هل ينجح متظاهرو سبتمبر في استكمال ما بدأوه؟

بعد اندلاع موجة التظاهرات الأخيرة والتي دعا إليها الفنان ورجل الأعمال المصري محمد علي، سعى النظام المصري بكل ما أتى من قوة من إخماد صوت أي معارضة حتى وإن كانت من داخل صفوفه. وشنت السلطات المصرية خلال الأسابيع القليلة الماضية حملة غير مسبوقة على المعارضين، سجنت فيها آلاف المعارضين من الإخوان والنشطاء العلمانيين والمدونين الذين يتمتعون بشعبية واسعه وخاصة بين صفوف أبناء ثورة 25 يناير.

ارتفاع حالة التأهب

بعد تظاهرات 20 سبتمبر والتي خرجت مطالبة برحيل عبد الفتاح السيسي، ارتفعت حالة التأهب الأمني مع التظاهرات، حيث انتشرت المدرعات ومصفحات الأمن المركزي والآلاف من عناصر الشرطة بالزي المدني، على مدار الساعة، في جميع الميادين التي شهدت تلك التظاهرات، سواء في محيط التحرير بوسط القاهرة، وميدان الأربعين بالسويس، وميدان الشون بالمحلة، وميدان الساعة بدمياط، وميدان المنشية بالإسكندرية.

لكن هذه السياسات لم ترهب المتظاهرين وخاصة في مدينة السويس حيث استمرت حالة من الكر والفر بين المتظاهرين وبين عناصر الأمن، حتى فجر يوم الأحد، وانتشرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي أوضحت سمات مختلفة عن السابق في تعاملها الأمني مع الأوضاع المشتعلة هناك.

التعامل الأمني مع تظاهرات سبتمبر 2019

منذ اندلاع التظاهرات في 20 سبتمبر، تعمدت الشرطة على تلافي الاحتكاك المباشر بالمتظاهرين، وعدم استخدام أسلحة قد تؤدي إلى إيقاع قتلى أو حتى مصابين بعدد كبير. وظهرت هذه السياسة ليس في القاهرة فقط، ولكن تكرر هذا المشهد في جميع المحافظات التي خرجت مطالبة برحيل السيسي، في مشهد نستطيع أن نصفه بأنه الأقل عنفاً وقمعاً، إذا ما قارنا مواقف الشرطة قبل ثورة يناير وبعدها.

الشرطة في عهد مبارك مبارك

في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك خلال أعوام 2005 و2008 و2010 خرجت العديد من التظاهرات الشعبية والتي كانت الشرارة الرئيسية لثورة يناير/كانون الثاني 2011، كان الصدام موجود في ذلك الوقت ولكن ليس بالشكل الذي صُدم منه المجتمع المصري بعد الانقلاب.

التعامل الأمني بعد الانقلاب العسكري

تعاملت القوات الأمنية مع التظاهرات الرافضة للانقلاب بشكل غير مسبوق من العنف اعتمد بشكل أساسي على النهج الانتقامي الذي اعتمد عليه النظام منذ 3يوليو2013، وذلك باستخدام الرصاص الحي المباشر حتى تحول إلى نهجاً اعتيادياً، وإن كانت التظاهرات وسط العاصمة وفي ضوء النهار وعلى مرأى ومسمع من الجميع.

حالة هلع قبيل تظاهرات سبتمبر

لا شك بان النظام في مصر أصيب بحالة هلع شديدة غيرت من استراتيجياته التي يسير عليها في السنوات الأخيرة، لذا اعتمد بشكل أساسي على إخماد صوت الأحزاب المعارضة، قبيل التظاهرات، وشن حملة واسعة من الاعتقالات بدلا من الاعتماد على سياسة القتل.

العديد من النشطاء والسياسيين وصفوا حملة المداهمات المتواصلة بأنها “اعتقالات سبتمبر جديدة”، وذلك للتشابه الكبير بين الحملة الذي يقوم بها النظام الحالي وحملة الاعتقالات التي شنّها الرئيس الراحل أنور السادات، في 3 سبتمبر/ أيلول 1981، وكانت أيضا من أجل قمع السياسيين المعارضين لاتفاقية “كامب ديفيد”، وكان هناك أيضا في ذلك الوقت توقعات بحدوث حراك شعبي واسع في مواجهة الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية المشابهة بالحالة التي تمر بها مصر الآن.

بالإضافة أنه خلال الأعوام الأخيرة، تآكلت موارد الطبقة الوسطى لدرجة أن الناس بالكاد يستطيعون دعم بعضهم البعض، وفشلت الخطط الكبرى لنظام “السيسي” في إفادة الفقراء، وفي الواقع، لقد غرقوا في فقر أعمق.

حرص النظام المصري لوقف استمرار التظاهرات العفوية لما بعد منتصف الليل، ومنع أي محاولات للاعتصام، كما كان الحال خلال الأيام الأولى لثورة يناير، أو إبان تظاهرات يونيو 2013 التي انتهت بانقلاب 3 يوليو.

حيث انتشرت العديد من المقاطع المصورة على مواقع التواصل الاجتماعي تؤكد استخدام قوات الأمن المصري القنابل المسيلة للدموع تزامنا مع الاقتراب من منتصف الليل. ثم قامت بعد ذلك بمطاردة المتظاهرين في الشوارع والحارات لتفرقة أي محاولة للاعتصام، وتم استهداف المواطنين الذين يصورون مقاطع الفيديو للأحداث من النوافذ والشرفات بإطلاق رصاصات مطاطية أو خرطوش، وهذا ما ظهر في أكثر من فيديو.

إدانات دولية وحقوقية

ناشدت العديد من المنظمات الحقوقية بالإضافة إلى الأصوات السياسية، قادة العالم لإصدار إدانات واضحة ضد الملاحقات الأمنية التي شنها نظام عبد الفتاح السيسي ضد معارضيه عقب خروج مظاهرات مناهضة للنظام في المدن المصرية.

ولم يحدث من قبل في تاريخ مصر أن كان هناك مثل هذا العدد الكبير من السجناء السياسيين، ويتصاعد القمع كل يوم وتتزايد أعداد المعتقلين في البلاد، وتحول اهتمام الدولة بين تشييد السجون للمعتقلين، وتشييد القصور للسيسي وأسرته كما أقر السيسي بنفسه في لقائه الأخير في مؤتمر الشباب العاجل الذي دعا إليه، حيث قال “أيوه ببنى قصور مش علشانى، علشان مصر” الأمر الذي أثار سخرية المصريين.

وبالإضافة إلى الحملة الواسعة للاعتقالات الأخيرة، فلقد وثقت العديد من المنظمات الحقوقية نحو 60 ألف شخص من معتقلي الرأي منذ الانقلاب العسكري، وصفهم السيسي ونظامه بأنهم إرهابيون، وقد تم بالفعل سجنهم لأسباب سياسية، بالإضافة إلى الذين تم تنفيذ أحكام الإعدام عليهم في قضايا سياسية.

كسر حاجز الخوف

من أهم الإنجازات التي قام بها متظاهرو سبتمبر هو كسر حاجز الخوف الذي شيده عبد الفتاح السيسي منذ الانقلاب العسكري، وذلك بتحدي المصريين ونزلوهم إلى الشوارع ليؤكدوا أنّه من الممكن كسر القبضة الأمنية المفروضة عليهم منذ سنوات في تحدى صريح وواضح لعبد الفتاح السيسي ونظامه.

مما ينبئ بفشل سياسات القمع التي اعتمدها النظام المصري منذ انقلاب 3 يوليو، ولكن يبقى كل ذلك رهن المسارات والتطورات على الأرض الفترة القادمة، وأيضا على القدرة في استغلال الوضع الراهن في الحشد مرة أخرى، وتفويت فرصة الاستعداد على النظام كما حدث في يوم الجمعة 20 سبتمبر 2019.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.