مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق في قلب الحوار الاستراتيجي المتوقع بين البلدين

قالت ورقة بحثية إسرائيلية نشرت على موقع معهد الأمن القومي الإسرائيلي INSS ، بتاريخ 31 مايو 2020، للباحث إلداد شافيت ان الحكومة الأمريكية ترى في تعيين رئيس المخابرات العراقي، الكاظمي، رئيساً للوزراء فرصة لتعميق قبضة الولايات المتحدة على العراق، في محاولة لتحدي جهود إيران لتعزيز نفوذها. وأن “الحوار الاستراتيجي” المتوقع أن يجري بين الولايات المتحدة والعراق سيصل قريبًا إلى مفترق طرق في العلاقات بين البلدين، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن نتائجه قد تؤثر على مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق.

وأضافت الورقة التي نشرها معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي، أن لإسرائيل مصلحة واضحة في نجاح الحوار، بالنظر إلى أن الانسحاب الأمريكي من العراق سيترك إيران بدون منافسين مهمين كلاعب مهيمن في هذا المجال. إلى جانب الحاجة إلى إجراء حوار مع الولايات المتحدة، يجب على إسرائيل تتوخي الحذر ومراعاة أن العمليات العسكرية العراقية قد تضر بالمصالح الأمريكية وتؤثر على نتيجة الحوار مع العراق.

مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق في قلب الحوار الاستراتيجي المتوقع بين البلدين

وأشار إلداد شافيت، الجنرال السابق في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان”، وزميل معهد دراسات الأمن القومي معد الدراسة أن ” الولايات المتحدة رحبت بتعيين رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي في رئاسة الوزراء العراقية في مايو 2020م، هذا على الرغم من انتخابه بدعم من إيران بعد إحباط ترشيح مرشح آخر، والذي يعتبر مقربًا من واشنطن. تحافظ الإدارة الأمريكية على اتصال وثيق مع الكاظمي، حيث تم إجراء مكالمات هاتفية بينه وبين الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية مايك بومبيو (مرتين). مباشرة بعد انتخابه، هذا وقد مددت الإدارة الامريكية لمدة شهرين آخرين الإعفاء الممنوح للعراق لمواصلة شراء الغاز من إيران، على الرغم من العقوبات الأمريكية. حتى قبل انتخاب كاظمي، في أبريل 2020م، أعلن بومبيو أن الولايات المتحدة والعراق يخططان لإجراء “حوار استراتيجي” (من المتوقع أن يبدأ في يونيو 2020م) حول مستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين.

وترى الورقة انه في الخلفية سلسلة من التطورات المسجلة منذ بداية العام والتي أثرت على صانع القرار والسلوك الأمريكي في الساحة العراقية:

  • الصراع الأمريكي الإيراني: حتى بعد القضاء على قائد فيلق القدس قاسم سليماني (في أوائل يناير)، ظل العراق مسرحًا رئيسيًا للصراع بين الولايات المتحدة وإيران. يواصل المسؤولون الأمريكيون في العراق استيعاب الهجمات التي تشنها الميليشيات الشيعية المرتبطة بإيران، في سياق التزامهم بإخراج القوات الأمريكية من العراق – وهو هدف استراتيجي رئيسي لإيران، التي تعتبر الانسحاب الأمريكي وسيلة مهمة للحفاظ على نفوذها بل وتعزيزه في العراق. ومع ذلك، في الأشهر الأخيرة، أبدت الإدارة الامريكية الحذر وتجنبت أي تحركات قد تؤدي إلى التدهور، وعلى الرغم من تحذيراتها، فقد ردت بشكل معتدل على هجمات الميليشيات، حتى بعد أن تسببت في وقوع إصابات.
  • زعزعة الاستقرار الداخلي في العراق: اتسمت الأشهر القليلة الماضية بتكثيف الاضطرابات الداخلية في العراق وسط احتجاجات عنيفة واسعة النطاق ضد الفساد الحكومي التي حدثت في جميع أنحاء العراق، وفي نوفمبر 2019م أدت إلى استقالة رئيس الوزراء، وتفشي وباء كورونا إلى تقليص نطاق الاحتجاجات، ولكنه سلط الضوء في الوقت نفسه على المشاكل الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي يعاني منها العراق. رداً على هجمات الميليشيات الشيعية والحاجة إلى مواجهة وباء كورونا، أعادت الولايات المتحدة نشر قواتها في البلاد، وانهت وجودها في القواعد الصغيرة وجمعت القوات في القواعد كبيرة. وللمرة الأولى، تم نشر بطاريتين باتريوت في قواعد أمريكا الوسطى في العراق “عين الأسد” وفي قاعدة أربيل. في غضون ذلك، تطالب الإدارة الامريكية مرة أخرى الحكومة العراقية بتنفيذ إصلاحات حكومية شاملة، بينما تعمل الحكومة مع المجتمع الدولي لترتيب المساعدة المالية للعراق. خصصت الولايات المتحدة حوالي نصف مليار دولار من المساعدات الخارجية للعراق في عام 2020م بالإضافة إلى المساعدات الإنسانية التي تم تحويلها إلى البلاد في السنوات الأخيرة.
  • نشاط داعش: حتى لو لم يعد تنظيم داعش يمتلك أراض في العراق، فإن خطر الإرهاب لم يختف، ويبدو أن التنظيم صعد مؤخرا عملياته، باستخدام تكتيكات “اضرب وهرب”، مستغلا عدم الاستقرار الداخلي وإعادة الانتشار في البلاد تركز القوات الأمريكية في العراق بشكل أساسي على مساعدة قوات الأمن العراقية (الجيش والشرطة) في التدريب والتدابير التكنولوجية، ولا تشارك بشكل عام في القيام بنشاط عسكري ضد الكيانات الإرهابية. ودمج الميليشيات الشيعية في قوات الأمن لتعميق السيطرة على عملياتهم.

ويتحدث الباحث انه “من المحتمل أن يصبح الحوار الاستراتيجي المتوقع بين الولايات المتحدة والعراق في المستقبل القريب تقاطعًا رئيسيًا في العلاقات المستقبلية بين البلدين. حتى الآن، كانت علاقتهما مبنية على الاتفاقات الموقعة في الحوار السابق الذي عقد في تشرين الثاني / نوفمبر 2008م، وحدد الخطوط العريضة للعلاقات الاستراتيجية في المجالات الأمنية والاقتصادية والثقافية، مشيرين بشكل رئيسي إلى خروج جميع القوات الأمريكية تدريجياً من العراق بحلول نهاية عام 2011م. ومع ذلك، بعد أن سحبت الولايات المتحدة معظم قواتها في عام 2011م، فشلت في التوصل إلى اتفاق مع الحكومة العراقية لتنظيم وجودها العسكري في العراق نتيجة لزيادة نشاط داعش في العراق، الخطاب العراقي الداخلي، الذي اشتد مؤخراً حول مستقبل الوجود الأمريكي في البلاد، وازدادت المطالبات بخروج القوات الامريكية من العديد من الأحزاب السياسية، كما اعتمد برلمان بغداد قراراً غير ملزم”.

يضيف الباحث “بشكل عام، تُعلق الإدارة الأمريكية أهمية كبيرة على علاقتها بالعراق وتعتبرها مكونًا رئيسيًا في قدرتها على تحقيق أهدافها في الشرق الأوسط، وعلى الأخص المواجهة مع إيران واستقرار الخليج وخطر تجدد ظهور تنظيم داعش. واشنطن، بقيادة وزير الخارجية بومبيو وكذلك الموظفين الذين يثقون في العراق وأبرزهم السفير الأمريكي الجديد في بغداد، يمثل لهم تعيين الكاظمي فرصة حقيقية لتعميق قبضة الولايات المتحدة على البلاد للتأثير على تنميتها، ولكن من الواضح أن الوقت المتاح لهم قصير. ولهذا السبب، من المقرر إجراء انتخابات مجلس النواب العراقي، ومن هنا تأتي أهمية الحوار الاستراتيجي بالنسبة لواشنطن، وفي حين لا تنجذب إلى مواجهة عسكرية في العراق، فإن المستوى الأمني ​​الأمريكي يعلق أهمية على الوجود العسكري العراقي كعنصر رئيسي في قدرته على تأمين المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط”.

ولكن، من ناحية أخرى، فإن طموح الرئيس دونالد ترامب هو تعزيز تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط وافتراض أنه بمجرد أن تكمل الإدارة اتفاق سحب قواتها من أفغانستان، فإنها ستعمل أيضًا على إخراجها من العراق. علاوة على ذلك، ووفقًا لتقارير إعلامية عراقية، أعلن السفير الأمريكي في اجتماع أقيم في منتصف فبراير 2020م مع أحد المرشحين السابقين لرئاسة الوزراء العراقي أن هناك ضغوطًا في الولايات المتحدة لإحداث انسحاب القوات وأن الحكومة تنوي استكمال الانسحاب على مدى العامين المقبلين.

يرى الباحث أن “الرئيس ترامب يسمح حاليًا للوجود العسكري العراقي بالاستمرار، وفي الوقت الحالي يواصل تخطي كلا القسمين – سواء كان ميله إلى سحب قواته أو التصرف بناءً على اعتبارات استراتيجية تحافظ على الوجود العسكري الأمريكي في العراق. كما تواجه القيادة العراقية، على الرغم من الدعوات لإنهاء الوجود الأمريكي، معضلة بين إدراك أن الوجود الأمريكي مهم لقدرتها على التعامل مع التهديدات الإرهابية وربما موازنة تصميم إيران على تعميق نفوذها في البلاد، والمشاعر الوطنية التي حالت في السابق دون صياغة اتفاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية”.

يبدو أن نتائج الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي في البلاد، مستمدة من قدرة البلدين على التغلب على العوائق العاطفية والعملية، التي تعطل حاليا مصالحهما. ومن المحتمل، على الأقل من الناحية العملية، أن تكون نقاط الاختبار للولايات المتحدة، أولاً وقبل كل شيء، استعداد العراق لاتخاذ خطوات ملموسة لتأمين المصالح الأمريكية في العراق، مع التركيز على القوات الأمريكية، بما في ذلك القدرة على دمج الميليشيات الشيعية داخل قوات الأمن في العراق، وقبل كل شيء للسيطرة عليها. بالإضافة إلى ذلك، سوف يتخذ العراق خطوات لإقرار استقلاله في وجه جهود إيران لزيادة نفوذها في البلاد. هذا، بالإضافة إلى تبني إصلاحات سياسية من شأنها زيادة الاستقرار.

يؤكد الباحث انه “بالنسبة لإسرائيل، فإن قرارات الولايات المتحدة بشأن مستقبل علاقاتها مع العراق، وخاصة فيما يتعلق بوجودها العسكري، سيكون لها تأثير مباشر على مصالح إسرائيل. وعلى الأخص، فإن انسحاب الولايات المتحدة من العراق، وهو هدف استراتيجي لإيران، سيتركها هناك كلاعب مهيمن، مع نفوذ عسكري (من خلال الميليشيات)، سياسيًا واقتصاديًا بدون منافسين مهمين. وإزاء هذه الخلفية، فإن لإسرائيل مصلحة واضحة في نجاح الحوار. حتى لو اتضح أن الاتجاه هو رحيل القوات الأمريكية، فمن المهم العمل على محاولة تشجيع الاستثمار الاقتصادي في العراق من دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، للسماح بتوازن معين للوجود الإيراني. على أي حال، بخلاف الحاجة إلى الدخول في حوار مع الولايات المتحدة، يجب على إسرائيل توخي الحذر ومراعاة أن العمليات العسكرية العراقية قد تضر بالمصالح الأمريكية وتؤثر على نتيجة الحوار مع العراق. (الرابط)

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.