فيرس كورونا المستجد كوفيد19 والسياسة الدولية

بقلم/ عمر سمير

في إطار متابعة موقع فكر أونلاين لما يدور من نقاشات حول أزمة انتشار وباء فيرس كورونا المستجد كوفيد 19 وتأثيراتها تابعنا يوم 17 أبريل 2020 أحد المؤتمرات التي عقدتها جامعة ابن خلدون بإسطنبول، أونلاين عبر برنامج زووم بعنوان فيرس كورونا المستجد كوفيد19 والسياسة الدولية، ودارت مناقشاته لمدة ساعة ونصف باللغة الإنجليزية، بمشاركة أربعة من أساتذة العلوم السياسية بفروعها المختلفة، العلاقات الدولية والأمن الدولي والنظرية السياسية والفكر السياسي، وهم بالترتيب، طلحة كوسا، إيريك رنجمار، هبة رؤوف، وهاب الدين رئيس،  نشارك قراءنا الكرام ملخص ما دار في هذا المؤتمر في النقاط التالية:

1-على المستوى الدولي أوضح د.طلحة كوسا أن ثمة تسريع لعملية انتقال مركز القوة في النظام الدولي، وهناك تغيير نظمي سيحدث عاجلا أم آجلا، فتأثير الأزمة أكبر من أن يكون مجرد تأثير في السياسات وإنما في النظام الدولي ككل  Systemic Change والنظام الاقتصادي النيوليبرالي السائد يواجه هزة عنيفة وغير معتادة ولا يملك أدوات للإجابة عن أسئلتها المتعلقة بتفاقم اللامساواة وفشل أعتى الأنظمة الصحية في الدول المسيطرة على قلب النظام، ولا توجد قيادة أو تعاون في إدارة الأزمة مع تراجع الثقة في المؤسسات سواء المحلية أو الدولية حيث تتراجع أهمية المنظمات التقليدية كمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد في مقابل الجدل حول منظمة الصحة العالمية ودورها في مواجهة الوباء ومدى تواطؤها مع الصين، وقدرتها على توجيه الجهود العالمية لمكافحة الوباء.

2-على مستوى الأمن والسلم والصراع، فالأزمة تنتج عوامل صراع أكبر مما تنتج ظروف تعاونية مؤقتة، فالأزمة بدأت وهناك بؤر توتر فعلية كبيرة واقتصادات لم تتعافى بعد من الأزمة المالية 2008 ولم تُجد التعامل مع الثورات والاحتجاجات عبر العالم والسياسات أنتجت أزمة لجوء. ويضاف إليها أزمة انهيار أسعار النفط وصراع الاتهامات المتبادلة بين الصين والولايات المتحدة، كما أن أوروبا تواجه احتمالات صراعية أكبر في ضوء انهيار النظم الصحية وتفاقم الأزمات الاقتصادية وضعف قدرة خطط الانقاذ الجماعية على تجاوز تبعات الأزمة.

3-الأزمة جزء منها تفاقم اللامساوة لكنها تنتج لا مساواة أكبر إذا تعاملت الدول بنفس النهج والسياسات الاقتصادية السابقة، فثمة لا مساواة موجودة مما قبل الأزمة وتتفاقم بفعلها سواء بالانحياز لتسيير عجلة الاقتصاد على حساب الاعتبارات الصحية أو لفكرة توجيه الخطط مركزيا داخل الدول الفقيرة وانكشاف اللامساواة بين أقاليمها بتركيز الناس في عمومهم على القطاع الصحي وتوزيع موارده أو التوزيع الأكبر لموارد الدولة بين القطاعات وانكشاف الخلل بالنسبة للعامة بطريقة فجة ويعزز الشعور بالضيم.

4- بالنسبة للعولمة ومستقبلها بعد الجائحة، قدم د.إيريك رنجمار طرحا تاريخيا، فإذا كان فحوى العولمة عمليات تبادل السلع والخدمات والمشروعات والأفكار والقيم والثقافات، فهي ممتدة عبر التاريخ أي أننا يمكن أن نجد في التاريخ فترات شبيهة بما نحن فيه سواء في ظل الإمبراطورية المنغولية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر وكذلك الصعود العثماني أو حتى لحظة الصعود الأوروبي واستكشاف الأمريكتين في أواخر القرن الخامس عشر وصولا للمركزية الأوروبية وصولا للحربين العالميتين والصعود الأمريكي كان هناك العديد من أشكال التبادل للسلع المرتبط بالعولمة التجارية والثقافية لكن الكثير منها واجهت انتشارا للأوبئة والأمراض المميتة أضعفتها وأنهت سطوتها في بعض الأحيان، وفي ظل الأزمة الحالية ثمة عوامل تنمو في اتجاهات متناقضة فبينما تتعطل ماكينة الانتاج الأوروبي والأمريكي تنشط الصين وتروج نفسها كمصنع للعالم ومنقذ له، لكن ثمة خطابات تنمو لضرورة التوجهات الانعزالية الانكفائية التي تغلب الحمائية والاكتفاء الذاتي وهذه الاتجاهات تجد قوة دافعة أكبر ولعل الدفع باتجاه توطين تكنولوجيا تصنيع المستلزمات الطبية وأجهزة التنفس الصناعي يؤشر لبداية قوية لهذه التوجهات، وتظهر فجوات قوية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب مخالفة للصور النمطية السائدة لكن هذا السؤال لم يحسم.

5- وعلى مستوى التوازن والصراع بين القوى العظمى، أوضح د. وهاب الدين رئيس بعضا من تحديات الصراع بين الصين والولايات المتحدة، فبالحديث عن التعاون والاستقرار في النظام الدولي وسياسات القوى العظمي فيه والدول كفواعل، فالنظام القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو نظام غربي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وهو نظام دولي ليبرالي وتدور كافة مؤسساته في إطار هذا التصنيف ويقع فريسة لهيمنة الأجندة الأمريكية والأجندة المسيطرة على هذا النظام تختلف باختلاف الإدارة الأمريكية، هذا النظام دائما ما يوجد أعداء وتحديات كالاتحاد السوفييتي ثم الأصولية الإسلامية لاحقا ثم الصين وروسيا الاتحادية حاليا، وأيا من هؤلاء إذا أراد الحلول محلها في النظام الدولي عليه أن يضع في حسبانه طريقة لإزاحتها وللسيطرة والتحكم في المؤسسات والصراعات اقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا، ويبدو تصوير الصراع بين الصين والولايات المتحدة باعتباره محسوما لصالح الصين منطويا على تبسيط مخل، فإذا اعتبرنا أن الصين انتصرت وحازت نفوذا اقتصاديا قويا في صراعها مع الولايات المتحدة فماذا ستفعل مع بقية شعوب ودول العالم التي تعيش أغلبها نفس النمط الرأسمالي الغربي الذي يتبنى الديمقراطية التمثيلية؟ العالم في لحظة يحتاج الشفافية والإفصاح وهي غير قادرة على اختراق مؤسسات النظام القائم وتحقيق تغلغل قوي فيها، فهل ستقيم مؤسسات موازية؟

6-على مستوى الدولة أوضحت د. هبة رؤوف أن هناك تغيرات تمس نظرية الدولة وفكرة السيادة وحتى الأرض ومفهوم الدولة نفسه وترتيب الأولويات في القرار السياسي، فمن ناحية الفيرس لا يعترف بحدود الأطباء والعلماء أصبحوا في مقدمة الصفوف وجها لوجه مع الرؤساء، ومن ناحية ثانية الدول تخوض حربا ضد الفيرس وهو عدو مجهول تماما كما الإرهاب وأكثر، والحرب على الفيرس تنتج آثارا متشابهة مع الحرب على الإرهاب من حيث استباحة الدول للحياة الشخصية للمواطنين لأنها تواجه عدو مجهول أكبر من قدرات الأفراد، ومن ناحية ثالثة المجتمعات تشهد حالة تضامن غير مسبوقة سواء من حيث كثافة المبادرات التي تنشأ في إطار مواجهة انتشار الفيرس أو إطار كثافة التواصل على الأساس العائلي والقروي والمديني عبر وسائل التواصل المختلفة، ومن ناحية رابعة يجري تجييش كل شيء سواء بكثافة استعمال الجيوش للتصدي للأزمة في كل أرجاء العالم أو بإطلاق مصطلح الجيش الأبيض على الأطباء وهذا يطرح أسئلة حول المعادلات التي ستحكم عملية تفكيك هذا التجييش أو العودة لنقاط ما قبل أزمة كورونا.

7-تشكل أزمة كورونا فرصة لاختبار قدرة الدولة على التغلغل في المجتمع وفرض إجراءات وقائية معينة كالحظر وقدرتها على كفاية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها، وفي حال فشل الدول في هذا الاختبار يبدأ المواطنين في طرح أسئلتهم حول جدواها، وبعد الأزمة ستفرض المجتمعات على الدول إعادة تخصيص مواردها لصالح البحث العلمي وتدعيم أنظمة الرعاية الصحية.

8-على مستوى الجدالات النظرية والفكرية يشهد العالم جدالات حول المجال الفيروسي العلمي البحت وما يمكن تسميته الVirus sphere، وجدالا حول البيوبوليتكس  Bio-politicsأو السياسات الحيوية والبيولوجية ومدى أخلاقية ما يجري في المختبرات والسياسات التي تحكم عمل تلك المختبرات ومدى ونطاق محاسبة الساسة والمجتمع للمتسببين في خطأ علمي حال ثبوته، والأزمة تعيد إلى الواجهة مساحة النقاش حول السياسات البيئية الإيكولوجية Ecosphere& Eco politics، فالبيئة والتغيرات المناخية والحديث حول استغلال بعض الكائنات لغياب البشر وحركتهم للظهور مرة أخرى أو احتلال الشوارع لها دلالات بيئية قوية وتطرح مفاهيم من قبيل نظام العالم بديلا عن النظام الدولي، أيضا يعود الجدل الفلسفي بقوة حول ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي سواء في نطاق العلم أو نطاق السياسات واستباحة الدولة للحريات الشخصية ومدى الشكوك حول استدامة هذه الإجراءات أو كونها استثنائية.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.