تقارير المرصد المغاربي: المشهد الليبي – 01

تشهد الساحة الليبية العديد من التطورات الميدانية بعد ما عرفت الأشهر الماضية أحداثا متسارعة جراء العملية التي أطلقتها قوات الوفاق الوطني والتي تمخض عنها تغيير في موازين القوى على أرض الواقع والتي تحولت لصالح قوات الوفاق بعد دحرها لميليشيا حفتر وإلحاقها العديد من الهزائم على خط محاور استراتيجية كانت تستعملها تلك الميليشيات لتنفيذ هجماتها على الغرب الليبي وعلى رأسها طرابلس وترهونة التي كانت المفتاح الرئيسي لإحراز قوات الوفاق تقدم نحو الوسط الليبي، ومن تم انتقالها للمحور الأمامي الرابط بين الغرب والشرق باتجاه مدينة سرت-الجفرة التي تعتبران أرض المعركة الحاسمة التي يمكن من خلالها القضاء على ميليشيا حفتر أو إضعافها إلى حد كبير من أجل تسهيل مهمة الوصول إلى الشرق، وبالتالي إحكام السيطرة على كامل المناطق التي كانت في حوزة خليفة حفتر وميليشياته، وإلحاق الهزيمة حتى بحلفائه الإقليميين والدوليين.

وقد تمثلت أبرز الأحداث الميدانية والتقدم العسكري في شهر يوليو الذي عرف هدوءًا نسبيا من طرف قوات الوفاق التي تستعد للدخول والسيطرة على سرت-الجفرة في الوقت المناسب، في المقابل فلا زالت ميليشيا حفتر تستخدم محاولاتها اليائسة من أجل التغطية على خساراتها الكبيرة التي تلقتها طيلة الأربع الأشهر الماضية:

أولاً: على مستوى تقدم قوات الوفاق:

أكدت قوات الوفاق أنها قامت بتعزيز قدراتها في مختلف المناطق العسكرية إلى منطقة بوقرين شرق مصراتة، بحيث تم توزيع القوات التابعة لها إلى المعدات العسكرية من أسلحة وذخائر على مختلف محاور القتال وذلك استعدادا للتقدم نحو سرت-الجفرة، وبالتالي انتظار التوقيت الحاسم للدخول والسيطرة عليهما. وفي خضم ذلك أعلن قادة وعسكريين بقوات الوفاق تحرك 200 مركبة من شرق مصراتة على ساحل البحر المتوسط نحو مدينة تاورغاء، والتي تعتبر الطريق إلى سرت.

كما أعلنت قوات الوفاق عن جاهزيتها الكاملة لأي هجوم محتمل لميلشيا حفتر، في ظل ما تخطط له الأخيرة وذلك عن طريق الاستعانة بعدد كبير من المرتزقة، بحيث تم رصد تحركات هؤلاء الذين تم تجنيدهم خصيصا لإقامة تحصينات دفاعية في سرت والجفرة. وقد أكدت غرفة العمليات الخاصة بهذه المرحلة، بأنها تأخذ بعين الاعتبار كل هذه المؤشرات للاستعداد لأي احتمالات للهجوم المعادي.

وفي ظل التفوق الميداني لقوات الوفاق، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الاستخبارات التركية ساهمت بشكل فاعل وفعال في تغيير قواعد اللعبة على الأرض من خلال وقف تقدم ميليشيات حفتر ودحرها وإلحاق خسائر فادحة على مستوى أفرادها ومعداتها، وذلك بفضل الدعم المعلوماتي والعملياتي التي قدمته الاستخبارات التركية.

وفي موضوع آخر، واصلت فرق إزالة الألغام التابعة لقوات الوفاق تدمير الأطنان من المتفجرات التي زرعتها ميليشيات حفتر في جنوب العاصمة والتي كانت تتواجد بين المناطق السكنية وداخلها في مناطق متفرقة أهمها: محاور صلاح الدين، الحيرة، عين زارة، المشروع ووادي ربيع وغيرها. وذلك بهدف ضمان عودة آمنة للمدنيين عقب تطهير جل هذه المناطق من الألغام.


ثانياً: رصد إمدادات روسية لخليفة حفتر:

كشفت قوات الوفاق أنها ترصد بشكل متواصل الدعم الروسي لخليفة حفتر وميليشياته من خلال وصول رحلات جوية لطائرات شحن من سوريا متجهة إلى مطار بنغازي ومطار الأبرق الدولي، وعلى متنها العديد من المرتزقة التي جندتهم روسيا والعتاد العسكري.

وفي هذا الجانب أكدت قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، أن روسيا تلعب دورا غير مفيد في ليبيا بتقديمها الدعم إلى مجموعة “فاغنر” في عملياتها البرية والجوية، بحيث تم رصد العديد من طائرات الشحن العسكرية الروسية التي تقوم بدور تزويد مقاتلي فاغنر في ليبيا بمعدات دفاع جوي ومدرعات مقاومة للألغام.

وقد أفادت “أفريكوم” أن لديها أدلة واضحة على قيام شركة “فاغنز” بزرع ألغام ومتفجرات في العاصمة الليبية طرابلس وما حولها، وذلك من خلال أدلة مصورة وموثقة، تظهر وضع فخاخ متفجرة وحقول ألغام مزروعة بشكل عشوائي في ضواحي طرابلس وصولا إلى مدينة سرت. بحيث أكدت قوات الوفاق ذلك عند مسحها المناطق التي كانت تسيطر عليها ميليشيا حفتر، واكتشافها العديد من الألغام والمتفجرات روسية الصنع وعليها كتابات باللغة الروسية.

تقارير المرصد المغاربي: المشهد الليبي - 01

وفي إطار هذا الموضوع، دعا مندوب ليبيا في الأمم المتحدة روسيا إلى سحب المرتزقة التابعين لشركة “فاغنر” الروسية أو المرتزقة الذي تجلبهم من سوريا والسودان وتشاد ليقاتلوا إلى جانب حفتر في ليبيا. كما انتقد المندوب الليبي موقف المجتمع الدولي والتزامه الصمت تجاه جرائم حفتر التي ارتكبها في محاولته السيطرة على طرابلس ومدن الغرب الليبي.

أما مؤسسة النفط الليبية، فقد أدانت بشدة تواجد عدد كبير من المرتزقة التابعين لمجموعة “فاغنر” الروسية، في المنشآت النفطية والتي يتم استعمالها كمواقع حربية، هذا الأمر الذي من الممكن أن يتسبب في دمار منشآت النفط والغاز. وعلى إثر ذلك طالبت المؤسسة بانسحاب هؤلاء المرتزقة الذي ينفذون أوامر جهات أجنبية من مصلحتها إيقاف الإنتاج النفطي الليبي، كما طالبت المؤسسة بعثة الأمم المتحدة إرسال مراقبين للإشراف على عملية إنهاء الوجود العسكري في مجموع المناطق والمنشآت النفطية في كافة أنحاء ليبيا.


ثالثاً: رصد إمدادات مصرية/إماراتية لخليفة حفتر:

على الرغم من الخسائر التي تلقاها حفتر وداعموه من الخارج خصوصا الإمارات ومصر، فلا زالت هذه القوى تقدم دعما مباشرا له سواء عسكري أو تمويلي، بحيث تم رصد وفي فترات متقاربة من شهر يوليو وصول إمدادات عسكرية عبارة عن أسلحة وعتاد حربي قادمة من مصر إلى مدينة طبرق، وذلك بهدف دعم ميليشيات حفتر على جبهة سرت-الجفرة وذلك بحسب ما صرح به المركز الإعلامي لعملية البركان.

ومن جانبها، استعانت الإمارات بالمرتزقة التابعين لشركة ” ريفلكس رسبونسيز” للاستشارات الأمنية الذي يديرها الضابط الأمريكي السابق الملاحق قضائيا بتهم جنائية “إيريك برنس”، وفي هذا الجانب تعتمد الإمارات على محمد دحلان، الذراع الأمني لولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، لتوظيف مقاتلين ومرتزقة في ليبيا ومناطق أخرى تتورط الإمارات في حروبها وصراعاتها وذلك من أجل تنفيذ مخططاتها الهادفة إلى تعزيز نفوذها وتأمين مصالحها في المنطقة خصوصا بليبيا. كما استعانت شركة “الدرع الأسود”/ بلاك شيلد للخدمات الأمنية الإماراتية بأربعة آلاف جندي من قوات الدعم السريع التابع للجيش السوداني وذلك بعد اتفاق مع نائب رئيس المجلس الانتقالي السوداني محمد حمدان حميدتي، بحيث تم توظيف هذه القوات لحماية المنشآت النفطية في ليبيا، كما تم الاستعانة أيضا بمرتزقة الجنجويد المرتبطين بحميدتي لتعزيز قدرات ميليشيا حفتر في تنفيذ الهجوم على طرابلس.

وفي هذا الإطار، انتقد مندوب ليبيا انتقائية عمل لجان العقوبات الأممية التي يتم توظيفها لتحقيق مآرب سياسية لدول معينة، بحيث اعتبرها جهازاً غير مجدي لأنها لم تتمكن من ردع وإيقاف الجرائم التي ارتكبها حفتر وأبرز داعميه ميدانيا مصر والإمارات. في سبيل فرض عقوبات عليهم لتقويضهم السلم والأمن على الأراضي الليبية.


رابعاً: تهديدات السيسي بالتدخل عسكريا في ليبيا:

تصاعدت تهديدات نظام السيسي بالتدخل العسكري في ليبيا في الآونة الأخيرة، خصوصا عند استقباله لمشايخ وأعيان قبائل ليبية بالعاصمة المصرية القاهرة، بحيث أكد من خلال هذا اللقاء، “أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الهجوم على سرت، كما دعا أبناء القبائل الليبية إلى الانخراط في ما سماه جيش وطني موحد وحصر السلاح في يد دولة المؤسسات دون غيرها”.

وفي خضم هذه التهديدات المتواصلة، فقد فوض البرلمان المصري رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي باتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل إرسال قوات خارج الحدود بالاتجاه الغربي بليبيا، وذلك تحت عنوان الحفاظ على الأمن القومي المصري.

وقد أفاد بيان التفويض، أن مهمة هذه القوات تتمثل في الدفاع عن الأمن القومي في الاتجاه الاستراتيجي الغربي لليبيا، ضد ما أسمته أعمال الميليشيات الإجرامية والعناصر الإرهابية الأجنبية في مهام قتالية إلى حين انتهاء مهامها.

وفي موضوع تحديد توقيت تحرك القوات المصرية، أكد البيان أيضا أن لهذه القوات وقيادتها الصلاحية الدستورية والقانونية لتحديد زمان ومكان الرد على هذه الأخطار والتهديدات.

وفي ظل التجاذبات حول هذا الموضوع، أعلن حكماء وأعيان قبائل ليبية، رفع دعوى قضائية ضد ممثلي قبائل ذهبوا إلى مصر وطالبوا بتدخل الجيش المصري بمهاجمة واحتلال أراضي ليبيا تحت ذريعة مساعدة مجرم الحرب حفتر، مؤكدين أن هؤلاء لا يمثلون إرادة الشعب الليبي، ويمارسون رغباتهم التي فرضها عليهم الانقلابي خليفة حفتر وداعميه من الخارج، مشيرين إلى أن ذلك يتعارض بشكل صارخ مع مبادئ القانون الدولي وأهداف الأمم المتحدة.

كما اعتبر المجلس الرئاسي للحكومة الليبية، لقاء السيسي بشيوخ قبائل ليبية في القاهرة مهزلة حقيقية تورط بها عدد من الليبيين متوعدا إياهم بالملاحقة القضائية، مؤكدا في نفس الوقت أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي أمام مهاجمة مدينة سرت، معتبرا ما جاء به لقاء السيسي على أنه استمرارية للنهج والسلوك العدواني تجاه ليبيا وشعبها، وأن التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد ما هو إلا بهدف تحقيق الاستفادة من ثرواتها.

كما أشار المجلس إلى أن تصريحات السيسي تعتبر تهديدا للأمن القومي الليبي ووحدة ليبيا وسلامة أراضيها، وذلك في محاولة منه للتغطية على مشاكل مصر الداخلية.

أما الخارجية الليبية، فقد وصفت تصريحات السيسي بأنه تدخل سافر في الشأن الداخلي الليبي، كما اعتبرته تكرارا لتصريحاته السابقة التي لا تهدف للسلام، لكنها تؤجج وتوسع بؤرة الصراع.

وأمام تزايد سيل تهديدات نظام السيسي بالتدخل عسكريا في ليبيا، اجتمع وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، مع كل من وزير الداخلية والأمن القومي المالطي بيرون كاميلاري، ووزير الداخلية بحكومة الوفاق الوطني الليبية فتحي باغاشا، وذلك بهدف التعاون الأمني من أجل الحفاظ على استقرار ووحدة ليبيا ضد أي اعتداء على أراضيها.

وقد أكد خلوصي أكار، إنه يجب قطع الطريق على حفتر وداعميه، لأنهم يشكلون خطرا على أمن ووحدة الأراضي الليبية، بحيث تسببت هجماتهم في مقتل الكثير من الليبيين وفي دمار البنية التحتية والمؤهلات الاقتصادية الليبية، كما شكلت عائقا أمام تحقيق السلام والاستقرار في هذا البلد. أما وزير الداخلية الليبي من جانبه، فقد أشار إلى أن دعم الأمن الليبي هو استقرار لأمن المنطقة برمتها. كما أكد أن اعتداءات حفتر بمعية حلفاءه تساهم في زعزعة ليس أمن واستقرار ليبيا فحسب، بل تشكل تهديدا خطيرا على المنطقة بأكملها.

ومن جانبه، انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الدور المصري، المنخرط في مسار غير شرعي الداعم لمجرم حرب ارتكبت جرائم لا حصر لها بحق الليبيين، متعهدا بمواصلة دعم الحكومة الشرعية في طرابلس على الرغم من تصاعد تهديدات السيسي بالتدخل عسكريا بليبيا، مؤكدا أن ذلك لن يقف عائقا أمام المسؤولية التي أخذتها تركيا بالالتزام بواجباتها المتمخضة عن مذكرتي التفاهم المبرمة مع الحكومة الليبية خصوصا تلك المتعلقة بالتعاون الأمني.

أما مستشار الرئيس ياسين أقطاي، فقد أكد أن بلاده تنظر بجدية لتفويض البرلمان المصري للسيسي بالتدخل عسكريا في ليبيا، وأنها ستراقب أي تحرك مصري داخل الأراضي الليبية، مشيرا إلى أن التواجد التركي هو قانوني جاء بناء على طلب الحكومة الليبية الشرعية على ضوء الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين.

ولم تتوقف تهديدات السيسي عند هذا الحد، بحيث قام الجيش المصري بتنفيذ مناورات واسعة -حسم 2020- في المنطقة المتاخمة للحدود مع ليبيا، والتي أكد من خلالها وزير الدفاع المصري محمد زكي، أنها تأتي في إطار خطة التدريب القتالي لتشكيلات ووحدات القوات المسلحة، ولكن الأسباب الحقيقية لهذه المناورة المفاجئة فقد جاءت كرد فعل من نظام السيسي بالتزامن مع إعلان تركيا عن إجراء مناورات بحرية كبيرة قبالة السواحل الليبية.

تقارير المرصد المغاربي: المشهد الليبي - 01

ومن كل ذلك، فإن تلميح السيسي بإمكانية التدخل العسكري في ليبيا مرتبط بعدة اعتبارات، فليبيا تعتبر بوابة السيسي للهروب والتغطية على فشله في تدبير أزمات مصر الداخلية والتي تفاقمت حدتها مع أزمة فيروس كورونا التي كانت لها تداعيات كارثية على مستوى المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، وكذا فشله في تدبير أهم ملفات السياسة الخارجية المصرية والتي تمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، وهي إخفاقه في الوصول إلى حل في أزمة سد النهضة مع وصول إثيوبيا لمرحلة تخزين المياه وملء السد، وكذا تنازله على مواقع مهمة في المتوسط التي تحتوي على ثروات كبيرة من الغاز الطبيعي لصالح إسرائيل واليونان.


خامساً: تطورات الموقف المغاربي من المشهد الميداني الليبي

في مقابل التطورات الميدانية التي شهدتها ليبيا على إثر تصاعد الواقع العسكري في ظل تزايد الاستقطاب الخارجي، شهدت العواصم المغاربية تحركات دبلوماسية واسعة ومكثفة من أجل بحث التطورات التي عرفتها الساحة الليبية بالخصوص بعد تصاعد تهديدات نظام السيسي بالتدخل العسكري المباشر في ليبيا، وطرحه لمبادرة جديدة في تجاهل تام لاتفاق الصخيرات الذي يعتبر المرجعية الأساسية لحل الأزمة الليبية، وفي إطار ذلك فقد قوبلت التحركات المصرية بالرفض من دول تونس والجزائر والمغرب، هذه الدول التي تؤكد وقوفها على مسافة واحدة من جميع الأطراف الليبية ورفضها للتدخلات الخارجية. وتتمثل أبرز هذه المواقف في التالي:

1ـ الموقف التونسي:

تلتزم تونس بموقف الحياد في الأزمة الليبية بحيث تقف على مسافة واحدة من أطراف النزاع، لكن على الرغم من ذلك تحاول لعب دور دبلوماسي لحل الأزمة نظرا للارتباط الجغرافي بين البلدين والذي يؤثر أمنيا على تونس نظرا لتصاعد حدة الخيار العسكري نتيجة تعاظم التدخل الخارجي. ومن جانب آخر، فقد تسببت الأزمة بأضرار كبيرة على الاقتصاد التونسي بحيث أن تفاقم الأزمة أعاق بشكل كبير نمو اقتصاد البلاد، بل الأبعد من ذلك، فقد تسببت الأزمة الليبية بتوتر سياسي وخلاف حاد بين الأحزاب الليبية وعلى رأسها حركة النهضة و الحزب الدستوري الحر.

ومن أجل ذلك، حاولت تونس مؤخرا، الدخول على خط الحراك الدبلوماسي لحلحلة التسوية السياسية للأزمة، بحيث أكد وزير الخارجية التونسي السابق، نور الدين الري، أن موقف تونس واضح تجاه الأزمة ويرتكز على القرارات الدولية انطلاقا من دعمه للشرعية المتولدة عن الاتفاق السياسي للصخيرات وذلك في إشارة واضحة للمبادرة التي تقدم بها السيسي بشأن ليبيا، كما أشار أن بلاده تتفاعل بشكل دائم مع جميع الأطراف الليبية والدولية الفاعلة من أجل السعي لإيجاد صيغة ناجعة لإحياء المسار السياسي لحل الأزمة الليبية في إطار حل سياسي ليبي-ليبي بعيدا عن التدخلات الخارجية، وذلك عبر إقناع الفرقاء الليبيين على ضرورة العودة إلى نافذة الحوار لتقرير مصيرهم بأنفسهم حفاظا على أمن ليبيا  الذي يعتبر جزء من الأمن القومي التونسي. 

كما تتحرك تونس على خط محور الأزمة، باعتبارها عضو غير دائم بمجلس الأمن وممثلة للمجموعة العربية، بحيث تأخذ على عاتقها تفعيل دور الأمم المتحدة وخصوصا مجلس الأمن للعب دور أكثر حيوية في الملف الليبي، وذلك لإحياء الحوار عبر طاولة المفاوضات تحت الغطاء الأممي للابتعاد عن كل التجاذبات والتدخلات الأجنبية.

كما تعمل تونس في هذا الملف، بالتشاور مع دول الجوار خصوصا الجزائر، بحيث أكد وزير الخارجية التونسي السابق نور الدين الري خلال لقاء جمعه بنظيره الجزائري صبري قادوم، على تكثيف الجهود من أجل إيجاد حل سلمي للأزمة الليبية من أجل درء التدخلات الخارجية.

كما أكد الوزير التونسي سعي بلاده وبالتشاور والتعاون مع الجزائر وغيرها من الدول التي تسعى إلى إيجاد حل للملف الليبي، لدفع الأطراف الليبية المتنازعة نحو حل سياسي توافقي بفتح المجال أمام بناء دولة المؤسسات في المستقبل.

كما جددت الخارجية التونسية دعم تونس لحكومة الوفاق الشرعية المعترف بها دوليا، بحيث تتطلع إلى إيجاد حل سياسي في ليبيا يؤدي إلى استقرار البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بهدف إنهاء النزاع الدائر في الجارة الشرقية الجنوبية منذ 2011، كما أكدت استمرار التنسيق مع السلطات الليبية الشرعية لبلورة رؤى موحدة حول القضايا التي تمس أمن البلدين.

ومن كل ذلك، فتشكل مستجدات المشهد الليبي تحديا لتونس التي أعلنت منذ البداية الحفاظ على ثوبتها الدبلوماسية المتمثلة بالتزامها الحياد الإيجابي وذلك في سياق الحل السلمي للنزاع الدائر هناك وعدم الاصطفاف وراء أي من الأطراف سواء داخليا أو خارجيا، ولذلك تراهن تونس على إعادة الفرقاء الليبيين إلى مائدة المفاوضات للوصول إلى صيغة توافقية تحت رعاية الشرعية الدولية ممثلة بمنظمة الأمم المتحدة، وذلك بهدف ترجيح كفة الحل السياسي لإنهاء الخيار العسكري للوصول إلى تسوية للأزمة تكون البوابة الرئيسية لمصالحة وطنية تشمل جميع الأطياف الليبية من أجل إعادة بناء الدولة الليبية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بشكل مترابط.

2ـ الموقف الجزائري:

بعد غياب عن المشهد الإقليمي، عادت الجزائر بعد وصول عبد المجيد تبون إلى الحكم لتلعب دورا محوريا في العديد من القضايا الإقليمية وعلى رأسها الأزمة الليبية خصوصا في ظل التطورات الأخيرة في المشهد الليبي الذي يشهد احتقانا حادا بسبب اشتداد المعارك العسكرية على ضوء تزايد التدخلات الخارجية.

وتبني الجزائر موقفها انطلاقا من استعدادها لأن تكون وسيطا إقليميا فاعلا في حل الأزمة الليبية بناء على جهودها في تدعيم التنسيق والحوار بين الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية، في سبيل الدفع بمسار التسوية السياسية للأزمة عن طريق الحوار الشامل بين مختلف الفرقاء الليبيين لإعادة الاستقرار والأمن لهذا البلد.

كما تدعم التصريحات الرسمية للمسؤولين الجزائريين على ضرورة أن يكون الحل ليبيا للأزمة وبدعم من المجتمع الدولي، مع التأكيد على رفض التدخلات الأجنبية واحترام تنفيذ قرارات الشرعية الدولية.

وفي إطار التحركات الدبلوماسية الجزائرية للوساطة في الأزمة الليبية، فقد اتفقت كل من روسيا والجزائر خلال اجتماع لوزيري خارجية البلدين في موسكو على إنشاء آلية التنسيق والتشاور بشأن الأزمة الليبية تخص توحيد الجهود بشأن المساعدة والمساهمة للتوصل إلى حل للأزمة الليبية.

كما أكد وزير الخارجية الجزائري أن المسار السياسي لا بديل عنه، داعيا إلى ضرورة تخفيف التصعيد العسكري في سبيل الوصول إلى حل سياسي تحت إطار الشرعية الدولية، وفي ظل احترام مخرجات مؤتمر برلين الذي صادق عليه مجلس الأمن.

وكان وزير الخارجية الجزائري، قد حذر خلال لقاءه بنظيره الإيطالي بالعاصمة الإيطالية روما من تداعيات تقسيم ليبيا وتأكيده على معارضة بلاده لجميع الأفكار المتعلقة بتقسيم ليبيا، لأن ذلك سيكون له تداعيات خطيرة ليس على ليبيا فقط بل على المنطقة بأكملها.

وفي تطورات الموقف الجزائري من الأزمة الليبية، فقد نفت وزارة الدفاع الجزائرية، ما تردد من أخبار تروج عبر بعض الصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي والمنسوبة لقائد أركان الجيش، الفريق سعيد شنقريحة، يدعو فيها إلى الاستعداد لتدخل عسكري في ليبيا، مؤكدة أنها أخبار زائفة تقف وراءها جهات تستهدف الجزائر وذلك من أجل زرع البلبلة وتوجيه الرأي العام الوطني للاصطفاف وراء أجندات مشبوهة.

مؤكدة على موقف الجزائر الحيادي الذي يقف على مسافة واحدة من جميع أطراف الصراع الليبي، والداعي إلى الانفتاح على حوار ليبي-ليبي يفضي في النهاية إلى حل سياسي دائم من أجل إحلال السلام والاستقرار والازدهار للجارة ليبيا.

كما أشارت إلى أن رئيس الجمهورية الذي هو يتقلد منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع، هو السلطة الوحيدة التي يحق لها دستوريا إصدار المواقف الرسمية للجزائر تجاه أي من القضايا الخارجية خصوصا قضايا النزاعات والأزمات.

ومن جانبه، كشف الرئيس الجزائري أن بلاده لديها مبادرة لحل الأزمة الليبية بالتنسيق والتشاور مع ممثلة المجموعة العربية بمجلس الأمن تونس تحظى بتأييد الأمم المتحدة، كما ألمح في لقاء تلفزي له عن رفض بلاده تسليح القبائل الليبية، لأن ذلك يشكل انحرافا خطيرا في الأزمة سينعدم من خلاله الحل السياسي في مقابل زيادة وثيرة الحل العسكري، وذلك كإشارة ضمنية رفضه لتصريحات السيسي التي ألمح من خلالها إلى إمكانية التدخل عسكريا في ليبيا عبر بوابة دعم وتأييد شيوخ وأعيان بعض القبائل الليبية.

ومن كل ذلك، فالمقاربة الجزائرية الرسمية لحل الأزمة الليبية تقوم بالاعتماد على مبدأ الحل السياسي في مقابل رفض الحل العسكري، مع الرهان على إقناع طرفي النزاع الليبي إلى العودة إلى طاولة المفاوضات هذا من جهة، ومن جهة أخرى محاولتها تقديم نفسها على أنها الوسيط الإقليمي الأجدر الذي يمكن الاعتماد عليه للدفع بالمسار السياسي لحل الملف الليبي.

3ـ الموقف المغربي:

واصلت الدبلوماسية المغربية تفعيل دورها لحل النزاع الليبي في ظل تسارع الوضع الميداني وفشل التسوية السياسية، بحيث لا زالت تعتمد الرباط على مبدأ الحياد الإيجابي والبناء كعنصر أساسي للدفع بالمسار السياسي لحل الأزمة.

ومن أجل ذلك حاول المغرب، بالرغم من الإكراهات التي قيدت دوره نتيجة تفاقم الواقع العسكري، على إثر انقلاب خليفة حفتر على الحل السياسي، طرح مبادرة جديدة لحل الأزمة الليبية من خلال تطوير بنود اتفاق الصخيرات وذلك خلال الاجتماع الطارئ لمجلس الجامعة العربية حول الأزمة الليبية، بحيث تقوم هذه المبادرة بإنشاء فريق مصغر من دول عربية معنية بالملف الليبي، من أجل وضع تصور استراتيجي هدفه إيجاد تسوية سياسية لإنهاء الصراع الدائر في ليبيا من خلال العمل العربي المشترك. كما دعت المبادرة إلى ضرورة الانفتاح على الأطراف الليبية كافة من أجل تقريب وجهات نظرها لتسهيل المسار السياسي. وتشكل هذه العناوين تصورا استراتيجيا مشتركا عبر بوابة التكتل الإقليمي يفتح مسارا فعليا وفعالا في سبيل إيجاد تسوية للأزمة.

وكانت الرباط قد رفضت أي اتفاق جديد بشأن الأزمة الليبية، وذلك كرد على المبادرة التي أطلقها السيسي أو ما سمي بإعلان القاهرة، وهذا ما أعلن عنه صراحة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة خلال لقائه بنظيره الليبي محمد سيالة، الذي أكد من خلاله تمسك المغرب باتفاق الصخيرات باعتباره المرجع الأساسي لأي حل سياسي في ليبيا. لحصوله على تزكية مجلس الأمن والمجتمع الدولي.

وفي خضم هذه التصريحات أكد رئيس الدبلوماسية المغربية أنه لا يمكن، تجاوز اتفاق الصخيرات بدون بديل ينال التأييد الليبي والدولي، مذكرا أن الاتفاق يحتاج إلى التحديث لأن بعض بنوده أصبحت متجاوزة، موضحا أن المملكة ترحب بأي جهود ومبادرات تصب في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين في سبيل الدفع نحو حل هذه الأزمة المستمرة منذ 2011.

وقد واصلت الدبلوماسية المغربية تفعيل دورها لحل الصراع الليبي في ظل تسارع الوضع الميداني وفشل التسوية السياسية، بحيث شهدت العاصمة الرباط حراكا في 26 و27 من يوليو 2020 تمثل في زيارة وفود ليبية وعلى رأسها ممثل الشرعية في ليبيا رئيس المجلس الانتقالي طارق المشري، وفي الطرف المقابل رئيس مجلس برلمان طبرق، عقيلة صالح.

بحيث أفرزت المحادثات بين الأطراف الليبية والمسؤولين المغاربة، ضرورة تعديل اتفاق الصخيرات وفق المستجدات التي عرفها الملف الليبي، وهذا ما أكده وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، الذي أشار إلى أن اتفاق الصخيرات بحاجة إلى تطوير وفق تغيرات المشهد السياسي الليبي، موضحا في الوقت نفسه أن المملكة ضد تعدد المبادرات التي لا تزيد الوضع إلا تعقيدا. مشيرا إلى أن ليبيا بحاجة إلى دعم لاستمرار المسار السياسي، لأن الحرب ليست في مصلحة الجميع. ومن كل ذلك، فعلى الرغم من التطورات المتسارعة على الساحة الليبية، فقد تشبث المغرب بموقفه إزاء الأزمة الليبية الداعم للحوار الليبي-الليبي الذي يعتبر المسار المنطقي من أجل إنجاح المسار السياسي للخروج بتسوية نهائية للأزمة الليبية. ([1])


([1]) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المرصد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.