كورونا يختبر العالم حضارياً… الإنسان ورأس المال والسلطة

جواد الحمد – TRT

شكّلَت أزمة وباء كورونا إطارا جديداً للتفكير في الواقع والمستقبل العالمي، ونحا كثير من المفكرين والاستراتيجيين إلى توقعات كبيرة ومحدودة وفق تقديراتهم الأولية وقراءتهم لحركة المتغير،

وبذلك تتحول ظاهرة الفيروس في ظل عالم متواصل ومعتمد بعضه على بعض إلى متغير استراتيجي يؤثر في المستويات الثلاثة لدول ومجتمعات العالم المحلية والإقليمية والدولية على حد سواء، وبمختلف الأبعاد الحضارية الشاملة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية والجيو-استراتيجية.

وتُعتبر أزمة الوباء الجديد مصدراً محتمَلاً للتحولات والتهديدات كما هي للفرص لمختلف اللاعبين في الدول والعالم، بخاصة أنها تتصف بصفة الاتساع والانتشار، والمفاجأة، وغياب الاستعداد الكافي لها من جميع دول العالم وعلى مختلف المستويات.

وتتصارع النظريات والطموحات والتوجهات والأفكار إزاء اتجاهات رياح التحول الممكنة، وتشكّل ثلاثةُ عوامل أهمّ الأطر التي يفكر فيها ومنها العالم اليوم، وهي: الإنسان والسلطة ورأس المال.

ومعروف تاريخياً أن تمحور الحضارات قام أساساً على هذه العوامل في كل التاريخ الماضي، وأظهرت الأزمة قدرة الدول والحضارات في التعامل مع العوامل الثلاثة بتوازن أو بخلل مثير للانتباه في المفهوم الحضاري، وشكّل الوباء بذلك اختباراً حضارياً حقيقياً للمكونات الحضارية القائمة اليوم في العالم، ومنها العالم العربي والإسلامي.

تداعيات أزمة الوباء واتجاهاتها

تشير القراءات الأولية إلى أن اتجاهات التأثر والتأثير والتداعيات التي تسببت بها أزمة وباء كورونا تعددت من حيث الأبعاد النوعية، كما تعددت من حيث مستويات التأثير وعمقها. وتركز الدراسات الأولية على الآثار البليغة للوباء في المنظومة الصحية للدول ولقدرتها على الصمود والاستيعاب، وملاحقة تطورات الأزمة محلياً ودولياً.

ويعتبر الكثير من المتابعين والمراقبين للظاهرة أن ما بين صمود المنظومة الصحية واستجابتها لمتطلبات التعامل مع الظاهرة، وبين انهيارها وخضوعها لمتغيرات الوباء ونتائجه بضعف وتردد، سوف يتحدد مستقبل الدولة والمجتمع وقدرة النظام الاقتصادي على الصمود، بل وربما مستقبل النخب الحاكمة في السلطة السياسية في عدد من الدول، ناهيك بالتحولات الاجتماعية وتأثيراتها المباشرة على البحث العلمي والتعليم والفكر السائد، بل وعلى القناعات بفاعلية وحيوية الأبعاد الدينية والثقافية في هذه المجتمعات.

وتقع القيادات السياسية في العالم في ظل هذا الخطر وهذه التداعيات الاستراتيجية في إدارة أزمة متغيرة المحددات، متفاعلة العوامل، وتمتد عبر الحدود، وليست معلومة المصدر، ولا معلومة السلاح الأقدر على المواجهة، ما يجعل إدارة الأزمة تخضع لنظرية إدارة المتغيرات الجارية، وتعتمد على الاحتمالات والسياسات الوقائية أساساً مع القيام بالحد الأدنى اللازم لاحتواء الظاهرة وحصرها، وبالتالي حصر تداعياتها.

لذلك برز الصراع بوضوح في مختلف دول العالم بدءاً من الصين بين علماء البيولوجيا والأطباء وقيادات المنظومة الصحية، والسلطات السياسية التي تعتبر أن تقديم الحقائق الوبائية ومخاطرها مهدّد لاستقرار الدولة والسلطة، كما تطال رأس المال لثير المخاطر الناجمة عن تفاقم نظرية الوباء بأخطارها المتصاعدة على المنظومة الاقتصادية من جهة، وعلى استقرار السوق والحركة التجارية العالمية من جهة أخرى.

وبرزت هنا المفارقة بين الديمقراطيات الغربية التي تعتبر حرية الفرد أساس فكرها وحضارتها، فيما ظهرت فلسفة مركزية الإدارة للأزمة واستخدام قوانين الطوارئ في دول أخرى لا تحكم بنظم ديمقراطية حديثة على النسق الغربي، والتي اعتمدت سياسة إنهاء الأزمة بعد احتوائها، وتجاوزت القوانين العادية لتدير الدولة بالقرارات والأوامر المباشرة من فريق إدارة الأزمة كما فعلت الصين وروسيا وعدد من الدول العربية والإسلامية، ومزج البعض بين الأمرين بصعوبات بالغة كما تحاول أن تفعل تركيا والبرازيل.

ويتناول بعض المفكرين مسألة التحول في القيادة العالمية والإقليمية، ومسألة التحول في عصر التكنولوجيا الرقمية، كما يتناولون تحولات مهمة في شكل وآليات النظام العالمي واقتصاده، إذ اتجه البعض إلى تشجيع التفكير الجادّ بالتوسع بالصناعات والاقتصادات التي تحقق الاكتفاء الذاتي من جهة، وتطور وسائل حماية صحة المجتمع من جهة أخرى، حيث اكتشفت، حتى الدول الكبرى بما فيها الصين في بداية الوباء، أنها تتعرض لانكشاف حقيقي في عجز صناعاتها عن توفير لوازم المواجهة بشكل سريع ومباشر، ما اضطرها إلى اتخاذ إجراءات وقرارات لتعديل ميزان الصناعة والتجارة الداخلية والخارجية، حتى إن بعضها اتخذ قرارات حمائية للسلع الصحية لمنع تصديرها إلى الخارج، ما شكل خرقا مباشراً لقوانين منظمة التجارة العالمية ولقواعد اقتصاد السوق التي تسود العلاقات الاقتصادية الدولية.

لذلك فإن الحديث عن التحولات الاقتصادية، مصحوبة بتحولات في الصناعة والتجارة والعلاقات الدولية وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالزراعة والمنظومة الصحية، أصبح يأخذ مساحة أكبر بكثير خلال إدارة الأزمة، وقد يتسع بعدها ليسود لعقد أو عقدين من الزمان لتشمل الصناعة السياحية، ولمسألة توطين الصناعة، وزيادة الناتج المحلي من الزراعة، ولحقيقة أن العالم قرية واحدة يعتمد بعضه على بعضه الآخر، وهكذا.

إن اتجاهات التداعيات المختلفة لا تزال تتسع وتتعمق، هذا مع التنبيه على أن التداعيات تتنوع لدرجة أنها تشمل الفكر الاقتصادي العالمي من جهة، والفكر الصحي، بل والفكر السياسي المتعلق بالسلطة والقوانين الحاكمة، ومسألة مفهوم الحريات الفريدة والعامة وعلاقة بعضها ببعض، ومن يعلو على من؟

لذلك فإن منظومة العلاقات الدولية ودور المنظمات والاتفاقات الدولية بدأت تتعرض لإعادة النظر والتقييم، وإن بهدوء وعلى المدى المتوسط بانتظار انقشاع الأزمة.

الإنسان والمجتمع والنظام الصحي

فتحت هذه المفارقات في التعامل مع التداعيات نظريات جدلية تاريخية تتعلق بالأولويات، ومن يحكم من، ما بين الإنسان ومصلحته المباشرة في الحياة والصحة، وبين السلطة الحاكمة المسؤولة عن تحمل نتائج التداعيات، وبين رأس المال الذي يسعى لتعظيم الثروة ويرتبط بالعالم بعلاقات تكاد تكون في عالم اليوم متداخلة جداً بما فيها الصين الشيوعية.

وهي نظريات قديمة، وتسود الفكر الغربي الرأسمالي والشيوعي والاشتراكي على حد سواء، خصوصاً في ما يتعلق بالسياسة والاقتصاد، وكذلك ما يتعلق بسؤال هل الإنسان أداة لخدمة السياسة والاقتصاد أم هو هدف للاقتصاد والسياسة، إذ تقف نظريات العالم الإسلامي ومقارباته الحضارية في كل عصوره لتحدد موقفها، وتمارسه عملياً، إذ اعتبرت الحضارة الإسلامية أن الإنسان هو الهدف، بمعنى حياته وإسعاده وتوفير الغذاء له وحمايته من الظلم وهكذا إلخ، وأن السلطة ورأس المال إنما هي الأداة التي تسعى وتتكامل لتحقيق سعادة الإنسان سواء بنشر العدل وإسعاد البشرية، أو بتنمية الإنسان وتزكيته المستمرة.

لذلك فإن إعادة النظر بالتوازن داخل الدولة وفي المنظومة الإقليمية والعالمية الدولية، قد يتأثر بشكل مباشر في مسألة المواطن والإنسان، وإثارة البعد الإنساني في المجتمعات المحلية والعالمية، ناهيك بأن التعليم والاختراع والصناعات الصحية تشكّل دعامة مهمة لسلامة أداء الإنسان للوظائف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبالتالي سلامة المجتمع واستقراره وحمايته من التفكك.

ولعل الاتجاه إلى الزراعة المتنوعة قد يساعد كثيراً على إعادة بناء المجتمعات على رأي شارل ديغول، وتقف نظرية الحضارة الإسلامية الأوضح والأبرز في هذا المضمار بغضّ النظر عن عجز دولنا ومنظوماتنا أن تقدمها للعالم، لتُعلِي شأن الإنسان وقيمته ودوره، بوصفه أساس المجتمع، وأساس الاقتصاد وبالتالي أساس الدولة، لا أن ينظر إليه من قبل السلطة ورأس المال بوصفه أداة استعمال كما سطر الفكر الغربي والشيوعي قروناً وعقوداً مضت من تاريخ البشرية الدموي وغير الإنساني.

السلطة وإدارة الأزمات

في ما يتعلق بالتعامل مع أزمة وباء كورونا وإدارتها فقد برز بوضوح أهمية الهامش الذي يُتيحه بعض القوانين بإدارة الأزمات المختلفة ومنها الوبائيات بإدارة مركزية مفوضة، ورغم ما يعتري هذه النظرية من مخاطر تتعلق بنشوء الدكتاتوريات، وتراجع الدور الشعبي، والرقابة الشعبية، فإن اتخاذ القرارات السريعة والمتغيرة ربما في اليوم الواحد لا يمكن تحقيقه في ظلّ الإدارات البيروقراطية، والديمقراطية المعتادة في العالم.

لذلك تفاوتت إجراءات الدولة سرعة وقوة وتوسعاً تبعا لمدى القناعة والقدرة على إدارة الأزمة بشكل فاعل وسريع ومؤثر، إذ قد يعترض العديد من القوانين والقواعد الدستورية الناظمة في البلاد بعض اتجاهات القرارات، مثل حظر التجول الكامل، ومنع السفر، ومنع الحركة كلياً، والإكراه في إجراء الفحوصات الطبية اللازمة، والحجر الصحي الإلزامي في المحاجر المخصصة لذلك، وتحديد الأسعار ومنع الاحتكار، وإغلاق المناطق الموبوءة بالكامل وتسليمها لإدارة الجيش.

وهي سياسات واتجاهات لا تتماشى مع المنظومة الاقتصادية الدولية، ولذلك ظهر التباين في إدارة الأزمة وانعكس ذلك بشكل مباشر على نتائج إدارة الأزمة باتجاه الاحتواء والمحاصرة ومن ثم الشروع في المواجهة حتى القضاء على الوباء، رغم عدم القضاء على الفيروس أو التوصل إلى لقاح يحمي الإنسان منه حتى الآن.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد اتسع التفكير وإعادة النظر أيضاً نحو النظم الإقليمية والعلاقات والمنظومات الدولية، ودورها في مساعدة الأقطار الأكثر تضرراً والأقل إمكانات، وحددت القدرات الذاتية والحاجات المحلية لكل دولة وتفكيرها الاقتصادي الرأسمالي وسياساتها تجاه الآخرين باستثناءات محدودة كان أغلبها من الصين لاحقاً ومن تركيا والأردن وبعض الدول العربية الأخرى.

لذلك فإن إعادة النظر بمنظومة العلاقات الإقليمية والمؤسسات الإقليمية، وإعادة النظر بمنظومة إدارة الأزمات (الحروب، والكوارث الطبيعية، والأوبئة)، وإعادة النظر بمنظومة وقيم العلاقات الدولية في بعدها الإنساني، قد تكون من الدروس، كما هي الفرص، لإعادة بناء الفكر الإنساني الذي يُعلي القيم الإنسانية على المصالح الأنانية الاقتصادية أو السلطوية أو حتى الحريات والمصالح الفردية لصالح المجتمع (الصالح العامّ).

رأس المال ودوره في المنظومة الحضارية والاستقرار والتنمية

رغم إثارة إشكاليات البعد الإنساني في المنظومات العالمية والإقليمية القائمة، بل والقطرية أحياناً، فإن الاقتصاد يشكل عصب القوة للمجتمع والسلطة في آن واحد، وهنا تُثار ثانية العلاقات الجدلية بين الإنسان والاقتصاد، والإنسان والمجتمع، وبالتالي خدمة المنظومات التعليمية والصحية للاقتصاد وخدمتها للإنسان في آن واحد، وصعوبة هذه المعادلات لدى الخبراء والعلماء في هذه العلوم، ما يفتح الباب اليوم واسعاً لإعادة النظر في نظرية التوازن بين هذه المكونات مجتمعة، وهنا تثار أسئلة فلسفية من قبيل:

 كيف سيقوم الاقتصاد بلا إنسان صحيح الجسم والعقل، متحقق المصالح في المجتمع، ذي قدرات ومهارات علمية ومهنية عالية؟

 وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تتطور بلا إنسان يتمتع بدعم التعليم والبحث العلمي وحرية التفكير العلمي؟

 وكيف يمكن للدولة أن تُدار من قبل إنسان لا يفهم العالم المعاصر ولا يعتبر المجتمع والإنسان هدفاً لبرامجه التطويرية؟ فالسلطة -كما يقال- أرض وشعب ونظام، والإنسان أساس الشعب وأساس النظام، وبالتالي أساس الدولة، كما أن الاقتصاد عصبها، إذ إن الإنسان هو صانع الاقتصاد وهو هدف الاقتصاد في الاستهلاك بمختلف أنواعه ومستوياته.

لذلك فإن إعادة النظر لتتمحور الحياة حول الإنسان وبتوازن مع الاقتصاد ورأس المال وبالتالي السلطة الحاكمة، وإعلاء القيم الإنسانية على القيم المادية، أصبحت اليوم محطّ نقاش وحوار عالمي، إذ فتحت الفرصة للعالم الإسلامي أن يقدّم نظريات الحضارة الإسلامية، وتجارب الدولة الإسلامية التاريخية الحضارية والإنسانية، مقارنة بتجارب الحضارات الأخرى كالبيزنطية والرومية من بعدها والغربية الرأسمالية والشيوعية الاشتراكية، ليظهر للعالم جليّاً أن التقدم العملي والتكنولوجي والتطور السياسي والاقتصادي ينقصه الإدراك لمعادلة التوازن في المفهوم الحضاري الإسلامي مع القيم الإنسانية الحضارية التي أعلت شأن الإنسان، ورفعته إلى مصافّ الأساس في البناء، والأساس في التطوير والمستقبل.

وختاماً ورغم الكارثة الإنسانية والصحية والاقتصادية والسياسية التي أوجدها فيروس كورونا ووباؤه، فإن الأزمة فتحت فرصاً جديدة واسعة للتفكير والتخطيط والمساهمة الحضارية الفاعلة، المتعلقة بالتحول نحو التكنولوجيا الحديثة وصناعاتها الصحية والزراعية والاكتفائية، وكذلك لتقديم روح الحضارة الإسلامية الإنسانية بأبعادها المختلفة، وقدراتها الفائقة في التعامل مع الأزمات الإنسانية العالمية بتوازن وكفاءة ودون أنانية.

كما فتحت الباب لإعادة النظر بالمنظومات العاملة في البلاد العربية والإسلامية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولتفعيل القدرات الجيو-ستراتيجية للأمة في حالات التكامل والتعاون الدولي لصالح بناء نظام عالمي متكامل يعيش بسلام وأمن، أساسه حماية الإنسان وحريته العامة ومن ضمنها الفردية وتقديم الصالح العام، ويمنع الاستهتار بأرواح البشر في الحروب، ويعمل على وقف الاستثمار بالأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، واعتبارها جرائم ضد الإنسانية، وتوفير أموالها لصالح البناء وإعلاء قيمة الإنسان وقدراته وتعليمه ومهاراته ورفاهه، بما في ذلك تعديل المعادلة الديمقراطية لتعظيم البعد القيمي والاجتماعي والإنساني (البنية الاجتماعية) على حساب الحسابات الرأسمالية (الأنانية) الضيقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.