في تداعيات كورونا على العلاقات الدولية والإنسانية

د. هبة رؤوف عزت

دروس المشهد العالمي اليوم كثيرة، حيث لا حدود للجغرافية، ولا أجوبة واضحة للعلوم، ولا دروس مشابهة من التاريخ. نعم يمكن غلق المطارات، وها هو صوت الأطباء والعلماء في المختبرات أعلى، ونصوص الوباء والطاعون التاريخية وأحكام الفقه تخرج من بطون الكتب ليجري تداولها وتتأسس عليها الفتاوى والإرشادات.

التعتيم على الوضع قاسم مشترك ومتكرر بين شتى الأنظمة السياسية، وفقر الاستعداد لمواجهة كارثة بهذا ا لوزن والاتساع ظاهر للعيان.

السؤال المركزي هنا: ماذا عن استراتيجيات البقاء الفردي والمجتمعي؟

الغالبية من سكان المدن -الذين هم نصف سكان المعمورة أو يزيد- حبيسة البيوت. قيل لأسبوعين أو ثلاثة، والحديث اليوم عن أشهر قد تمتد إلى نهاية العام. ليس الخطر المرض فحسب، الخطر المسكوت عنه حتى هذه اللحظة هو الجوع.

بعض الدول أعلنت أن الاحتياطي من السلع يكفي 4 أشهر، بافتراض العودة إلى نظام توزيع تموين غذائي لكل فرد الذي شهدته الدول في الحروب وتوابعها سابقاً.

القابعون في بيوتهم خوفاً من الفيروس عليهم أن يفكروا في ثمن الحداثة الأفدح: فقدان مهارات القدرة على البقاء في ظل التخصص والتصنيع وعالم الاستهلاك. ماذا إذا عجزت الأنظمة في توفير الأساسيات كما عجزت عن توفير الرعاية الطبية؟ هل ستنفعها المدرعات والطائرات والدبابات؟ تبدو الجيوش اليوم على استعداد لضبط الشارع لكن هل ستستطيع حفظ البقاء؟

الأصوات الهامشية من أصحاب الدعوة لزراعة الأسطح، وتخزين مياه المطر، والحفاظ على المناعة بنظام غذائي صحي وطبيعي ومتوازن باتوا هم خبراء اللحظة القادمة. لأن من الواضح أن الأمصال والأدوية المكافحة للفيروس ستأخذ وقتاً في التجريب ثم التصنيع، وستكون فجوة زمنية تنذر بحاجة البشر إلى تدبير أمورهم إذا عجزت القطاعات الخدمية عن مواجهة الطلب مثلماً ظهر في القطاع الصحي حالياً.

ربما يذكرنا هذا باستراتيجيات البقاء في ظل الانتفاضة الفلسطينية أو في ظل الحروب العالمية السابقة.

لن تستطيع الأنظمة مواجهة ذلك كله بجيوشها المدججة بالسلاح، لكن بمجتمعات قادرة على الإبداع العلمي، وتطوير مهارات البقاء في حدودها الدنيا. وسنشهد مزيجاً من تنمية أبسط المهارات التي كان يعرفها الإنسان البدائي، إلى الإبداع باستخدام التقنيات الأحدث من جانب المبادرات الأهلية الذي وصل إلى إنتاج أجهزة تنفس مصنوعة من الطابعات ثلاثية الأبعاد لسد النقص في القطاع الصحي في دول شتى اليوم.

في ظل العزل الوقائي، “الأمن” الطبي يفرض “المسافة الاجتماعية” لتجنُّب العدوى، لكن البعض بدأ في اقتراح صيغ “التفاعل الاجتماعي عبر المسافة”، وسيبدع البشر في محاولة التغلب على هذا التباعد مع الحفاظ على العلاقات بل وتطويرها، وصيغة أعراف جديدة للتواصل الجمعي في الأحياء بدأت بوادرها.

الغناء في الشرفات في إيطاليا ولبنان أو التكبير الجماعي من النوافذ في هدأة الليل في المغرب، أو التصفيق في ساعة محددة كل يوم للتعبير عن الامتنان لأطقم الأطباء والتمريض والرعاية كما بات يحدث في تركيا. كل هذه محاولات أولى للتغلب على الشعور بالعزلة والوحدة.

المحنة اختبار للنسيج المجتمعي، ليس فقدان المناعة الفردية هو المشكلة فحسب بل فقدان المناعة للجسد الاجتماعي، وبعد أيام من العزل فإن شبكات التراحم في النمو بجوار بعض مظاهر التوحش التي جرى تداولها من هجوم على المتاجر واستيلاء الأسرع على البضائع. اليوم، المجتمعات العربية تتعاون في دعم العاملين بأجر يومي وأصحاب الاحتياجات الخاصة والمسنين. وبقدر استعادة اللُحمة ستُمْكن مواجهة الأخطار.

آثار المشهد الجاري عديدة على إنسانيتنا، أولها يتجلى في منع التلامس والمسافة الاجتماعية.

البشرية استلهمت معناها من المباشرة ومن التلامس، ولعالمة الأنثروبولوجيا كونستانس كلاسن كتاب هام عن اللمس باعتباره “أعمق الحواس” وأن السمع والبصر والتذوق والشم يمكن أن تصلنا بالعالم والوجود، لكن اللمس يمثل احتياجاً عميقاً له أبعاد نفسية مرتبطة بالكينونة. وغيابه في لحظات الأمراض المعدية بل وفي كل المراحل المختلفة من العمر منذ الميلاد حتى الإمساك بالكف على سرير الموت هو من أهم احتياجات الإنسان وأعمدة وجوده الداخلي.

استبدال تلامس الأبدان بملامسة الشاشات لا يغني. حتى الرؤية عن بعد لا تغني، وسيكون علينا التعامل مع آثار هذه الفترة النفسية والوجدانية والإدراكية بل والعصبية لفترة طويلة.

الأثر الثاني هو علاقتنا بالطبيعة. انخفاض معدلات التلوث، واستعدادنا لتطوير قدرتنا على الاكتفاء بالضروري من الاستهلاك سيحتّم إعادة النظر في قضايا البيئة والصحة ويضعها على سلم الأولويات، لكنه أيضاً سيعيد بناء وعينا بالأرض.

كنا منذ سنوات نتحدث عن الذكاء الصناعي، وأفول مركزية الإنسان، هذه المرحلة ستشهد عودة لتعريف علاقتنا بالعالم المحيط والكوكب والبشرية الواسعة، وصلتنا بما هو خارج الشوارع والأسفلت والأسمنت والأسلاك الكهربائية.

الأثر الثالث الذي يلمسه الجميع هو في مجال التعليم الذي اليوم يشهد نقلة نوعية، وسيكون مجالاً مفتوحاً للإبداع والتطوير. جامعاتنا اليوم أدركت أنه لا مناص من قبول صيغ التعليم المرن عن بعد، مع رفع معايير التقييم لضمان الجودة، لكن الأهم هو اكتشاف أن التعامل مع طيف واسع من القدرات الذهنية والمهارات العقلية يفرض تنويعاً في تلك المعايير وفق تعددية عصبية (نيورو دايفرزتي).

عالمة الاجتماع الأسترالية جودي سينجر صكت هذا المصطلح في التسعينيات ليبين تنوع البشر في قدرتهم العقلية على الاستيعاب والفهم والتفاعل الاجتماعي والانتباه والتركيز، وعليه فإن البقاء في المرحلة القادمة لا بد أن يقوم على مراعاة هذا التنوع وتوظيفه، وإعادة ترتيب مقاييس القدرة والكفاءة لتستوعب هذا الطيف.

أخيراً وليس آخراً، فإن الغيب عاد ليحتل مكانة في ظل الأزمات المتتالية، لا كفراً بالعلم ولا إعراضاً عن الْتماس سبل التشافي من الأوبئة، بل إدراك أن إجابات مطلوبة على أسئلة كبرى لن يستطيع العلم تقديمها.

ليس البقاء هو فقط الذي أضحى التحدي، بل ما بعد البقاء، ومعنى الحياة -مجدداً.

تلك الرؤية للوجود هي ما سيغير العالم بالتوازي مع علاقات القوى الكبرى، والبداية هي النظر في علاقتنا بالذات (الجسد والنفس) والزمن (المتغير والساكن)، والمساحات (المحدودة والمفتوحة)، تلك الأبعاد المركبة للكينونة كلها في نقطة ارتكازها الأولى ودوائرها المتنوعة على المحك اليوم، وإذا كان العالم ينتظر اليوم بيانات منظمة الصحة العالمية، فإن هذا ليس ببعيد عن عودة الفلسفة والدين إلى المشهد. وستتعلم البشرية من هذه المرحلة السبل المتنوعة للحفاظ على الحد الأدنى من البقاء وتعايش تلك المنظومات معاً.

المصدر: TRT عربي.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.