جملة من المؤشرات الدالة على أن الاقتصاد التركي يقف على أرض صلبة

طمأن الرئيس أردوغان المجتمع الاقتصادي المحلي والعالمي بسرعة عودة الثبات لليرة التركية مبشراً بأوضاع اقتصادية أكثر تميزاً للاقتصاد التركي في أعقاب انقشاع تداعيات أزمة كورونا.

تابع كثيرون تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان الأخيرة التي صرح خلالها أنه سيعقد اجتماعاً لمجلسه الاقتصادي لبحث التطورات في سعر الليرة، مضيفاً أن تركيا سبق أن واجهت مثل هذه الهجمات وأنها تقف على “أرض صلبة”.

وسبق للرئيس اردوغان ان طمأن المجتمع الاقتصادي المحلي والعالمي بسرعة عودة الثبات لليرة التركية مبشراً بأوضاع اقتصادية أكثر تميزاً للاقتصاد التركي في أعقاب انقشاع تداعيات أزمة كورونا.

وقد أثارت تصريحات الرئيس تساؤلات عن طبيعة الأرض الصلبة التي تحدث عنها، علاوة على الأدوات التي تملكها الإدارة الاقتصادية للسيطرة على الانخفاضات المتوالية لسعر الليرة، والتي باتت صداعاً في رأس الاقتصاد التركي، لا سيما بعد الهبوط الأخير والذي وصف بالقياسي حيث هبطت فيه الليرة أكثر من 0.25% لتبلغ 7.3880 مقابل الدولار والذي وصف بأنه الهبوط ذو السرعة الكبرى مقارنة بنظيره خلال الأزمة المالية في 2018.

ومن الواضح أن الرئيس بنى موقفه على المؤشرات الاقتصادية التركية التي تحققت في الربع الأول من العام الحالي، بالإضافة إلى الانطلاقة الاقتصادية الجيدة التي حدثت مع نهاية العام الماضى، حيث تشير المؤشرات إلى تنامي الاقتصاد التركي بتسجيله نمواً 4.5% خلال الربع الأول من 2020، كما حقق القطاع الزراعي نمواً بنسبة 3%، في حين حقق القطاع الصناعي 6.2%، في حين حقق قطاع الخدمات (شاملاً قطاع الإنشاءات) معدل نمو 3.2%، وهي البداية التي وصفت بالإيجابية خاصة بعد نمو 6% خلال الربع الأخير من 2019، كما أنها أعطت مؤشراً لنجاح الخطوات الاستباقية التي جرى اتخاذها قبل وصول جائحة فيروس كورونا إلى تركيا، في مارس/آذار الماضي.

ورغم التوقعات المنطقية التي تشير إلى إمكانية انكماش الاقتصاد بنسبة قد تصل إلى 11.6% في الربع الثاني، مقارنة بالربع الأول، وذلك بسبب تداعيات الجائحة، والتي تسببت في الانكماش الحاد في قطاع السياحة، إلى جانب تعطل نشاط الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر سوقها الرئيسي، إلا أن الرئيس من الواضح أنه يعول كثيراً على التوقعات التي تشير إلى أن تركيا ستصبح ثالث أسرع دول العالم نمواً في الربع الأخير من 2020 بعد الفلبين والصين.

وقد قدر مسح لوكالة بلومبرج عودة نمو إجمالي الناتج المحلي التركي إلى التعافي بنسبة تصل إلى 5% في الربع الأخير من العام الحالي صعوداً من 1% في الربع الثالث، الأمر الذي دفع الوكالة للإشارة إلى أن تركيا ظلت تتمتع بزخم اقتصادي كبير حتى بعد أن عانت الليرة أسوأ انخفاض لها فى العالم الناشئ مقابل الدولار الأمريكي في مرات سابقة.

كما أنه من الواضح أن الرئيس أردوغان يثق بصلابة الإجراءات الاقتصادية التي جرى إقرار بعضها قبل ظهور الجائحة، واستكملت لمكافحة تداعياتها، حيث طبقت تركيا حزمة سياسات تحفيزية تشمل خفض أسعار الفائدة لضخ السيولة التي تشتد الحاجة إليها في الأسواق وزيادة الإنفاق العام، وتحسين التدفق النقدي للشركات من خلال تأمين تدفق مستمر من الائتمان إلى الشركات الأكثر تضرراً.

كما يحاول البنك المركزي دعم التدفق النقدي للشركات المصدرة من خلال ائتمانات إعادة الخصم، كما قرر المركزي في إطار سعيه لتقديم ضمانات عالية الجودة للبنوك، تحويل الأوراق المالية المدعومة بالأصول والأخرى المدعومة بالرهن العقاري، إلى مجمع الضمانات، وستكون الأوراق من الدرجة الاستثمارية وبسعر مخفض، يختلف حسب مخاطر الاستحقاق.

كما اتخذت الدولة التركية العديد من الإجراءات الأخرى التي تبني عليها القيادة السياسية موقفها المتفائل من المستقبل القريب للاقتصاد التركي.

ففي الثامن عشر من مارس/آذار أعلن الرئيس أردوغان، إطلاق حزمة “درع الاستقرار الاقتصادي” التي تم بموجبها تخصيص أموال بقيمة 100 مليار ليرة تركية (15.4 مليار دولار أمريكي) للتخفيف من آثار كورونا، وشملت الحزمة 19 بنداً، تنوعت بين التخفيضات الضريبية، وتأجيل المدفوعات المستحقة للدولة من ضرائب، ومستحقات الضمان الاجتماعي، ودعم الشركات والمصدرين، وزيادة تعويضات العمال، وأصحاب الحرف، والمعاشات التقاعدية وغيرهم ممن تضرروا من إجراءات الإغلاق بسبب الجائحة.

كما قامت البنوك الحكومية التركية بدور كبير في إعادة تنشيط الحياة الاقتصادية من خلال حملة لتمويل شراء عقارات بنسبة فائدة أقل من 1%، وبمدة سداد تصل إلى 15 عاماً، مع إمكان عدم دفع أي أقساط خلال السنة الأولى من الحصول على القرض، بالإضافة إلى حزمة تمويل لشراء السيارات بفائدة أقل من 1% كذلك، وحزمة ثالثة لدعم الأسر التي تحتاج إلى قروض لتسيير أمورها المعيشية خلال فترة الوباء، وبمعدل فائدة 0.55% فقط، وحزمة رابعة لدعم الأسر التي ترغب في قضاء العطلة، بمعدل فائدة 0.67%، وبآجال سداد 36 شهراً.

هذا بالإضافة إلى المبادرات التي استهدفت دعم القطاع الزراعي، وكان أهمها دعم الأعلاف لأصحاب الأعمال التجارية الصغيرة لحماية مربي المواشي ومنتجي الحليب من الضرر، بالإضافة إلى تقديم الدعم للعاملين في مجال إعمار المناطق النائية، وكذلك للعائدين إلى الريف، علاوة على المزارعين العاملين بالإنتاج الحيواني، وقد بلغت قيمة تلك المساعدات ملياراً و572 مليوناً و500 ألف ليرة تركيا.

ورغم أنه من المبكر الحكم على آثار الحزم المختلفة التي أطلقتها الإدارة التركية، الا أن المؤشرات المبدئية تدعم وجهة نظر الرئيس بمتانة الاقتصاد التركي، فمن ناحية تحسن مؤشر مديري المشتريات الصناعي مسجلاً 53.9 نقطة خلال يونيو/حزيران، بقيمة كانت الأعلى بين نظيراتها في جميع بلدان العالم التي جرى الإعلان عن بياناتها، وهو ما يعكس تفاؤل مديري المشتريات في الشركات في الفترة المقبلة.

ومن جهة أخرى حققت الصادرات التركية في يوليو/تموز زيادة بنسبة 11.5% مقارنة بشهر يونيو/حزيران لتبلغ 15 ملياراً و12 مليون دولار أمريكي، مما يعد علامة على سرعة تعافي قطاع الصادرات، علاوة على إعلان جهاز الإحصاء التركي عن ارتفاع مبيعات العقارات بنسبة بلغت 209.7% في شهر يونيو مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي.

تشير هذه النتائج المبدئية بالإضافة إلى الكثير من الصعوبات التي استطاع الاقتصاد التركي تجاوزها خلال الخمس سنوات الأخيرة، إلى أن حديث الرئيس أردوغان حول صلابة الأرض التي يقف عليها الاقتصاد التركي موجودة بالفعل، وأن تلاعب أيدي أصبحت معروفة بسعر الليرة لن يجدي نفعاً، وإن كان قطار الاقتصاد قد توقف قليلاً بسبب الجائحة فإنه سرعان ما سيعاود الانطلاق مرة أخرى.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.