تقارير المرصد المغاربي: المشهد الليبي – 16

شهدت الساحة الليبية العديد من التطورات السياسية، وقد تمثلت أبرز هذه التطورات بتنظيم مؤتمر باريس من أجل دعم الانتخابات الليبية التي من المنتظر تنظيمها في 24 من ديسمبر 2021، بالإضافة إلى فتح المفوضية العليا للانتخابات باب تقديم الترشيحات للانتخابات الرئاسية، هذا الأمر الذي خلف وراءه سجالا كبيرا داخل المشهد الليبي نتيجة ترشح أسماء متابعة دوليا وداخليا نتيجة ارتكابها جرائم لا حصر لها في حق المدنيين الليبيين من أبرزها سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر، وقد جاءت حيثيات هذه التطورات كالتالي:

مؤتمر باريس لدعم الانتخابات الليبية: سياقه ومخرجاته

احتضنت العاصمة الفرنسية باريس مؤتمرا لدعم الانتخابات الليبية المزمع عقدها في 24 ديسمبر 2021، وذلك بهدف توفير الدعم الدولي لاستمرار الانتقال السياسي عبر تنظيم الانتخابات العامة سواء الرئاسية أو البرلمانية في موعدها المحدد.

وقد عرف المؤتمر مشاركة أكثر من 30 دولة، ومن أبرزهم الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا وإيطاليا ومصر، بينما مثل الجانب الليبي كل من رأسي السلطة التنفيذية، محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، وعبد الحميد الدبيبة رئيس الحكومة الليبية.

المحاور الأساسية لمؤتمر باريس

قد تمحورت النقاشات في المؤتمر في النقاط التالية:

المسار السياسي: من خلال التأكيد على تنظيم الانتخابات في موعدها وحسم الجدال حول تأجيلها، وسبل الدعم من أجل ضمان سيرها بشكل آمن من أجل الوصول إلى الشرعية من خلال انتخاب سلطتين جديدتين.

المسار الأمني والعسكري: يرتكز على دعم الجهود من أجل تنفيذ خطة انسحاب كافة المرتزقة والمقاتلين الأجانب الذين يشكل وجودهم تهديدا لأمن ليبيا ومحيطها الإقليمي.

المسار الاقتصادي-الاجتماعي: يرتبط الجانب الأمني والسياسي ارتباطا وثيقا بالجانب الاقتصادي، بحيث هدف المؤتمر إلى السعي لإعادة إنعاش الاقتصاد الليبي، الذي تضرر وانهار بشكل كبير نتيجة الحرب الدائرة منذ سنوات، وذلك عبر تمكين السلطات الجديدة من إطلاق الإصلاحات البنيوية الضرورية في القطاع المالي وتوحيد المؤسسات المالية.

المسار الإنساني: التأكيد على ضرورة الالتزام بتعزيز الدعم الإنساني في ليبيا، من خلال معالجة ملف الهجرة التي أصبحت تشكل أهم أبرز المشاكل التي تواجه المشهد الليبي، جراء التدفق الكبير من المهاجرين على الأراضي الليبية. ومحاربة الاتجار بالبشر المنبثقة عن هذه الأزمة الإنسانية.

أبرز ردود الأفعال حول مؤتمر  باريس

تواترت مجموعة من ردود الفعل الداخلية والدولية حول اجتماع باريس، وفي معرض ذلك أكد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، خلال كلمة ألقاها أمام المشاركين في المؤتمر، على ضرورة تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، مع ضرورة مشاركة الجميع فيها والقبول بنتائجها، مما يتيح الطريق إلى انتقال سلمي وسلس للسطلة، أما على المستوى العسكري، فقد أشاد المنفي بعمل اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 والخطوات العملية والملموسة التي قامت بها، انطلاقا من وقف إطلاق النار إلى غاية التوصل لخطة شامة من أجل سحب المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا وفتح الخط الرابط بين الشرق والغرب الليبي. مع تشديده على وحدة ليبيا وسلامة أراضيها واستقلالها.

أما رئيس الحكومة، عبد الحميد الدبيبة، فقد أكد أنه سيتم تسليم السلطة للجهة المنتخبة من طرف الليبيين، في حالة تمت العملية بكل نزاهة وتوافق بين جميع الأطراف، مؤكدا على أن تحديد تاريخ الانتخابات هو من اختصاص المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. مؤكدا سعي  البعثة الأممية للضغط على البرلمان والمجلس الأعلى للتوافق على قانون الانتخابات، وذلك في سبيل تذليل العقبات التي تقف أمام إجراء الانتخابات في موعدها المحدد. مشيرا إلى إمكانية دعوة لجنة 75 من أجل إعداد قاعدة دستورية للانتخابات. كما طالب بضمان إجراء الانتخابات من دون خروقات، من خلال دعمها سياسيا ومراقبتها دوليا ووضع ضمانات حقيقية لقبول نتائجها وفرض عقوبات على المعرقلين لها.

وقد كشفت مصادر للعربي الجديد، بأن المؤتمر عرف ظهور خلافات بين رأسي السلطة التنفيذية في ليبيا، محمد المنفي وعبد الحميد الدبيبة، كان أبرزها الخلاف حول توقيف نجلاء المنقوش من طرف المجلس الرئاسي الليبي، بالإضافة إلى رفض المنفي اقتراح الدبيبة بشأن تأجيل الانتخابات لحين التوافق على القوانين الانتخابية. وأيضا الخلاف حول تاريخ مغادرة المرتزقة والمقاتلين الأجانب للأـراضي الليبية.

أما على مستوى الأطراف الدولية، فقد شدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، على ضرورة اغتنام فرصة تحقيق السلام و الاستقرار عبر الانتخابات التي تشكل مرحلة مهمة من خارطة الطريق المعتمدة في عام 2020. كما حث الليبيين على التمسك بالوحدة الوطنية والتغلب على الخلافات العالقة، وبناء التوافق على الإطار القانوني للانتخابات، بالتشاور مع جميع المؤسسات الوطنية، والالتزام بإجراءاتها، مع دعوته لقبول جميع الأطراف للمسار الانتخابي واحترام النتائج المنبثقة عنه.

في حين أكد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، على أن الحضور المكثف في المؤتمر، يعكس وحدة المجتمع الدولي في المضي قدما لحل الأزمة الليبية، مشيرا إلى أن المؤتمر عالج جانبين أساسيين، الأول المتعلق بدعم الانتخابات المزمع عقدها في 24 ديسمبر المقبل، والتأكيد على ضرورة انعقادها في التاريخ المحدد، بينما الثاني التأكيد على ضرورة سحب القوات الأجنبية والمرتزقة من البلاد. مشيرا إلى أن وقف إطلاق النار في ليبيا لا يعني السلام، بل إنه مقدمة يتم البناء عليها للوصول لسلام دائم.

في حين دعا عبد الفتاح السيسي، جميع الأطراف الداخلية والخارجية الفاعلة في الأزمة الليبية بالتصرف بمسؤولية والتوقف عن كل ما يشكل عرقلة أمام تحقيق الأمن والاستقرار، وفرض سياسة الواقع باستخدام القوة العسكرية أو المادية، مؤكدا على دعم مصر لكافة المبادرات الدولية أو الإقليمية التي من شأنها تحقيق الاستقرار في هذا البلد.

أما الحضور الأمريكي في المؤتمر، فقد كان وازنا بمشاركة نائبة الرئيس الأمريكي كمالا هاريس، والتي أكدت التزام الولايات المتحدة بالعمل الدبلوماسي لتعزيز الاستقرار والديمقراطية والعدالة في ليبيا.

أما وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، فقد أكد أن الانتخابات في ليبيا يجب أن تجري في ظروف تسود فيها المصداقية والنزاهة، مع ضرورة الإعداد الجيد لها بمشاركة كافة القوى السياسية في البلاد.

أما وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جيمس كليفرلي، فقد أكد أن العملية السياسية في ليبيا في مرحلة محورية داعيا الليبيين والمجتمع الدولي إلى العمل معا لتعزيز سيادة البلاد، وكذلك الاتحاد من أجل تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة، مشددا على ضرورة التعاون بين مختلف المؤسسات الليبية من أجل الاتفاق على القوانين الانتخابية بشكل نهائي وشامل.

مخرجات مؤتمر باريس حول ليبيا

قد توافق المشاركين في المؤتمر على مجموعة من المحاور والقضايا التي يمكن لها دعم المسار السياسي للوصول إلى تنظيم الانتخابات التي ستكون البوابة الرئيسية لإعادة الأمن والاستقرار إلى ليبيا، وقد أكد البيان الختامي على مجموعة من الأمور ومن ضمنها:

الالتزام بالتنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أواخر هذا العام.

التزام السلطة التنفيذية بضمان نجاح الانتقال السياسي من خلال إجراء الانتخابات وفق خارطة الطريق المنبثقة عن المسار السياسي.

دعم خطة العمل الشاملة لسحب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية من الأراضي الليبية التي وضعتها اللجنة العسكرية المشتركة 5+5. مع ضرورة الإسراع في وضع مبادرات عاجلة لمساعدة السلطات الليبية في تنفيذ خطة فعالة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.

محاسبة كل من يحاول عرقلة المسار الانتخابي أو التلاعب بنتائج العملية الانتخابية من قبل لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن.

بين حفتر  ونجل القذافي…مرشحي الرئاسة بسجلات دموية

قام كل من سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر  بتقديم أوراق ترشحهم للانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في 24 من ديسمبر 2021، ويعتبران هذان المرشحان فوق العادة نتيجة التصاق اسمهم بسجلات واسعة النطاق من جرائم قتل وتعذيب في حق الليبيين، بدأ مسلسها من فبراير 2011، إلى حدود نهاية 2020.

بعد فشل الرهان العسكري…حفتر يعود إلى المشهد عبر بوابة الانتخابات

في سيناريو متوقع، دخل حفتر على منحى الرهان على الخيار السياسي عبر الانتخابات بعد فشله  حسم المشهد لصالحه عبر الخيار العسكري منذ 2014 إلى حدود الاتفاق على وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020، وخلال كلمة متلفزة، قال حفتر أن ترشحه ليس طلبا للسلطة أو بحثا عن مكانة، بل لقيادة الشعب الليبي في مرحلة مصيرية في سبيل تحقيق التقدم والازدهار. مشيرا إلى أنه سيدافع عن الثوابت الراسخة من أجل وحدة ليبيا واستقلالها. ومضيفا أن البلاد تقف على مفترق طريقين هو الحرية والسلام والتقدم، وطريق التوتر والصراعات والعبث والفساد. داعيا المواطنين إلى ممارسة دورهم بوعي ومسؤولية في هذه المرحلة.

وقد برز اسم خليفة حفتر في الانتفاضة الليبية في 2011، بعد اختفاءه لسنوات طويلة من المشهد الليبي، بحيث كان أحد المشاركين في الانقلاب الذي قاده القذافي  وأطاح من خلاله نظام الملك ادريس السنوسي في عام 1969.

كما قاد القوات الليبية في الحرب على تشاد ما بين 1978 إلى 1987، لكنه أسر بعد ذلك على الحدود مع الجارة الجنوبية، قبل أن يعلن انشقاقه عن نظام القذافي ويطلق سراحه بتدخل أمريكي، بحيث تم منحه حق اللجوء السياسي، ومن تم انضم إلى المعارضة، ليعود بعد 20 عاما إلى مدينة بنغازي في مارس 2011 مع انطلاق الثورة الليبية.

ويعتبر العديد من المحللين في الشأن السياسي الليبي، أن فرص حفتر ضعيفة إلى حد كبير  في حال قبول ملف ترشيحه للانتخابات من قبل المفوضية العليا للانتخابات، نتيجة ارتباط اسمه بجرائم دولية وعلى رأسها جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، كان آخرها اكتشاف العديد من المقابر الفردية والجماعية بمدينة ترهونة، هذه الأخيرة التي تعد من أفظع الجرائم التي خلفتها حرب حفتر على طرابلس، بحيث ارتكبت على إثرها الميليشيات التابعة له جرائم لا حصر لها، هذه الأخيرة التي تم تصنيفها على أنها إحدى الجرائم الدولية الخطيرة، وفتحت على إثرها المحكمة الجنائية الدولية تحقيقا دوليا لمتابعة المسؤولين عنها.

ولتقوية حظوظه من أجل كسب مزيد من التأييد الخارجي، لوح حفتر إلى نيته التطبيع مع إسرائيل في حال فوزه بالانتخابات، بحيث أفصحت صحيفة “إسرائيل اليوم”، بأن مصادر مقربة من حفتر، أكدت أنه في حال وصول حفتر إلى الحكم ستلتحق ليبيا بقطار التطبيع العربي. وقد كشفت الصحيفة أيضا، بأن خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي استعانوا بمستشار إعلامي إسرائيلي كبير، له خبرة واسعة في إدارة الحملات الانتخابية.

من جانبها كشفت صحيفة “هآرتس”، على أن نجل خليفة حفتر صدام قد زار إسرائيل، حمل في ثناياها رسالة للمسؤولين الإسرائيليين يطلب من خلالها مساعدة عسكرية-سياسية مقابل التعهد بإقامة دبلوماسية في المستقبل بين ليبيا وإسرائيل.

سيف الإسلام القذافي والترشح للانتخابات: انتقام أم رغبة للرجوع إلى السلطة

في نفس السياق، انضاف اسم سيف الإسلام القذافي إلى لائحة المرشحين الأكثر جدلا، الذين تقدموا بأوراق ترشيحهم للانتخابات، بحيث أكدت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أن نجل القذافي، قد تقدم بأوراق ترشيحه داخل فرع مفوضية الانتخابات بمدينة سبها الجنوبية، هذه الأخيرة التي تعتبر مركز النفوذ لقبيلة القذاذفة التي ينتمي إليها معمر القذافي، كما ظهر في مقطع فيديو وهو يوقع أوراقه، ويرتدي العباءة الذي كان يرتديه والده في دلالة واضحة على أن سيف الإسلام يريد الوصول إلى السلطة من أجل الثأر لوالده والانتقام من الليبيين الذي ثاروا على نظامه في فبراير 2011.

وقد كانت هذه الخطوة متوقعة بعد عودته بالظهور في المشهد الليبي  عبر مقابلة أجرتها معه صحيفة نيويورك تايمز، أظهر من خلالها نيته العودة للمشهد السياسي الليبي بشكل تدريجي، تحت دافع حكم البلاد وذلك في ظل دعم داخلي وخارجي مهم، كما واضحا أنه لا زال متأثرا بأفكار والده بحيث أكد أنه لازال يستمد أفكاره من الكتاب الأخضر. مشيدا بفترة حكم والده، وقد هاجم بشدة ثورات الربيع العربي التي أطاحت بحكم والده، واصفا إياها بـأنها سبب الخراب التي وصلت إليه ليبيا. محملا مسؤولية تدمير البلاد إلى إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما.

وأشارت الصحيفة، إلى أن سيف الإسلام استغل غيابه عن الساحة، ليعيد تنظيم القوة السياسية لوالده، بحيث يعتقد بأن عودته ممكن أن تعيد الوحدة التي فقدت منذ عقد من الزمن بعد الإطاحة بحكم القذافي. كما هاجم الطبقة السياسية في بلاده مؤكدا أنها طبقة فاشلة لم تجلب إلا البؤس لليبيين، مشددا على أنه حان الوقت للعودة إلى الماضي، بحيث أشارت الصحيفة إلى الطموح الكبير لسيف الإسلام في حكم ليبيا، خصوصا بعد بيانات استطلاع الرأي المحدودة التي تم إجراؤها والتي أظهرت أن أعداد مهمة من الليبيين عبروا عن ثقتهم فيه.

وبذلك، كانت لهذه العودة دلالة قوية، مع التحولات التي شهدتها ليبيا في ظل التغيرات التي حصلت في معادلة مراكز الفاعلين في المشهد الليبي سواء على مستوى القوى الداخلية أو الخارجية، بحيث يرى أن الظرفية الحالية أكثر ملائمة لرجوعه إلى الواجهة في ظل الدعم الداخلي خصوصا من بعض القبائل المؤثرة في العديد من المناطق الليبية، وبعض القوى الخارجية وعلى رأسها روسيا التي يعد أفضل خياراتها من أجل الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في ليبيا.

وبعد هذه المقابلة الصحفية، أصدر مكتب المدعي العام العسكري الليبي أوامره للجهات الأمنية والعسكرية ومن بينها إدارة الشرطة العسكرية والاستخبارات العسكرية والعامة وجهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة …بالبحث والتحري عن سيف الإسلام وإلقاء القبض عليه وإحالته على القضاء لتورطه في جرائم قتل وتعذيب واستعانته بمرتزقة لتنفيذ العديد من الجرائم، وفي هذا الإطار فقد جاء أمر ضبط وإحضار سيف الإسلام بناء على نتائج التحقيقات الجنائية التي تجرى بشأن الملف المتعلق بالجرائم المرتكبة من طرف المرتزقة الروس المنتمين لشركة فاغنر أثناء الهجوم على طرابلس فيما سمي بعملية الكرامة التي قادها خليفة حفتر واستمرت لأكثر من عام وفشل فيها الأخير بالسيطرة على طرابلس مرتبكا خلالها بمعية ميليشياته والمرتزقة المنتمين إليه خصوصا الروس جرائم لا حصر لها ضد المدنيين.

ومن المعروف أن سيف الإسلام القذافي وداعميه يسعون في ظل هذا التوقيت إلى عودته للمشهد السياسي الليبي مع اقتراب الموعد الانتخابي وذلك عبر ذريعة بوابة المصالحة الوطنية، وبالتالي ارتفاع مؤشر طموحه في ظل الدعم الداخلي خصوصا من بعض القبائل المؤثرة في العديد من المناطق الليبية، وبعض القوى الخارجية وعلى رأسها روسيا التي يعد أفضل خياراتها من أجل الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في ليبيا.

وقد لعب سيف الإسلام أدوارا كبيرة في الشأن الليبي  إذ كان يعد الرجل الثاني بعد  والده الذي يدير شؤون البلاد، ويعد سيف الإسلام القذافي من الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية إبان ثورة فبراير التي اندلعت لمناهضة نظام والده، بحيث كان كثير الظهور  على شاشات التلفزيون خلال فترة المظاهرات يحذر من خرجوا ضد حكم  باندلاع حرب أهلية، ويهدد الثوار ويصفهم بأنهم عملاء وخونة، وفي نوفمبر 2011، اعتقل سيف الإسلام من قبل المجلس الانتقالي في جنوب غربي ليبيا، لتفضي المحكمة في طرابلس بالحكم عليه غيابيا بإعدامه رميا بالرصاص في عام 2015، بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب على إثر قتله وتعذيبه لمحتجين خلال انتفاضة فبراير 2011.

وقد أفرج عن نجل القذافي في 2017، بعد أن كان رهن الاحتجاز من قبل مجموعة مسلحة متواجدة بالزنتان، وقد تم إطلاقه بناء على طلب مما كانت تسمي نفسها الحكومة الانتقالية بالشرق الليبي وذلك بموجب العفو العام المثير للجدل الذي أصدره البرلمان الليبي. بحيث لم يخضع إطلاق سراحه لإجراءات قضائية حددها قانون العفو العام، بحيث لم تصدر وزارة العدل أو المحكمة العليا والتي تعد أعلى سلطة قضائية أي قرار رسمي بموجبه ترفع عنه الأحكام.

وفي مايو 2011، تقدم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية آنذاك لويس مورينيو أوكامبو بطلب إلى المحكمة الدولية لإصدار مذكرة اعتقال في حق نجل القذافي سيف الإسلام. وبعد إعلان ترشحه للانتخابات أكدت المحكمة الجنائية الدولية أن مذكرة التوقيف بشأنه الصادرة في 2011 لا تزال سارية المفعول.

أما فيما يخص الدعم الخارجي لسيف الإسلام، فقد أشارت العديد من التقارير الصحفية، بأن الأخير يتلقى دعما روسيا، على الرغم من أنها تعتبر من أهم الفاعلين الدوليين الذين دعموا خليفة حفتر في عملياته العسكرية، بحيث كشفت وثائق حصلت عليها وكالة بلومبيرغ بأن نجل القذافي التقى العديد من المرات عملاء لفاغنر، كانوا أداة مساعدة في الترويج له كلاعب سياسي في المشهد الليبي. وتشير المؤشرات إلى أنه على الرغم من العلاقة الوطيدة التي تربط خليفة حفتر بموسكو والدعم الكبير الذي قدمته الأخيرة-تمويلي عسكري-من على حساب توسيع نفوذها في ليبيا، يبقى سيف الإسلام الخيار الأول بالنسبة لروسيا ثم يليه خليفة حفتر كخيار ثاني، وهذا التفضيل يرجع إلى العديد من الاعتبارات منها العلاقات المتميزة التي كانت تربط موسكو بنظام معمر القذافي، بالإضافة إلى عدم الوثوق بشكل كبير بخليفة حفتر نتيجة حمله للجنسية الأمريكية وأنه كان عميلا سابقا للمخابرات الأمريكية.

رفض واسع لترشح نجل القذافي وحفتر باعتبارهم مجرمي حرب

مع الإعلان عن ترشح سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر للانتخابات، وجه وكيل النيابة بمكتب المدعي العام العسكري في ليبيا طلبا للمفوضية العليا للانتخابات بضرورة إيقاف أي إجراءات تخص كل من سيف الإسلام القذافي، وخليفة حفتر في الانتخابات الرئاسية، وذلك لاتهامهما بارتكاب جرائم حرب.

في حين أعلنت العديد من القوى الليبية، رفضها لترشح الاثنين باعتبارهم مجرمي حرب وساهموا بشكل مباشر في قتل وتدمير مقدرات الشعب الليبي، بالإضافة إلى أن الأول مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية، ومحكوم عليه محليا بالإعدام. والثاني مرفوع ضده قضايا بالولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار، أعلن قادة وثوار مدينة الزاوية في بيان لهم عن رفضهم لترشح أي شخصية كانت سببا في ما وصلت إليه ليبيا من دمار، كما حملوا الدول الداعمة للانتخابات المسؤولية القانونية والأخلاقية في هذا الشأن، مطالبين المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، برفض ترشح كل شخصية مرتبطة بارتكاب جرائم ضد المدنيين وعلى رأسهم سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر، كما حذر البيان الداخل والخارج، من أن استمرار المشهد الانتخابي بهذا الشكل، فستكون له عواقب وخيمة يمكن أن تعود معه البلاد إلى المربع الأول وبالتالي عودة منطق القوة والسلاح.

كما شهدت مجموعة من المدن الليبية وعلى رأسها طرابلس ومصراتة، مظاهرات رافضة لترشح كل من خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي للانتخابات الرئاسية المقبلة, بحيث رفع المتظاهرين لافتات وشعارات كان أبرزها: ” نعم للانتخابات…لا للمجرمين”، ” ولا لحكم العسكر ومجرمي الحرب”.

ومن صفوة القول، فقد خلق ترشح سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر سجالا كبيرا داخل المشهد الليبي، نتيجة تزايد رقعة الرفض الشعبي لترشحهم نتيجة ملفاتهم المثقلة بجرائم ترتقي لمصاف الجرائم الدولية ارتكب على إثرها الاثنان جرائم قتل وتعذيب وتهجير للمدنيين منذ 2011 إلى غاية الآن، هذا الأمر الذي قد يعصف بالمسار الانتخابي وبالتالي العودة إلى مربع الصفر من خلال منطق القوة والحرب من أجل الوصول إلى السلطة.

بين عقيلة صالح وعبد الحميد الدبيبة من الأوفر حظا في رئاسيات ديسمبر

دخل كل من رئيس مجلس النواب بطبرق عقيلة صالح، ورئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، في السباق الانتخابي المقرر تنظيمه في 24 من ديسمبر 2021، بحيث تقدم الاثنان بأوراق ترشحهم إلى المفوضية العليا للانتخابات.

ترشح عقيلة صالح: طموح في السلطة أم جوكر لحفتر

في معرض الإعلان عن ترشحه، أكد عقيلة صالح الذي يبلغ من العمر 77 عاما، أن الظروف التي تمر بها ليبيا تتطلب الاستجابة السريعة لدرء الفساد. كما وعد بالسعي نحو توحيد المؤسسات ودعم الأمن والاستقرار ومكافحة الفساد، والحرص على النهوض بالاقتصاد عبر خطة شاملة مع تأمين عودة اللاجئين والنازجين. مشيرا إلى أن الانتخابات هي مصدر الشرعية الوحيد لأي سلطة، وأن هذه الانتخابات تشكل المخرج الوحيد لمنع التدخل الأجنبي وعدم تقسيم البلاد وتوحيد المؤسسات والمصالحة الوطنية.

وطبقا لنص المادة 12 من قانون الانتخابات الرئاسية التي تدعو إلى تعليق أي من المرشحين لمهامه قبل ثلاثة أشهر من انطلاق الانتخابات، علق عقيلة صالح مهامه كرئيس للبرلمان في سبتمبر الماضي. وقد تولى مهام رئاسة مجلس النواب في 2014. وقد واجهته انتقادات واسعة بدعمه لخليفة حفتر وتأييده للعمليات العسكرية التي قادها حفتر كان آخرها الحرب على طرابلس في أبريل 2019.

وقد أشارت العديد من المصادر إلى تعرض عقيلة صالح للضغوطات من أجل التراجع عن الترشح لرئاسيات ديسمبر من أجل إفساح الطريق أمام حفتر في سبيل عدم انقسام الكتلة الانتخابية في المنطقة الشرقية بين خليفة حفتر وعقيلة صالح. لذلك فحظوظ عقيلة صالح، تبقى ضئيلة نتيجة تزايد أعداد المرشحين من الجهة الشرقية، وتبقى إمكانية انسحابه من السباق الانتخابي لصالح خليفة حفتر خيارا ممكنا في حال قبول المفوضية للانتخابات أوراق ترشيح حفتر، بحيث يؤكد العديد من المراقبين أن عقيلة صالح ترشح بهدف سد مكان حفتر في حالة استبعاده.

الدبيبة: هل ينتقل من رئاسة الوزراء إلى رئاسة الدولة

أما عبد الحميد الدبيبة، الذي يشغل منصب رئيس حكومة الوحدة الوطنية، فقد أعلن هو أيضا ترشحه للانتخابات الرئاسية،  ويعتبر الدبيبة خامس رئيس حكومة ليبية منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011، وهو رجل أعمال وسياسي، ورئيس مجلس إدارة الشركة الليبية للتنمية والاستثمار القابضة وهي إحدى أكبر الشركات الحكومية ، وهو مؤسس ورئيس تيار ليبيا المستقبل. وقد بنى الدبيبة ثروته من مجال البناء، هذا المجال الذي مكّنه في أن يصبح أنجح رجال أعمال مصراتة، كما ترأس أيضا جهاز تنمية وتطوير المراكز الإدارية، والذي  تعد هيئة استثمار عامة مكلفة بتحديث البنى التحتية وقد كانت تحت إدارته من 1989إلى حين سقوط نظام معمر القذافي في 2011. وقد تعهد الدبيبة إبان اختياره رئيسا للحكومة الليبية العمل على تأمين الانتخابات المزمع إجراؤها في ديسمبر 2021، ودعم المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، واللجوء إلى المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة لدعم الانتخابات لوجستيا ورقابيا.

وعلى الرغم من أن الدبيبة يعتبر من أوفر المرشحين حظا، من خلال اعتماده على سلاح الاقتصاد نتيجة علاقاته الواسعة في هذا المجال باعتباره من أشهر رجال الأعمال الليبيين هذا من جهة، ومن جهة أخرى تمتعه بقاعدة شعبية كبيرة فضلا عن دعم قبائل الغرب، بالإضافة إلى اعتباره أكثر المرشحين المدعومين أمميا ودوليا.

وعلى الرغم من كل ذلك، فقد يواجه الإعلان عن ترشحه العديد من الانتقادات، أولهما عدم تنحيه عن منصبه الحكومي قبل ثلاثة أشهر من الموعد الانتخابي كما هو منصوص عليه في نص المادة 12 من قانون الانتخابات غير متوافق عليه بين مجلس النواب ومجلس الدولة. بالإضافة إلى التعهد الذي كان قد أطلقه إبان تعيينه في منصب رئيس الحكومة بأنه لا يسعى للترشح لأي منصب حكومي.

فتحي باشاغا دينمو الانتخابات الذي يمكن أن يقلب الموازين

بدأ سقف السباق الانتخابي الرئاسي يعلو وتتضح معالمه بإعلان وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا ترشحه للانتخابات، باعتباره شخصية عسكرية وسياسية بارزة في المشهد الليبي وذات تأثير واسع في الغرب ، وكان باشاغا قد شغل منصب وزير الداخلية في حكومة الوفاق، ومنذ توليه لهذا المنصب من 2018 إلى حدود 2021، حظي بدعم شعبي كبير، بسبب مواقفه المناهضة للجماعات المسلحة، ومحاولاته الحد من نفوذها.  وقد كان ذلك وراء محاولة اغتياله في أبريل 2021، بمدينة جنزور، على إثر تعرض موكبه لإطلاق النار أثناء عودته من مقر المعلومات والتوثيق التابع لوزارة الداخلية إلى مكان إقامته بالمدينة.

ويعتبر باشاغا من أهم الأشخاص الذين لهم ثقل كبير في مجلس مصراتة العسكري الذي تأسس أثناء ثورة فبراير 2011، كما كان له دور واضح في مفاوضات الصخيرات عام 2015 بالمغرب تحت الرعاية الأممية.

ولكن على الرغم من هذه الشعبية الواسعة، فقد فشل باشاغا في مارس 2021 في سعيه لتولي رئاسة الحكومة الجديدة على الرغم من أنه كان الأقرب إلى الفوز لكن في نهاية المطاف ذهبت رئاسة الحكومة إلى عبد الحميد الدبيبة. وخلال تقديم أوراق اعتماده، أكد باشاغا بأن ليبيا لن تعود إلى ما قبل 2011، وأن لديه الثقة الكاملة في الشعب الليبي بأنه سيختاره.

وفي حوار أجرته معه مجلة “Le Point” الفرنسي في وقت سابق، أشار باشاغا إلى أن برنامجه الانتخابي يرتكز على ثلاثة أسس وهي الأمن، وحدة الوطن والمصالحة الوطنية. كما أكد على أنه سيسعى بكافة الوسائل إلى مكافحة الفساد، وتعزيز مؤسسات الدولة وتوحيدها من أجل خدمة الوطن، مؤكدا على ضرورة التعاون من أجل تجبب الصراعات والحروب، والتدخل الخارجي.

أما عن حظوظه في الانتخابات، يعتبر باشاغا من أقوى المرشحين على الإطلاق، بحيث يحظى بشعبية كبيرة وسط قبائل الغرب على الرغم من عدائية بعض الجماعات المسلحة القوية له، كما عمل على كسب تأييد دولي مهم، بالإضافة إلى أنه له تواصل مع قبائل الجهة الشرقية.([1])


([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.