تقارير المرصد المغاربي: المشهد الليبي – 05

شهدت الساحة الليبية العديد من التطورات الميدانية، وقد تمثلت أبرز هذه التطورات في مواصلة خرق  ميليشيا حفتر للالتزامات المتولدة عن اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك من خلال تحركاتها الواضحة على الأرض، وذلك بإعادة تمركزها مع عدم توقف الدعم الخارجي والذي يظهر جليا من خلال حشد المزيد من المرتزقة والعتاد العسكري.

التحركات الميدانية وحشد المرتزقة: 

لا زالت توضح المعطيات الميدانية عدم احترام حفتر لكل التعهدات المتفق عليها منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار ، وقد كشفت المعطيات التي تم رصدها مواصلة حفتر في الخيار العسكري وفي تجاهل تام للعملية السياسية التي حققت تقدما ملحوظا في ظل اختيار سلطة تنفيذية مؤقتة.

ويؤكد ذلك  اندلاع اشتباكات مسلحة بين ميليشيا حفتر وقوات الوفاق في مدينة سرت، بحيث أعلنت غرفة عمليات تحرير سرت-الجفرة أن اشتباكات مسلحة وقعت وسط سرت إثر هجوم على مقر اللواء التاسع من قبل كتيبة تابعة لصدام نجل خليفة حفتر الذي يعتمد عليه بشكل كبير في التحركات الميدانية.

كما أكدت قوات الوفاق أنها ترصد بشكل دائم كل ما يحدث من اشتباكات داخل مدينة سرت، بالإضافة إلى الخروقات المتعلقة بتدفق المزيد من الأسلحة وبكميات كبيرة بالمنطقة.

وفي نفس السياق رصدت قوات الوفاق تحشيدات عسكرية لميليشيا حفتر بمدينة الجفرة، وذلك من خلال هبوط طائرة شحن عسكرية روسية في قاعدة الجفرة، قادمة من مطار الأبرق شرق ليبيا، والتي كانت بالأساس قادمة من اللاذقية بسوريا.

ومن ناحية أخرى، كشف تقرير أممي أن عددا كبيرا من المسلحين في السودان انخرطوا في القتال بصفوف ميليشيا خليفة حفتر، كما أكد التقرير أيضا أن ساحة الصراع في ليبيا تحولت إلى أكبر مصدر تمويل للجماعات المسلحة السودانية من حيث المال والسلاح. بحيث كشفت الإحصائيات عن تواجد ما لا يقل عن 1000 مرتزق سوداني من حركة تحرير السودان لوحدها في ليبيا، وهم يقاتلون إلى جانب حفتر وميليشياته، بالإضافة إلى مسلحين من جماعات حركة جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة وغيرها من الجماعات المسلحة. وبحسب التقرير فيقاتل هؤلاء المرتزقة والمسلحون في صفوف حفتر مقابل 1500 دينار ليبي في الشهر.

ومع تصاعد حجم التحشيدات الميدانية التي تظهر مدى عدم احترام خليفة حفتر لكل الالتزامات التي صدرت عن المسارات السياسية، طالب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش بضرورة انسحاب جميع القوات الأجنبية وجميع المرتزقة الأجانب من ليبيا، لأن هذا الملف يشكل أحد أكبر المعوقات التي تأزم الوضع الليبي، وتقوض جميع الجهود التي تبذلها الأطراف الليبية بمساعدة المجتمع الدولي للعمل على تثبيت وقف إطلاق النار من خلال العمل التي تقوم به اللجنة العسكرية 5+5 أو ما أفرزه منتدى الحوار السياسي الليبي من مخرجات تهم العديد من القضايا الرئيسية سواء تلك المتعلقة بالانتخابات أو ما يخص الملف الاقتصادي. ولتعجيل تثبيت وقف إطلاق النار طلب غوتيريش من مجلس الأمن الدولي، نشر مراقبين على وجه السرعة للإشراف على هذه العملية.

وفي نفس السياق، حثت الرئاسة المشتركة لمجموعة العمل الأمنية المعنية التي تضم كلا من الاتحاد الإفريقي وفرنسا وإيطاليا وتركيا والممكلة المتحدة، على تسريع تنفيذ وقف إطلاق النار، لا سيما إنهاء تواجد المرتزقة والمسلحين المنتمين الذي جندهم حفتر وحلفاءه للقتال في ليبيا وإعادتهم الفورية لبلدانهم، كما طالبت  الرئاسة أيضا بإعطاء الأولوية لفتح الطريق الساحلي بين أبو قرين وسرت والذي يلعب دورا في فتح قنوات التواصل بين الشرق والغرب، والذي أغلق قبل أكثر من عام بسبب الهجوم الذي شنه حفتر على المحور الغربي.

كما أعلنت اللجنة العسكرية الليبية المشتركة 5+5، أنه لا تهاون في مسألة إخراج المرتزقة من البلاد، وأن اللجنة العسكرية تواصلت مع السلطة التنفيذية الجديدة التي أكدت دعمها الكامل لمسار عمل اللجنة خاصة فيما يتعلق بإخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من الأراضي الليبية طبقا لاتفاق جنيف لوقف إطلاق النار. كما ربطت التواصل مع الدول التي لديها مرتزقة في ليبيا، مع إشارتها بإمكانية زيارة هذه الدول للضغط عليها قصد إيصال رسائل بشأن جدية عمل اللجنة وإصرارها على رحيل مرتزقتهم من الأراضي الليبية في أسرع وقت.

اللجنة العسكرية وعملية إزالة الألغام:

يعتبر خطر الألغام والأجهزة المتفجرة التي زرعتها ميليشيا حفتر في مناطق متفرقة من العاصمة طرابلس ونواحيها والطرق المؤدية لمحور الغرب، من أبرز مخلفات الحرب الذي شنها حفتر على المحور الغربي، بحيث لا تزال آثارها المدمرة مستمرة إلى غاية الآن، إذ قُتل وأصيب العشرات بسبب هذه الألغام والمتفجرات، من المدنيين وغير المدنيين ومن ضمنهم العاملين في مجال إزالة الألغام.

ولم تكتفي ميليشيا حفتر بزراعة الألغام والأفخاخ المتفجرة في هذه المناطق، بل قامت بنفس العملية في خطوط التماس بين سرت والجفرة عقب هزيمتها وإنهاء وجودها في المحور الغربي.

وفي خضم ذلك، أعلنت اللجنة العسكرية 5+5 اتفاقها على نزع و إزالة الألغام من سرت والطرق المؤدية إلى محور الغرب الليبي وذلك لفتح الطريق الساحلي بين مصراتة وسرت.

وفعليا، بدأت فرق الهندسة العسكرية بإزالة الألغام في هذه المناطق تنفيذا لاتفاق اللجنة العسكرية الليبية المشتركة. وفي إطار المساعدة الميدانية والتقنية لعبت فرق إزالة الألغام التابعة للقوات المسلحة التركية دورا مهما في مساعدة نظيرتها الليبية في هذه المهمة الصعبة، بحيث تواصل فرق البحث من الطرفين إزالة الألغام والمواد المتفجرة التي زرعتها ميليشيا حفتر في الأماكن التي كانت تتواجد بها، ويؤدي الفريق التركي عمله في ليبيا في إطار اتفاقية التدريب والتعاون والاستشارة العسكرية المبرمة بين البلدين.


تطورات المشهد السياسي الليبي

في مقابل المشهد الميداني  الذي يظهر مواصلة تبني حفتر  للخيار العسكري عن طريق تجاوزه لاتفاق  وقف إطلاق النار المعلن بين المجلس الأعلى للدولة الليبي وبرلمان طبرق، شهد المشهد السياسي العديد من الأحداث على مستوى ملتقى الحوار السياسي بين الأطراف الليبية والتي أفرزت في الأخير الإعلان عن انتخاب السلطة التنفيذية المؤقتة برئاسة محمد المنفي وعبد الحميد دبيبة :

انتخاب السلطة التنفيذية المؤقتة في ليبيا

دخلت ليبيا مرحلة جديدة في المسار السياسي، بعد أن أفرزت المشاورات واللقاءات من خلال منتدى الحوار الليبي اختيار سلطة تنفيذية مؤقتة لقيادة البلاد إلى حين إجراء الانتخابات العامة في ديسمبر 2021.  تحت الرعاية الأمميىة. فما هو إذا المسار الذي سلكته عملية التصويت التي جرت في جنيف؟ وما النتائج المتمخضة عنها؟

أولا: مسار التصويت على السلطة التنفيذية الجديدة

أعلنت الأمم المتحدة في الخامس من فبراير الجاري فوز كل من عبد الحميد دبيبة برئاسة وزراء ليبيا، ومحمد يونس المنفي برئاسة المجلس الرئاسي وذلك خلال عملية التصويت على ممثلي السلطة التنفيذية التي عرفتها العاصمة السويسرية جنيف. وستتولى السلطة التنفيذية الجديدة تدبير شؤون البلاد بشكل مؤقت  لحين إجراء الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية في ديسمبر 2021.

دخلت سباق التنافس حول رئاسة الحكومة والمجلس الرئاسي أربع قوائم على إثر حصولها على التزكيات المطلوبة على النحو المنصوص عليه في آلية الاختيار التي تم اعتمادها في ملتقى الحوار السياسي الليبي. وقد جاءت القوائم الأربعة  على الشكل التالي:

  • القائمة الأولى: والتي تضم محمد حسن سليمان البرغثي رئيس المجلس الرئاسي- علي أبو الحجب وادريس سليمان أحمد القايد عضوان في المجلس الرئاسي-محمد خالد عبد الله الغويل رئيسا للحكومة.
  • القائمة الثانية: تضم الشريف الوافي رئيسا للمجلس الرئاسي- عبد الرحمن محمد أبو القاسم البلغزي وعمر مهدي أبو شريده عضوان في المجلس الرئاسي-محمد عبد اللطيف المنتصر رئيسا للحكومة.
  • القائمة الثالثة: تضم محمد يونس المنفي رئيسا للمجلس الرئاسي- محمد الكوني وعبد الله حسين اللافي عضوان في المجلس الرئاسي-عبد الحميد محمد دبيبة رئيسا للحكومة.
  • القائمة الرابعة: تضم عقبلة صالح قويدر رئيسا للمجلس الرئاسي-أسامة عبد السلام جويلي وعبد المجيد غيث سيف النصر عضوان في المجلس الرئاسي- فتحي علي عبد السلام باشاغا رئيسا للحكومة.

وقد أفرزت الجولة من عملية التصويت تأهل قائمتان من ضمن الأربعة لخوص جولة تصويت ثانية لحسم ممثلي السلطة التنفيذية الجديدة. وقد حصلت  قائمة وزير الداخلية فتحي باشاغا على أعلى الأصوات ب 25 صوت وتلتها قائمة رجل الأعمال عبد الحميد دبيبة ب 20 صوتا في الجولة الأولى. وذلك من أصل 75 إجمالي تصويت أعضاء ملتقى الحوار السياسي.

وقد تقرر إجراء جولة ثانية من التصويت بعد عدم وصول أي من القوائم للحد الأدنى اللازم لاختيار القائمة المرشحة وهو 60 بالمئة من إجمالي الأصوات. في حين يبلغ الحد الأدنى للجولة الثانية  50+1 من الأصوات الصحيحة.

وفي الجولة الثانية، فازت القائمة الأولى التي يرأسها عبد الحميد دبيبة ب39 صوت من التصويبت مقابل 34 للقائمة التي ترأسها رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح.

وفي خضم الإعلان عن نتيجة التصويت، صرحت المبعوثة الأممية المنتهية ولايتها بالإنابة ستيفاني وليامز، أن التحديات لم تنته بعد، حيث يتوجب على رئيس الوزراء المكلف تشكيل حكومته في ظرف 21 يوما، ومن ثم عرض تشكيلتها على مجلس النواب لمنحها الثقة، وفي حالة تعذر ذلك يتم تقديمها لملتقى الحوار الوطني. كما شددت وليامز على ضرورة أن تشمل الحكومة الجديدة كافة الشرائح من النساء والشباب.

ثانيا: رأسي السلطة التنفيذية الجديدة (رئيسي الحكومة والمجلس الرئاسي)

أفرزت عملية التصويت على ممثلي السلطة التنفيذية المؤقتة حصول كل من عبد الحميد دبيبة على منصب رئاسة الحكومة، ومحمد المنفي على منصب رئاسة المجلس الرئاسي.

  • عبد الحميد دبيبة رئيسا للحكومة الليبية: يعتبر عبد الحميد دبيبة خامس رئيس حكومة ليبية منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011، وهو رجل أعمال وسياسي، من مواليد 1959 بمدينة مصراتة حاصل على شهادة الماجستير في تقنيات التخطيط والبناء من جامعة تورونتو الكندية. ورئيس مجلس إدارة الشركة الليبية للتنمية والاستثمار القابضة وهي إحدى أكبر الشركات الحكومية ، وهو مؤسس ورئيس تيار ليبيا المستقبل. وقد بنى دبيبة ثروته من مجال البناء، هذا المجال الذي مكّنه في أن يصبح أنجح رجال أعمال مصراتة، كما ترأس أيضا جهاز تنمية وتطوير المراكز الإدارية، والذي  تعد هيئة استثمار عامة مكلفة بتحديث البنى التحتية وقد كانت تحت إدارته من 1989إلى حين سقوط نظام معمر القدافي في 2011.

وقد تعهد دبيبة بعد إعلان اختياره رئيسا للحكومة الليبية المؤثتة العمل على تأمين الانتخابات المزمع إجراؤها في ديسمبر 2021، ودعم المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، واللجوء إلى المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة لدعم الانتخابات لوجستيا ورقابيا.

كما أعلن أنه سيعمل على صيانة وتفعيل دستور البلاد، وإنشاء مؤسسات أمنية احترافية وحصر السلاح في يد هذه الأجهزة لمنع استخدامه خارجها، كما أكد أنه سيعمل على استخدام التعليم والتدريب وإيلائه أهمية كبرى وذلك باعتباره بوابة مهمة لدعم الاستقرار في البلاد.

ومن جانب آخر، دعا رئيس الحكومة الليبية الجديد جميع الأطراف إلى الالتفاف حول السلطة التنفيذية لإنهاء النزاع والوصول إلى انتخابات ديمقراطية، كما أبدى استعداده للاستماع للجميع والعمل مع الجميع على اختلاف أفكارهم ومكوناتهم وأطيافهم.

كما أعرب عن رغبته في إنشاء وزارة للمصالحة الوطنية وتقليص الفوارق بين مرتبات الموظفين وتقسيم البلد إلى مناطق أمنية، وحل معظلة انقطاع الكهرباء. كما تعهد بالعمل على إعادة كبار المستثمرين الأجانب الذي اضطروا لمغادرة ليبيا بعد 2011 وخلق وظائف لفئة الشباب. مؤكدا أيضا أن حكومته المقبلة ستلتزم بمبدأ الشفافية والمساءلة في أي وقت وأنها ستسعى للعمل على إصدار قرارات للحد من المركزية.

وفي خضم ذلك سلطت مجلة Economist، الضوء على التحديات التي تواجه الحكومة الليبية المؤقتة وأبرز هذه التحديات إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في ديسمبر المقبل. وفتح الطريق الساحلي الذي يربط الغرب بالشرق في ظل المعيقات الميدانية. وأيضا تجاهل الدول الأجنبية المتدخلة في ليبيا خصوصا روسيا للموعد النهائي الذي حددته الأمم المتحدة في 23 يناير  لانسحاب المرتزقة من البلاد، وقد أشارت المجلة أن روسيا تريد الحفاظ على موطئ قدم واستخدام القواعد الجوية والموانئ التي تواجه سواحل الناتو. في مقابل إرسالها للمزيد من المرتزقة بعد انتخاب السلطة التنفيذية الجديدة، ومواصلة مساعدة خليفة حفتر من خلال تقديم الدعم العسكري والتمويلي. كما أكدت المجلة على أن انتخاب دبيبة جاء مفاجئا في ظل قائمة قوية من السياسيين الليبيين من الغرب والشرق. وأشارت إلى أن رئيس الحكومة الجديد والذي يعد أحد أغنى رجال الأعمال في البلاد يشبهه كثيرون برئيس الحكومة اللبناني السابق رفيق الحريري الذي تم اغتياله في العام 2005.

  • محمد يونس المنفي رئيسا للمجلس الرئاسي : هو دبلوماسي وسياسي ليبي من مواليد 1976 من مدينة طبرق، ينحدر من قبيلة المنفي شرق ليبيا، حصل على الدكتوراه من كلية الهندسة من جامعة طبرق، وكان عضوا بمجلس الدولة.

بعد ثورة 2011، ترشح لانتخابات 2012 واستطاع الفوز بعضوية المؤتمر الوطني العام ورئيس لجنة الإسكان والمرافق بالمؤتمر، وقد انشق عنه من حزب تحالف القوى الوطنية، كما يعد من أبرز المعارضين لعقيلة صالح وخليفة حفتر. وأعلن رفضه للهجوم الذي شنه خليفة حفتر على طرابلس في أبريل 2019.

ومن أبرز المناصب التي تقلدها المنفي هو منصب سفير ليبيا بأثينا، لكنه تم طرده مباشرة بعد زيارة عقيلة صالح لليونان اعتراضا من أثينا على مذكرة التفاهم التي أبرمت بين حكومة الوفاق والحكومة التركية في العام 2019. والتي تنص على تحديد مناطق النفوذ البحري بين الجانبين في البحر المتوسط.

وقد أكد المنفي في تصريحات له حول العملية السياسية لحل الأزمة الليبية، بأنها تحتاج إلى إجراءات أكثر من وقف إطلاق النار، من خلال العمل على رؤية سياسية ودبلوماسية واجتماعية واضحة. كما تعهد المنفي على دعم عمل اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 الذي يرى أنها حققت خطوات مهمة جدا يجب مساندتها من أجل تحقيق الأهداف التي أنشأت من أجلها. كما شدد على ضرورة أن تكون المؤسسة العسكرية تحت سلطة مدنية ومنحازة للوطن. كما يعتبر ملف حقوق الإنسان من أهم وأخطر الملفات، كونه يهدد الدولة والمواطن والعملية الديمقراطية برمتها، وانطلاقا من ذلك دعا إلى  ضرورة وقف الانتهاكات والمآسي التي يتعرض لها الإنسان في ليبيا.

وفي لقائه مع المبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا يان كوفيش أكد المنفي على الدور التي تلعبه البعثة الأممية في حل الأزمة الليبية لإيجاد التوافق اللازم في سبيل إنجاح العملية السياسية. كما أشار إلى أنه سيواصل إلى جانب المبعوث الأممي الجديد بذل مزيد من الجهود لتعزيز العملية السياسية في ليبيا ووقف إطلاق النار وعمل المجلس الرئاسي الجديد والتحديات التي تواجهه.

ثالثا: ردود الفعل حول اختيار السلطة التنفيذية المؤقتة بليبيا

قوبل انتخاب السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بترحيب داخلي وإقليمي ودولي واسع تواتر أهمه كالتالي:

  • موقف الأطراف الليبية: على المستوى الداخلي لاقى اختيار السلطة التنفيذية المؤقتة ترحيبا واسعا من الغرب والشرق، وفي إطار ذلك رحب رئيس الحكومة فايز السراح بنجاح اختيار السلطة التنفيذية الجديدة، التي ستدير شؤون البلاد مؤقتا حتى نهاية العام الجاري، داعيا السلطة الجديدة إلى تحمل المسؤولية في هذا الظرف العصيب، معربا عن أمله أن تعمل السلطة الجديدة خلال المرحلة المقبلة على توفير المناخ الملائم لإجراء الانتخابات في موعدها المحدد.

ومن جهته رحب رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح بتكوين سلطة تنفيذية جديدة، بعدما تم انتخابها من قبل  أعضاء منتدى الحوار الليبي في جنيف، واصفا هذه الخطوة بأنها انتصار للشعب الليبي. كما أعرب عن تمنياته التوفيق للجميع من أجل إخراج ليبيا من أزمتها وصولا إلى الانتخابات العامة في موعدها المحدد في ديسمبر القادم.

ومن جانبها، رحبت ميليشيا حفتر بمخرجات ملتقى الحوار السياسي الليبي، وهذا ما أعلن عنه الناطق الرسمي باسمها أحمد المسماري، الذي أعرب عن ترحيب “القيادة العامة” بنتائج ملتقى الحوار السياسي الذي ترعاه البعثة الأممية، كما هنّأ الشخصيات التي جرى انتخابها لشغل مهام رئيس الحكومة الوطنية، عبد الحميد دبيبة، والمجلس الرئاسي محمد المنفي.

كما رحبت المفوضية العليا للانتخابات الليبية، بانتخاب سلطة تنفيذية جديدة، معربة عن تطلعها للعمل مع الحكومة عن قرب للوفاء بالتعهدات والالتزامات التي قطعها أعضاؤها وهم يستعرضون رؤيتهم وبرامجهم السياسية الرامية إلى تحقيق ودعم متطلبات الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. كما أكدت على استعدادها وجاهزيتها للوفاء بمهامها التي أوكلها الإعلان الدستوري، وتحمل مسؤولياتها نحو تنفيذ انتخابات ترتقي لتطلعات الشعب الليبي وآماله. كما تعهدت المفوضية ببذل قصارى جهدها لتمكين الليبين من ممارسة حقهم في التصويت والمشاركة في انتخابات حرة ونزيهة تعبر نتائجها عن التمثيل الحقيقي للمجتمع الليبي.

  • الموقف الأممي: رحبت الأمم المتحدة في تصريح لأمينها العام أنطونيو غوتيريش بانتخاب سلطة جديدة مؤقتة في ليبيا، داعيا جميع الأطراف إلى احترام النتائج التي أسفر عنها تصويت جنيف. بحيث ناشد الجميع الاعتراف بهذه النتائج وقبولها والعمل مع السلطة الجديدة التي تم انتخابها، مشددا على أهمية توحيد ليبيا والمضي نحو تحقيق السلام والاستقرار فيها.

وطبقا للوضع الجديد الذي أفرز اتفاق سياسي حول الانتخابات وسلطة انتقالية جديدة مؤقتة، أكد غوتيرتش على ضرورة مغادرة جميع المقاتلين والمرتزقة الأجانب الأراضي الليبية حسب الجدول الزمني الجديد الذي تم تحديده. كما شدد على ضرورة تعاون الجميع مع السلطات الجديدة لتحويل أمل السلام والاستقرار إلى واقع.

  • الموقف الأمريكي- الأوروبي: رحبت الإدارة الأمريكية بانتخاب السلطة التنفيذية الجديدة بليبيا، مؤكدة دعمها الكامل للنتائج التي أفرزتها العملية السياسية بين الأطراف الليبية تحت الرعاية الأممية. والتي ستمهد الطريق لتثبيت الأمن والاستقرار في ليبيا في سبيل إجراء الانتخابات العامة في ديسمبر 2021. كما دعت إلى ضمان تسليم سلس وبنّاء لكل الاختصاصات والواجبات إلى السلطة التنفيذية الجديدة، متعهدة بمحاسبة من يهددون الاستقرار أو يقوضون العملية السياسية في ليبيا.

وفي بيان مشترك بين خمس دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، رحبت هذه الدول بهذه الخطوة التي تعد مهمة لضمان الاستقرار السياسي في ليبيا، وفتح المجال لإجراء انتخابات في ديسمبر القادم، بحيث تشكل هذه السلطة بحسب البيان الممر الآمن للانتقال والتداول السلمي لجميع الصلاحيات والواجبات للسلطة التنفيذية الجديدة. كما شدد البيان على ضرورة إنهاء جميع النزاعات في ليبيا والتعجيل في التطبيق الفعلي لوقف إطلاق النار. من خلال حظر الأسلحة وسحب جميع المقاتلين والمرتزقة من البلاد.

وفي بيان منفصل، أعلنت الخارجية الألمانية على لسان وزيرها هايكو ماس، دعم بلاده لاختيار أعضاء السلطة التنفيذية المؤقتة في ليبيا. بحيث أشار إلى أن هذا الحدث يعد علامة بارزة نحو تحقيق السلام في ليبيا. وشدد على ضرورة انخراط جميع الفاعلين سواء في الداخل أو الخارج في تقديم الدعم لعملية الاستعداد للانتخابات، وتطبيق وقف إطلاق النار. كما شدد على أن ألمانيا ستواصل دعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار والسلام المستدامين في ليبيا، ضمن إطار بعثة الدعم الأممية.

ومن جانبه، رحب الاتحاد الأوروبي بالاتفاق الذي توصل إليه منتدى الحوار السياسي الليبي بشأن سلطة تنفيذية موحدة في ليبيا. وفي معرض ذلك أعرب ممثل الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل عن جاهزية الاتحاد للعمل مع السلطة التنفيذية الجديدة برئاسة محمد المنفي، وعبد الحميد دبيبة. كما شدد في نفس الوقت على ضرورة الإسراع بتشكيل حكومة جديدة شاملة تعمل من أجل المصالحة الوطنية وتوحيد البلاد. كما طالب بضرورة انسحاب جميع القوات الأجنبية من ليبيا، وذلك تطبيقا لقرارات الشرعية الدولية ممثلة بقرارات مجلس الأمن الدولي. داعيا جميع الأطراف الليبية والمجتمع الدولي إلى تقديم الدعم للسلطة التنفيذية المؤقتة من أجل توفير الظروف الملائمة لتنفيذ مسارات المرحلة المقبلة في سبيل تحقيق الأمن والاستقرار في هذا البلد.

  • الموقف الروسي: رحبت روسيا بانتخاب ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف سلطة تنفيذية موحدة جديدة ستقود البلاد إلى انتخابات ديسمبر 2021، وفي بيان صادر عن الخارجية الروسية، أكدت من خلاله على ضرورة أن تصبح ثمار عمل ملتقى الحوار السياسي الليبي خطوة مهمة ومحورية في سبيل تجاوز الأزمة الحادة التي طال أمدها في ليبيا. كما أعربت عن متمنياتها النجاح للقيادة الجديدة في تحقيق المهام الصعبة التي تنتظرها وفي مقدمتها إجراء الاستفتاء الدستوري والانتخابات العامة في نهاية العام الجاري.

وفي نفس السياق، بحث رئيس المجلس الرئاسي الجديد محمد المنفي في اتصال هاتفي مع نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف،مستجدات الملف الليبي وتطوارته، على ضوء نتائج أعمال منتدى الحوار السياسي الليبي، والذي أدى في نهاية المطاف إلى انتخاب السلطة التنفيذية الجديدة من قبل الأعضاء 75 للمنتدى. كما جدد بوغدانوف على نية موسكو تكثيف وتعزيز التعاون الروسي الليبي متعدد الأوجه، على أساس مبادئ الاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة.

  • الموقف التركي: رحبت تركيا عبر بيان صادر عن وزراة خارجيتها، باختيار ملتقى الحوار أعضاء السلطة التنفيذية المؤقتة الليبية تحت إشراف ورعاية الأمم المتحدة. وقد عبرت الخارجية التركية على إثر هذه الخطوة عن أملها في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الجديدة في إطار خارطة الطريق التي حددها ملتقى الحوار الوطني الليبي، لمباشرة مهامها في القريب العاجل.

مؤكدة على أهمية هذه الخطوة التي تعد فرصة مهمة لحماية سيادة ليبيا واستقلالها ووحدة أراضيها ووحده أجسامها السياسية. مشددة على أن تركيا تثق بأن المجتمع الدولي لن يسمح للأطراف التي تعبث في ليبيا بإفساد هذه الفرصة التاريخية التي تعتبر سبيلا مهما لإيجاد حل سياسي دائم للأزمة الليبية. كما أعربت عن استعداد تركيا لتوفير كافة أنواع المساعدة للشعب الليبي، وتقديم كافة أشكال الدعم للحكومة الجديدة حتى تنظيم الانتخابات المرتقبة أواخر العام الجاري.

وفي اتصال هاتفي مع كل من عبد الحميد دبيبة ومحمد المنفي، تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على مواصلة تركيا تقديم الدعم اللازم للحفاظ على وحدة ليبيا، والمساهمة في إحلال الاستقرار والسلام والأمن والرفاه لشعبها.

ومن جانبه، أكد رئيس الحكومة الليبية الجديد على قوة ومتانة العلاقات التي تجمع بلاده بتركيا، وذلك خلال مقابلة أجرتها معه وكالة الأناضول، كما أشار إلى التضامن الكبير مع الدولة والشعب التركيين،باعتبار تركيا حليفة ودولة صديقة وعندها من الإمكانيات الكثيرة لمساعدة الليبيين في الوصول إلى أهدافهم الحقيقية، كما اعتبرها من الشركاء الحقيقيين لليبيا. بحيث فرضت بحسب قوله وضعها ووجودها في العالم وليست في ليبيا فقط، كما أكد أنها الدولة الوحيدة التي استطاع المواطن الليبي الذهاب إليها بحرية أثناء فترة الحرب. بحيث فتحت مطاراتها ولم تغلق سفارتها في طرابلس، مبرزا أن كل هذه العوامل سوف تنعكس إيجابا على التعاون بين البلدين خصوصا في مجال الاقتصاد، كما أعرب عن أمله في رفع حجم التبادل التجاري مع تركيا إلى أعلى المستويات.

  • الموقف المصري: على إثر انتخاب السلطة التنفيذية المؤقتة جرى اتصال هاتفي بين السيسي ورئيس المجلس الرئاسي الليبي الجديد، بحيث ذكرت الرئاسة المصرية في بيان صادر عنها، أن السيسي أعرب خلال هذا الاتصال عن تطلعه أن يكون اختيار القيادة الليبية الجديدة بانسجام وبشكل موحد يعلي المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات، في سبيل إنهاء الانقسام الليبي، الذي يشكل أحد المعوقات الرئيسية لحل الأزمة الليبية.  كما أكد السيسي مواصلة مصر تقديم الدعم والمساندة للأطراف الليبية، سواء على الصعيد الأمني العسكري أو الاقتصادي.

ومن جانبه، أكد المنفي خلال هذا الاتصال حرصه الشديد على تدعيم العلاقات مع مصر وتعزيز أطر التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، وتدعيم التنسيق والتعاون إزاء القضايا الإقليمية المختلفة ذات الاهتمام المشترك بين البلدين. وفي نفس السياق أشاد المنفي بمساهمة مصر في مسارات حل الأزمة الليبية على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية تكللت بتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية خصوصا تلك المتعلقة بالمبادئ الأساسية في إعلان القاهرة، وأيضا الاجتماعات التي تهم التباحث حول القاعدة الدستورية لإدارة البلاد، بالإضافة إلى احتضان الاجتماعات الخاصة باللجنة العسكرية المشتركة 5+5. هذه الأمور التي لعبت دور كبير بحسب المنفي في إنهاء حالة الانقسام السياسي.

ويرى العديد من المراقبين، أن الجانب المصري سيتعامل مع السلطة التنفيذية الجديدة على الرغم من عدم توافقه معها، لأن المعادلة التي يفرضها الواقع الليبي والدولي بصفة عامة تجبر مصر والعديد من الأطراف المعنية بالمشهد الليبي على تقديم تنازلات في هذا الملف. وقد ذهب البعض في القول على أن وصول إدارة بايدن إلى الحكم، كان لها دور في تغيير حسابات النظام المصري تجاه الأزمة الليبية، ليتوافق الموقف المصري وينسجم مع المواقف الدولية وعلى رأسها موقف الإدارة الأمريكية الجديدة التي تضغط لإنهاء حالة الصراع في ليبيا.

الموقف الخليجي: رحبت الدول الخليجية وعلى رأسها قطر، الإمارات والسعودية بمخرجات لقاءات جنيف التي تمخض عنها انتخاب السلطة التنفيذية المؤقتة في ليبيا.

فقد رحبت قطر بانتخاب السلطة التنفيذية المؤقتة، وقد جاء ذلك بعد اتصال بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ومحمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، أكد من خلاله دعم قطر للسلطة التنفيذية الجديدة وموقفها الداعم لأمن واستقرار ليبيا.

كما اعتبر بيان صادر عن الخارجية القطرية على أهمية هذه الخطوة التي تعد علامة فارقة في مسيرة الشعب الليبي وتضحياته من أجل الاستقرار والازدهار، مؤكدة على ضرورة التزام كافة الأطراف الليبية بموعد الانتخابات المحدد نهاية العام الجاري، والعمل على تحقيق المصالحة الشاملة، وتمهيد الطريق نحو الحل السياسي الشامل الذي يحافظ على وحدة الأراضي الليبية ويحترم حقوق الشعب الليبي ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات المدنية.

كما رحبت كل من الإمارات والسعودية بتشكيل السلطة التنفيذية الليبية الجديدة، بحيث أكد بيان صادر عن وزارة الخارجية التعاون الدولي الإماراتية، عن ترحيبها بهذه الخطوة الهامة في مسار التسوية السياسية في ليبيا، معربة عن أملها في أن يشكل هذا المسار الجديد خطوة نحو تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في ليبيا. كما أثنت على الجهود الأممية التي كان لها دور كبير في الوصول إلى هذه المحطة الهامة، مؤكدة تعاون الإمارات الكامل مع السلطة الجديدة بما يحقق الأمن والاستقرار والازدهار وتطلعات الشعب الليبي. كما أكد البيان على أن الإمارات تتطلع إلى نجاح ما تبقى من مسارات برعاية البعثة الأممية إلى ليبيا، معربة عن أملها في أن يدعم هذا المسار الجديد الاستقرار في جميع التراب الليبي، بما يحفظ السيادة والوحدة الوطنية لجميع مكونات الشعب الليبي.

ومن جانبها، رحبت السعودية في بيان صادر عن خارجيتها بنتائج التصويت على السلطة التنفيذية الليبية الجديدة، وأعربت عن أملها، في أن يحافظ هذا الإنجاز على وحدة وسيادة ليبيا، بما يفضي بخروج كافة المقاتلين الأجانب والمرتزقة. كما أعربت عن أملها أن يؤسس هذا الإنجاز لحل دائم يمنع التدخل الخارجي الذي يعرض الإقليم العربي للمخاطر.

الموقف المغاربي: رحبت الدول المغاربية وعلى رأسها المغرب، الجزائر، تونس بانتخاب أعضاء السلطة التنفيذية المؤقتة في ليبيا.

فقد رحب المغرب من خلال تصريح لوزير الخارجية ناصر بوريطة بخطوة انتخاب ملتقى الحوار السياسي، تحت الرعاية الأممية، للسلطة التنفيذية المؤقتة لليبيا.  معتبرا أن من شأن خلق هذه المؤسسة الجديدة تعزيز السلطة التنفيذية في قيامها بالمهام والواجبات التي يتطلع إليها الليبيون. مؤكدا على أهمية هذه الخطوة في اتجاه توحيد المؤسسات، ودعم الاستقرار، والاستجابة للحاجيات اليومية لليبيين، وتهيئ الظروف المناسبة من أجل تنظيم الانتخابات المقبلة المزمع عقدها في ديسمبر القادم.

كما أوضح أن الارتياح المغربي لهذه الخطوة نابع من الاجتماعات التي عقدت في المغرب في الآونة الأخيرة، والتي رأى أنها ساهمت بشكل ملموس في خلق جو الثقة، ومكنت من الاستثمار في قدرة الفاعلين الليبييين على تجاوز العقبات وتغليب المصلحة العليا لليبيا.

كما وعد وزير الخارجية المغربي بمواصلة العمل مع السلطة التنفيذية المؤقتة وكل مؤسسات الشرعية في سبيل إنجاح الاستحقاقات الانتخابية المقبلة من أجل الوصول إلى هدف تحقيق الاستقرار والتنمية في ليبيا.

وفي بيان صادر عن الخارجية الجزائرية، رحبت الجزائر بالتقدم والنتائج التي أفرزها الحوار الليبي برعاية الأمم المتحدة الذي أفضى في نهاية المطاف إلى تشكيل السلطة التنفيذية المؤقتة. كما أشار البيان عن استعداد الجزائر الكامل للتعاون معها، بما يحقق الأمن والاستقرار وتطلعات الشعب الليبي. كما أوضح البيان أن الجزائر تتطلع إلى أن تسهم هذه الخطوة الإيجابية في إنهاء حالة الانقسام، وتوحيد الصفوف الليبية، استعدادا للاستحقاقات الانتخابية الهامة نهاية هذا العام. كما أكد أيضا على دعم الجزائر المتواصل للجهود الرامية لإحلال السلم والاستقرار في ليبيا، وفق مقاربة شاملة هدفها حماية سيادة واستقلال ووحدة الأراضي الليبية.

من جانبها، رحبت تونس بانتخاب سلطة تنفيذية جديدة في ليبيا، وفي خطوة وصفها بيان صادر عن وزارة الخارجية ب”الإيجابية والتاريخية”، باعتبارها مؤشر على إنهاء حالة الانقسام وتعافي ليبيا وخروجها من الأزمة التي عاشتها منذ 2011. كما أكدت على أن هذا الحدث التي تمخض عن اجتماعات جنيف يعد خطوة بارزة في بناء مرحلة جديدة من تاريخ ليبيا. كما تمنث في نفس الوقت الجهود المضنية للأمم المتحدة ودورها المحوري في تحقيق هذا الإنجاز الهام. كما أعربت عن حرص تونس الراسخ على العمل مع السلطة الجديدة من أجل إعطاء دفعة قوية للعلاقات الثنائية، والارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، من أجل التضامن والتعاون والتكامل بين البلدين الجارين.


زيارة رئيس المجلس الرئاسي الجديد إلى الشرق الليبي: الحيثيات ورود الأفعال

قام رئيس المجلس الرئاسي الليبي الجديد محمد المنفى بجولة إلى الشرق، بدأها بلقاء خليفة حفتر ببنغازي، ثم رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح في مدينة القبة وصولا إلى البيضاء ولقاءه بمختلف مكونات وشرائح المدينة. ويهدف رئيس المجلس الرئاسي من خلال هذه الجولة إلى توحيد المؤسسات ومناقشة ترتيبات عقد جلسة منح الثقة للحكومة الجديدة. فماذا نتج عن هذه اللقاءات؟

في أول تحركاته الداخلية التقى رئيس المجلس الرئاسي الليبي بخليفة حفتر وعددا من وجهاء بنغازي في أول زيارة من نوعها إلى الشرق الليبي، بعد انتخابه رئيسا للمجلس الرئاسي، وفي خضم هذا اللقاء أصدرت قيادة حفتر بيانا أوضحت من خلاله أن المنفي وحفتر تبادلا وجهات النظر، مشيرة إلى أن حفتر  أكد دعمه لـ “الحفاظ على الديمقراطية، والتداول السلمي للسلطات، ودعم المجلس الرئاسي الجديد، وحكومة الوحدة الوطنية التي أنتجها ملتقى الحوار السياسي لتوحيد المؤسسات والوصول بالبلاد إلى الانتخابات المقرر عقدها في ديسمبر 2021. ويتبنى رئيس المجلس الرئاسي الجديد فكرة المصالحة بين الليبيين وتوحيد المؤسسة العسكرية لذلك فلقاؤه بحفتر تدخل ضمن رؤيته باعتبار الأخير أحد أطراف النزاع الليبي.

وترجع أسباب زيارة المنفي إلى الشرق في محاولة لإقناع حفتر والقيادات العسكرية بانضمام التشكيلات العسكرية إلى الشرعية الجديدة الممثلة في السلطة التنفيذية، كما يحاول من جانب آخر استقطاب أعضاء مجلس النواب في طبرق وإقناعهم بالتصويب لحكومة عبد الحميد دبيبة.

وقد جرّت زيارة المنفي لحفتر سيلاً من الانتقادات، وذلك بعد إعلان زيارته للشرق مصرحا من خلالها أنه “ييدأ رحلة العمل من أجل الوطن ووحدته وسلامة أراضيه ولم شمل أهله في  كل ربوع ليبيا، مطالبا الجميع بتحمل مسؤولياتهم والرقي إلى مستوى التحديات والتطلعات”.

وعلى إثر هذه التصريحات، غرد رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري بعنوان “أول القصيدة كفر”، كما أعلن عن رفضه واستهجانه لهذا اللقاء الذي جرى مع مجرم حرب، كما اعتبر هذه الخطوة سلبية لا علاقة لها بالتوافق بين الليبيين وجمع الوطن.

بينما اعتبرها البعض على أنه بالرغم من كل التخوفات التي رافقت الزيارة إلا أنها تصرف سياسي موفق لإسكات الأصوات التي انتقدت المنفي من الشرق واتهمته بسيل من الاتهامات، هذا الأمر الذي يشكل حرجا لحفتر وداعميه. لكن في نفس الوقت يؤكد هذا الفريق أن الزيارة لن تؤثر بأي شكل من الأشكال لأنه لا يمكن توحيد السلطات والاستقرار في البلاد في ظل وجود خليفة حفتر الذي يعتبر العرقلة الأساسية في مسار حل الأزمة الليبية.

أما في الوجهة المقابلة، فيرى مؤيدون للزيارة، بأنها خطوة إيجابية تتضمن رسائل للداخل والخارج بأن السلطة الجديدة تسعى للاستقرار من خلال الانفتاح على الجميع، وعلى أن حكومتها ستكون حكومة وحدة وطنية فعليا. وأنها جاءت استكمالا لخطوات ملتقى الحوار الليبي من خلال الانفتاح على مختلف المكونات وذلك من أجل معالجة كل التحديات السابقة للوصول إلى مرحلة سياسية جديدة مشتركة تتحقق معها المصالحة الوطنية تنهي من خلالها الأخيرة آخر فصول الأزمة الليبية.

وردا على الانتقادات الموجهة له، أكد المنفي على أنه لا يدعم أي طرف سياسي، بل إنه يعمل على هدف تحقيق مصالحة وطنية بين الشرق والغرب والجنوب، مطالبا بعدم الالتفات إلى مخربي الوطن، مؤكدا سعيه إلى لم الشمل وإرجاع الوطن إلى ما كان عليه جسدا واحدا. ويحاول المنفي من خلال هذه الزيارات بتوجيه رسائل للجميع بأنه رجل إصلاح ويسعى إلى توحيد صفوف الليبيين عبر المصالحة الوطنية.

وبحسب العديد من المراقبين والمحللين، فقد تساهم هذه الزيارة في فقدان المنفي لرصيده الشعبي لدى أنصاره في الغرب، الذين يأملون في أن تكون السلطة التنفيذية الجديدة البوصلة التي ستزيح حفتر من المشهد الليبي. وفي المقابل فتشكل هذه الزيارة نقطة لصالح حفتر ستقوي من إمكانية بقائه في المشهد الليبي وستكرس من هيمنته وتوسيع نفوذه في المنطقة الشرقية، خصوصا من خلال سعيه بالإطاحة الكاملة لعقيلة صالح وستكون هذه الزيارة عاملا مناسبا لتنفيذ هذا المخطط، كما ستساهم في مضاعفة حظوظه كفاعل رئيسي في المعادلة وإدخاله ضمن المشهد السياسي لما بعد انتخابات نهاية 2021.

وفي إطار جولته إلى الشرق الليبي، التقى رئيس المجلس الرئاسي الليبي الجدبد محمد المنفي رئيس مجلس نواب طبرق عقيلة صالح في مدينة القبة. وعلى إثر هذه الزيارة بحث الجانبان مستجدات الأزمة الليبية ومساراتها، كما شملت المشاورات موضوع منح الثقة للحكومة الجديدة التي سيتم تشكيلها في القريب.

و أكد المنفي أن لقاءه بعقيلة صالح كان هدفه تهيئة الظروف المناسبة لمنح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية لتتمكن من تحقيق أهدافها بداية بتوحيد المؤسسات مرورا برفع المعاناة عن الشعب الليبي وصولا إلى تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد.  كما التقى المنفي أيضا في مدينة البيضاء شرق ليبيا عددا من أعضاء مجلس النواب وعمداء للبلديات والعديد من الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية والعسكرية والأمنية بالإضافة إلى أكاديميين وأساتذة جامعيين، وقد تباحث المنفي خلال تلك اللقاءات وجهات النظر حول المرحلة القادمة، كما ناقش معهم التحديات التي تواجه السلطة التنفيذية الجديدة. فيما قدمت هذه الشخصيات دعمها له بتوليه رئاسة المجلس الرئاسي.

ومن صفوة القول، تواجه السلطة التنفيذية الجديدة العديد من التحديات:

  • أولها منح الثقة للحكومة الجديدة بحيث أنه بالرغم من حالة التفاؤل السائدة خصوصا بعد زيارة المنفي إلى الشرق الليبي، فهناك مخاوف في أن تحُول حالة الانقسام في البرلمان الليبي بين طبرق وطرابلس دون منح الثقة لحكومة عبد الحميد دبيبة،
  • ثانيها: إخراج المقاتلين والمرتزقة من جميع الأراضي الليبية خصوصا بعد انتهاء مهلة 90 يوما المحددة منذ التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020 دون تنفيذ أهم بند في الاتفاق، ويعد هذا الملف من أكثر الملفات تعقيدا التي ستواجه عمل السلطة الجديدة التي تسعى إلى توحيد القوات المسلحة الليبية،
  • ثالثها: التحدي الأمني والاقتصادي، تمثل هذه التحديات الهاجس الأكبر للسلطة الجديدة، خاصة في ظل الانفلات الأمني الذي تعرفه العديد من المناطق الليبية، هذا الوضع الذي أفرزته الحرب الدائرة منذ سنوات، والتي أصبحت من خلالها ليبيا ملاذا للمقاتلين والمرتزقة. كما جاءت هذه السلطة في ظل ظروف اقتصادية صعبة في ظل تردي أوضاع الشريان الرئيسي للاقتصاد الليبي ألا وهو النفط الذي تراجعت عائداته إلى مستويات قياسية،
  • رابعها: الأطماع الخارجية من طرف قوى إقليمية ودولية، فليبيا تعتبر ساحة لتنازع مصالح العديد من القوى الإقليمية والدولية هذه الأخيرة التي كانت سببا رئيسيا في تفاقم الأزمة الليبية، لذلك فعلى الرغم من التوافق الدولي والإقليمي على اختيار السلطة التنفيذية الجديدة إلا أن هذه الأخيرة ستكون في مواجهة هذا العائق لأن الواقع يظهر تغليب هذه القوى لمصالحها الاستراتيجية.([1])

([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.