تقارير المرصد المغاربي: المشهد الليبي – 05

شهدت الساحة الليبية العديد من التطورات الميدانية، وقد تمثلت أبرز هذه التطورات في مواصلة خرق ميليشيا حفتر للالتزامات المتولدة عن اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك من خلال تحركاتها الواضحة على الأرض، وذلك بإعادة تمركزها مع عدم توقف الدعم الخارجي، والذي يظهر جليا من خلال حشد المزيد من المرتزقة والعتاد العسكري. وقد شهد شهر يناير العديد من الأحداث الميدانية أيضا تمثلت في اكتشاف المزيد من المقابر الجماعية واستمرار عملية تبادل الأسرى :

  • مواصلة حفتر لخروقاته الميدانية: لا زالت توضح المعطيات الميدانية عدم احترام حفتر لكل التعهدات المتفق عليها منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار ، وقد كشفت المعطيات التي تم رصدها مواصلة حفتر الخيار العسكري وفي تجاهل تام للعملية السياسية التي تدور دواليبها في عواصم أوروبية وعربية.

وفي سياق ذلك، أعلن المتحدث باسم غرفة عمليات سرت-الجفرة، إن قوات الوفاق تعرضت لإطلاق نار بالرشاشة الخفيفة، من قبل ميليشيا حفتر، في محور البحر قرب منطقة البخارية غرب سرت، كما اتهم بإبقاء حفتر على المرتزقة والألغام، خلافا لاتفاق لجنة 5+5، وهذا يعد دليلا قاطعا على رفض الأخير تطبيق الاتفاق.

كما تمكنت قوات الوفاق أيضا من صد هجوم لميليشيا خليفة حفتر على مقر تابع للمنطقة العسكرية في مدينة سبها، وهو ما أكده العميد أحميد العطايني وهو آمر اللواء السادس في المدينة، والذي قال إن قواتهم غنمت أسلحة خفيفة وتمكنت من أسر اثنين من عناصرها، مشيرا إلى أن ميليشيا حفتر تضم مرتزقة جنجويد، جاءت من منطقة تمنهنت، ومدينة الجفرة، بهدف السيطرة على فرع المصرف المركزي بمدينة سبها.

 وفي إطار ذلك، أكدت قوات حكومة الوفاق، في تصريح أطلقه العميد الهادي داره الناطق باسم غرفة عمليات تحرير سرت والجفرة  أن ثقتهم مهتزة بالتزام ميليشيا حفتر بتنفيذ بنود اتفاق اللجنة العسكرية 5+5 القاضي بوقف إطلاق النار وسحب المرتزقة من كل المناطق الليبية، معبرا عن استيائهم لعدم احترام الطرف الآخر، في إشارة لميليشيا حفتر، وعدم تنفيذه لبنود الاتفاق، مشيرا إلى أن قوات الوفاق ملتزمة بما هو متفق عليه في إطار اللجنة، وذلك بهدف رفع المعاناة عن المواطنين.

وتوثيقا لاستمرار الدعم الخارجي لميليشيا حفتر، رصدت  قوات الوفاق تحليق مستمر لطيران حربي روسي داعم لحفتر فوق مدينة الجفرة، وذلك ما أكده آمر غرفة عمليات سرت الجفرة العميد إبراهيم بيت المال الذي أوضح أن هذه التحركات تظهر عدم وجود نية واضحة لتنفيذ اتفاق اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 وأبرزها إخراج المرتزقة من هذه المناطق. مجددا في نفس الوقت استعداد قوات الوفاق التام لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بخصوص وقف إطلاق النار إذا التزم الطرف الثاني ببنوده. كما أعرب عن أمله لإنهاء هذه الحرب من أجل عودة الأمن والاستقرار لليبيا. كما أكد استعداد قواتهم لفتح الطريق الساحلي بين سرت ومصراته بناء على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة.

وفي ظل تواصل خرق اتفاق إطلاق النار من طرف ميليشيا حفتر، دعت اللجنة العسكرية الليبية المشتركة 5+5 الدول المشاركة في مؤتمر برلين إلى تنفيذ تعهداتها تجاه الأزمة الليبية، ومن أبرزها ترحيل جميع المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا إلى بلدانهم والامتثال لحظر  توريد السلاح المفروض من قبل مجلس الأمن.

كما أكدت على استمرارية عملها من أجل التنفيذ الكامل والمستدام لبنود وقف إطلاق النار في ليبيا وفقا لاتفاق جنيف. كما حتث الأطراف المعنية بتنفيذ التزاماتها، كما هو منصوص عليه بالاتفاق المدعوم من البعثة الأممية في اجتماعي غدامس وسرت.

ومن جهتها، أكدت الرئاسة المشتركة لمجموعة العمل الأمنية المعنية بليبيا (الاتحاد الإفريقي، فرنسا، إيطاليا، تركيا، المملكة المتحدة)، على ضرورة تسريع تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار، لا سيما إنهاء تواجد المرتزقة، هذا البند الذي لا زال حفتر وداعموه يخرقونه باستمرار، بحيث يتم رصد وبشكل مستدام عن تدفق مزيد من المرتزقة من الخارج إلى الداخل الليبي بهدف دعم صفوف ميليشيا حفتر، كما حتث الرئاسة المشتركة القادة الليبيين على اتخاذ التدابير اللازمة لتسريع تنفيذ وقف إطلاق النار. وإعطاء الأولوية لفتح الطريق الساحلي بين أبو قرين وسرت، وذلك بهدف فتح قنوات التواصل بين الشرق والغرب.

  • اكتشاف المزيد من المقابر الجماعية: لا زالت قوات حكومة الوفاق تكتشف المزيد من المقابر الجماعية، هذه الأخيرة التي تشكل إحدى الجرائم الدولية الخطيرة والتي فتحت الجنائية الدولية تحقيقا فيها، وفعليا قام فريق تحقيق من المحكمة بزيارة ليبيا وذلك بهدف معاينة الجرائم التي ارتكبها حفتر ومرتزقته في حق المدنيين.  وفي خضم ذلك، أعلنت حكومة الوفاق عن اكتشافها لمقبرة جماعية جديدة بمدينة ترهونة، بحيث أكد مدير إدارة البحث عن الرفات بالهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، أن فرق البحث تمكنت من انتشال 4 جثث من المقبرة، مع استمرار البحث في مناطق أخرى، مع ارتفاع عدد المقابر الجماعية التي تم اكتشافها في مدينة ترهونة منذ يونيو 2020ـ.

وحسب إدارة البحث عن الرفات بالهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، فقد تم تشييع جنازة 14 ضحية ممن تم التعرف عليهم وانتشال جثثهم من المقابر الجماعية في ترهونة. كما أعلن مدير إدارة البحث عن الرفات لطفي توفيق، عن ارتفاع عدد الجثث التي تم انتشالها إلى 139 توزعت بيت جثث وأشلاء في 25 مقبرة فردية و23 مقبرة جماعية.

وقد أحدثت هذه الجريمة الدولية ردود أفعال محلية ودولية، بحيث دعت العديد من المنظمات إلى تكثيف الجهود والتعديل بالتحقيق حول هذه الجرائم خصوصا الذي يقوم به فريق التحقيق المرسل من طرف المحكمة الجنائية الدولية، وكانت البعثة الأممية لدى ليبيا قد دعت السلطات الليبية إلى إجراء تحقيق سريع وشفاف بخصوص التقارير حول ارتكاب حالات قتل خارج نطاق القانون.

كما أعلنت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته بخصوص جرائم المقابر الجماعية رصدت فيه شهادات سكان مدينة ترهونة تؤكد من خلالها ارتكاب ميليشيا الكانيات جرائم اختطاف، واحتجاز، وتعذيب وقتل بالإضافة إلى مسؤولياتها عن المقابر الجماعية، كما أكدت المنظمة أيضا إن المئات من سكان ترهونة اختطفوا أو أبلغ عن فقدانهم منذ إعلان حفتر الحرب في العام 2014 إلى 2020، كما نقلت المنظمة عن الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين أن أكثر من 338 شخص على الأقل من سكان ترهونة فقدوا منذ العام 2015، كما دعت المنظمة أيضا حكومة الوفاق إلى إجراء تحقيق في جريمة المقابر الجماعية والجرائم المتعلقة بحالات الاختطاف والاحتجاز والمفقودين.

كما قام فريق تحقيق من المحكمة الجنائية الدولية في ديسمبر الماضي بزيارة ليبيا وذلك بهدف معاينة الجرائم التي ارتكبها حفتر وميليشياته في حق المدنيين، وقد تركزت زيارات اللجنة على معاينة المقابر الجماعية بمدينة ترهونة وتوثيق شهادة أهالي الضحايا والمهجرين من المنطقة الشرقية.

وقد جاء هذا التحقيق بناء على موافقة المحكمة في يوليو الماضي على إرسال فريق للتحقيق في هذه الجرائم المرتكبة من طرف ميليشيا حفتر، وذلك بناء على طلب عاجل رفعه إليها رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، الذي حثها من خلاله بإرسال فريق للتحقيق في الجرائم البشعة التي ارتكبتها ميليشيا حفتر ضد المدنيين.

  • عملية تبادل الأسرى: واصلت اللجنة العسكرية الليبية المشتركة 5+5 تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في نوفمبر الماضي، فيما يخص عمليات تبادل الأسرى. فبعد إتمام أول عمليتين تم تنفيذ العملية الثالثة التي تم فيها استبدال 35 أسير، 27 من ميليشيا حفتر مقابل 8 من قوات الوفاق. وقد جرت هذه العملية كما في العمليتين السابقتين في منطقة الشويرف، بحضور وفدين من اللجنة العسكرية المشتركة، وأعيان مناطق مختلفة. وقد تم تبادل 54 أسيرا، هم 38 من مليشيا حفتر و16 من قوات الوفاق، بحيث شهدت الدفعة الأولى تبادل 48 أسيرا، وعلى إثرها تم استبدال 33 أسير تابع لميليشيا حفتر، مقابل 15 من قوات الوفاق. أما الدفعة الثانية من تبادل الأسرى فطالت 6 أشخاص، 5 من ميليشيا حفتر وأسير من جهة قوات الوفاق. وفي إطار ذلك كانت اللجنة العسكرية 5+5، قد أكدت على ضرورة استمرار تبادل المحتجزين بين الطرفين لأن الملف يشكل عامل مساعد لتنفيذ فعلي لاتفاق وقف إطلاق النار. 

تطورات المشهد السياسي الليبي

في مقابل المشهد الميداني الذي يظهر مواصلة تبني حفتر للخيار العسكري عن طريق تجاوزه لاتفاق وقف إطلاق النار المعلن بين المجلس الأعلى للدولة الليبي وبرلمان طبرق، شهد المشهد السياسي العديد من الأحداث على مستوى ملتقى الحوار السياسي بين الأطراف الليبية من خلال نقاشات توزعت بين جنيف للتشاور حول آليات اختيار السلطة التنفيذية ، والغردقة حول الخطوات اللازمة لإجراء الاستفتاء الدستوري، وأخيرا بوزنيقة للتباحث حول المناصب السيادية، وسنخصص كل ملف على حدة على النحو التالي:

محادثات جنيف: التوافق حول آليات اختيار السلطة التنفيذية :

أعلنت البعثة الأممية إلى ليبيا عن تشكيل لجنة استشارية تضم 18 عضوا وذلك من أجل إيجاد حلول حول المسائل العالقة ذات الصلة باختيار السلطة التنفيذية الموحدة، وتتنوع هذه اللجنة من حيث مكوناتها من أطياف جغرافية وسياسية مختلفة، بالإضافة إلى مشاركة المرأة والشباب والمكونات الثقافية. وسوف تكون ولاية هذه اللجنة محددة من حيث الفترة الزمنية، وتنطوي مهمتها الرئيسية في مناقشة القضايا ذات الصلة باختيار السلطة التنفيذية وتقديم توصيات ملموسة وعملية.

أولا: مقترح تشكيل السلطة التنفيذية ما بين المجلس الرئاسي والحكومي: الآليات والمعايير

فعليا، تمكنت اللجنة من تنظيم سلسة من الاجتماعات ما بين 13-16 يناير الجاري بجنيف مع أعضاء الملتقى السياسي الليبي تم على إثرها التوافق على مقترح تشكيل السلطة التنفيذية المتمثلة في المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة الموحدة. بحيث ينص الاتفاق على ضرورة توافق كل إقليم من الأقاليم الثلاث: طرابلس (37 عضو) فزان (14 عضوا) وبرقة (24 عضوا) ، على مرشح واحد للمجلس الرئاسي ورئاسة الحكومة بنسبة تصل إلى 70 بالمائة من بين أعضائه، على أن يتم اختيار نائبين بالتشاور مع أعضاء الملتقى الممثلين للإقليم.

وفي حال عدم تحقيق هذه النسبة يتم تشكيل قوائم من كل الأقاليم، بحيث تكون كل قائمة مكونة من 4 مرشحين لكل منصب سواء لرئاسة المجلس الرئاسي أو لعضوية المجلس أو رئاسة الحكومة،…ويجب أن تكون ضوابط دخول القائمة حيز التصويت حسب ما أعلنت عنه المبعوثة الأممية إلى ليبيا ستيفاني ويليامز، وهي كالتالي:

  • حصول قوائم التصويت على 17 تزكية، 8 من جهة الغرب، و6 من الشرق، و3 من جهة الجنوب.
  • تفوز القائمة التي تحصل على 60  بالمئة (عتبة التصويت الإجمالية) من الأصوات في الجولة الأولى، في حال تعذر ذلك تتنافس قائمتان في الجولة الثانية ويؤول الفوز للقائمة التي تحصد 51 بالمئة..

وفي إطار ذلك، أكدت ويليامز أن هذا القرار أفضل حل وسط تم التوصل إليه وذلك بهدف تشجيع العمل عبر الأقاليم. كما أكدت على أن هذه السلطة ستكون موحدة مؤقتة، وستحل محلها حكومة منتخبة ديمقراطية، سيتم انتخابها عبر صناديق الاقتراع من طرف الناخبين الليبيين في 24 من ديسمبر 2021.

وقد تم اعتماد آلية اختيار ممثلي السلطة التنفيذية بالأغلبية من طرف أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي بمشاركة 72 عضوا ، وقد بلغت نسبة التصويت على الآلية 73 بالمئة، بينهم 51 عضوا صوتوا بنعم، مقابل 19 عضوا صوتوا ب لا، في حين امتنع عضوان عن التصويت.

ثانيا: ردود الأفعال حول قرار اعتماد آلية اختيار السلطة التنفيذية

تواترت مجموعة من ردود الفعل حول قرار  اللجنة الاستشارية لاعتماد آلية لاختيار السلطة التنفيذية المؤقتة ومن أبرزها:

  • الولايات المتحدة: رحبت الولايات المتحدة بمخرجات اللجنة الاستشارية المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي من أجل اختيار  سلطة تنفيذية مؤقتة. بحيث أكد بيان صادر عن السفارة الأمريكية بليبيا، أن هذا التوافق يعكس المطالب الذي يأمل في تحقيقها الشعب الليبي، داعية جميع الأطراف للعمل من أجل تسريع متطلبات المرحلة القادمة، كما حثت الجميع سواء الفواعل الداخلية أو الدولية باستخدام جميع الأدوات المتاحة لمنع أي محاولة لعرقلة هذا الانتقال السياسي.
    كما أصدرت الولايات المتحدة بيانا مشتركا مع المجموعة الأوروبية التي تضم دول المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، تم التأكيد من خلاله أن قرار اعتماد آلية اختيار السلطة التنفيذية يشكل خطوة مهمة باتجاه وحدة ليبيا والذهاب نحو الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 24 ديسمبر التي تشكل حدثا مهما لبناء ليبيا بمقومات ديمقراطية. مع التأكيد على تقديم الدعم الكامل لكل الجهود المبذولة لاستكمال العملية السياسية. بصفتهم مشاركين في عملية مؤتمر برلين وشركاء دوليين لليبيا.
  • الاتحاد الأوروبي: رحب الاتحاد الأوروبي عبر البعثة الأوروبية الخاصة بليبيا بموافقة ملتقى الحوار السياسي على آلية اختيار سلطة تنفيذية موحدة. كما وضح بيان البعثة أن القرار  يشكل أرضية خصبة للمضي قدما نحو تحقيق الاستقرار السياسي عبر حكومة انتقالية موحدة تعمل على استعادة الخدمات الأساسية وإعداد البلاد للانتخابات الوطنية المزمع إجرائها في 24 من ديسمبر 2021.
    كما أشادت البعثة أيضا بإدماج المرأة ومشاركتها الفاعلة بشكل أساسي وكامل في إرساء عملية السلام. كما عبرت عن آملها في أن ينتقل الملتقى بشكل سريع إلى ترشيح سلطة تنفيذية جديدة بناء على الآلية المتفق عليها. مع تأكيدها أن مسؤولية الأطراف المعنية في ليبيا للمضي نحو إرساء الاستقرار في البلاد والعمل من أجل تحقيق المصلحة العامة لجميع الليبيين.
  • تركيا: أعلنت تركيا عبر بيان صادر عن وزارة خارجيتها على ترحيبها بالتوافق بين أطراف ملتقى الحوار السياسي الليبي حول آلية اختيار ممثلي السلطة التنفيذية، بحيث أكد البيان سعي تركيا الكامل لتقديم كافة أنواع الدعم لهيكل الإدارة الجديدة والتي ستتشكل على قاعدة المصالحة الوطنية الشاملة، كما شددت على ضرورة الإسراع في إنشاء هيكل الإدارة الموحدة لأنه يعد اللبنة الأساسية من أجل التحضير للانتخابات العامة المقرر إجراؤها في 24 ديسمبر 2021، وكذلك تلبية كل متطلبات واحتياجات الشعب الليبي في مواجهة الوضع الإنساني المتدهور التي استفحل بالخصوص منذ الهجوم على طرابلس 2019 والحصار على المقومات النفطية الذي تعد الشريان الرئيسي لاقتصاد البلاد والمورد الأساسي للشعب الليبي. كما دعت الخارجية التركية القوى الدولية الفاعلية في بذل جهودها من أجل تثبيت مخرجات التسوية السياسية السلمية من أجل إحلال الأمن والاستقرار والازدهار في ليبيا.
    كما وضح البيان أن تركيا على الدوام كانت تسعى للعب دور رئيسي لحل الأزمة الليبية بالطرق السياسية بعيدا عن الحلول العسكرية. كما شدد على أهمية الاستمرار في الجهود الداعية إلى تنزيل توافقات ملتقى الحوار السياسي الليبي على أرض الواقع لقطع الطريق على كل المحاولات الرامية لإجهاض جهود الحل السياسي.
    وفي الأخير، جددت تركيا سعيها لمواصلة نهجها البنّاء تجاه ليبيا من خلال الاستمرار بتعاونها مع الحكومة الشرعية بما يتوافق مع إرادة الليبيين والشرعية الدولية من خلال قرارات مجلس الأمن ومخرجات المحاولات الدبلوماسية أبرزها مؤتمر برلين.
  • بريطانيا: رحبت بريطانيا عبر لسان المسؤول عن ملف الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالوزارة جيمس كليفرلي، بالنتائج الإيجابية المعلنة من طرف اللجنة الاستشارية الليبية، والتي اعتبرها خطوة مهمة وتمهيدية لتشكيل حكومة موحدة تعمل على إجراء انتخابات في ليبيا مع دعوة بلاده للقادة الليبيين المدعومين من البعثة الأممية للدعم في ليبيا إلى العمل من أجل مستقبل سلمي يستحقه الشعب الليبي.
  • تونس: رحبت الجارة الغربية تونس بموافقة أعضاء لجنة الحوار السياسي الليبي على آلية اختيار السلطة التنفيذية الليبية المؤقتة التي توصلت إليها اللجنة الاستشارية في اجتماعاتها التي عقدت ما بين 13-16 يناير الجاري، بحيث اعتبرتها خطوة إيجابية في اتجاه تشكيل حكومة ليبية جديدة على الفترة التي تسبق الانتخابات المقررة نهاية السنة الجارية…كما دعت جميع الأطراف الليبية بمختلف مكوناتها إلى مواصلة العمل بنفس النهج والروح التوافقية من أجل تهيئة الظروف الدستورية والقانونية لتنظيم الانتخابات في آجالها المحددة.
    كما جددت تونس عبر هذا البيان التزامها بمساندة جهود الأمم المتحدة للوصول إلى حل شامل للأزمة الليبية، واستعدادها لتوفير الدعم للبعثة الأممية ولممثلها الخاص في ليبيا، ووقوفها إلى جانب الشعب الليبي من أجل تحقيق تطلعاته في الأمن والاستقرار والحفاظ على سيادة أراضيه ووحدته الترابية.

محادثات الأطراف الليبية: بين الغردقة والرباط حول الانتخابات والمناصب السيادية

بعد محادثات أعضاء اللجنة الاستشارية حول آلية اختيار السلطة التنفيذية، اجتمعت الأطراف الليبية في كل من الغردقة لوضع اللبنات القانونية لإجراء استفتاء حول الدستور قبل الانتخابات المقررة في ديسمبر 2021، بالإضافة إلى الأسس القانونية لتنظيم هذه الانتخابات. كما التقت في الرباط وبالضبط ببوزنيقة لاستكمال المناقشات حول موضوع المناصب السياسية.

أولا: مخرجات اجتماع الغردقة: الاتفاق على إجراء الاستفتاء الدستوري

شهدت مدينة الغردقة المصرية على مدى ثلاثة أيام  اجتماعات أعضاء اللجنة الدستورية الليبية وذلك من أجل الاتفاق والتحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة عبر إجراء الاستفتاء حول الدستور تمهيدا لإجراء الانتخابات العامة(الرئاسية-البرلمانية) المبرم عقدها في 24 من ديسمبر 2021.

وفي خضم هذه المباحثات، أكدت ستيفاني وليامز المبعوثة الأممية إلى ليبيا بالإنابة خلال كلمتها عبر الاتصال المرئي على ضرورة الاتفاق حول الترتيبات الدستورية في المرحلة القادمة نظرا لأهمية ذلك وارتباطه بمخرجات المسارات الأخرى سواء المتعلقة بآلية اختيار السلطة التنفيذية أو المناصب السيادية.

وفي إطار ذلك، أعلنت الخارجية المصرية في بيان صادر عنها، عن توصل الأطراف الليبية لاتفاق حول الاستفتاء على مشروع الدستور، موضحة أن هذه الاجتماعات جاءت في إطار المسار الدستوري تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، كما أشار البيان عن تطلع مصر لاستضافة الجولة الثالثة والأخيرة للمسار الدستوري في فبراير المقبل بحضور المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا وذلك بهدف وضع خارطة الطريق لكل من الاستفتاء والانتخابات.

وقد اتفق أعضاء اللجنة الدستورية الليبية في نهاية اجتماعاتهم على البنود التالية:

  • التوافق على إجراء الاستفتاء على المشروع الدستوري التي تم إعداده من طرف الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور،
  • تحصين المراكز القانونية الجديدة التي ستنتج عن الاستفتاء، وذلك من خلال إيقاف نظر الطعون المتعلقة بقانون الاستفتاء المتوافق عليه وقانونية إصدار مشروع الدستور وأيضا التعديل العاشر للإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2018،
  • الاتفاق على استكمال المناقشات في الفترة ما بين 9-11 فبراير، ودعوة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات للحضور والمشاركة في المناقشات وصولا إلى تحديد موعد الاستفتاء والإجراءات المرتبطة به،
  • رفع هذا الاتفاق إلى المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، بالإضافة إلى رفع تقرير بنتائج أعمال اللجنة الدستورية إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتفعيل هذا الاتفاق وتوفير الدعم الضروري لإجراء عملية الاستفتاء في الموعد التي سيتم تحديده بناء على قرار  المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

ومن المفترض أن تضع محادثات الغردقة في جولتها الأخيرة المتفق على عقد اجتماعاتها في فبراير القادم الأسس القانونية لتنظيم الانتخابات العامة المقبلة بشقيها الرئاسي والتشريعي.

ثانيا: مخرجات حوار بوزنيقة: الاتفاق حول توزيع المناصب السيادية

شهدت مدينة بوزنيقة ضواحي العاصمة المغربية الرباط انعقاد الجولة الخامسة لجلسات الحوار الليبي بين المجلس الأعلى الليبي ومجلس نواب طبرق (لجنة 13+13)، خصصت لمواصلة النقاش والحوار حول اختيار المناصب السيادية. وقد جاءت مباحثات بوزنيقة بعد أيام قليلة من توصل المشاركين في جنيف لاتفاق حول آلية اختيار السلطة التنفيذية، وحوار آخر شهدته الغردقة المصرية حول إجراء استفتاء على الدستور قبل الانتخابات المقررة في نهاية 2021.

وفي ختام هذه المباحثات توصلت الأطراف الليبية المشاركة إلى اتفاق تنص أبرز بنوده على التالي:

  • الاتفاق على توزيع المناصب السيادية بين الأقاليم الثلاثة، وذلك بتولي إقليم طرابلس مناصب المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، النائب العام وديوان المحاسبة، ولإقليم برقة منصبي مصرف ليبيا المركزي وهيئة الرقابة الإدارية، فيما يتولى إقليم فزان منصبي المحكمة العليا وهيئة مكافحة الفساد.
  • الاتفاق على تشكيل فرق عمل تتولى اتخاذ خطوات بشأن المناصب السيادية.
  • مراعاة التوازن الجغرافي في التعيينات إلى جانب معيار الكفاءة والخبرة.

وفي نهاية هذه المباحثات، أكدت الأطراف المشاركة على أن مخرجات هذه المشاورات كانت إيجابية وتؤسس لمرحلة جديدة تبدأ بتوحيد المؤسسات والسلطتين التنفيذية والتشريعية.

ومن جهته، أعرب وزير  الخارجية المغربي ناصر بوريطة عن تفائله بالنتائج المحققة في مباحثات حل الأزمة الليبية، مشيرا إلى أن محادثات المغرب نجحت في إيجاد أجواء الثقة بين الأطراف الليبية، ومؤكدا في الوقت ذاته عن الموقف الرسمي لبلاده الذي يدعم الشرعية في ليبيا، موضحا إن  انخراط المغرب في مساعي حل الأزمة الليبية لا يعني أنه طرف في الأزمة، مؤكدا أن الليبيون وحدهم هم من يحددون مستقبل ليبيا.


تعيين يان كوبيش مبعوثا أمميا إلى ليبيا

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشكل رسمي تعيين الدبلوماسي السلوفاكي يان كوبيش مبعوثا خاصا له إلى ليبيا، خلفا للدبلوماسي اللبناني غسان سلامة الذي استقال في مارس 2020 لأسباب صحية حسب مبرراته، لكن أرجع الكثير من المراقبين السبب في استقالة سلامة إلى تعقد الأزمة ووصولها إلى نفق مسدود في ظل استفحال الحل العسكري عقب ما خلفته العملية العسكرية التي أطلقها خليفة حفتر في أبريل 2019 التي زادت من تعقيد الأزمة الليبية.

وسيحاول يان كوبيش مسايرة العديد من الملفات التي ستتركها ستيفاني وليامز المبعوثة الأممية بالإنابة على الطاولة، في ظل جولات النقاشات والمباحثات حول العديد من الملفات أبرزها تعيين السلطة التنفيذية المؤقتة، والتعيين في المناصب السيادية، بالإضافة إلى الاستفتاء على الدستور وكل ذلك مقدمة للذهاب بأمان إلى المرحلة الانتخابية المقررة في ديسمبر 2021.

أولا: من هو  الدبلوماسي السلوفاكي يان كوبيش؟

ولد يان كوبيش المعروف في الأوساط الدبلوماسية الأوروبية كوزير خارجية سابق لسلوفاكسا في نوفمبر 1952 في سلوفاكيا، تخرج من معهد موسكو للعلاقات الدولية، ويتقن كوبيتش أربع لغات بالإضافة إلى لغته الأم ، يتحدث أيضا الفرنسية، الإنجليزية والروسية والتشيكية.

كانت بداية الدبلوماسي السلوفاكي المهنية من وزراة خارجية تشيكوسلوفاكيا التي عمل فيها من عام 1976-1992، ليتدرج بعد ذك في تقلد العديد من المناصب من أبرزها :

  • عام 1992: أصبح رئيسا لكبار المسؤولين في لجنة الأمن والتعاون في أوروبا ) OSCE) تحت رئاسة تشيكوسلوفاكيا،
  • ما بين 1993-1994 :  شغل منصب سفير  وممثل دائم لسلوفاكيا لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف،
  • عام 1994: عمل مبعوثا وزاريا خاصا وكبير المفاوضين السلوفاكيين الذين ساهموا في صياغة ميثاق الاستقرار بأوروبا،
  • منذ 1994-1999: شغل منصب مدير لمركز الحد من النزاعات في أمانة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا،
  • ما بين 1999-2005: تولى منصب الأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا،
  • عام 2005: تم تعيينه مبعوثا خاصا لأوروبا إلى آسيا الوسطى من طرف الاتحاد الأوروبي،
  • ما بين 2006-2009: عاد يان كوفيتش إلى بلاده ليتقلد حقيبة وزارة الخارجية،
  • ما بين 2009-2011: شغل منصب الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا،
  • عام 2011: تم تعيينه المبعوث لدى الأمم المتحدة إلى أفغانسان،
  • ما بين 2015-2018: تم تعيينه من قبل الأمم المتحدة كممثل خاص ورئيسا لبعتثها في العراق،
  • عام 2019: عمل منسقا للأمم المتحدة في لبنان.

ثانيا: ملفات شائكة بانتظار المبعوث الأممي الجديد

يبدأ المبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا مهامه فعليا في مطلع شهر فبراير، ويعتبر العديد المراقبين أنه على الرغم التقدم الحاصل في المسار السياسي عبر ملتقى الحوار السياسي الليبي التي عقدت نقاشاته في عواصم عربية وأوروبية، فإن مهمة يان كوبيش ستكون مركبة وصعبة نتيجة تداخل العديد من العوامل والإبقاء على الحل العسكري من أحد الأطراف الليبية-خليفة حفتر-وبدعم خارجي.

وقد استطاعت المبعوثة الأممية بالإنابة أن تضع المبعوث الأممي الجديد في مسارات تفاوضية واضحة بينها ما هو سياسي-عسكري-اقتصادي-دستوري، بعدما أسهمت في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار وإعادة تصدير النفظ وتبادل الأسرى

وتتركز أبرز مهام المبعوث الجديد (التحدبات) في الملفات التالية:

  • الملف العسكري: الوقوف على التنفيذ الفعلي لاتفاق وقف إطلاق النار المتفق عليه وبدعم من الشرعية الدولية من خلال سحب المقاتلين والمرتزقة من ليبيا، وإقناع الجانب الأوروبي بضرورة دعم مبادرة الأمين العام للأمم المتحدة لنشر مراقبين عل خطوط التماس في ليبيا،
  • الملف السياسي والدستوري: التمهيد لتشكيل حكومة وحدة وطنية مؤقتة غايتها الإشراف على الانتخابات الرئاسية والتشريعية نهاية 2021. وستتركز مهام المبعوث الأممي في هذا الجانب بالأساس من خلال تشكيل لجنة مراقبة الترشيحات المقدمة لشغل مناصب السلطة التنفيذية ما بين الرئاسي والحكومي ومطابقتها للشروط المتفق عليها في جلسات الحوار الليبي، ومراقبة عملية التصويت لاختيار السلطة الجديدة . وأيضا مهمة توحيد المؤسسات عبر اتخاذ خطوات بشأن المناصب السيادية. بالإضافة إلى ملف المسار الدستوري الذي يعد من إحدى الملفات الهامة أو البوصلة الأساسية لتنظيم الحياة السياسية الليبية وعلى رأسها تهيئة المناخ المناسب لإجراء الانتخابات العامة في نهاية العام الجاري.
  • الملف الاقتصادي: على الرغم من أن ستيفاني ويليامز استطاعت من خلال تحركاتها الدبلوماسية إنهاء الحصار الذي كان مفروضا على المنشآت النفظية إلا أن هذا الملف لا يزال يواجه مجموعة من التحديات، باعتباره أحد أوراق الضغط التي يستغلها حفتر لبقائه في المشهد الليبي بعد فشله في المسارين العسكري والسياسي، بالإضافة إلى استغلال قوى أجنبية هذا الملف لصالحها، بحيث تشكل الثروة النفطية أحد أهدافها الاستراتيجية في ليبيا .

ومن كل ذلك، ولضمان عدم عرقلة مسار مبادرات الشرعية الدولية تحت رعاية الأمم المتحدة، يتوجب على المبعوث الأممي يان كوفيتش حشد تأييد دولي كبير خصوصا من طرف القوى المؤثرة في الملف الليبي لمنع تشويش المبادرات الموازية سواء من الأطراف الداخلية والخارجية هدفها عرقلة المسار السياسي لحل الأزمة الليبية.([1])


([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.