسي الذي يتطلع إليه الليبيين بأن يكون المفتاح لإعادة هيكلة الدولة الليبية على أسس سليمة.

ومن مجمل ذلك، لازال يعترض مسار تنظيم الانتخابات مجموعة من العراقيل مع قرب الموعد الانتخابي في نهاية ديسمبر المقبل، وتتمركز أبرزها في الإشكاليات القانونية والتنظيمية، تتمثل أساسا في معضلة القوانين الانتخابية التي أظهرت صراع الإرادات الليبية في ظل استمرار الإخفاق في حل معضلة القواعد المؤطرة لتنظيم الانتخابات بالرغم من الإجراءات المتخذة من المفوضية العليا للانتخابات والاستعداد لمسار العملية الانتخابية التي يتبقى عليها سوى أقل من شهرين.

فضلا عن مشاكل تنظيمية مرتبطة بعدم جاهزية المفوضية الوطنية للانتخابات لوجستيا، وأيضا تأثير الإشكاليات السياسية على عملها، بالإضافة إلى العقبات الأمنية المتمثلة في عدم تنفيذ أهم بنود خارطة الطريق المتفق عليها والتي يجب أن تسبق العملية الانتخابية وهو تنفيذ حيثيات وقف إطلاق النار  عبر حظر توريد السلاح إلى ليبيا وإخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من الأراضي الليبية، أما التحديات المرتبطة بالخارج، فتتمثل في محاولة العديد من القوى الدولية والإقليمية التدخل في الشأن الليبي وبالتالي التأثير على مسار العملية الانتخابية في سبيل فسح المجال للأطراف الداخلية التي تدعمها في إيجاد مكان مهم لها على الساحة السياسية الليبية، ومن تم تسعى بعض القوى الخارجية بالدفع ببعض الأطراف الليبية للترشح إلى الانتخابات الرئاسية وذلك في سبيل الحفاظ على موطئ لها في ليبيا من أجل حماية مصالحها الاستراتيجية.([1])


([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.