قراءة فى الغزو الروسي لأوكرانيا (١)

كتب د. أحمد مجاهد في 27 فبراير 2022

قد تكون صورة لـ ‏شخص أو أكثر‏١- إذا كان الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وطريقته زلزالا استراتيجيا دوليا، فإن الغزو الروسي لأوكرانيا بركان فائر ستظل حممه المحمومة تتطاير على النظام السياسي والاقتصادي والأمني الدولي لفترة طويلة. وسيتحدد مدى وعمق أثر هذا السلوك الروسي بالعديد من العوامل، أبرزها: سرعة سيطرة الاحتلال ومدى وضع روسيا يدها على الموارد الأوكرانية، وصمود المقاومة الأوكرانية، ومدى ضغط مشكلة اللاجئين الأوكرانيين على الموارد والسياسة الأوروبية، وأثر العقوبات على الاقتصاد الروسي واستقرار النظام الروسي، وأثر العقوبات المضادة التى ستفرضها موسكو على إمدادات الطاقة والغذاء وأسعارها على المجتمعات الغربية واستقرارها وعلى نتائج الانتخابات فى أوروبا وأمريكا، وكيفية محاولة روسيا فك عزلتها القادمة، وأسلوب تعامل الصين مع هذه الحمم الاستراتيجية المتناثرة بما تحمله من فرص وتهديدات لاستراتيجياتها الجديدة فى إثبات الذات.

٢- مبررات هذا التصعيد الروسي الشديد المعلنة والمنتشرة غير مقنعة، حتى وإن كان فى الشواغل الأمنية الاستراتيجية لروسيا ومؤسساتها قدر من الحقيقة. فوفقا للسائد فى مواقف النيتو، كان الحلف الغربي يتعامل بالفعل مع أوكرانيا على أنها منطقة عازلة وأن انضمامها للنيتو خط أحمر روسى. بالتالى، لم ينظر حزب الأطلنطى فى طلب عضوية أوكرانيا المقدم منذ عام ٢٠٠٨. من جانب آخر، تعديل الدستور الأوكرانى لينص على تبنى مسار استراتيجي للدولة للحصول على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي والنيتو، تم فى فبراير عام ٢٠١٩، أى منذ عامين كاملين. فضلا عن ان مناورات “نسيم البحر” فى يونيو-يوليو ٢٠٢١ التى تتعلل بها موسكو باعتبارها تحديا للسيادة الروسية هى مناورات يجريها النيتو دوريا مع أوكرانيا فى البحر الأسود منذ عام ١٩٩٦.

٣- الجديد الأبرز كان صدور استراتيجية للأمن القومي الروسي فى يوليو ٢٠٢١ تحفل بتقاليد البارنويا الأمنية للنظام الشيوعي للاتحاد السوفييتى ولكن بدون إيديولوجيته. إذ اتسمت بالتشدد الملحوظ مقارنة بسابقتها الصادرة عام ٢٠١٥. وتنطلق الاستراتيجية من حتمية استمرار المواجهة مع الغرب، فى ضوء أن “الدول غير الصديقة” مصممة على إضعاف روسيا عسكريًا وتقنيًا واقتصاديًا، ولكن أيضًا “روحانيًا”، كما إنها تهدف إلى زعزعة استقرار روسيا من خلال تفجير التناقضات الداخلية عبر “الثورات الملونة” حول روسيا وداخلها. الجديد التالى هو أن روسيا تقدمت فى يناير ٢٠٢٢ إلى الولايات المتحدة والنيتو بمقترح اتفاق، يتعهد فيه الحلف بعدم ضم جورجيا وأوكرانيا، وسحب قوات وأسلحة النيتو المتمركزة فى دول شرق أوروبا التى انضمت للحلف بعد عام ١٩٩٧. وهو ما كان طبيعيا ومنطقيا أن ترفضه الدول الثلاثين الأعضاء فى النيتو.

٤- الأرجح أن التصعيد الروسي الشديد، والذى قد يبدو غير رشيد، لا يمكن تفسيره بخطر عسكرى استراتيجى داهم فعلى وفورى على روسيا -لأنه غير موجود- ولا بأحلام إعادة مجد الاتحاد السوفييتى المتخيل، لأن روسيا ليست فى قوة الاتحاد السوفييتى وتفتقر إلى الإيديولوجية والحزب التعبوى. ولكنه يرتبط بالأحرى بتصور بوتين لجسامة تهديد العدوى الديمقراطية. وخشيته هى فى المقام الأول على استمرارية نظامه وبقائه فى السلطة قبل حرصه على مصالح روسيا الاستراتيجية. فالحقيقة أن روسيا دولة نووية ومتقدمة فى الصناعات العسكرية ولا يوجد ما يهدد الدولة فعليا من الناحية العسكرية، فضلا عن قدرتها الفائقة على ردع و درء المخاطر الاستراتيجية.

٥- لقد أصبح تحرك بوتين لوأد أو عكس أى تغيير شعبى أو ديمقراطى والتحالف مع الأنظمة السلطوية فى دول الجوار الروسي القريب أو البعيد نمطا للسياسة الخارجية لروسيا. فقد رأيناه يحرك القوات الروسية العسكرية والإنترنتية والإعلامية ضد التغيير فى جورجيا، وقرجيزستان، وأوكرانيا مرتين، وبطبيعة الحال فى الشيشان وفى سوريا، وروسيا البيضاء، وكازاخستان. ودول أخرى على الأرجح. وفى أوكرانيا مجددا، التى يترأسها رئيس شاب، ممثل ساخر، يمثل كل ما يبغضه بوتين ويريد القضاء عليه، من خارج المنظومة الأمنية والعسكرية الحاكمة، ومن خارج المنظومة السياسية الخاضعة أو المتواطئة، وفاز بانتخابات ديمقراطية نزيهة، بنتيجة ٧٣% من الأصوات، كما حظى بدعم إدارة بايدن.

٦- اللافت للنظر هذه المرة هو غياب التهديد الثورى المباشر والحال على عكس معظم الحالات والمرات السابقة التى تدخل فيها الجيش الروسي. وبالتالى فالتصعيد الشديد إلى حد غزو دولة جوار لا يجد تفسيره بشكل كاف أو واضح إلا فى الديناميات الداخلية للنظم السلطوية، حيث راهن بوتين على رفع درجة حدة الخطاب القومي، وصورته كحاكم “ذى عضلات مفتولة”، وبالتالى أصبح مضطراً إلى أن يفى بوعوده he had to deliver التى تتناسب مع صورته، وإلا خسر هيبته وشرعيته وفقا لتصوره عن نفسه. من جانب آخر، ينسى الحكام السلطويين أنفسهم وتخدعهم زهوة القوة، فيتصور بوتين أن غزوا شاملا لأوكرانيا سيمر كضم إقليم شبه جزيرة القرم فى ٢٠١٤ متناسيا تطورات السياق. وفى الوقت نفسه، لابد أن قرار غزو شامل لأوكرانيا، وهى الدولة والشعب الشقيقان تاريخيا لروسيا، سيترك آثارا دامية فى نفسية القادة العسكريين والأمنيين وعلى الصعيد الشعبى، وبالتالى فى متانة تركيبة الحكم فى روسيا.

٧- من زاوية أخرى،، يمكن اعتبار غزو أوكرانيا هروبا إلى الأمام وخلطا للأوراق من جانب بوتين، كما إنه تعبير عن وجود “فائض قوة عسكرية” و”فائض خطاب قومى” فيه الحقيقى والكثير منه مصطنع، خشى بوتين أن يرتد فى مواجهته، لاسيما مع الفراغ الإيديولوجى لهذا الخطاب وقدمه وتهافته، والاستبداد السياسي، واستمرار الانسداد السياسي التام أمام الجيل الشاب، واستشراء الفساد، والتراجع الاقتصادى رغم وفرة الموارد، وعدم القدرة على الاندماج الطبيعى فى المنظومة العالمية. ولكن هذا الغزو فى الوقت نفسه تعبير عن ضعف بوتين الهيكلى ومحدودية خياراته بعيدا عن التحول الديمقراطى. وربما هو “تغريدة البجعة” لبوتين قبل نهايته، تتوارى تحت لافتة “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.

٨- المفارقة هنا أنه فى حين يقدم بوتين نفسه على أنه رمز للتعديل أو لمراجعة الأوضاع الجيوستراتيجية غير المتوازنة revisionist إلا إنه فى واقع الأمر يقف على رأس المدافعين النشطين عن استمرار الأوضاع الراهنة ومناهضة التغيير status quo active advocate.

قراءة فى الغزو الروسي لأوكرانيا (2)

كتب أحمد مجاهد في 1 مارس 2022

١- من المبكر للغاية التنبؤ بمسار الأحداث، لكن المؤشرات حتى هذه اللحظة تدل على ان اندفاع بوتين تجاه التورط العميق فى المستنقع الأوكرانى يواجه مقاومة أوكرانية غير متوقعة، لكنه يلقى أيضا مقاومة من بعض مؤسسات الدولة الروسية. المفاوضات اليوم بين مسؤولين روس وأوكرانيين فى روسيا البيضاء ربما تأتى فى هذا الإطار، وقد تكون من ترتيب الدولة العميقة الروسية، التى ربما تتفق مع بوتين فى بعض تقديراته لكن تختلف معه فى بعضها الآخر وفى عنف ورعونة الأساليب وعدم ضروريتها، بل وخطورتها الشديدة على النظام الحاكم وعلى الدولة فى روسيا. تشير الدلائل أيضا إلى تصميم بايدن على استغلال هذا الاندفاع البوتينى نحو المستنقع، من خلال الاستفادة من الحسابات الخاطئة وعنجهية القوة التى تقع فيها النظم غير الديمقراطية وقياداتها بالتأكيد بعد فترة، وبدرجة أكبر كثيرا من نظم الحكم الديمقراطية. كما تمكن بايدن من “إقناع” الحلفاء الغربيين وغير الغربيين -حتى الآن- بحتمية المشاركة فى الإجراءات ضد روسيا، وضرورة تحمل الضربات الاقتصادية الموجعة العكسية التى ستحاول موسكو توجيهها للغرب. الطرفان الروسي والغربى لن يتراجعا عن هذه التوجهات، إلا تحت وطأة ضغوط شديدة أو خسائر غير محتملة أو خطر جسيم. والأرجح أن تصعيد الحرب وتصعيد العقوبات سيزيدان. تلك هى المعضلة!

٢- تشير التطورات أيضا إلى أن الغزو الروسي قد حقق -حتى الآن- عكس النتائج المنشودة منه. فرغم التباين الكبير فى المصالح والمواقف بين الدول الأعضاء فى النيتو وفى الاتحاد الأوروبى، إلا إنها اصطفت جميعا -حتى الآن- خلف الحليف الأمريكي الكبير فى مواجهة ما تراه تهديدا روسيا حيويا، وربما وجوديا لبعض هذه الدول، ومن هنا جاءت الإمدادات العسكرية والتكنولوجية الكثيفة والفورية لأوكرانيا من واشنطن والعواصم الأوروبية الكبرى، وكذلك التمهيد لفكرة فتح باب “التطوع” للأجانب دفاعا عن أوكرانيا. وتحل تدريجيا صورة إيجابية وتعاطف دولى واسع، مع أوكرانيا ورئيسها “الأخضر” فى السياسة وفى السياسة الدولية، محل صورة الدولة العميلة أو الممثل الكوميدى “المهرج” الذى لا يعرف مصلحته أو “الخائن” الألعوبة فى يد واشنطن ولندن، وذلك من خلال ترويج صورة -حقيقية- للمقاومة المشروعة والشجاعة من الطرف الضعيف “البرئ” ضد المحتل الغاشم “المفترى”. فى حين تأثرت كثيرا صورة روسيا فى الخارج، وستزداد عزلتها بقوة. والأهم من ذلك، هو بداية تساؤل قطاعات فى الرأى العام الروسي عن مدى شرعية شن حرب غير ضرورية ضد إخوة فى العرق والتاريخ والدين، و ضراوة تداعيات هذه الحرب على الشباب الروسي من المجندين، وانهيار العملة الروسية وبالتالى تراجع القدرة الشرائية وانحدار مستوى معيشة المواطن الروسي، والأهم: التضرر البالغ للمصالح والثروات الخاصة بالأوليجاركية الروسية فى العالم.

٣- فى السابق، كان بوتين معروفا بدقة حساباته ورشادة قراراته، وتقيده إلى حد كبير بمواقف وتقديرات المؤسسات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية والدولة العميقة الروسية، وذلك رغم الطبيعة السلطوية لنظام حكمه وانفراده باتخاذ القرار. الآن، يبدو أن تقديرات القادة الغربيين قد خلصت إلى دخوله مرحلة “الدكتاتور المختل المنفلت” و أنه لم يعد رئيس الدولة العميقة وممثلها فى الحكم، بل “مختطِفا ” للمؤسسسات وللدولة العميقة العاقلة فى روسيا. ترجح هذا التقدير حدة العقوبات الأخيرة ضد النظام الروسي والمجالات المستهدفة والحملة الإعلامية الغربية الواسعة النطاق، بما يوحى أن الهدف ليس مجرد عقاب روسيا، بل التخلص من بوتين نفسه، عن طريق تأليب مؤسسات الدولة و”قلب” مجموعة القرار اللصيقة به والدولة العميقة فى روسيا عليه، فضلا عن تهييج المشاعر الشعبية الروسية ضده من خلال قرارات مؤثرة نفسيا، مثل حرمان المنتخب الروسي من المشاركة فى كأس العالم لكرة القدم. ويتداول الإعلام الغربي، فى هذا الإطار، مشهدا لخلاف فى وجهات النظر بين بوتين ورئيس المخابرات الخارجية الروسية المقرب منه خلال أحد الاجتماعات المذاعة على البث المباشر بشأن أوكرانيا خلال الأيام الماضية.

٤- كيف ستتصرف الصين، تحت قيادة شى جينبينج، الرئيس القومي الذى يترأس نظاما هو شيوعى-قومى-رأسمالى واستبدادي صارم، لكن فى الوقت نفسه إيديولوجي محكوم بتقاليد الحزب الشيوعي، ورزين، ومعروف بقدر كبير من الكفاءة، وراغب فى الخروج بالصين من شرنقة الدولة الكبرى ذات النفوذ الدولي إلى سطوة القوة العظمى؟ رغم أن روسيا والصين وقعتا معاَ، على هامش افتتاح الدورة الأولمبية الشتوية، بيانا -طويلا جدا، فى نحو ١٦ صفحة- يمكن أن يوصف بالتاريخي، قدمت فيه الدولتان نفسيهما باعتبارهما قوتين عالميتين، وطرحتا رؤيتهما للنظام العالمي فى مواجهة الرؤية الأمريكية. إلا أن امتناع الصين عن التصويت على مشروع قرار مجلس الأمن لإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، وعدم استخدامها للفيتو لصالح روسيا، أمر كاشف لتحسب بكين إزاء الاندفاع البوتينى. الصين ستنتظر وترى انجلاء الموقف قليلا حتى تدرس خياراتها: هل الوقت ملائم لاستغلال عدم استعداد واشنطن للعمل على جبهتين فى وقت واحد وإعادة تايوان بالقوة إلى أحضان الوطن الأم، أم إن تحركا كهذا سيكون جارحا لمصالح وكبرياء الولايات المتحدة، الدولة العظمى فى النظام الدولي الراهن، إلى الحد الذى يهدد بالفعل بنشوب حرب عالمية ثالثة؟ التصويت الصيني على مشروع القرار يقول إن بكين -حتى الآن- ما زالت تتسم بحذرها وتحسبها الاستراتيجي التقليدي. لكنها بالتأكيد ما زالت تدرس خياراتها. وليس من المستبعد أن يكون تقدير القيادة الصينية حيال بوتين مشابها لتقدير القادة الغربيين.

رابط المصدر

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.