سيكولوجيا الأوبئة: كورونا نموذجاً

كمال طيرشي

فيروس كورونا – كوفيد 19- مخيف، شئنا أم أبينا. ربما في قولي هذا ضرب من المبالغة كما هو واقع نعيشه حالياً ماثل أمامنا ولانقدر على فعل شيء، باستثناء مكوثنا القسري في البيت. نحن نحجر أنفسنا طوعاً أو كرهاً، هذا إذا أردنا النأي عن كل ما من شأنه يثير الرعب في كوامننا. إن المرض ينتشر بسرعة ومع هذا الانتشار تبدأ نفوسنا بالوجل. لا يوجد لقاح له حالياً أو حتى علاج وقائي، ولا نعرف حتى الخطورة الممكنة لهذا الوباءعلى المدى البعيد، وعلى وقع هذه الظروف يتسلل الهلع إلينا.

لماذا الهلع من الوباء ؟

الغريب في موجة الهلع هذه أنها محصورة في فيروس كورونا المستجد فقط، مع العلم أن الكثير من البشر يموتون بسبب الانفلونزا العادية، حيث تقدر مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) أنه من 20000 إلى 52000 شخص ماتوا بسبب الأنفلونزا العادية منذ شهر تشرين الأول -أكتوبر الماضي. على الرغم من أن بعض الأطباء أكدوا أن المرض يشكل تهديداً أكبر على أصحاب المناعة الضعيفة من كبار السن وأولئك الذين يعانون من أمراض تنفسية، أما الغالبية من الأشخاص الذين يصابون بالفيروس تظهر عليهم أعراض خفيفة يمكن معالجتها في البيت بالوسائل التقليدية البسيطة.وأما البعض الآخر فلا يعاني من الأعراض على الإطلاق برغم حمله للوباء في جسده.
قبل أن نحاول الإجابة عن السبب دعونا أولاً نعرف ماهية الهلع وفقاً لعلماء النفس. لقد أصبحت هذه الكلمة متداولة جدًّا في الأخلاقيات والنفسيات المعاصرة، لكن بمعنى مختلف قليلا، فهي تدلّ بنحوٍ خاصّ على استعدادٍ فطريّ فاعل أكثر ممّا هو منفعل قوامه عدم الاكتفاء بما هو كائن والبحث الدائم عمّا هو بعيد .

وعلّق جميل صليبا في معجمه الفلسفي على مفهوم الهلع قائلا: الهلع عند المتأخرين من فلاسفة الأخلاق وعلماء النفس، هو استعداد تلقائيّ للنفس يجعلها غير راضية بالواقع، فإذا تطلّع المرء إلى الأحسن والأفضل، ونظر إلى حياته الواقعية، فوجدها محفوفة بالمخاطر بعيدة عن تحقيق ما يصبو إليه من الكمال والسعادة، فإحساسنا بالهلع مثله كمثل من يركب سفينةٍ يلجُ بها بحرًا تعصف به الرياح من كلّ جانب فلا يجد أمامه شاطئًا أمينًا يلجأ إليه ولا مُعينًا ينقذه من الشقاء. وما الهلع الذي يشعر به المرء في هذه الحالة إلا حنين نفسٍ مستغيثة تنشدُ الاستقرار فلا تحصل عليه، وتطلب الاطمئنان فلا تجده إلّا في الإيمان بالإله. وقد يشتدّ الهلع حتى يصبح مرضًا، كما في نفوس أصحاب الوساوس الذي تغلب عليهم السوداوية، وتستحوذ على عقولهم التصوّرات المؤلمة التي لا سبيل إلى دفعها، فلا يخطر ببالهم عند القصد إلى العمل إلّا ما قد يسبّبه لهم من شرّ، فالنفس الهلعة مضادّة إذا للنفس المطمئنة التي تتفاءل بالخير وتتوكل على الرب.

كما قد ينتج الهلع عن صراعٍ نفسي، كما هو الحال حين يكبح الواحد منا عدوانيته، أو تلك الحالات التي توقظ غالبًا مشاعر ترتبط بخبرات مؤلمة مرَّ بها الانسان في حياته. والجدير بالذكر أنّ الهلع في بعض الحالات المرضيَّة قد لا يتوالد من وضعيات واقعية وحقيقية، بل يكون نتاجًا لتمثّلات خيالية مرتبطة بمآزم لا واعية .
وبهذا يكون الإلمام بالهلع من فيروس كورونا المستجد حالياً هو عبارة عن مغامرة يتوجَّب على كلّ إنسان أن يخوض غمارها ويتحدّاها إذا لم يشأ الهلاك، إمّا بالتنكر لهذا الوباء الحاصل أو بالغرق فيه والعيش في حالة من التوتر الزائد والخوف. ونفهم من ذلك أنّ المأزق الوجودي الذي يُعانيه الفرد في هذه الأوقات العصيبة التي تعصف بنا يصف بدقة المشاكل النفسية العملية التي نعانيها، أو بالأحرى المشكل بين الضمير الخلقي والذنب الوجودي، بين انعدام المعنى النسبي وانعدام المعنى الوجودي، وبين الوحدة الشخصية والوحدة الوجودية، لهذا لا بد من أن نفرق جيدًا بين الرهاب والذُعر العادي والهلع الوجودي، فالفرد حالياً لا يقتدر مهما حاول أن يقدِّم دليلًا على قلقه الوجودي بوصفه ذعرًا فكلّ ما يقتدر على إبلاغه هو تقديم وصفٍ للظاهرة الجوانية له بطريقة مقاربة ليس إلا. لهذا يكون الهلع الوجودي هو التجربة المنكوبة والمهدّدة والخطرة في معضلة الفرد الوجودية أكثر مما هي حالة هلع من فيروس كورونا المستجد.

التوافق والتأقلم مع المرض

وأكد عالم النفس ديفيد ديستينو في افتتاحية لصحيفة «نيويورك تايمز» قائلاً: «بالنظر إلى الأخبار التي تصلنا كل دقيقة حول حصيلة فيروس كورونا في الصين والعالم صارت تثير مخاوفنا، ومع ذلك فإنها لا تجعلنا أكثر قلقًا مما نحتاج إليه بشأن التوافق والتأقلم مع هذا الفيروس فحسب، بل تجعلنا أيضًا أكثر عرضة لاحتضان المطالب المزيفة والمواقف التي يحتمل أن تثير مشاكل عدائية أو نوبات هلع تجاه من حولنا، والمواقف التي بدورها تعزز خوفنا وتزيد من وطأته».
ومن الراجح وفق ذلك أننا نعطي وزنًا للأحداث التي يمكننا تذكرها على الفور. بالإضافة إلى دور وسائل الإعلام الوخيم الذي ما يفتأ يخبرنا في كل دقيقة عن تزايد فظيع في أعداد الوفيات والمصابين في العالم وأوروبا على وجه التحديد. وفي ذلك توضح دوروثي فريزيل، استشارية علم النفس في مجال الصحة السريرية في المملكة المتحدة: «إن حالة الهلع من انتشار الفيروس المستجد تضع الناس في حالة يقظة شديدة بحيث تكون أي معلومات عن الفيروس مستدامة ذاتيًا. ويلاحظ الناس المزيد، ويسمعون أكثر، ويقرأون المزيد، ويفسرون ذلك بطريقة تهدد حياتهم وكيانهم. كما أن عواطفنا تنهار وتخبو وتُضعِف إدراكنا للمخاطر. بشكل عام، إننا نخشى الأحداث الكارثية غير المتوقعة مثل الهجمات الإرهابية أكثر من الأحداث الشائعة والقاتلة مثل الأنفلونزا. ففي حالة فيروس كورونا المستجد، يعد تقييم المخاطر شائكًا بشكل خاص لأن معرفتنا الموضوعية بالمرض للمرض لا تزال تتطور ساعة بعد ساعة ويوماً بعد يوم.
يعيش البشر حالياً حالة من عدم اليقين وعدم القدرة على التنبؤ بالمآلات التي سيصل بها هذا الوباء، ما يجعلنا نشعر بانعدام السيطرة الملحوظ. فالتوليفة السيكولوجية للإنسان مجبولة على الجاهزية القصوى لأي تهديد وهذا بغية حماية نفسه لكن يزداد الأمر قتامة حينما يكون هذا التهديد غير مؤكد أو بعيد المدى. هذا هو بالضبط المكان الذي نرى فيه الناس يتخذون المزيد من السلوكيات غير العادية والهوسية، كحصول نزعة شرائية تجعل الواحد منا يأخذ إلى بيته من اللوازم الأساسية والمواد الطبية غير الأساسية التي قد تصل مدة استهلاكها شهورًا، وهذا ما قد يحرم ربما بقية الناس من الحصول على الإمدادات الطبية الحيوية، مثل القفازات، والمعقمات والكمامات وغيرها.
وأكد ذلك عالم الأوبئة آدم كوتشارسكي في صحيفة «الغارديان» بقوله: إن حالةعدم اليقين تترك في نفوسنا مجالا أوسع لتصديق الادعاءات الموهومة والكاذبة والتي من الممكن أن تؤدي، في خضم تفشي المرض حالياً، إلى سلوكيات تنحو بنا أكثر إلى تضخيم المرض. نحن سيئون بشكل منقطع النظير في استكشاف وتحري المعلومات عبر الإنترنت، ويرجع ذلك إلى أننا لا نهدأ ونأخذ وقتنا اللازم، أو لا نعرف كيف نتأكد ونتحرى صدقية هذه الحقائق بشكلها الصحيح. وربما هذا يعود أيضاً إلى ذكرياتنا القديمة عن الأمراض والأوبئة والتي تركت وقعاً مريعاً في نفوسنا، مما يشجعنا على تصديق الأشياء التي نقرأها بشكل متكرر للبحث عن معلومات تؤكد صحة معتقداتنا الموجودة مسبقًا، وتذكّر الأشياء التي تثير مشاعر قوية أكثر من الأشياء التي لا تفعل ذلك.
لهذا يوصي خبراء وعلماء النفس بفعل ما بوسعك للسيطرة على الهلع، دون المبالغة في رد الفعل والأخطر من ذلك المساهمة ولو بطريقة غير مباشرة في حالة من الذعر العام. طبعاً مع البقاء على اطلاع دائم دون مبالغة، كما يقول الباحث هولمان من جامعة كاليفورنيا: «نعلم أن المبالغة في عرض الأنباء والحالات يمكن أن يزيد من قلق المرء. لهذا يكفيك أن تحصل على ما تحتاجه وتترك الباقي». كما يشير الباحث هولمان إلى أن انتشار وباء كورونا سريعًا يمكن أن يوقعنا في أوقات حرجة ومتعبة جداً، وبشكل خاص عند أولئك الأشخاص الذين يعانون من أزمات نفسية ومتلازمات مرضية مثل اضطراب القلق العام أو اضطراب الوسواس القهري أو الاكتئاب الهوسي، أو الاضطراب ثنائي القطب وغيرها.
وقبل هذا وذلك، فإنه من الأهمية عدم ترك الهلع يستولي على عملية صنع القرار وعمليات التفكير العقلاني عندنا، وإلا سيكون الثمن الواجب دفعه أكبر بكثير من التهديد الذي يشكله فيروس كورونا.

المصدر: القدس

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.