شعلة يوكسال شينلار

ولدت شعلة يوكسال شينلار، عام 1938 في مدينة قيصري، من أبوين مهاجرين من قبرص التي مارست سلطاتها تضييقًا بحق الأتراك فيها حينذاك، وعندما بلغت السابعة من عمرها استقرت عائلتها في مدينة إسطنبول، ثم اضطرت لترك المدرسة في الصف الثاني الإعدادي لتقوم برعاية أمها المريضة في ظل انشغال والدها، وبدأت العمل بالخياطة في إحدى الورشات. إلى جانب رعاية والدتها وعملها بالخياطة واهتمامها بالفنون، حيث حضرت دروس تعلم العزف على الناي والقانون، أعطت يوكسال اهتمامًا واسعًا للقراءة، مما أهلها لتبدأ حياتها الصحفية عندما بلغت الواحدة والعشرين من عمرها، حيث دخلت عالم الكتابة بتأليف القصة ونشرها في مجلة Yelpaze، ثم بدأت الكتابة لعمود الشباب في صحيفة Yeni İstiklal حين كان ينشر فيها كتاب مهمون على مستوى البلاد. وكان لها من اسمها الجديد نصيب، فكانت شعلة من الحماس تنشر المقالات في الكثير من الصحف والمجلات ومن خلالها تعمل على تغيير الأفكار في عقول الشباب، ومن مدينة إلى أخرى تتنقل بلا هوادة لإقامة ندوات ومحاضرات، حيث تركزت المواضيع التي طرحتها في “دور ومسؤولية المرأة في الإسلام” و”الأزمة الروحية في تركيا” و”الأمس واليوم وغدا”.

تميز خطابها بعمق تأثيره، خاصة فيما يتعلق بتشجيع فتيات المدارس على ارتداء الحجاب، ويذكر كثيرون أن قاعات محاضراتها كانت تفيض بالحضور، بالإضافة إلا أنها كانت تنشر صورها بالحجاب الإسلامي إلى جانب مقالاتها، ما مثّل شجاعة فريدة في تلك الفترة من تاريخ تركيا، حيث لم تكن النساء المحجبات قادرات على الوصول لمواقع التأثير بالمجتمع في تلك الفترة. من وحي خبرتها كخيّاطة، صممت شينلار شكلاً خاصًا للحجاب عرفت به وانتشر بين فتيات المدارس اللواتي تأثرن بها وقلدنها في طريقة ارتدائه ولفه على الرأس، حتى باتت طريقتها الموضة التي صبغت لباس نساء تركيا المحجبات وما زال ذلك “الموديل” يمثل شكل حجاب التركيات حتى اليوم، بل بدأ يتسلل إلى النساء المسلمات في العالم تقليدًا للحجاب التركي الذي صممته وارتدته شينلار قبل أكثر من نصف قرن، وذلك بعد أن ارتدت الحجاب في عمر السابعة والعشرين، حين تحولت من الحياة المتأثرة بالنمط الغربي إلى حياة أكثر تدينًا عام 1965. 

قد يكون عملها مع أخيها أوزور بتحرير قسم المرأة في مجلة Seher Vakit 1969، باكورة نشاطها في زيادة الوعي عن أهمية الحجاب بين النساء المسلمات بالقصائد والمقالات، وحاكت متطلبات الفتيات الصغيرات في اختيارهن ملابسهن، حيث كانت ترسم وتصمم أنماطًا حديثة وأنيقة للحجاب والأزياء الإسلامية. رُفعت دعاوى قضائية ضدها واُتهمت بإهانة الرئيس، بعد أن نشرت عدة مقالات أحدها كانت بعنوان “ابكوا يا إخواني المسلمين” في مجلة Bugün حيث عبرت عن مشاعر الحزن التي انتابتها بسبب الاحتفاء الذي استقبل به بابا الفاتيكان بولس السادس في زياراته غير الرسمية لتركيا، وعن استياء الشعب التركي من التنازلات التي أظهرتها السلطة التركية حينذاك واعتبرت ذلك استهانة بمشاعر الأتراك المسلمين، وحكمت المحكمة بسجنها عام 1971 وبقيت ثمانية أشهر في سجنها. بالإضافة للمحاضرات والندوات والدروس القيمة التي أثرت بها يوكسال حياة الكثيرين من أبناء وبنات تركيا، وعلاوة على ما كان يجود به قلمها الواعي في مختلف الصحف والمجلات، تركت شعلة شانلار مجموعة من الكتب القيمة والروايات المؤثرة، حيث تحولت روايتها (زقاق السلام) 1970 لفيلم سينمائي بعنوان Birleşen Yollar، ومن ثم لمسلسل تليفزيوني يحمل نفس اسم الرواية، وتم بيع آلاف النسخ من الرواية المكتوبة. ومن كتبها المنشورة أيضًا: “الهداية” و”ماذا حدث لنا؟” و”المرأة في الإسلام” و”المرأة اليوم” و”كل شيء من أجل الإسلام” و”دموع الحضارة” و”فتاة وزهرة”، و”اليد اليمنى” و”مدرس واع”. يُلاحظ أن الكاتبة أفردت جزءًا كبيرًا من إنتاجها ليس في الدعوة للحجاب فقط وإنما بشكل واضح لدعوة المحجبات لخوض غمار الحياة العامة والتقدم للصفوف الأولى، وهذا ما نراه في عناوين مثل المرأة في الإسلام والمرأة اليوم وأيضًا في محاضراتها التي تحدثت فيها عن دور المرأة المسلمة ومسؤولياتها. وهو ما انعكس على واقع الفتيات المحافظات في تركيا في مرحلة الثمانينات وما بعدها اللواتي لم يستسلمن لقرارات منعهن من دخول الجامعات، بل سافرن لخارج تركيا أو حاولن التحايل على موضوع خلع الحجاب ببعض الطرق، ما يدل على أن المجتمع المتدين في تركيا أدرك أهمية تعليم النساء وعدم تراجعهن لحساب تقدم نساء الأطياف العلمانية. 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.