مصر بعد فيروس كورونا: العودة إلى المربع الأول

نشر موقع مبادرة الإصلاح العربي بتاريخ 26 أغسطس 2020 ورقة بحثية بعنوان: “مصر بعد فيروس كورونا: العودة إلى المربع الأول” شارك في كتابتها إسحاق ديوان، أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة باريس للعلوم والآداب؛ ونديم حوري، المدير التنفيذي – مبادرة الإصلاح العربي؛ و يزيد صايغ، كبير الباحثين في مركز كارنيجي للشرق الأوسط في بيروت – وذلك على النحو التالي:

لقد تم بناء استقرار الأمن والاقتصاد الكلي في مصر مؤخراً على أسس ضعيفة، كشفت عن هشاشتها جائحة كوفيد-19.  وبالتالي عادت البلاد الآن إلى نُقْطَة البِدَايَة، في موقفٍ يشبه إلى حد بعيد ما كانت عليه قبل ثورة 2011: مستقرة في الظاهر، ولكن في الداخل ثمّة مشكلات بنيويّة عميقة ومظالِم اجتماعيّة محتدمة، مع استنفاد كل ما يمكن أن يخفّف من حدّتها. تدعو هذه الورقة إلى إحداث تحول كبير في الطرق التي تُحكم بها البلاد حالياً لصالح المزيد من الانفتاح في عالم السياسة والأسواق، وإلى أن يدفع المجتمع الدولي بجدية مصر إلى الإصلاح اقتصادياً وسياسياً.

مقدّمة*

استطاع السيسي تحقيق استقرار أمنيّ واقتصاديّ-كلّيّ ناجح، ولكنّ هذا الاستقرار قام على أسس ضعيفة. فعلى الجانب الاقتصاديّ اعتمد على المؤسّسة العسكريّة والقطاع العامّ ليكونا محرِّكا النموّ الاقتصاديّ، ولم يكن قادراً أو راغباً في الحصول على استجابة من القطاع الخاصّ في هذا الشأن. إضافةً إلى هذا، كانت إصلاحاته ذات كلفة اجتماعيّة كبيرة، وذلك مع زيادة معدّلات الفقر والعَمالة غير المستقرّة.

ضرَبت الصدمة الخارجيّة الناجمة عن أزمة كورونا الآن جميعَ مصادر النقد الأجنبي في مصر؛ بدءاً من السياحة إلى التحويلات الخارجيّة والاستثمار الأجنبيّ المباشر (FDI) وصادرات الغاز الطبيعيّ وتدفقات رؤوس الأموال الدولية. ولأسباب اقتصاديّة واجتماعيّة، يبدو استقرار البلاد الآن هشّاً؛ فهو مرِن على السطح، ولكنّه هشّ من الداخل. فهل يمكن أن يتطوّر أسلوب الحكم والنموذج الاقتصاديّ الحاليَّين للحفاظ على الاستقرار في مصر بعد أزمة كورونا الحاليّة؟

نناقش فيما يلي بشيء من التفصيل أنّه مع تحسّن المشهد الماليّ في مصر بعد عمليّة ترسيخ الاستقرار الناجحة في عام 2016، التي قادها صندوق النقد الدوليّ، إلّا أنّ ذلك لم يكن كافياً للتعامُل مع المشكلات الأساسيّة طويلة الأجل التي تواجه الاقتصاد؛ وعلى غرار الجهود السابقة الرامية إلى تحقيق الاستقرار، لم تقدِّم للبلاد سوى فرصة مداها سنوات قلائل لتنفيذ إصلاحات أعمق. وفي أعقاب أزمة كورونا، صارت تلك الفرصة أضيَق؛ إذ يواجه الاقتصاد الآن خطراً حقيقيّاً بالانهيار على المدى المتوسّط إذا لم تتحسّن الأمور الأساسيّة، وهي الاقتصاد والظروف الاجتماعيّة والقواعد السياسيّة الحاكمة. ولن يؤدي تراكم الديون الأجنبيّة من أجل تجنّب مواجهة المشكلات إلا إلى تفاقُم الاختلالات القائمة لدرجة تجعلها مستعصية على الحلّ مستقبَلاً

عادت مصر الآن إلى نُقْطَة البِدَايَة، في موقفٍ يشبه إلى حدّ بعيد ما كانت عليه قبل ثورة عام 2011: إذ تبدو الأمور مستقرة في الظاهر، ولكن في الداخل ثمّة مشكلات بنيويّة عميقة ومظالِم اجتماعيّة محتدمة، مع استنفاد كل ما يمكن التخفيف من حدّتها. نناقش في هذه الورقة أسبابَ الضعف الرئيسيّة الثلاثة التي تجعل مصر عُرضةً لانفجارٍ محتمَل. تلك الأسباب هي: عمليّة استقرار كلّيّ دون أن يُقدِّم القطاع الخاصّ استجابةً لتعويض نقص المعروض السلعيّ، إضافةً إلى عسكرة اقتصادها مع ضعف المكوّن المدنيّ في الاقتصاد، وغياب صمام الضغط والمساحة السياسيّة اللازمة لاستيعاب الظروف الاجتماعيّة المتدهورة وتصاعد مستويات السخط. ومن أجل جعل مسار النموّ المصريّ أكثر مرونةً في المستقبل، وخصوصاً في عالَم ما بعد كورونا، لا بدَّ من البدء في تخفيف هذه التوتّرات. وللقيام بهذا، سيستدعي الأمرُ تغييراً في الطرق التي تُحكَم بها البلاد حالياً، وهي الطرق التي تُعطي أولويّة للمزيد من الانفتاح في الأسواق وفي عالم السياسة؛ وسيستدعي أيضاً قيامَ المجتمع الدوليّ بالتشجيع على البدء أخيراً بمعالجة التحديّات طويلة الأجل مباشرةً. قد تؤدّي إساءة توظيف هذه الأزمة، كما حدث مراراً وتكراراً من قبل، إلى بدء تفكّك البلاد.

الصدمات الخارجيّة والداخليّة الناجمة عن أزمة كورونا

تلك الصدمة الخارجيّة المرتبطة بأزمة الوباء العالميّ هي ما أصابت مصر بشدّة، الأمر الذي أدى إلى تفاقم نقطة الضعف الرئيسيّة في البلاد؛ وهي أرباحها الخارجيّة. ومع أنّ مصر لديها احتياطيّ كافٍ من النقد الأجنبيّ يمكّنها من التعامُل مع الوضع على المدى القصير، فإنّ الصدمة تذكير بأنّ مستقبلها يظلّ ضعيفاً وغامضاً ما لَم تتحسّن التوجّهات الاقتصاديّة الحاليّة.

لم يكن اعتماد مصر على العائدات الخارجيّة الهشّة أعلى في أيّ وقتٍ مضى منه اليوم. ففي عام 2019، احتاجَت البلاد إلى جمع حوالي 100 مليار دولار لتلبية احتياجاتها من العملة الأجنبيّة؛ من أجل استيراد السلع الاستهلاكيّة والخدمات الخارجيّة التي تعتمد عليها (بقيمة 70 مليار دولار)، ومن أجل دفع فوائد ديونها الخارجيّة. غير أنّه بعد عقود من الإصلاحات الداعمة للسوق، وبعد عمليّة خفض كبير للعملة عام 2016 بنسبة 50%، استطاعَت مصر تصدير سِلَع بقيمة 30 مليار دولار فقط (منها حوالي 10 مليارات من الغاز الطبيعيّ؛ إذ صارت البلاد من مصدّري النفط والغاز في أواخر عام 2018). تمّت تغطية تلك الفجوة من خلال الموارد الخمس الكبرى للعملة الأجنبيّة، التي تحسّنت كثيراً منذ الإصلاحات التي انطلقت عام 2016؛ وتلك الموارد هي: التحويلات الخارجيّة (حوالي 30 مليار دولار تقريباً)، السياحة (حوالي 15 مليار دولار)، الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة والمَحافِظ الاستثماريّة (12 مليار دولار)، عائدات قناة السويس (6 مليار دولار)، والمساعدات الدوليّة الرسمية التي تصل إلى حوالي 10 مليار دولار (ويدخل فيها قروض صندوق النقد الدوليّ حتّى عام 2019).

من المتوقّع أن تنخفض مصادر الدخل الأجنبيّ هذه مجتمعةً، بنسبة 30% على الأقلّ عام 2020 (تقرير ’آفاق الاقتصاد العالميّ‘ لعام 2020، الصادر عن صندوق النقد الدوليّ). تضرّرت بشدّة كبرى تلك المصادر -وهي التحويلات الخارجيّة والسياحة- بسبب الوباء العالميّ. فقد انهارَت السياحة حتّى الآن، ومن المرجَّح أن تستمرّ في حالةٍ ركود كبير مدّةَ سنتَين على الأقل. أمّا التحويلات الخارجيّة فقد استمرت حتى الآن، ومن المتوقّع أن تتراجع مع مرور الوقت. يتركّز حوالي 5.5 مليون مهاجِر مصريّ في دول الخليج وغيرها من الدول العربيّة؛ ومنهم تتدفّق ما نسبته 85% من تلك التحويلات. ولكن ملايين العمّال في تلك الدول إمّا تعرّضوا لإنهاء عقود عملهم، أو اضطروا لإجازة عمل، أو أنّهم يتلقّون أجزاء من رواتبهم فقط. وفيما يتجاوز المدى القصير، يَزيد تراجُع أسعار النفط من وتيرة سياسات تحويل العَمالة في دول الخليج إلى عَمالة وطنيّة، ممّا يؤدّي بمرور الوقت إلى انخفاضٍ دائم في الطلب على العمالة المصريّة ومن ثمّ على حجم التحويلات. تراجَعت أيضاً عوائد قناة السويس، ومن المتوقّع أن تظلّ منخفضة مع انخفاض حجم التجارة الدوليّة. كانت الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة تتوجّه أساساً إلى قطاعات النفط والغاز الطبيعيّ (بنسبة 74% في العام الماليّ 2018-2019)، إذ انخفضَت الآفاق والفرص أيضاً بشكلٍ كبير تزامناً مع انخفاض أسعار النفط. إضافةً إلى ذلك، وفيما يتّصل بأزمة كورونا العالميّة، تضرّرت بشدّة التدفّقات المتوجّهة إلى الأسواق الصاعدة، ويُقال إنّ هروب الأموال الساخنة تجاوزَ 10 مليارات دولار في الأشهر الأخيرة. نتيجةً لهذا، انخفضَت الاحتياطيّات الدوليّة -التي كانت في أعلى مستوياتها قُبَيل الأزمة بقيمة 40 مليار دولار- بقيمة 5 مليار دولار في الربع الأوّل من عام 2020 وحده.1

لم يكن لدى مصر خيار سوى الاقتراض مجدَّداً من أجل سدّ الفجوة المتنامية في العملات الأجنبيّة لديها. وقد تلقّت مصر قرضاً عاجلاً بقيمة 2.8 مليار دولار من صندوق النقد الدوليّ في أيار/مايو 2020،2 وبعد شهرٍ واحد أضيفَ إليه اتّفاق استعداد ائتمانيّ بقيمة 5.2 مليار دولار.3 في أيار/مايو 2020، طرحت مصر أيضاً 5 مليارات دولار في أكبر عمليّة طرح لها على الإطلاق في سوق السندات الدوليّة. أشار المحلّلون إلى أنّ عودتها كانت ناجحة نسبيّاً، ولكنّها ما تزال تواجه شروطاً أقسى ممّا واجهت في الماضي القريب.4

زادَت هذه القروض الجديدة إلى الدين العامّ المتنامي بسرعة فعليّاً، ممّا أثار نُذُر الخطر بشأن استدامته. فمنذ عام 2012، نما الدين العامّ بشكلٍ أسرع من الاقتصاد المصريّ نفسه، وقد وصل الآن إلى أكثر من 90% من الناتج المحلّيّ الإجماليّ. وأغلبُ الدين العامّ أساساً دَينٌ محلّيّ، ولكن الجزء الخارجيّ منه قد نما بسرعة، وتجاوَزَ الآن 200% من صادرات السلع والخدمات. ومع تجاوزه 120 مليار دولار، فإنّ الدين الخارجيّ لا يتطلّب فقط دفع فوائده (13 مليار دولار عام 2020)، وإنّما يستدعي أن يُعاد تمويل جزء كبير منه في العامَين المقبلين (يتضمن نسبة 25% من الدين الأجنبيّ المستحقّ لدول الخليج). ولهذا، فإنّ ديون مصر الخارجيّة تعرِّضها بالفعل لأبرز نقاط الضعف؛ فسيصبح سدادها أشقّ بكثير إذا ارتفعت أسعار الفائدة أو ازداد انخفاض قيمة الجنيه المصريّ. ومصر الآن تُصنَّف من قِبَل العديد من المحلّلين بينَ الدول الخمس الأكثر خطورة في الأسواق الصاعدة (والدول الأربع الأخرى هي البحرين وباكستان ولبنان ومنغوليا).5

الشكل 1: الديون والائتمان

مصر بعد فيروس كورونا: العودة إلى المربع الأول

المصادر: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك المركزي المصري للعام الماضي (السنة المالية 2018/19) للديون الخارجية / التصدير.

ملحوظة: “رصيد الدين الخارجي” هو مجموع الديون طويلة الأجل العامة والمضمونة من قبل الحكومة والخاصة غير المضمونة، واستخدام ائتمان صندوق النقد الدولي، والديون قصيرة الأجل.

إلى جانب تزايُد معدّلات الاقتراض، سيتحتّم على مصر النظر في إجراء عمليّة خفض لعملتها، من أجل تقليص نسبة الواردات، والقيام برفع سعر الفائدة المحلّيّة لاحتواء هروب رأس المال. ستوجّه هذه الإجراءات ضربة أخرى لمستوى المعيشة بالنسبة للطبقة الوسطى والفقراء. الحلّ الوحيد على المدى الطويل، وهو الحلّ الذي تمّ تحديده وإدراكه منذ منتصف التسعينيّات من القرن الماضي ولكنّه لم يتحقّق إلى اليوم، هو تشجيع القطاع الخاصّ في البلاد لإنتاج المزيد من السلع التجاريّة (القابلة للتداوُل): إمّا من أجل الأسواق المحلّيّة (لخفض نسبة الواردات) أو من أجل أسواق التصدير.

أدّت الصدمات الخارجيّة والداخليّة أيضاً إلى إضعاف النموّ الاقتصاديّ. ويتوقّع صندوق النقد الدوليّ الآن تراجُعَ معدّل النموّ من 5.5% إلى 2% عام 2020، وهو معدّل بالكاد يصل إلى معدّل النموّ السكّانيّ (تقرير ’ آفاق الاقتصاد العالميّ‘ لعام 2020). من المتوقّع أن ترتفع نسبة البطالة من جديد لتصل إلى 12% على الأقلّ، بعدما كانت تتراجَع ببطء. جزء صغير نسبيّاً من تراجُع النموّ الاقتصاديّ يتّصل بالتأثيرات الداخليّة لأزمة كورونا، ولكن هناك مخاطر أن يزداد هذا في المستقبل. حتّى الآن ما تزال إجراءات التباعُد الاجتماعيّ بسيطة: فهي غالباً مجرّد حظر تجوال في الليل وإغلاق للأماكن العامّة. وبَينما بدَت مصر ابتداءً وكأنّها بمنأىً عن انتشار الفيروس، ارتفعَت نسبة العدوى منذ شهر حزيران/يونيو، إذ أكّدت منظّمة الصحّة العالميّة وجود 74,035 حالة إصابة منها 3,280 حالة وفاة.6 والواقع أن العديد من منظّمات المجتمع المدنيّ لا يثقون في تلك الأرقام نظراً إلى محاولات السلطات إسكاتَ الأطبّاء ومنتقدي استجابة الحكومة للأزمة.7 وإذا استمرّت الأرقام في الارتفاع، سيزداد التأثير على الطلب والإنتاج المحلّيَّين.

خلاصة القول أنّ مصر، بعد أزمة كورونا، لا يمكنها الاستمرار في تجاهل الإصلاحات اللازمة لتعزيز مستوى صادراتها، لأنّها لن تستمر لوقتٍ طويل في التمتّع برفاهية الاقتراض إلى أن تخرج من الصعوبات التي تواجهها. وبصورة متزايدة سيصبح الاعتماد على الحلول قصيرة المدى القائمة على ردّ الفعل أكثر كلفةً وأقلَّ توفّراً.

تحقيق الاستقرار الاقتصاديّ دون إصلاحات

وفقاً لبعض التقديرات، فقد نجحت عمليّة تحقيق الاستقرار للاقتصاد الكلّيّ المصريّ، في سياق برنامج تسهيل الصندوق الممدد لصندوق النقد الدوليّ بقيمة 12 مليار دولار، خلال الأعوام 2016-2019. وعلى كلّ حال فقد كانت ضروريةّ. فقد جاء البرنامج في أعقاب مرحلة تلت فترة 2013-2015 التي كان الاستقرار في مصر خلالها يتحقّق عبر الدعم المقدَّم من دول الخليج (23 مليار دولار خلال أعوام 2012-2015). غير أنّ هذا الدعم انتهى به الأمر إلى حدٍّ كبير بدعم الاستهلاك من خلال سدّ فجوة العملات الأجنبيّة، ولكنّه لم يدفع الحكومة إلى اتّخاذ إجراءات للحدّ من الاختلالات الداخليّة والخارجيّة. على النقيض منها، طلب صندوق النقد الدوليّ، كشرطٍ مسبَق، أن يتمّ خفض قيمة الجنيه المصريّ بنسبة 50%، الأمر الذي استطاع، مع كونه شديد الوقع اجتماعيّاً، تقليص العجز الخارجيّ. لكنّ النجاح الحقيقيّ لعمليّة تحقيق الاستقرار يجب أن يُستخلَص تبعاً لقدرتها على تقليص الاختلالات الداخليّة والخارجيّة بشكلٍ مستدام. والسؤال المهمّ يدور حول ما إذا كان هذا قد تحقّق أصلاً.

في محاولة الإجابة على هذا السؤال، من المفيد أن نقارن برنامج صندوق النقد الدوليّ لعام 2016 وتدخّل الصندوق في مصر في مرحلة سابقة عام 1991. في الحالتين تطلّب برنامج صندوق النقد الدوليّ أن تقوم الحكومة برفع أسعار الطاقة، وخفض الدعم، وتوحيد سعر الصرف، وزيادة أسعار الفائدة، وخفض نموّ الائتمان، وإصلاح النظام الضريبيّ، وخفض عجز الموازنة. ومع اختلاف الظروف بين عامَي 1991 و2016، توضّح المقارنة أنّه في الحالتَين لا يكفي وجود برنامج” ناجح“ لتحقيق الاستقرار من أجل إنجاز تقدّم على المدى المتوسّط طالَما لم تتمّ معالجة القيود الهيكليّة في المجالَين الاقتصاديّ والسياسيّ.

في الحالتين، استطاعت مصر بنجاح تحقيق الاستقرار لاقتصادها وذلك أساساً من خلال الحد من الإنفاق بشكلٍ كافٍ لجذب المساعدات الدوليّة والتحويلات الخارجيّة والاستثمارات الأجنبيّة المباشرة. وفي أعقاب ارتفاع حادّ في أسعار الفائدة (بين 5% و10% بالقيمة الحقيقيّة)، بدأ تداوُل العملات الأجنبيّة يرتفع، ممّا سمح للاحتياطيّ الأجنبيّ بالارتفاع من 17 مليار دولار إلى 45 مليار دولار، وأتاح للجنيه المصريّ الاستقرار سريعاً. في الواقع، تدفّق الكثير من رأس المال لدرجة أتاحت للجنيه المصريّ أن يُعاوِد سعرُه الارتفاع من جديد (ومن ثَمّ توفير عائد حقيقيّ أكبر لرأس المال). وبَينما أدّى تعويم الجنيه إلى حدوث تضخّم، ارتفع إلى أكثر من 30% في العام الماليّ 2016-2017، فإنّ هذا سرعان ما تمّ احتواؤه من خلال تخفيض الأجور الحقيقيّة بشكلٍ حادّ قسراً (انظر أدناه للمزيد).

الشكل 2: الحسابات الجارية والعجز المالي

المصادر: مؤشرات التنمية العالمية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي للعامين الماضيين

في الوقت نفسه، شهدت مصر انخفاضاً كبيراً في الاختلالات الخارجية بعد عام 2016، إذ انخفض عجز الحساب الجاري لمصر من 6% من إجمالي الناتج المحلي عام 2015 إلى 2.6% عام 2019. وقد كان هذا الانخفاض مدفوعاً بتقليل الاستيراد وبالانتعاش القوي الذي شهدته السياحة؛ فضلاً عن الطفرة الكبيرة في صافي صادرات النفط والغاز إذ شهد إنتاج الغاز محلياً صعوداً كبيراً عام 2018. لكن الصادرات التقليدية الأخرى ظلت كما هي رغم الانخفاض الشديد في سعر الصرف.

الشكل 3: سعر الصرف والتضخم وسعر الفائدة

مصر بعد فيروس كورونا: العودة إلى المربع الأول

المصدر: صندوق النقد الدولي لمؤشر سعر المستهلك والبنك المركزي المصري لسعر الخصم وسعر الصرف

ملحوظة: مؤشر سعر المستهلك هو المقياس القياسي للتضخم

في الفترة بين عامي 2015 و2019، انخفض عجز الموازنة أيضاً من 12.5% من إجمالي الناتج المحلي إلى 6.7% (إذ شهد العجز الأوَّلي تقلّباً بين عجز بنسبة 3.3% من إجمالي الناتج المحلي إلى فائض بنسبة 2.2% من إجمالي الناتج المحلي). ليس من السهل القيام بتخفيضات في الموازنة بهذا الحجم (6% تقريباً من إجمالي الناتج المحلي) إذ تتسبب في معضلة سياسية تستوجب إدارتها. وبين عامي 2013 و2015، كان السيسي، بوصفه الحاكم الفعلي في بادئ الأمر ثم بوصفه رئيساً بعد ذلك، رافضاً لتخفيضات الموازنة (وتخفيض قيمة العملة) حرصاً على توطيد حكمه، الأمر الذي أدّى في نهاية المطاف إلى تعديلات مفاجئة وأشد وطأة عام 2016. قلّص برنامج 2016 من الدعم بشكل كبير، لتقلّ نسبة الدعم خلال السنوات الأربع الماضية من 4.1% إلى 1.2% من إجمالي الناتج المحلي. في الوقت نفسه، انخفضت مخصَّصات رواتب القطاع العام من 8% إلى 5% من إجمالي الناتج المحلي؛ وتراجع الإنفاق العام على قطاعي الصحة والتعليم ليتوقف عند نسبة ضئيلة، وهي 4.5% من إجمالي الناتج المحلي في موازنة 2019، وكان من المزمع تخفيض الإنفاق على هذين القطاعين مجدَّداً لتصل النسبة إلى 3.3% من إجمالي الناتج المحلي في موازنة 2020. إضافة إلى ذلك، انخفضت نسبة الدعم والحماية الاجتماعية، التي كانت تزيد على 7% من إجمالي الناتج المحلي قَبل برنامج صندوق النقد الدولي، لتصل النسبة إلى 4% من إجمالي الناتج المحلي، منها أقل من 1% دعم موجَّه إلى الفقراء. من جهة أخرى، ظلّت الإيرادات الضريبية راكدة على الرغم من فرض ضريبة القيمة المضافة، ولم تشهد إلا زيادة طفيفة، لتبلغ نسبة تلك الإيرادات 14% من إجمالي الناتج المحلي بعد أن كانت 13%.8

الشكل 4: تكوين نفقات الميزانية

المصدر: البنك المركزي المصري وصندوق النقد الدولي لتوقعات العامين الماضيين

بحلول عام 2019، وصل معدل النمو في مصر إلى 5.4% (مقابل 4.3% في عام 2015). ومع ذلك، وكما سنرى لاحقاً، لم يكن هذا النموّ كافياً لتحسين الأوضاع الاقتصادية، ولم يتّسم بالشمول. من الأسباب المهمة لعدم كفاية هذا المعدل هو اعتماد مزيج السياسات المتَّبعة على الحفاظ على سعر مرتفع للفائدة، بهدف جذب التحويلات والتدفقات المالية. نتيجةً لذلك، ومع تعرُّض مخصصات الخدمات العامة والأجور لتخفيض شديد، ارتفعت نفقات تمويل الدين العام لتلتهم نحو 10% من إجمالي الناتج المحلي، أي نحو ثلث نفقات الحكومة وثلثي الإيرادات الضريبية.

إضافةً إلى ما سبق، جاءت أزمة كورونا لتزيد من تعقيد الأمور. كان معدل التضخم الأساسي قبل الأزمة منخفضاً، إذ وصل إلى 8% تقريباً، وكانت الموازنة على المسار الصحيح لتقليل عجز الموازنة إلى 5.4% من إجمالي الناتج المحلي عام 2020 (وتحقيق فائض أوَّلي بنسبة 2% من إجمالي الناتج المحلي)؛ بما يتفق مع أهداف صندوق النقد الدولي. بيد أن أزمة كورونا غيَّرت هذه المعادلة؛ إذ يُتوقّع أن يؤدي انخفاض العائدات وزيادة الإنفاق المُحتمَلان إلى ارتفاع العجز المالي. لتخفيف وقع أزمة كورونا، قدَّمت مصر تخفيضات ضريبية، وقلَّلت أسعار الطاقة للشركات المتضررة، فضلاً عن توسيع شبكة الأمان المالي؛ ويقدَّر إجمالي التكاليف المالية المترتبة على ذلك بنحو 2.2% من إجمالي الناتج المحلي. خفضت الحكومة أسعارَ الفائدة في محاولة منها لخفض العجز، إلا أنه من غير المرجح أن يستمر هذا الإجراء، نظراً لكونه يهدد بمزيد من فرار رؤوس الأموال (و/أو تحويلات مالية أقل).

لهذا، ومثلما كان الوضع في إصلاحات 1991، تتعلق المخاوف الأساسية بضعف الأرباح الخارجية، والارتفاع السريع للدين العام، ومدى استدامة النمو (نظراً لافتقار القطاع الخاص إلى روح المجازفة)، والآثار السلبية لمزيج السياسات على الفقر وتوزيع الدخل. وتطرح هذه الإصلاحات -كسابقتها- سؤالاً رئيسياً هو: لماذا لم يحقق القطاع الخاص نمواً أكبر ويقدم صادرات مستدامة وفرص عمل جيدة في ظل استقرار الاقتصاد الكلي الناتج عن جهود تحقيق الاستقرار.

من جهة أخرى، لم يقدم القطاع الخاص استجابة لتعويض المعروض السلعي رغم الانخفاض الشديد في قيمة العملة المصرية، وما ترتَّب عليه من رفع تكلفة الاستيراد وزيادة ربحية التصدير، لم يقدِّم القطاع الخاص استجابةً ما لتعويض نقص المعروض السلعيّ، إذ انخفضت الواردات في حين لم ترتفع الصادرات؛ فصادرات مصر غير النفطية، التي ظلّت تتناقص منذ عام 2011، تشكِّل الآن نسبة 6% فقط من إجمالي الناتج المحلي. هذه قصة معتادة في مصر؛ فبَينما تمكّنت محاولات الإصلاح السابقة التي بدأت عام 1991 من تحقيق استقرار الاقتصاد أيضاً، فشلَت في تمكين القطاع الخاص وتعزيز نشاطه.

الشكل 5: إجمالي الاستثمار والاستثمار العام

مصر بعد فيروس كورونا: العودة إلى المربع الأول

المصدر: البنك الدولي

ملحوظة: الاستثمار حسب تعريف الحساب القومي هو استثمار غير مالي مع استنتاج تغيرات الأرصدة

بصرف النظر عن هذا التشابه الواضح بين عمليتي الإصلاح، الحالية والسابقة، من المهم أن ندرك أن الأداء الحالي للقطاع الخاص في أدنى مستوياته على الإطلاق. يشكل إجمالي الاستثمارات حالياً، وفقاً لبيانات البنك الدولي، 15% من إجمالي الناتج المحلي (مقابل 23% متوسط نسبة الاستثمارات في الدول النامية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي في حد ذاتها واحدة من أقل النسب على مستوى العالم)؛ في حين يبلغ مستوى الاستثمارات الخاصة الآن 6% من إجمالي الناتج المحلي، أي أقل حتى مما كان عليه في عهد عبد الناصر الاشتراكي. وبالمقارنة، تمكنت فترة الإصلاحات التي بدأت عام 1991 من رفع الاستثمارات الخاصة من 10% من إجمالي الناتج المحلي في بداية السبعينيات من القرن العشرين إلى 19% في بداية التسعينيات. علاوة على ذلك، تُعَدّ استثمارات الحكومة المركزية منخفضة أيضاً، إذ تبلغ نسبتها 2.5% من إجمالي الناتج المحلي تقريباً. أما باقي الاستثمارات، التي تشكل نسبتها 6.5% من إجمالي الناتج المحلي، فتنفّذها مؤسسات مملوكة للدولة والقطاع العسكري.

ما تزال أسباب انخفاض استثمارات القطاع الخاص محل نقاش وجدل مستفيض9 . وقد ظهرت العديد من التفسيرات والأسباب المحتملة. على سبيل المثال، تشير واحدة من الافتراضات الأولى إلى أن السبب يكمن في المزاحمة الاقتصادية للتمويل من قِبَل القطاع العام، ممّا يقلّل فرص وصول الشركات الخاصة إلى رأس المال. قبل عام 2011، كانت نسبة الائتمان الممنوح للقطاع الخاص 20% تقريباً من إجمالي الناتج المحلي، وهي واحدة من أقل النسب في الشرق الأوسط (على سبيل المثال، تصل نسبة الائتمان الممنوح للقطاع الخاص إلى 100% تقريباً من إجمالي الناتج المحلي في تونس والأردن ولبنان). وبحلول عام 2015، انخفضت النسبة إلى 14% من إجمالي الناتج المحلي، وفي السنوات اللاحقة انخفضت النسبة حتى وصلت إلى 7.5% من إجمالي الناتج المحلي قبل أن تبدأ في الارتفاع مجدَّداً، الأمر الذي كان مدفوعاً بالرغبة في رفع النسبة تدريجياً لتصل إلى 20% بحلول عام 2020. وبشكل سطحي، يمكن تفسير قلة فرص الوصول إلى الائتمان بإعادة توجيهه نحو تمويل عجز موازنة الحكومة. لكن هذا التفسير ليس مقنعاً بما يكفي، فلطالما كانت المزاحمة الاقتصادية في القطاع الماليّ عاملاً حاضراً في مصر.

استمر البحث عن أسباب أخرى أيضاً، فقد ذُكرت ثلاثة احتمالات في المؤلفات المعنية بهذا الشأن. أولاً، ربما تكون شركات القطاع الخاص رافضة للاستثمار في توسيع قدراتها التشغيلية في ظل استمرار المخاطر السياسية المرتفعة. ينطبق هذا الأمر بوجه خاص على الشركات الكبيرة ذات العلاقات الوثيقة بنظام مبارك نظراً لخسارة هذه الشركات للحماية السياسية التي كانت تحظى بها. ثانياً، نظراً لضعف قدرة الشركات على المنافسة على المستوى الدولي، تُحجِم تلك الشركات عن محاولة التوسع في مواجهة التكلفة العالية لمستلزمات الإنتاج المستوردة (نتيجةَ انخفاض قيمة العملة) وانخفاض الطلب الداخلي (نتيجةَ انتشار الفقر بين السكان). ثالثاً، يواجه القطاع الخاص منافسة شرسة من جانب اقتصاد المؤسّسة العسكريّة الذي يعمل النظام الجديد على تعزيزه منذ عام 2013.

كان من المفترض أن يُنفذ برنامج صندوق النقد الدولي عام 2016 (شأنه شأن برنامج 1991) في صورة إجراءات تدريجية تبدأ بتحقيق الاستقرار ثم تنتقل إلى إصلاحات هيكلية تهيئ المناخ لنمو القطاع الخاص. لكن المتطلبات هذه المرة كانت قليلة وعلى رأسها “تسهيل إجراءات الترخيص الصناعي لكل الكيانات التجارية، وتعزيز الوصول إلى التمويل بالنسبة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ووضع إجراءات جديدة للإعسار والإفلاس”. ومع ذلك، هناك شروط عديدة لم تستوفَ أو لم تتحقق بشكل سليم. يشير تقرير مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي مع مصر عام 2019 إلى أن تنمية القطاع الخاص ما تزال مكبوحة بسبب “تركة السياسات الاقتصادية المنغلقة، والدور الكبير الذي تقوم به الدولة في النشاط الاقتصادي الذي أسفر عن سوء توزيع كبير للموارد وأضعف من قدرة الشركات المصرية على المنافسة في الأسواق الخارجية. يتطلب تحسينُ قدرة الشركات على المنافسة في الخارج التركيزَ على ترسيخ الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى إعادة موضعة القطاع الخاص في مصر وتعزيز النمو القائم على زيادة التصدير”. ويضيف التقرير: “إن إنشاء قطاع خاص قادر على تحقيق النمو المستدام اللازم وخلق الوظائف يعتمد على الحد من الفساد ودعم الأنظمة القانونية، الأمر الذي يتطلب مزيداً من العمل من الجانب المصري”.

أحرزت مصر بعض التقدم في هذا المجال في الأعوام القليلة الماضية، أو على الورق على الأقل، وشمل هذا التقدم تبسيط إجراءات استخراج التراخيص الصناعية وتفعيل قوانين الإفلاس والشراكة بين القطاعين العام والخاص. وبدأت الحكومة أيضاً بيعَ شركات مملوكة للدولة لجهات استثمار دولية كبيرة ولمؤسسات مالية في الخليج العربي بالإضافة إلى طرح بعض الشركات للاكتتاب العام في البورصة المصرية على نطاق محدود. من غير المحتمل أن تنجح برامج صندوق النقد الدولي الجديدة في الدفع نحو تحقيق نمو أسرع؛ فلقد قُدِّم برنامج صندوق النقد الدولي الجديد على عجل، على خلفيّة تصاعُد للمطالبات بدعم صندوق النقد الدولي على مستوى العالم وفي ظل حاجة ماسة وعاجلة لدعم مصر في تقويم اضطراب الميزان الخارجي. ونتيجةً لذلك، اقتصر البرنامج على بعض التمنّيات العامة بالتقدُّم؛ إذ يقول البيان الصحفي: “تعهّدت السلطات بمواصلة الإصلاحات الهيكلية … وسيتم تحسين عملية وضع الموازنة، وتسليط مزيد من الضوء على العمليات المالية للمؤسسات المملوكة للدولة والسلطات الاقتصادية، وتعزيز المنافسة من خلال العمل على تهيئة ظروف تتيح التنافس على قدم المساواة، وتعديل قانون الجمارك لتحسين مناخ الاستثمار في مصر”. هنا نؤكد مجدداً على أن سبب ضعف اشتراطات صندوق النقد الدولي ربما يكمن في الاعتبارات قصيرة المدى. لذا، من غير المحتمل أن تؤدي هذه الاشتراطات إلى تغيير في الحسابات السياسية على نحو كافٍ لتحقيق نوع التغيير الذي من شأنه المساهمة في تأمين مستقبل مصر.

العائق السياسي لتطور القطاع الخاص

ولنظرة أعمق، نتساءل لماذا لم تتمكن مصر حتى الآن من تحقيق كامل إمكاناتها فيما يخص النمو الاقتصادي وخلق الوظائف؟ في العقد السابق لانتفاضة 2011، كان معدل نمو إجمالي الناتج المحلي المرتفع نسبياً يتركز في قطاعات محدودة من الاقتصاد، ولم ينسحب على قطاعات أكبر في الاقتصاد. وبالنظر إلى الماضي، نجد أن مصر في عهد مبارك لم تُولِ اهتماماً تنميةَ المؤسسات والقواعدَ اللازمة لتنشيط اقتصاد السوق، وهو التوجّه الذي استمر في عهد الرئيس السيسي أيضاً؛ إذ ظلّ مناخ الاستثمار سيئاً، وظلّ تصنيف مصر في تقرير “ممارسة أنشطة الأعمال” (الذي يعده البنك الدولي) يتراوح بين المركز رقم 94 و165 (من بين 190 دولة على مستوى العالم)، وكان آخر مركز حصلت عليه مصر هو 114 في عام 2020. وتكمن مَواطِن الضعف الرئيسية في “إنفاذ العقود” و”تسوية حالات الإعسار”، مما يشير إلى ضعف في أداء النظام القضائي والقطاع المصرفي. وترجِّح المؤشرات الأخرى وجود مستوى عالٍ من الفساد، إذ حصلت مصر على درجة 35/100 في مؤشر “منظمة الشفافية الدولية” (أي أقل من المعدل المتوسط على مستوى العالم، وهو 43).10

الشكل 6: متوسط نمو الأجور الحقيقية لكل فترة، وبمستويات المهارة

المصدر: (ELMPS (1988-2018) كما حسبها م. سعيد، ر. جلال و م. سامي، “عدم المساواة وتنقل الدخل في مصر”، منتدى البحوث الاقتصادية، ورقة العمل 1368، تشرين الثاني/نوفمبر 2019.

بدلاً من تبسيط اللوائح التي تعرقل نمو الشركات، وبدلاً من تطبيق قواعد أبسط وبطريقة عادلة على كل المساهمين في السوق، اتّبعَت محاولات جذب الاستثمار منذ زمن طويل أسلوب تقديم استثناءات عن القاعدة؛ وذلك عن طريق المناطق الحرة وضمانات الاستثمار واللوائح الموازية. لهذا، وعلى سبيل المثال، لم تُشرَّع قوانين مثل قانون مكافحة الاحتكار وحماية المستهلك وتنظيم المرافق حتّى منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، أي بعد بدء الإصلاحات في عام 1991 بأكثر من خمسة عشر عاماً. وعلاوة على ذلك، عندما بدأ تنفيذ هذه الإصلاحات كانت تنطوي على قيود شديدة تحدّ من نطاقها، ولم تُنفَّذ على يد جهات مستقلة، وكانت تحتوي على استثناءات عديدة؛ الأمر الذي قوض من فاعليتها. واستغلت هذه الإجراءات أيضاً لتقديم امتيازات خاصة للشركات ذات الصلات السياسية؛ بيد أنها أضعفت قدرة الشركات المتوسطة الحجم على التوسع، وشجَّعت -بدلاً من ذلك- على نمو القطاع غير الرسمي الممتد.

ليست هيمنة عددٍ قليلٍ من الشركات ذات الصلات السياسية في الاقتصاد بالشيء الجديد في مصر. كانت هذه الظاهرة دائماً مدفوعة بالتناقض بين الحاجة إلى تحرير الاقتصاد، والرغبة في الحفاظ على السلطة. انطوى الانفتاح الذي انتهجه السادات أولاً على حفنةٍ من الحلفاء المقربين. واعتمد مبارك في تسعينيات القرن الماضي على طبقة أكبر قليلاً تتكون من الرأسماليين ذوي العلاقات. وفي مطلع الألفية الثالثة، عندما تحولت سياسات البلاد نحو تسريع الخصخصة والقطاع المالي وتحرير التجارة، اتسعت دائرة الحلفاء المقربين أكثر من ذي قبل. ساهمت هذه الشركات في تحديث الاقتصاد، وقادت تنمية القطاعات الجديدة وتوسعة القطاعات القديمة، بدعم من منحٍ قدمتها الدولة وتمويل عربي ودولي. أقامت الحكومة الحواجز أمام دخول السوق، حتى في الوقت الذي كانت منخرطة خلاله في الإصلاحات الاقتصادية.

توجد عدة طرق يؤدي فيها وجود الشركات الكبرى صاحبة الامتيازات إلى إضعاف الاقتصاد.11 أولاً، أدى المستوى المرتفع من كثافة رأس المال، والمستويات المنخفضة من الكفاءة، إلى جانب الامتيازات العالية التي تيسر الوصول إلى رأس المال، إلى مستويات منخفضة من كفاءة التوزيع في الاقتصاد.12 ثانياً، تتنافس الشركات صاحبة الامتيازات تنافساً غير عادل مع شركات أكفأ متوسطة الحجم، مما يقلل حصتها السوقية ويؤدي إلى تقليل الحوافز التي تدفع جميع الأطراف الاقتصادية الفاعلة نحو الاستثمار في الابتكار. ينتج عن هذا مستويات أقل من الكفاءة الديناميكية في الاقتصاد. وثالثاً، النفوذ الهائل الذي يتمتع به رجال الأعمال ذوي العلاقات (وليس من بينهم أي نساء) ويمارسونه على وضع السياسة، ينتج عنه إطاراً مؤسسياً يواصل التمييز ضد احتياجات الشركات الصغيرة، ويدفع أغلب الشركات نحو القطاع غير الرسمي. إذ إن الحد من العمل في القطاع غير الرسمي كان سيتطلب -عوضاً عن ذلك- تبسيط القواعد وتطبيقها بصورة أكثر عدلاً.

أدت هذه العوامل مجتمعة إلى بنية مؤسسات تتسم بـ “ثنائية” النهج.13 أولاً، ثمة انقسام عميق بين الشركات الرسمية وغير الرسمية، مع وجود قاعدة كبيرة من الشركات الصغيرة ذات الإنتاجية المنخفضة التي تملك مستوى منخفضاً للغاية من القدرة على الوصول إلى الخدمات العامة وإلى الأسواق الرسمية من أجل الحصول على مستلزمات الإنتاج. يوجد كذلك صدع ثانٍ داخل القطاع الرسمي بين الشركات الكبيرة التي تتمتع بامتيازات سياسية، وبين الشركات المتوسطة التي لا تتمتع بأي علاقات. في هذا الانقسام الثلاثي لقطاع الأعمال، تُعتصر الشركات متوسطة الحجم -التي تكون عادة الأكثر ديناميكية في بقية العالم- بين الشركات الكبيرة للغاية والشركات الصغيرة للغاية. إذ إنها لا تستطيع الحصول على حصص سوقية بعيداً عن الشركات الكبيرة للغاية، مع أنها تكون عادةً أكفأ، وذلك بسبب الامتيازات غير العادلة التي تتمتع بها منافساتها. وفي الوقت ذاته، تعاني من “المنافسة غير العادلة” من الشركات الصغيرة ذات الإنتاجية المنخفضة، التي تتهرب من الإطار التنظيمي بالكامل.

وبحسب ما ذُكر آنفاً، بدأت بعض الإصلاحات المتواضعة في السنوات الأخيرة، أحدثها كان قانون الإفلاس. لكن مصر قد أعلنت عن الإصلاح من قبل، مع تنفيذ مخيب للآمال. تشير حالة التركيز المتواصل على المشروعات الضخمة، مثل العاصمة الإدارية الجديدة بين القاهرة والسويس، إلى أن هذه الجولة من الإصلاحات قد لا تنتهي نهاية مغايرة. وبالفعل، أحجمت مصر، قبل أزمة كوفيد-19، عن طلب تجديد برنامج صندوق النقد الدولي، لمعرفتها بأن برنامجاً ثانياً سوف يركز تركيزاً كبيراً على فتح اقتصادها أمام القطاع الخاص. ولكن خلافاً لما سارت عليه الأمور في الماضي، لا يعتمد نظام السيسي على كبار الرأسماليين المقربين السابقين لتوليد النمو. وعوضاً عن ذلك، اعتمد، حتى الآن، على النمو الضخم لاقتصاد الجيش.

“عسكرة” الاقتصاد

خضع الجيش تاريخياً لضغوط شديدة في الميزانية من جانب الدولة. فقد شكلت ميزانيته الرسمية 20% من النفقات مع بداية رئاسة مبارك ووصلت إلى 6% (من ميزانية أصغر بكثير من سابقتها، نسبة إلى إجمالي الناتج المحلي) مع نهايتها.14 ونتيجةً لذلك، كان على الجيش أن يوسّع من أنشطته الاقتصادية الخاصة بهدف البقاء ومواصلة أداء مهماته.15 لكن الأسباب المتعلقة بالزيادة الهائلة في كل من حجم ونطاق انخراط الجيش في الاقتصاد منذ وصول السيسي إلى الحكم، تجاوزت بكل وضوح مسألة البقاء، بل وتجاوزت الدوافع الانتهازية.

يعد هذا التوسع أحد السمات الأبرز التي يتسم بها عهد السيسي. منذ توليه الرئاسة، اضطلعت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بدور طليعي بارز في إدارة مشروعات رئيسية في الإسكان والبنى التحتية العامة، بما في ذلك توسيع قناة السويس وبناء عاصمة إدارية جديدة كلياً في الأراضي الصحراوية الواقعة شرق القاهرة. تتولى هيئات عسكرية متعددة تصنيع مجموعة واسعة ومتنوعة من السلع الاستهلاكية المدنية، وتقدم خدمات المقاولات والإدارة والرعاية الصحية والخدمات الأخرى، وتستورد السلع الغذائية الأساسية والمستلزمات الطبية، وتستخرج الموارد الطبيعية وتقوم بمعالجتها، وتستصلح الأراضي من أجل الزراعة والأعمال التجارية الزراعية (وأغلبها تعهدت بها هيئات تابعة للجيش كذلك)، وامتد نشاطها إلى قطاعات السلع القابلة للتداول، التي كانت تتجنبها في الغالب فيما مضى. المصانع الحربية التي اعتادت تصنيع القذائف الموجهة أو الطائرات أو الصواريخ، صارت الآن تستخدم منشآتها وعمالتها بكثافة لإنتاج سلع استهلاكية مثل الغسالات وقطع غيار السيارات والثلاجات والأجهزة المنزلية الأخرى (Abul-Magd, 2015) وفي هذا الصدد، يوظف الجيش شركات خاصة بوصفها مقاولي الباطن، وفي الوقت نفسه يتنافس معها -على نحو متزايد- نداً لند. وإجمالاً، أدار الجيش حوالي ربع مشروعات البنية التحتية والإسكان الممولة من الدولة في المدة الواقعة بين عامي 2014 و2018، وادعى بعد عام من ذلك أنه وظّف 5 ملايين مواطن.16

توجد دوافع عديدة محتملة لهذا التوسع. على أحد المستويات، وسّع الجيش حضوره في الاقتصاد لأن القيود على توسعه ضعُفت، ولا سيما وقد وجدت الشركات الكبيرة المرتبطة بمبارك تُستبعد من عديد من العقود الرئيسية. وكان هناك كذلك المجال السياسي والإرادة السياسية لهذا التوسع، فلا بد أن الرئيس السيسي قد رأى أن هذا التطور، ولا سيما في المراحل المبكرة من حكمه، طريقة لضمان دعم الجيش لنظامه.

وعلى مستوى أعمق، تعكس عسكرةُ الاقتصاد عسكرةَ النظام، إذ يعد هذا تجلياً لما يبدو نزعة فطرية توجيهية لدى الرئيس، تعكس قناعته بأن جهاز الدولة المدنية يفتقر إلى الالتزام والفاعلية اللازمة لتحقيق أهدافه الاقتصادية. يرتبط توسع الجيش في هذا المنظور ارتباطاً وثيقاً بدعم الدولة الاستبدادية الصاعدة عن طريق الدفع بالاستثمارات العامة وتنفيذ المشروعات في القطاعات التي ترى أنها حيوية بالنسبة للمصلحة الوطنية، مثل المشروعات العقارية الضخمة أو مخططات البنية التحتية، أو الزراعة على نطاق كبير، أو استخراج الموارد الطبيعية وتسويقها (عدلي، 2016).

ثمة عاملان رئيسيان يميزان توسع اقتصاد الجيش: افتقاره إلى الكفاءة والاستدامة، والمنافسة غير العادلة التي يطلقها أمام القطاع الخاص.

يتجلى هذا من خلال الجزء الأقدم من اقتصاد الجيش، وهو الصناعات الدفاعية. إذ تعاني شركاته، البالغ عددها نيفاً وثلاثين شركة، من عدم الكفاءة والإهدار، ونقص استخدام القدرات، وانخفاض الإنتاجية، بينما يؤدي الاستثمار الضئيل في البحوث والتطوير إلى انخفاض المحتوى المحلي، الذي يستتبعه انعدام القدرة على زيادة القيمة المضافة وإنتاج الصادرات. في عام 2020، كانت أغلب شركاته غير مدرة للأرباح في العقد السابق على الأقل.17 وبشكل عام، تعد شركات الجيش من بقايا الشركات الحكومية المفتقرة إلى الكفاءة، التي عُرضت للبيع مراراً وتكراراً منذ انطلاق برنامج الخصخصة في عام 1991.18 إذ إن تصنيفها ضمن الشركات الحكومية يخول لها تطبيق قواعد تجارية فيما يتعلق بأجورها الداخلية، بينما تُحمِّل الخسائر على خزينة الدولة.

لكن على عكس مئات من شركات القطاع العام المدنية التي ظلت مملوكة للدولة، كانت نظيراتها المملوكة للجيش في منعةٍ من المنافسة والتدقيق؛ وذلك من خلال التذرع بمقتضيات الأمن القومي. لا يخضع اقتصاد الجيش المدعوم بدرجة كبيرة لتحليل الجدوى والتكاليف الاقتصادية، إذ يشرع، على سبيل المثال، في مخططات على شاكلة استصلاح الأراضي واستزراع الأسماك على نطاق واسع، مما يثقل كاهل الموارد المائية في بلد يعد فعلياً دون عتبة الفقر المائي، وتنطوي على طرق مكلفة وكثيفة الاستخدام للطاقة لاستخراج المياه والنقل. يُعفى الجيش بدرجة كبيرة من ضرائب الدخل، والضرائب العقارية، والرسوم الجمركية، والرسوم والضرائب الحكومية الأخرى.19 ويستفيد من تكاليف الإنتاج المنخفضة للغاية بشكل مفتعل؛ وذلك بفضل دعم الطاقة، واستخدام النقل العسكري، والإعفاء من رسوم استخدام الطرق السريعة الوطنية التي يديرها الجيش، والقدرة على الحصول على العملة الأجنبية بأسعار رخيصة، واستخدام العمالة شبه المجانية من المجندين.20 أغلب هذه المشروعات الضخمة تستهلك العملات الأجنبية بدلاً من أن تولّدها، ومن ثم فإنها لا تسهم في حل القيود الرئيسية التي تعترض سبيل الاقتصاد المصري.

بينما يتضح أن هذا الانخراط المتزايد يرتبط بنقص استثمارات القطاع الخاص، يصعب تفكيك الأسباب والآثار. فمن جهة، ربما شجع السيسي الجيش للتوسع من أجل تعويض ضعف استجابة القطاع الخاص في تقديم الإمدادات، وهو ما استمر حتى بعد 2015، عندما استقرت أركان النظام ولم يعد يعتمد بنفس القدر على تحالفه مع الجيش لضمان بقائه. يكشف نهج السيسي عن خيبة أمل ونفاد صبر من القطاع الخاص الذي كانت استجابته ضعيفة ومترددة أمام الفرص الاستثمارية التي يعتقد أن إدارته خلقتها بعد استعادة الأمن والاستقرار لمصر منذ 2013.

أبدت إدارة السيسي انفصالاً واضحاً عن رجال الأعمال المختارين المفضلين للرئيس الأسبق حسني مبارك. سُمح لبعض منهم بالعودة إلى مصر أو إعادة تصحيح أوضاعهم منذ 2013، بعد التوصل إلى تسوية مالية مع السلطات، ولكن لم يستعِد أيٌ منهم مراكزه المتميزة. والأهم هو أن الجيش يشارك السيسي تصوره تجاه القطاع الخاص، وانعدام الثقة خاصةً في كبرى الشركات الأكثر عولمة -نظراً إلى أنها ليست عرضة بنفس القدر للتلاعب السياسي أو الإكراه المالي- وإبعادها، وفي الوقت ذاته تفضيل شركات متوسطة وصغيرة مختارة مع مقاولي الباطن؛ وكلا الأمرين يستهدف تشكيل دائرة أكثر ولاء وتوليد فرص للمحسوبية وتلقي الرشوة.

علاوة على ذلك، يبدو أن القطاع الخاص يزاحمه للغاية توسع اقتصاد الجيش، بطريقة مباشرة في أسواق محددة (ولا سيما في ظل نزعة الجيش لمحاولة احتكار الأسواق)، وبطريقة غير مباشرة عبر انخفاض إمكانية الوصول إلى العقود الحكومية والتمويل. منذ عام 2016، استحوذ الجيش أو أنشأ لنفسه حصة سوقية كبيرة في قطاعات الأسمنت والصلب والفوسفات، على سبيل المثال، مع أن هذه القطاعات كان يهيمن عليها القطاع الخاص وعانت بالفعل من العرض الزائد ونقص استخدام القدرات المتاحة. ونظراً إلى أنها ملاذات آمنة بفضل الحمائية التجارية الكثيفة التي تتمتع بها، صارت هذه القطاعات طاردة بدرجة كبيرة للشركات التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المواد الوسيطة، بينما تمتلك منافساتها من شركات الجيش سوقاً مضمونة في المشروعات الضخمة المرتبطة بالبناء والتشييد والزراعة، التي تديرها. صوّب السيسي والجيش كذلك أعينهم نحو الزراعة، وطمأنوا الفلاحين في 2019 بأن هذه المشاركة “لن تتجاوز 10-15% من إجمالي مشروعات الدولة”. أكد السيسي على الميزة الخاصة التي لدى الجيش فيما يتعلق بهيمنته على إمكانية الوصول إلى الأراضي واستخدامها، عن طريق وضع العقارات السياحية الرئيسية على امتداد ساحل البحر الأحمر و 47 جزيرة من جزره التي تستخدمها الوكالات السياحية الخاصة، جميعها تحت تصرف الجيش. وشجع بشدة على رسملة شركات الجيش، عن طريق إدراجها في البورصة المصرية.

حدَّت عدة مزايا مهمة يتمتع بها الجيش من قدرة القطاع الخاص على منافسة المصالح العسكرية. فقد زادت إدارة السيسي بشكل ملحوظ من المزايا الاقتصادية التي كانت الهيئات العسكرية تتمتع بها بالفعل على حساب نظيرتها المدنية في قطاعات الأعمال الخاصة والعامة. فإلى جانب مزايا التكلفة المشار إليها سابقاً، تمتلك الهيئات العسكرية والشركات التابعة لها الحق القانوني في إرساء وإبرام عقود على أساس المصدر الوحيد أو دون الحاجة إلى تقديم عطاءات.

يمنحها هذا أفضلية هائلة على أيّ من منافساتها المدنية في القطاعين العام والخاص، لأنه يضمن لها تدفق العائدات حتى في المجالات التي لا تستطيع المنافسة فيها والتي لولا تلك الأفضلية لكانت من نصيب الشركات المدنية. بالإضافة إلى ذلك، لا تخضع المؤسسة العسكرية على الإطلاق لأيّة رقابة خارجية أو تدقيق من أيّة هيئة مدنية حكومية. بل وتهيمن فعلياً على “هيئة الرقابة الإدارية”، جهاز الرقابة الحكومي الأقوى في مصر.21

علاوة على ذلك، عزز الرئيس أيضاً نفوذه كثيراً من خلال الاستحواذ على سلطة تعيين وإقالة رؤساء الهيئة ورؤساء باقي الهيئات الرقابية والقضائية الرئيسية في الدولة، مثل الجهاز المركزي للمحاسبات والمحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض وهيئة النيابة الإدارية ومجلس الدولة. والأدهى من ذلك، هو أن سلطة جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية ضعفت كثيراً خلال السنوات الأخيرة. فقد رفضت الشركات التابعة للجيش مراراً التعاون مع الجهاز في عملية جمع البيانات التي يجريها أثناء التحقيق في أسواق معينة، بالرغم من وجود تقارير كثيرة تشير إلى أن شركات تابعة للجيش أغلقت شركات منافسة فعلياً من أجل الاستيلاء على حصصها في السوق.

أثارت هيمنة الجيش قلق المستثمرين الأجانب كذلك.22 ففي حين يفضل السيسي للغاية شراكات القطاعين العام والخاص مع المستثمرين الأجانب -غالباً لأنه بذلك لا يبدو أنها تشكل تحدياً سياسياً محتملاً- أخفقت الجهود الرامية إلى اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر. يتجلى هذا خاصةً عندما يتعلق الأمر بالمشاريع الضخمة التي يشرف عليها النظام، والتي تقام بشكل أساسي في أماكن تعرف بأنها “مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية”، وهي: منطقة قناة السويس وساحل البحر الأحمر وسيناء والمناطق الحدودية الجنوبية والغربية والعاصمة الإدارية الجديدة. في هذه الحالة، يؤدي غياب إطار قانوني يحكم العلاقات والمنازعات التجارية مع الشركاء العسكريين إلى عزوف الاستثمار الأجنبي المباشر لأن ذلك يجعل المشاريع المشتركة المشارك فيها الجيش محفوفة بالمخاطر في جوهرها. والشركات الوحيدة المستعدة للمجازفة في ظل غياب إطار قانوني يحكم مشاريعهم التجارية هي تلك الشركات الكبرى التابعة لمجلس التعاون الخليجي، التي تثق أن العلاقات السياسية التي تجمع حكومتها الوطنية بمصر سوف تحميها.

لكن الإطار القانوني والتنظيمي الذي يمنح صلاحية تقديرية واسعة ويتميز بدرجة عالية من التعقيد وانعدام الشفافية يعزز الاقتصاد السياسي في مصر عموماً ويسهم في تمكين الاقتصاد العسكري. ولهذا السبب ما تزال إدارة السيسي مترددة في تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي الرئيسية، مع أن هذه الشروط مهمة من أجل تطوير ونمو القطاع الخاص، مثل إصلاح الاشتراء العمومي وإلغاء سيطرة الجيش على حق الانتفاع بأراضي الدولة.

خلاصة القول هي أن توسع الاقتصاد السياسي كان جزأ لا يتجزأ من مسعى سياسي أشمل يهدف إلى تأسيس ما يمكن تسميته نسخة جديدة من رأسمالية الدولة المصرية. وفي هذه النسخة، ينظر السيسي إلى القطاع الخاص بوصفه طرفاً تابعاً ويتعامل معه في الأساس على أنه مصدر رأس مال لتمويل مشاريع الدولة بدلاً من النظر إليه بوصفه محركاً لنمو وتطور الاقتصاد يجب أن تسعى الدولة لتعزيز استقلاليته وأن تشجعه على إطلاق المبادرات.

تدهور الأوضاع الاجتماعية في ظل نمو غير شامل للجميع

إذا راعى المرء كلياً جميع العوامل الاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى حالة تدهور القطاع الخاص، فسيجد أن الوضع الحالي أكثر هشاشة وتردي بدرجة حرجة من أيّ دورة سابقة من دورات الانتعاش، بما في ذلك الدورات التي كانت في عهد نظام مبارك.23

لم يعد معدل النمو المتواضع بأيّ فائدة على الطبقات الفقيرة أو المتوسطة، ولم تتراجع حدة الفقر، بل في الواقع واصلت ارتفاعها، لتصل إلى 33% في عام 2018 بعد أن كانت 30% في عام 2012 (وفقاً لإحصاءات البنك الدولي عام 2020). لكن حتى هذا الرقم قد يكون أدنى من الرقم الحقيقي. فقد حددت الحكومة خط الفقر الوطني ليبلغ 763 جنيهاً فقط (45 دولار) شهرياً، وهو رقم يراه كثيرون قليلاً للغاية. وتفيد تقديرات حديثة للبنك الدولي أن 60% من المصريين كانوا “إما فقراء أو عرضة للفقر”.

الشكل 7: حصة العاملون دون خط الدخل المنخفض، لكل نوع من العاملين (2012 و2018)

مصر بعد فيروس كورونا: العودة إلى المربع الأول

المصدر: (ELMPS (1988-2018) كما حسبها م. سعيد، ر. جلال و م. سامي، “عدم المساواة وتنقل الدخل في مصر”، منتدى البحوث الاقتصادية، ورقة العمل 1368، تشرين الثاني/نوفمبر 2019.

ظلت الإعانات طيلة عقودٍ هي قلب شبكة الأمان الاجتماعي في مصر. ومع أن كثيراً منها هي إعانات تنازلية، يبدو أن البدائل المعتمدة ليست كافية لتحل محلها. إذ يغطي برنامج التحويل النقدي الرئيسي للفقراء، تكافل وكرامة، ما يقدر بنحو 9.4 ملايين شخص، أي 10% من السكان.24 وقد أدى انخفاض دعم الوقود إلى ارتفاع أسعار المواصلات. فبالنسبة لمواطن مصري عند خط الفقر الوطني، قد تقتطع الآن تكاليف مشوار يومي قصير بمترو القاهرة ربع دخله الشهرى.25

حتى قبل أزمة كوفيد-19، كانت نسبة المشاركة في القوى العاملة عند أدنى مستويات لها منذ عقود، فقد انخفضت من 47% عام 2008 إلى 39% عام 2018 (انخفضت نسبة مشاركة الذكور من 71% إلى 63% خلال نفس المدة).26 تشير المشاركة المنخفضة إلى حالة الإحباط في ظل انخفاض الطلب على العمل وتدهور أوضاع العمالة. وكان هذا التدهور ملحوظاً بوجه خاص بين أكثر الفئات تعليماً، وكذلك في المدة بين عامي 2012 و 2018. وقد زادت الأحداث الأخيرة من تدني نسبة المشاركة في سوق العمل. وفقاً لدراسة حديثة أجراها المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، فإن تأثير كوفيد-19 على الناتج الاقتصادي سيكون على هيئة خسائر مؤقتة للوظائف تصل لأكثر من 600 ألف وظيفة بين شهري نيسان/أبريل وحزيران/يونيو من عام 2020، خاصة في قطاع الخدمات وقطاع الصناعة.27 في حين تنبأت دراسات أخرى أن تتجاوز الخسائر في الوظائف ضعف الرقم السابق.

الشكل 8: تطور معدل الفقر

المصدر: البنك الدولي

ملحوظة: يُقدر الفقر بنسبة عدد الفقراء في خطوط الفقر الوطنية (% للسكان) والنسبة الوطنية لحصة الفقر هي النسبة المئوية للسكان الذين يعيشون تحت خطوط الفقر الوطنية، محسوبة من الدراسات الاستقصائية للأسر المعيشية.

بالتوازي مع ذلك، وبعد احتساب أثر التضخم، أصبح ما يجنيه المصريون حالياً أقل مما كانوا يجنونه قبل سنوات قليلة.28 فقد انخفض متوسط الأجور الحقيقية بنسبة 17% بين عامي 2012 و2018، ويقترب الآن من مستويات عام 1998. وفي حين يتمتع العاملون في القطاع الخاص النظامي والقطاع العام بأجور حقيقية أعلى من العاملين في القطاعات غير الرسمية، لكنهم شهدوا أيضاً انخفاضات حقيقية في أجورهم أعلى من سواهم، ومن بين المجموعات التي تأثرت على نحو بالغ: العاملون في المدن، والحاصلون على تعليم عال (تعليم أعلى من المرحلة الثانوية وما فوق ذلك) -أو أصحاب المهارات العالية والمتوسطة- والعاملون في القطاع الخاص. يعكس هذا بشكل خاص استمرار انخفاض الأجور مقابل التعليم. وقد زادت نسبة العاملين بأجرٍ الذين يمكن تصنيفهم على أنهم من أصحاب الأجور المنخفضة (أيّ تحت خط الدخل المنخفض) من 51% في عام 2012 إلى 57% في عام 2018، وكانت نسبة العاملين الفقراء بين فئة الشباب هي الأعلى، فقد بلغت حوالي 72%. وضمن فئة المتعلمين العاملين بأجر، أيّ الحاصلين على شهادات بعد المرحلة الثانوية وما فوق ذلك، زادت نسبة أصحاب الأجر المنخفض من 37% في عام 2012 إلى 47% في عام 2018. وبالنسبة للعاملين في القطاع الحكومي، زادت النسبة من 45% في عام 2012 إلى 55% في عام 2018. وبشكلٍ عام، سوف يؤدي كوفيد-19 إلى انخفاض دخول الأسر، فوفقاً لتقديرات المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، سوف ينخفض دخل الأسرة الواحدة بواقع 405 جنيهات (أو 7.5%) شهرياً في المدة بين شهري نيسان/أبريل وحزيران/يونيو من عام 2020. وتشير التقديرات إلى انخفاض دخل الأسر الفقيرة في المدن بواقع 271 جنيه (أو -9.7% من الدخل) خلال الفترة ذاتها.

الشكل 9: تطور مشاركة القوى العاملة

مصر بعد فيروس كورونا: العودة إلى المربع الأول

المصدر: CAPMAS, LFS DATA ACCESSED FROM (OCT. 24, 2019) CAPMAS GOV. EG.

واصل تزعزع الوظائف ارتفاعه. وبشكل إجمالي، ارتفعت نسبة العمالة غير المستقرة (وتشمل العمالة غير المنتظمة والعمالة غير الرسمية والأعمال الحرة والأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر) بين الشباب -من الجنسين- الذين تتراوح أعمارهم من 15 عاماً إلى 34 عاماً في جميع المستويات التعليمية. لكن نسبة العمالة غير المستقرة ارتفعت بصورة أشد حدة بين الفئات الأكثر تعليماً.

الشكل 10: الإنفاق العام على التعليم والصحة % من الناتج المحلي الإجمالي

المصدر: وزارة المالية والبنك الدولي، مرصد مصر الاقتصادي، تموز/يوليو 2019، ص 13

في الوقت نفسه ومع مواصلة الأجور انحدارها، استمر انخفاض الإنفاق العام على قطاعي الصحة والتعليم. وعند الرجوع إلى الإحصاءات المتاحة من منظمة الصحة العالمية وتقريرها السنوي حول مصر، سنجد أن إنفاق مصر على القطاع الصحي نسبةً من الناتج المحلي الإجمالي، قد شهد انخفاضاً حاداً، ليصل إلى 1.5% في عام 2017/2018، بعد أن كان 4.6% في عام 2016/2017، بالرغم من التزام الحكومة الدستوري بمضاعفة النسبة لتصل إلى 3% (الحد الأدنى من الإنفاق العام على الصحة الذي حدده الدستور هو %3 من الناتج القومي الإجمالي).29 والمبرر الرسمي المعلن هو أن مصر لا تتمتع بالحيز المالي الذي يسمح لها بإنفاق المزيد على قطاعي الصحة والتعليم. لكن بما أن الحكومة قد خصصت المليارات، أو اقترضتها، لإنفاقها على مشاريع عملاقة، فإن هذا يثير تساؤلات حول ما إذا كانت المشكلة تكمن في الحيز المالي أم أنها مسألة أولويات وإرادة سياسية. وقد أدى الإنفاق الاجتماعي المنخفض إلى الحد من الحراك الاجتماعي، مع لجوء الأغنياء إلى خدمات القطاع الخاص، بينما يعلق الفقراء مع الخدمات المنخفضة الجودة.

 الشكل 11: سهولة ممارسة الأعمال التجارية، مرتبة مصر

مصر بعد فيروس كورونا: العودة إلى المربع الأول

المصدر: ممارسة الأعمال، البنك الدولي، سنوات مختلفة

كشفت جائحة كورونا بجلاءٍ عن مدى تدهور الخدمات الصحية في البلاد بعد سنوات من الإهمال وتقليص الميزانية. فقد أصبح نظام الرعاية الصحية يعاني من نقص التجهيزات وضعف التمويل وقلة العاملين. وقد أدى انخفاض الأجور إلى تعزيز هجرة العقول على مر السنين، إذ يعمل حوالي 120 ألف طبيب، من أصل 220 ألف طبيب مسجل، خارج مصر،30 ويبلغ متوسط عدد الأسرّة في مستشفيات مصر 1.3 سرير لكل ألف مواطن، وهو ما يجعلها أقرب إلى المتوسط في البلدان الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى (الذي يبلغ 1.2)، وأقل من المتوسط في المنطقة العربية (الذي يبلغ 1.6، دون احتساب الدول ذات الدخل المرتفع)، وفي أحدث استطلاع لشبكة “الباروميتر العربي”، قال 31% فقط من المصريين إنهم راضون عن الأداء العام لخدمات الرعاية الصحية التي تقدمها حكومتهم، وهي نسبة أقل بحوالي 20 نقطة عن عام 2010.31 وفي هذا الصدد، كانت الصدمة التي أحدثتها أزمة كوفيد-19 بمثابة تنبيه حقيقي من شأنه أن يرغم الحكومة على زيادة الاستثمار في القطاع الصحي. لهذا كان الهدف من قرض صندوق النقد الدولي الذي تمت الموافقة عليه مؤخراً هو دعم “الإنفاق الضروري على الصحة، والبرامج الاجتماعية لحماية الفئات الأكثر عرضة للتأثر، ومساعدة القطاعات التي تأثرت بشكل مباشر”.32 لكن من غير الواضح إلى الآن كيف ستتمكن مصر من تمويل هذا الإنفاق الإضافي مستقبلاً.

يُظهر الإنفاق على التعليم نفس المنحنى التراجعي أيضاً. فتصنيف مصر في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية آخذ في التراجع منذ عقود، فقد هبطت من المرتبة 89 في الثمانينيات، إلى المرتبة 116 في عام 2020 (من أصل 189 دولة). وتشير التقديرات الحالية إلى أن الحكومة تُنفق 2.4% فقط من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم، أقل بكثير من النسبة التي ينص عليها الدستور والتي تبلغ 4%، وأقل بكثير كذلك مما كانت عليه في التسعينات ومطلع العقد الأول من الألفية الثالثة، إذ بلغت 4%-5%. وتأتي مصر في المرتبة 133 (من أصل 137 دولة) من حيث جودة التعليم الابتدائي في تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2017-2018.33 ودون زيادة الاستثمار في القطاع التعليمي، بما في ذلك تحسين جودته، لن تتمكن مصر من ارتقاء درجات أعلى على سلم التنمية.34

وفي النهاية، ما زال أمامنا التحدي الديموغرافي الهائل. إذ يبلغ تعداد سكان مصر 100 مليون نسمة، وينمو بمعدل 2% تقريباً، وهو معدل ارتفع مجدداً خلال السنوات الأخيرة. لكن التراجع غير العادي في المكاسب الديموغرافية السابقة موجود في كافة المستويات التعليمية، ويعزى ذلك إلى انخفاض معدل مشاركة المرأة في سوق العمل، والنتائج المترتبة على تراجع دور الدولة، وانخفاض معدل نمو القطاع الخاص النظامي والصناعات التحويلية.35 لم يطرأ أيّ تغيير على جميع هذه العوامل، وهو ما ينذر باستمرار، بل وحتى زيادة الاتجاهات الديموغرافية. حالياً، تقل أعمار أكثر من نصف السكان عن 24 عاماً، وتقل أعمار أكثر من ثلثهم عن 14 عاماً، ووفقاً للتقديرات، من المتوقع أن تحتاج مصر إلى 3.5 ملايين وظيفة جديدة على مدار السنوات الخمس المقبلة، بواقع 700 ألف وظيفة سنوياً.

والغريب هنا، أنه بالرغم من هذه التطورات، ما يزال الرأي العام، كما تشير استطلاعات الرأي، يُعبر عن مستويات عالية من الدعم للسيسي. وفي حين أنه يجب عدم أخذ هذه البيانات بجدية، نظراً لمستويات القمع المرتفعة، فإنها تُظهر دائماً، ومع مرور الوقت، نمطاً مماثلاً، فهي ترسم صورة معقدة لمجتمع يدعم بعض جوانب النظام ويعارض البعض الآخر.

بحسب البيانات الصادرة عن شبكة “الباروميتر العربي” البحثية قبل أزمة كوفيد-19، فقد طرأ انحسار فيما يخص الحق في حرية التظاهر السلمي، وتراجعت نسبة المواطنين الذين يقولون بأن هذا الحق “مضمون بدرجة كبيرة أو متوسطة”، من أعلى مستوى له على الإطلاق بنسبة 90% عام 2011، إلى 60% عام 2013، ثم إلى 30% منذ عام 2016 وإلى الوقت الراهن. وفي الوقت نفسه، بلغت نسبة الثقة في الرئيس “بدرجة كبيرة أو كبيرة للغاية” نحو 68%، وهي أكثر من مثيلاتها في معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفقاً لآخر استطلاع أجرته شبكة “الباروميتر العربي”. يُعد هذا تحسناً ملحوظاً بعد السنوات التي شهدت العديد من الاضطرابات في الفترة بين عامي 2011-2013. غير أنه يُمكن أيضاً ملاحظة تدني نسبة الثقة في الحكومة بمرور الوقت. إذاً كيف يمكن تفسير هذه البيانات التي تبدو متناقضة؟

الشكل 12: الآراء مع مرور الوقت، من الباروميتر العربي

المصدر: الباروميتر العربي

يبدو أن الإجابة تكمن في قدرة النظام على الحد من انعدام الأمن الشخصي لدى للمواطنين، في فترة كانت تعصف بالمنطقة الحروب والاضطرابات، وهو ذلك الشعور بعدم الأمان الذي استغلته المنابر الإعلامية التي تسيطر عليها الدولة والتي أخذت تلهج بشعار أن مصر تفادت مصير ليبيا وسوريا. فقد كشفت استطلاعات الرأي التي أجرتها شبكة “الباروميتر العربي” عن تحسن مستويات الأمن الشخصي، مقرونة بالشعور بزيادة مستويات انعدام الأمن الاقتصادي. إذ يُظهر المتغير الأول (الحكومة “تضمن أو تضمن بالكامل” توفير الأمن) تحسناً ملحوظاً بنسبة تقارب 80% منذ عام 2016 (بالتوازي مع نشوب الصراعات المسلحة في سوريا وليبيا واليمن)، بعد أن شهدت هبوطاً حاداً بلغ 19% فقط عام 2013. أما المتغير الثاني، وهو الشعور بانعدام الأمن الاقتصادي، فقد ظل مرتفعاً. فضلاً عن أن نسبة المواطنين الذين يشعرون بالرضا إزاء الجهود التي تبذلها الحكومة لخلق فرص العمل (جيد أو جيد جداً) لا تتجاوز 20% فقط، وفقاً لآخر استطلاع أجرته شبكة “الباروميتر العربي”.

لذا، يبدو حتى الآن أن الأمن الشخصي ما يزال يتفوق على الأمن الاقتصادي، إلا أن ذلك آخذ في الانحسار. ولكن إلى متى قد يدوم هذا الأمر؟ ففي الوقت نفسه، يُمكن ملاحظة ارتفاع وتيرة التوترات الاجتماعية التي تتجلى بوضوح في انهيار الثقة الاجتماعية. فعندما سألنا عن إمكانية الثقة في الأشخاص الآخرين، أجاب 30% فقط من المشاركين في الاستطلاع بنعم عام 2019 مقابل 55% عام 2011 (“يمكن الثقة في معظم الأشخاص”). وفي حين كان 10% فقط يفكرون في الهجرة عام 2011، فقد ازدادت النسبة زيادة هائلة بلغت 30% وفقاً لآخر استطلاع أجرته شبكة “الباروميتر العربي”. تشير هذه الأرقام إلى معضلة محيرة ستكون على الأرجح نتائجها سلبية. إذ إن أيّ تخفيف للقبضة الأمنية المشددة قبل تخفيف التوترات الاجتماعية الناجمة عن الظروف الاقتصادية الصعبة من شأنه أن يزعزع استقرار النظام، مع ذلك، أيّ تدابير أخرى تهدف لقمع المعارضة من شأنها أن تسهم في تفاقم الظروف الاقتصادية الصعبة أصلاً، وبالتالي قد تتسبب في تزايد حالة السخط.36

قمع المعارضة والمشاركة: الافتقار إلى الحيّز المدني

شهدت الممارسات القمعية ارتفاعاً حاداً لم يسبق له مثيل منذ بداية “الحرب على الإرهاب” خلال حقبة التسعينيات، الأمر الذي تسبب جزئياً في احتواء ارتفاع مستوى المظالم الاجتماعية. ففي عهد مبارك، عملت منظمات المجتمع المدني المصرية في بيئة تتسم بقدر محدود من الحرية والقمع الانتقائي، لكن كان هناك على الأقل بعض الحيّز للمشاركة والحوار.37 بالرغم من أن مبارك حرص ألا تتجاوز جهود منظمات المجتمع المدني خطوط حمراء معينة، وأصر على إبقاء المنظمات غير الحكومية المصرية في حالة من التيه القانوني، فقد نشأت مجموعة نشطة نسبياً من المنظمات غير الحكومية خلال حقبة التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة. وبحلول عام 2011، بلغ عدد منظمات المجتمع المدني المسجلة رسمياً في مصر نحو 30 ألف منظمة، كان معظمها يركز على الأعمال الخيرية وتقديم الخدمات في مجالات مثل الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية.38

وعلى النقيض من ذلك، شنت الحكومة المصرية والأجهزة الأمنية في عهد السيسي حملة شاملة لتقليص الحيز المتاح للمجتمع المدني. فقد استهدفت الحملة العسكرية الصارمة في مستهل الأمر جماعة الإخوان المسلمين، ولكن سرعان ما استهدفت الحملة القمعية هذه طائفة متزايدة من الصحافيين والنشطاء والمحتجين تحت ذريعة تهديد النظام العام أو الأمن القومي. وأصبح الإعراب عن المظالم أو انتقاد السياسات الاقتصادية أمراً مستحيلاً. بل وامتدت هذه الحملة مؤخراً لتشمل الأطباء والصحفيين الذين ينتقدون أو يشككون في جهود الدولة للتصدي لجائحة كوفيد-19.

فقد أغلقت الحكومة وسائل الإعلام المستقلة، وسعت إلى تعزيز ملكيتها أو سيطرتها على معظم وسائل الإعلام -بل إن أجهزة الاستخبارات اشترت منافذ إعلامية مستقلة عبر شركة “إيجل كابيتال”- مما يجعل من المستحيل بث أي شكاوى عبر وسائل الإعلام التقليدية.39

وحظر السيسي بشكل أساسي المظاهرات وضيق الخناق على المنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية.40 وعاقبت السلطات النشطاء في مجال حقوق الإنسان والمدافعين عن حقوق العمال من خلال الاعتقال والاختفاء القسري والاعتداء بالضرب أثناء الحجز والتحقيق والقمع والترهيب على أيدي ضباط أمن الدولة، والحرمان من المرتبات والاستحقاقات، والطرد الجماعي من الوظائف والمحاكمات أمام المحاكم العسكرية.41 وكان مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني عام 2016، الذي كان يجري أبحاثاً حول الباعة الجائلين المصريين، دليلاً آخر على القمع الشديد الذي تواجهه الحركة العمالية في مصر.

وقد ركزت الدولة اهتمامها على “الاتحاد المصري للنقابات المستقلة”42 ، الذي يعمل كشبكة كبيرة تضم نقابات العمال غير الحكومية، وسعت إلى ضمه مجدداً ليكون تحت إشراف نقابة العمال التي تديرها الحكومة، ألا وهو “الاتحاد العام لنقابات عمال مصر”، وعملت على الحد من توقعات العمال من أجل نيل حقوق عمل أفضل بوجه عام.

أغلق السيسي أيضاً قنوات الاتصال التقليدية بين الدولة والمجتمع والتي اعتمد عليها مبارك لاستيعاب المظالم الاجتماعية وتهدئتها قبل أن تتصاعد أو كلا الأمرين معاً. فقد كان الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم آنذاك والمجالس المحلية المنتخبة من أبرز هذه القنوات التي استغلها مبارك. وبعد أن حُلت هاتين المؤسستين بسبب فسادهما -وهو ما يعكس في جانب منه على الأقل المطالب “الثورية” التي نادى بها الثوار في ميدان التحرير- لم يحل محلها أي مؤسسات أخرى منذ ذلك الحين. تأسس حزب مستقبل وطن عام 2014 من قبل المخابرات العسكرية المصرية كمحاولة لإعادة خلق تجربة الحزب الوطني.43 ورغم أنه أصبح من أكبر الأحزاب السياسية في مصر، فإنه ما يزال منعزلاً عن أيّ حركة شعبية ولا يُمثل في الواقع أيّة ركيزة من ركائز الحكم. وقد أثارت سلسلة من الاستقالات في صفوف قيادات الحزب خلال شهر آذار/مارس 2020 المزيد من التساؤلات حول أساليب العمل الداخلية في الحزب وقدرته على العمل بشكل مستقل عن أجهزة الاستخبارات.

حُلت المجالس المحلية المنتخبة عام 2011 ولم تُعقد انتخابات جديدة منذ ذلك الحين. ولم تكن المجالس المنتخبة في عهد مبارك تعمل مطلقاً بوصفها هيئات ديمقراطية أو تمثيلية، ولكنها سمحت، من خلال شبكات المحسوبية، بإيصال التظلمات المحلية وتوزيع الخدمات. وفي ظل غياب هذه المجالس، ثمّة فجوة في نقل المعلومات من المستوى المحلي إلى السلطات المركزية. وقد حاول السيسي توجيه بعضاً من طاقة الشباب عن طريق توظيف بعضهم في منصة أطلق عليها اسم “تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين”. تحاول هذه المنصة، التي تأسست في نيسان/أبريل 2018، توحيد أعضاء الأحزاب السياسية المختلفة من الشباب، خلف “مشروع وطني موحد”. إلا أن حجم هذه المبادرة ما يزال متواضعاً حتى الآن.

ونتيجة لهذا فإن نظام السيسي لا يملك سوى مجموعة محدودة من الأدوات للنظر في المظالم واتخاذ إجراءات بشأنها. ولا يوجد في الواقع سبل لتخفيف الصدمات يُمكن الاستعانة بها، إضافة إلى أن أيّ انتقادات ينظر إليها سريعاً باعتبارها تهديدات أمنية ويتم التعامل معها بناءً على ذلك. وتبرهن مبالغة السلطات في التصدي للاحتجاجات الصغيرة التي اندلعت في أعقاب الاتهامات التي وجهها رجل الأعمال المصري محمد علي إلى السيسي بإهدار المال العام على مشاريع للتباهي، على هشاشة الوضع.

يُخيم على المشهد العام في مصر صورة مجتمع تتعرض فيه معظم أشكال التنظيم والتمثيل للقمع، وبالتالي فإنها عاجزة عن الدفع باتجاه إجراء إصلاحات داخلية لازمة، وهو مجتمع تشعر فيه السلطات العامة على الدوام بعدم الأمان -بالرغم من سحق كل أشكال المعارضة- وبالتالي فإنها تعتمد على القوة لمواجهة التحديات.

الخلاصة

مع بداية تفشي وباء كوفيد-19، كان الاقتصاد المصري بالفعل أكثر هشاشةً مما قد يوحي به نجاحه الظاهري في تحقيق الاستقرار. ومنذ ذلك الحين، تفاقمت الحالة الاقتصادية بسبب تأثير الوباء على تدفقات رأس المال الأجنبي والاستهلاك المحلي. وفي حين تمتلك مصر أرصدة احتياطية وتتمتع بالدعم الدولي السياسي والمالي للتغلب على العراقيل القصيرة الأمد، فإنها عرضة لوضع هش للغاية على الأمد المتوسط إذا لم يطرأ أيّ تغيير على النهج الذي يتبعه النظام.

رغم عدم وجود أي دلائل تشير إلى نجاح النهج المتبع وتشجع على التدخل العسكري في الاقتصاد حتى الآن، فثمّة أسباب استراتيجية داخلية لا بد أن تدفع مصر إلى البدء في تغيير نهجها. فمن الواضح أن الوضع الراهن أصبح الآن على مسار غير قابل للاستمرار، وبات من المحتم على السيسي أن يبدأ في تقليص الدور الاقتصادي للجيش. فضلاً عن ذلك، حتى بعد أن تمكن السيسي من توطيد النظام الجديد بالفعل، فلا بد وأن يغير حساباته الاستراتيجية. إذ يهدد الدعم الحالي للأعمال التجارية التي تقودها المؤسسة العسكرية بشكل متزايد استدامة النظام لسببين على الأقل، أولاً: أن جودة الإنتاجية العسكرية في القطاعات المدنية كانت دائماً منخفضة. ثانياً: لا بد من إعادة توجيه الجيش نحو الاحتياجات الأمنية الماسة، كما يتبين من التحديات الناجمة عما يشبه التمرد المسلح في سيناء، وتصاعد أهمية انعدام الأمن خارج حدود مصر، في السودان وليبيا واليمن.

ثم يصبح السؤال المحوري هو مدى استعداد النظام لتوسيع نطاق المشاركة في الشؤون السياسية، وفي نفس السياق، دفع القطاع الخاص إلى الاضطلاع بدور أكثر مركزية في الاقتصاد.

كان من الممكن أن تكون التعديلات الدستورية لعام 2019، التي ضمنت تمديد ولاية السيسي حتى عام 2034، وكرست دور الجيش باعتباره “حامي” الديمقراطية، ومثلت اقتراب نهاية فترة مشاريع الدولة الضخمة، وأبرزت محاولات الجيش المتزايدة لابتلاع القطاع الخاص، نقطة انطلاق لتوسيع الحوار السياسي والاجتماعي. ولكن حتى الآن، لا يشعر النظام في القاهرة بضرورة التوصل إلى حل وسط بشأن أي شيء، ولا يمارس أنصاره الدوليون والإقليميون أيّة ضغوط عليه لتغيير هذا النهج.

يفتقر هذا النهج إلى الطموح ويتسم بقصر النظر. فرغم أن الوضع الراهن قد يبدو مستقراً في الأمد القريب، لكنه استقراراً يستند إلى قاعدة ضعيفة. إذ يتطلب الوضع الاقتصادي الضعيف أصلاً، وهو الذي يزداد سوءاً بسبب جائحة كوفيد-19، إجراء تغييرات استراتيجية في النهج الذي يتبعه النظام. ولا سبيل لذلك سوى البدء في عملية إصلاح تدريجي من القمة والتي من شأنها أن تسمح بالمشاركة الحقيقية، وإلا فإن البديل هو حدوث انفجار اجتماعي في نهاية المطاف، وهو انفجار تزداد احتمالات وقوعه بسبب غياب أي سبل لتخفيف الصدمات.

ما يزال مصدر القوة الرئيسي الذي تتمتع به مصر، الذي يعد عبئاً أيضاً، هو أنها “أكبر من أن تفشل”، ولكن هل من المتوقع أن يستمر سعي دول مجلس التعاون الخليجي والغرب إلى تحقيق مكاسب أو التماس مصالح سياسية على نفس المستوى خلال الأوضاع الجديدة في عالم ما بعد كورونا؟ هل ننظر إلى موقف يتحول فيه تعبير “أكبر من أن تفشل” في نهاية المطاف إلى “تمثل عبئاً ثقيلاً ولا تستحق عناء الإنقاذ”؟

يتعين على المؤسسات الدولية والحكومات الغربية أن تبدأ محادثات مع مصر بشأن ضرورة إجراء إصلاحات على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. وفي النهاية، فإن التفسير الأكثر إقناعاً لعدم تمكن مصر من إحراز تقدم طويل الأجل هو موقعها الجيوستراتيجي، الذي يشبه لعنة الموارد. إذا كان الأمر كذلك، فإن كسر هذه اللعنة لا بد وأن يبدأ في العواصم الأجنبية. ثمّة حاجة إلى دعوة أكثر مبدئية فيما يتصل بحقوق الإنسان، فضلاً عن إجراء محادثات استراتيجية بشأن الإصلاحات الأساسية اللازمة لوقف استيلاء الجيش على الاقتصاد والسماح بإقامة حوار اجتماعي واقتصادي حقيقي حول مستقبل البلاد. وينبغي التصدي لرفض القاهرة الدخول في أي محادثات جوهرية حول قضايا الإصلاح بينما تأخذ بكل سرور التمويل الأجنبي اللازم لإبقاء نظامها صامداً. من المحبذ أن يحدث هذا قريباً، بينما لم يتدهور الوضع للغاية بعد، إذ إنه من واقع التجربة، عندما يتدهور الوضع، سيتركز الدعم على إجراء إصلاحات مؤقتة ستفشل حتماً في معالجة أيّة رؤية طويلة الأجل.

*استفادت الورقة كثيراً من حلقة نقاشيّة امتّدت يوما كاملاً مع متخصّصين في الشأن المصريّ، نظّمتها مبادرة الإصلاح العربيّ وقسم الاقتصاد العربيّ في جامعة پاريس للعلوم والآداب (PSL) في شهر شباط/فبراير 2020. نودّ أن نشكر هنا تحديداً أميرة الحداد، وروبرت سبرينغبورغ وكيفن كاري على اقتراحاتهم، وفلاديمير نجمان على المساعدة في البحث.

______________________________

  1. https://www.egypttoday.com/Article/3/86828/Egypt’s-renewed-engagement-with-IMF-to-boost-investor-confidence-Fitch
  2. سيركّز قرض صندوق النقد الدوليّ” على معالجة الاحتياجات العاجلة للأزمة، ومنها الإنفاق الحيويّ على البرامج الصحّيّة والاجتماعيّة من أجل حماية الفئات الأضعف في المجتمع“. انظر: https://www.imf.org/en/News/Articles/2020/06/26/pr20248-egypt-imf-executive-board-approves-12-month-us-5-2billion-stand-by-arrangement
  3. https://www.imf.org/en/News/Articles/2020/06/26/pr20248-egypt-imf-executive-board-approves-12-month-us-5-2billion-stand-by-arrangement
  4. في عام 2020، كانت العوائد على الأوراق النقديّة لمدّة 40 سنة و12 سنة و4 سنوات هي 8.875% و7.625% و5.75% على الترتيب. في المقابل، كانت اقتراضات مصر عام 2019 لمواعيد استحقاقات مماثلة هي على الترتيب 8.15% و7.05% و4.55%. وهذا بحاجة إلى مقارنته بمعدّل تصنيف استثماريّ في الأسواق الصاعدة بنسبة 3%. انظر: http://www.worldgovernmentbonds.com/country/egypt/
  5. https://www.ft.com/content/efe21772-5767-11e8-bdb7-f6677d2e1ce8
  6. https://Covid-19.who.int/region/emro/country/eg
  7. https://apnews.com/cf9528ebff1d5dd7e3b95d467d7e9418
  8. استكمالاً للمقارنة بين إصلاحات عام 1991، وصفت تعديلات السياسة المالية حينها بأنها “تعديلات تتم خلسة”، نظراً لأنها تمّت بشكل تدريجي مثل تقليل حجم رغيف الخبز بدلاً من رفع سعره.
  9. انظر على سبيل المثال:- El-Haddad, Amirah. “Redefining the social contract in the wake of the Arab Spring: The experiences of Egypt, Morocco and Tunisia.” World Development 127 (2020): 104774.- Diwan, Ishac, Philip Keefer, and Marc Schiffbauer. “The Mechanics, Growth Implications, and Political Economy of Crony Capitalism in Egypt.” Crony Capitalism in the Middle East: Business and Politics from Liberalization to the Arab Spring (2019): 67.
  10. https://www.transparency.org/en/news/the-alarming-message-of-egypts-constitutional-amendment
  11. إسحاق ديوان وآخرون 2020، مرجع سابق.
  12. تقريرإسحاق ديوان 2020 أفاد بأن الشركات ذات الصلات السياسية المملوكة لـ 32 من الحلفاء المقربين لنظام مبارك تلقت في 2010 أكثر من 90% من الائتمانات التي يمنحها القطاع المصرفي إلى الشركات الخاصة.
  13. إسحاق ديوان وآخرون 2020، مرجع سابق.
  14. Abul-Magd, Zeinab, 2015, “Egypt’s Military Business: The Need for Change,” Middle East Institute, https://www.mei.edu/publications/egypts-military-business-need-change
  15. في هذا الأمر، كانت تجربته مشابهة للقوات المسلحة في السودان، عندما أدى انخفاض إيرادات النفط في 2010 إلى دفع الجيش لتوسعة شركاته بطريقة هائلة. وعلى النقيض، امتنع الجيش في الجزائر، الذي يستمد إيراداته من صادرات النفط، عن المشاركة الكبيرة في الاقتصاد.
  16. بحسب ما أفاد به المتحدث العسكري العقيد تامر الرفاعي في لقاء تلفزيوني، 2 أيلول/سبتمبر، 2019 https://www.youtube.com/watch?v=DwumS4goKHg
  17. اعترافات وزير الإنتاج الحربي آنذاك محمد العصار، في تقرير كتبه عبد الرحيم أبو شامة بعنوان “وزير الإنتاج الحربي: 10 مليارات جنيه نسبة الزيادة في أنشطة الوزارة مقارنة بالعام الماضي”، صحيفة الوفد، 20 تشرين الثاني/نوفمبر، 2017، https://bit.ly/2JoS357؛ وفي تقرير كتبه حمدي مبارز بعنوان “وزير الإنتاج الحربي: نستهدف مبيعات 12 مليار جنيه فى 2018″، جريدة العالم اليوم، 5 آذار/مارس 2018، https://bit.ly/2MNkAmT.
  18. See Abdel Latif Wahba Tarek El-Tablawy, “Egypt Suspends State-Company Stake Sales Due to Virus Turmoil,” Bloomberg Quint, June 29 2020, https://www.bloombergquint.com/politics/egypt-suspends-state-company-stake-sales-due-to-virus-turmoil
  19. ينص القانون على أن الجيش ليس عليه أن يدفع ضريبة قيمة مضافة على السلع، والمعدات، والآلات، والخدمات، والمواد الخام الضرورية لأغراض التسليح، والدفاع، الأمن القومي. لكن وزارة الدفاع لديها الحق في تحديد أي السلع والخدمات مؤهلة لهذا الإعفاء، وتشكو الأعمال التجارية المدنية من أن هذا يمكن أن يجعل النظام عرضة للاستغلال.انظر: https://www.reuters.com/investigates/special-report/egypt-economy-military/
  20. بحسب ما أشير إليه من خلال استعراض تفصيلي في تقرير يزيد صايغ بعنوان “أولياء الجمهورية: تشريح الإقتصاد العسكري المصري”. https://carnegie-mec.org/2019/12/14/ar-pub-80489
  21. جيسيكا نول، هيئة الرقابة الإدارية في مصر: محاربة الفساد أم حماية النظام؟، تقرير حول الديمقراطية في الشرق الأوسط، 6 شباط/فبراير 2019.https://pomed.org/report-corruption-egypts-administrative-control-authority/
  22. قال مسؤول في الشؤون التجاري بسفارة غربية لوكالة “رويترز” عام 2018، إن المستثمرين الأجانب كانوا يحجمون عن الاستثمار في القطاعات التي تتوسع فيها نشاطات الجيش أو القطاعات التي من المحتمل أن يشارك الجيش فيها، خوفاً من أن يؤدي التنافس مع الجيش، مع ما يتمتع به من امتيازات خاصة، إلى الإضرار باستثماراتهم. رابط المصدر:https://www.reuters.com/investigates/special-report/egypt-economy-military/
  23. أوضح كتاب وباحثون آخرون هذه النقطة. مثل أحمد زعيتر في هذه المقالة: – https://www.linkedin.com/pulse/can-egypt-classified-best-reform-story-emerging-markets-ahmad-zuaiter/
  24. برنامج “تكافل” يمنح الأسر ذات الحاجة معاشات شهرية مشروطة. في حين أن البرنامج الثاني “كرامة” يمنح معاشات غير مشروطة للفقراء وكبار السن فوق الخمسة وستين عاماً وأصحاب الإعاقات الشديدة والمرضى فضلاً عن اليتامى.https://www.worldbank.org/en/news/feature/2019/03/14/egypt-empowering-women-trough-cash-transfers
  25. https://www.economist.com/middle-east-and-africa/2019/08/08/egypt-is-reforming-its-economy-but-poverty-is-rising
  26. حنان نظير ومنى عامر 2020، “البطالة في مصر: أنماط وأسباب وتوصيات”.
  27. https://www.ifpri.org/publication/impact-covid-19-egyptian-economy-economic-sectors-jobs-and-households
  28. منى سعيد ورامي جلال ومينا سامي، “عدم المساواة وحركة الدخل في مصر”، منتدى البحوث الاقتصادية، ورقة عمل رقم (1368)، واستناداً إلى بيانات EMLP.
  29. https://www.linkedin.com/pulse/can-egypt-classified-best-reform-story-emerging-markets-ahmad-zuaiter/
  30. http://gate.ahram.org.eg/News/2270874.aspx
  31. https://foreignpolicy.com/2020/04/30/egypt-sisi-coronavirus-political-threat/
  32. https://www.imf.org/en/News/Articles/2020/06/26/pr20248-egypt-imf-executive-board-approves-12-month-us-5-2billion-stand-by-arrangement
  33. http://www3.weforum.org/docs/GCR2017-2018/05FullReport/TheGlobalCompetitivenessReport2017%E2%80%932018.pdf
  34. https://timep.org/commentary/analysis/egypts-long-road-to-education-reform/
  35. كارولين كرافت، 2016، “ما سر ارتفاع معدل الخصوبة في مصر؟ الدور الذي تلعبه فرص عمل المرأة”، الجيزة، مصر، تقرير رقم 1050.
  36. عمرو عادلي، “النظام المصري ومعضلات إعادة تأسيس السلطوية” https://carnegie-mec.org/2016/07/21/ar-pub-64158
  37. https://carnegieendowment.org/2017/05/18/institutionalized-repression-in-egypt-pub-69959
  38. إيهاب عبده وآخرون، “كيف يمكن للمؤسسات المالية الأمريكية والدولية إشراك المجتمع المدني بمصر على أفضل نحو؟”. مؤسسة بروكينغز، حزيران/يونيو 2011، https://www.brookings.edu/wp-content/uploads/2016/06/06_egypt_civil_society.pdf; وكاثرين هيرولد “سياسة المنظمات غير الحكومية في مصر قبل وبعد مبارك”.https://www.researchgate.net/publication/282621430_NGO_Policy_in_Pre-_and_Post-Mubarak_Egypt_Effects_on_NGOs%27_Roles_in_Democracy_Promotion
  39. تفاصيل استحواذ المخابرات العامة على «إعلام المصريين»، https://madamasr.com/en/2017/12/21/feature/politics/looking-into-the-latest-acquisition-of-egyptian-media-companies-by-general-intelligence/
  40. وضع مرسوم رئاسي صدر عام 2014 أجزاء كبيرة من البنية التحتية المدنية في مصر تحت سلطة الجيش، وهذا يعني أن أي شخص يتظاهر خارج مبنى حكومي مدني من دون إذن يمكن محاكمته في محكمة عسكرية. باتريك كينغسلي، “مصر تضع البنية التحتية المدنية تحت سلطة الجيش”، صحيفة الغارديان، 28 تشرين الأول/أكتوبر 2014، https://www.theguardian.com/world/2014/oct/28/egypt-civilian-infrastructure-army-jurisdiction-miltary-court.
  41. https://www.frontlinedefenders.org/en/statement-report/egypt-labour-rights
  42. أصبح “الاتحاد المصري للنقابات المستقلة”، الذي انبثق عن الحركة العمالية أثناء إضرابات المحلة عام 2006، وتم تقنينه عام 2011، واحداً من أهم قوى المعارضة أثناء ثورة عام 2011.
  43. https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/the-president-s-men/
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.