سياسة العقوبات الأمريكية والأوروبية على تركيا

رامى الجندى

أمريكا والاتحاد الأوروبي يفرضان عقوبات على تركيا. واللافت للنظر أن العقوبات فرضت في وقت واحد، رغم الاختلاف التام بين أسباب العقوبات التي تم الاستناد إليها. فما هي القرارات؟ وما هي دوافعها؟ وماذا عن ردود الأفعال التركية على تلك القرارات؟

فقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية، فرض عقوبات على أنقرة على خلفية شرائها واختبارها منظومة صواريخ “إس 400” الروسية للدفاع الجوي. وأفادت وزارة الخزانة الأمريكية، في بيان بإدراج رئيس مؤسسة الصناعات الدفاعية بالرئاسة التركية (SSB) إسماعيل دمير، ومسؤولي المؤسسة مصطفى ألبر دنيز، وسرحات غانش أوغلو، وفاروق ييغيت، إلى قائمة العقوبات. وأفاد مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الأمن الدولي والحد من التسلح، كريستوفر فورد، بأن العقوبات المفروضة على المؤسسة التركية تشمل حظر إصدار تصاريح تصدير منتجات وتقنيات الولايات المتحدة. كما تم منع كل المؤسسات المالية الأمريكية والدولية من إسناد أي قرض أو دين بقيمة تتجاوز 10 ملايين دولار إلى المؤسسة التركية.

وفي تركيا؛ أكد نائب الرئيس التركي، فؤاد أوقطاي، أنه لا يمكن لعقوبات أي بلد كان أن يؤثر على موقف تركيا الشامخ، مشيراً إلى أن “قرار العقوبات الأمريكي سيزيد من تصميمنا على الخطوات التي نتخذها من أجل حماية مصالحنا القومية وصناعاتنا الدفاعية تحت قيادة رئيسنا”. كما أكد رئيس البرلمان مصطفى شنطوب أن العقوبات لا تتوافق مع روح التحالف ولا مع إرادة استعادة الحليف. وقال: لقد عفا الزمان على ذلك المفهوم الذي يظن أن تركيا ما تزال مقيدة في مجال الصناعات الدفاعية، وأن تركيا ستواصل اتخاذ كافة الإجراءات الحاسمة لحماية مصالح صناعاتها الدفاعية.

أما وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، فقال إن قرار العقوبات الأمريكية ضد أنقرة هزّ كافة قيم التحالف بين البلدين، مؤكدا على مواصلة جهود ضمان أمن تركيا وشعبها بحزم. وأضاف: نتخذ كل التدابير الضرورية من أجل أمن مواطنينا وبلدنا الواقع تحت تهديد جوي وصاروخي خطير. مؤكداً أنه من الواضح أن العقوبات ضد دولة عضو في الناتو لن تضر بروح التحالف فحسب بل ستقوض الثقة بين الحلفاء. ولفت أن العودة إلى التعاون والتضامن العسكري والسياسي، في قضايا الدفاع والأمن الإقليمية والعالمية مع الولايات المتحدة، التي كانت حليفتنا منذ الحرب الكورية، ستسهم في السلام والأمن الإقليميين والعالميين.

وفي إطار العقوبات الأمريكية على أنقرة؛ سيتوقف بنك التصدير والاستيراد في الولايات المتحدة (ExIm Bank) عن تقديم قروض للمؤسسة التركية. كما أشار كريستوفر فورد، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الأمن الدولي والحد من التسلح، إلى أن العقوبات لا تتعلق بما تمت مناقشته في قمة زعماء الاتحاد الأوروبي الأخيرة، بل فقط بشراء تركيا منظمة “إس 400”. وفي معرض رده على سؤال حول رؤيته لتركيا، قال: إنها علاقة معقدة وصعبة، تركيا لا تزال حليفتنا في الناتو، ونحن نولي قيمة كبيرة لمساهمتها فيه، وأشار إلى أن واشنطن قضت فترة طويلة لمحاولة إقناع تركيا بالتراجع عن شراء “إس 400″، عبر مفاوضات دبلوماسية والعقوبات جرت في إطار القانون.

ومن جهة أخرى دعا وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، تركيا إلى حل ما سماه مشكلة صواريخ “إس-400” في أسرع وقت ممكن بالتنسيق مع واشنطن. ووتُفرض العقوبات الأمريكية على تركيا وفق قانون معاقبة الدول المتعاونة مع خصوم الولايات المتحدة الأمريكية المعروفة بـ”كاتسا CAATSA”، الذي وقعه الرئيس دونالد ترامب، ودخل حيز التنفيذ في 2 أغسطس/آب 2017.

أما أوروبا؛ وفي أجواء من الانقسام وتباين في المواقف والآراء، عقدت 27 دولة يوم الجمعة 11 ديسمبر/كانون الأول آخر مجلس أوروبي لهذا العام في العاصمة البلجيكية بروكسل، ناقش فيه قادة الاتحاد الأوروبي الإجراءات المحتملة ضد أنقرة فيما يتعلق بأزمة شرق البحر المتوسط. على الرغم من أن التهديدات أثيرت ضد تركيا منذ أكتوبر/تشرين الأول، وحاولت ألمانيا منعها وعرض الوساطة فيها، فإن الأوروبيين دفعوا في اتجاه إقرار عقوبات فردية على تركيا، بسبب أعمال التنقيب عن الغاز في المناطق البحرية المتنازع عليها مع اليونان وقبرص. كما إنه لم يكن من السهل على قادة الاتحاد الأوروبي اتخاذ هذه الإجراءات التي استغرق النقاش فيها وقتاً طويلاً، لولا الدفع والسعي من بعض رؤساء الدول إلى إقرار عقوبات بحق تركيا، التي تعتبر الجار الكبير وأحد أعضاء حلف شمال الأطلسي، الذي يستضيف ملايين اللاجئين، بالإضافة إلى التلويح بمزيد من الإجراءات في شهر مارس/آذار 2021، إذا واصلت تركيا تحركاتها، في حين أن تركيا لا تزال متمسكة بحقوقها في شرق المتوسط.

تصريحات بعض رؤساء الاتحاد الأوروبي وقادته ومخرجات الجلسة؛ كشفت عن عدم انسجام في الرؤى وتباين في المواقف، أطراف تدعو إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع تركيا، في حين تقوم دول أخرى بدور التحريض، ومنها فرنسا التي رحب رئيسها إيمانويل ماكرون، بكون الاتحاد الأوروبي قد أظهر قدرته على أن يكون حازماً، وصرَّح في نهاية القمة: لقد منحنا تركيا فرصة في أكتوبر الماضي، لكننا لاحظنا بالإجماع أن تركيا واصلت أعمالها الاستفزازية. وكما هو معلوما؛ فإن الموقف الفرنسي من تركيا لم يكن مفاجئاً، فقد توترت علاقات البلدين مؤخراً بسبب الاختلاف حول عدد من القضايا كالتنقيب في شرق البحر المتوسط وملف قره باغ وليبيا وغيرها. ولم تكن فرنسا وحدها من سعت إلى التحريض والدعوة إلى التكتل ضد تركيا، فاليونان قامت بدعم نفس الموقف، حيث قال رئيس الوزراء اليوناني كرياكوس ميكوتاكيس، إن أثينا نجحت في تحويل الخلاف التركي اليوناني إلى خلاف تركي أوروبي، حيث تمسكت اليونان برفض المفاوضات مع تركيا بشأن شرق المتوسط وبحر إيجة، ودفعت إلى مزيد من التوتر في العلاقات بين البلدين. في المقابل حاول الطرف الألماني الدعوة إلى مزيد من الحوار مع تركيا، وفي تصريح سابق له، قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، إنه لا بد من ضرورة مواصلة الاتحاد الأوروبي مع تركيا.

أما وثيقة مخرجات المجلس الأوروبي، فقد دعت إلى زيادة الضغط على أنقرة لوقف التنقيب، وإعداد قوائم إضافية بشأن الآليات الحالية لمعاقبة المسؤولين الأتراك على النشاط في شرق المتوسط.

كما أشارت الوثيقة إلى ضرورة انسحاب السفينة Oruç Reis من أنشطة الاستكشاف في المنطقة المتنازع عليها، رغم أن اليونان تدعو إلى أن تتضمن الوثيقة صياغة وإجراءات أكثر صرامة. كما تضمنت الوثيقة، سعي الاتحاد الأوروبي للتنسيق بشأن مع الولايات المتحدة الأمريكية بالخصوص، على سبيل توثيق العلاقات السياسية الخارجية مع واشنطن بعد أن يتولى الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن منصبه في يناير/كانون الثاني القادم، والتأكيد أن المصلحة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي تكمن في تطوير علاقة تعاونية ومفيدة للطرفين مع تركيا. ولذلك فإن باب الحوار والمصالحة يبقى مفتوحاً للتوصل إلى حل دبلوماسي يرضي جميع الأطراف وفقاً للقانون الدولي.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.