وفاة عبد الرحمان اليوسفي أيقونة التاريخ السياسي المغربي الحديث

توفي في 27 من مايو القيادي السياسي المغربي والوزير الأول السابق الذي اشتهر بقيادة حكومة التناوب في فبراير من العام 1998 حتى أكتوبر 2002 عبد الرحمان اليوسفي عن عمر ناهز 96 عاما بعد صراع طويل مع المرض بمستشفى الشيخ خليفة بالدار البيضاء، ويعتبر اليوسفي أحد أبرز الوجوه المؤسسة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

بدأ مسيرته النضالية عام 1943 بحيث انخرط في العمل السياسي وهو لا يتجاوز 19 عاما، ومنذ ذلك الحين ساهم اليوسفي رفقة زملائه في المقاومة والكفاح ضد الاستعمار عن طريق تأسيس مجموعة من التنظيمات والجمعيات كإحدى الآليات الفاعلة للنضال عن طريق حشد الشباب والطبقة العاملة في مسيرة الكفاح ضد المستعمر.

عند انتقاله في العام 1949 لاستكمال دراسته الجامعية في فرنسا، كرس نضاله لخدمة العمالة المغربية المهاجرة هناك. في سبيل الدفاع عن حقوقهم. كما شارك في تنظيم وإدارة حركة المقاومة وجيش التحرير، بعد نفي الملك محمد الخامس في العام 1953 إلى حين حصول المغرب على استقلاله في العام 1956. وبعد ذلك تمكن اليوسفي صحبة رفقائه في النضال كالمهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد والفقيه البصري وغيرهم على تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في العام 1959، ليتحول باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لاحقا، هذا الحزب الذي يعد أبرز حزب سياسي يساري في المغرب

كما خاض الراحل معركة الانتصار للديمقراطية والتعددية، ومسارا سياسيا صعبا مليء بالمحن في تاريخ السياسة المغربية منذ 1965، بحيث كان معارضا بطريقة تتسم بالعقلانية والحكمة والحنكة في إدارته للأمور، قاد على إثرها مسيرة نضالية إصلاحية منذ الاستقلال إلى حين اعتزاله السياسة منذ حوالي 16  عاما.

بدأ مسيرته المهنية كمحامي في العام 1952، واختير نقيبا للمحامين بمدينة طنجة في العام 1959، كما تولى مهمة الكاتب العام المساعد لاتحاد المحامين العرب من 1969 إلى 1990.

تولى الراحل الأمانة العامة لحزب الاتحاد الاشتراكي خلفا لرفيقه في الكفاح عبد الرحيم بوعبيد في تسعينيات القرن الماضي، ليخوض بعد ذلك على إثر مفاوضات طويلة مع الملك الحسن الثاني رئاسة الوزارة الأولى لحكومة التناوب التوافقي سنة 1998، بحيث خاطبه الملك حينئذ قائلا: “إنني أقدر فيك كفاءتك وإخلاصك، وأعرف جيدا منذ الاستقلال أنك لا تركض وراء المناصب بل تنفر منها باستمرار، ولكننا مقبلون جميعا على مرحلة تتطلب بذل الكثير من الجهد والعطاء من أجل الدفع ببلدنا إلى الأمام”. وبذلك انتقل اليوسفي وحزبه من المعارضة إلى الحكومة، لتنتهي معه عقود من الصراع بين الحزب والنظام المغربي. ليكون يذلك أول زعيم عربي معارض يصل إلى السلطة بمنصب وزير أول، وحرص خلال فترة توليه القيادة الحكومة على تحقيق انتقال ديمقراطي يقوم على أساس إعطاء صلاحيات واسعة للحكومة، غير أنه في 2002 على الرغم من تصدر حزب الاتحاد الاشتراكي الانتخابات التشريعية، فقد قام الملك محمد السادس بتعيين وزير أول آخر تكنوقراط وهو إدريس جطو، هذا الأمر الذي اعتبره اليوسفي خروجا عن المنهجية الديمقراطية وعلى إثر ذلك قرر الاعتزال وإنهاء مساره السياسي في 2003. وعلى الرغم من ذلك فقد حظي في السنوات الأخيرة بتكريم وعناية خاصة من طرف الملك محمد السادس بحيث دشن شارع يحمل اسمه في طنجة مدينة الأصل والمولد في العام 2016.

سلك اليوسفي مسار طويلا من النضال والكفاح، بحيث لم يرتبط اسمه بالعمل الحزبي فقط، فقد كان محاميا، ورئيس تحرير جريدة “التحرير” التي كانت ممنوعة من النشر، كما كان مناضلا ومقاوما في الجبهة المغاربية خصوصا المغربية والجزائرية من أجل مجابهة الاستعمار والكفاح من أجل نيل الاستقلال، كما كان من أكثر الأشخاص إيمانا بفكرة الاتحاد المغاربي الذي سعى على الدوام لبلورتها، كما تأسف كثيرا على الوضع الذي آلت إليه وضعية الاتحاد مع استمرار الجمود في العلاقات المغاربية نتيجة غلق الحدود ما بين الجارتين المغرب والجزائر،  والتي كان لذلك تداعيات سلبية على تنمية البلدين الشقيقين.

كما اشتهر بدوره في الأممية الاشتراكية وفي الدفاع عن حقوق الإنسان، بحيث شارك في تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وكان أيضا من المدافعين على مبدأ المساواة بين الجنسين خصوصا في الحياة السياسية.

إلى جانب ذلك، عُرف عن اليوسفي أنه أشد المؤيدين لثورات الربيع العربي، إذ قال خلال مقابلة إعلامية خصها لموقع العربي الجديد في العام 2015 : ” عشت الربيع العربي وأنا منفعل بأحداثه، وكأني أنتظره منذ زمن بعيد، وأنا الذي قضيت عمري في العمل السياسي وجربت المعارضة والحكم، وعشت زمنا طويلا في المنفى منذ 15 سنة”، مضيفا: ” لقد هزتني رياح الربيع العربي، ولكني لم أتفاجأ بها، كنت أخمن دائما أن الشعوب العربية ستصحو قريبا لتأخذ مصيرها بيدها”.

وقد نعى الكثيرون الراحل عبد الرحمان اليوسفي داخل المغرب وخارجه وكان من أبرزها:

على المستوى المحلي:

  • الملك محمد السادس: اعتبر الملك محمد السادس وفاة الأستاذ المجاهد عبد الرحمان اليوسفي خسارة فادحة ليس لأسرته فحسب، وإنما لبلده المغرب الذي فقد شخصية تتميز بالخصال الإنسانية والإخلاص والوفاء للوطن، جسدها مساره النضالي والحقوقي والسياسي الحافل بالتضحية، بحيث ظل وفيا للمبادئ والقيم الموسومة بالنزاهة والأمانة والتواضع كل ذلك من أجل في خدمة المصالح العليا للوطن.
  • حزب الاتحاد الاشتراكي: أكد بيان الحزب أن المغرب فقد أحد قاماته الشامخة الوطنية الديمقراطية، والرجل الذي أخلص لقيم العدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق الإنسان. وأن الحزب بوفاته فقد أبرز مؤسسيه، وقائد مسيرته النضالية التي ستظل دروسا خالدة يفتخر بها الاتحاديات الاتحاديين باعتبارها مشعلا لمواصلة مسيرة الكفاح التي ناضل من أجلها المناضل الفذ، المجاهد عبد الرحمان اليوسفي.
  • حزب التقدم والاشتراكية: اعتبر المكتب السياسي للحزب أن المغرب برحيل اليوسفي  يكون قد فقد أحد الأعمدة الرئيسية للعمل الوطني، وفقد الرجل الوطني والمناضل الصادق، بحيث ربط مشواره منذ شبابه إلى آخر أيامه بالنضال من أجل القضايا الوطنية منذ فترة الكفاح الوطني ضد الاستعمار، بحيث عانى في مسيرته الكفاحية الكثير وذلك إيمانا منه بالقضايا العادلة التي يناضل من أجلها. ولم يكن اليوسفي بحسب بيان الحزب مناضلا سياسيا مغربيا فقط، وإنما كانت له مكانة بارزة في المحافل الإقليمية والدولية وأوساط حقوق الإنسان، ولدى العديد من القوى السياسية العربية والعالمية.
  • حزب العدالة والتنمية: اعتبر رحيل عبد الرحمان اليوسفي هو خسارة للوطن وللساحة السياسية والنضالية، باعتباره أحد الأيقونات الوطنية التي بصمت مسار النضال الوطني من أجل التحرير والبناء الديمقراطي، من خلال الانخراط في المقاومة  من أجل التحرير، وصولا إلى النضال من أجل بناء مغرب حداثي ديمقراطي باعتباره أحد مهندسي التناوب الديمقراطي بالمغرب، هذا النضال  الذي ساهمت ثماره الموروثة في إنجاح المسار السياسي الإصلاحي في المغرب سنة 2011 الذي أفرز دستور جديد جعل الاختيار الديمقراطي أحد الأساسيات في التجربة المغربية الانتقالية.
  • حزب الأصالة والمعاصرة: فقد وصف الحزب على لسان أمينه العام عبد اللطيف وهبي، الراحل اليوسفي بأنه القائد المجاهد الذي خدم وطنه بكل تفان وإخلاص، كما خدم الكثير من القضايا العادلة للشعوب من مواقع مسؤولياته المتعددة، سواء كمحامي متمكن أو كحقوقي دولي متمرس، أو كسياسي محنك. بحيث بصم على تاريخ نضالي متفرد وطنيا ودوليا، فنال عن جدارة واستحقاق رجل الدولة الاستثنائي والحقيقي الذي يغلب مصلحة الوطن على كل ما سواها.
  • الحزب الاشتراكي الموحد: الذي اعتبر وفاة الوزير الأول السابق عبد الرحمان اليوسفي، خسارة كبرى للوطن، باعتباره أحد القيادات الوطنية المناضلة التي طبعت تاريخ المغرب الحديث بمسار مليء بالبصمات الخالدة. بحيث ساهم بنصيب وافر في بناء الوطن من مختلف الواجهات التي ناضل فيها منذ الاستعمار مرورا بمسؤولياته الحزبية، وصولا إلى مسؤولياته الرسمية التي أسندت إليه والتي كانت مليئة بالعطاء والاستقامة الشيء الذي بوأه مكانة خاصة ومرموقة على الأصعدة الوطنية، المغاربية، العربية والإفريقية ثم الدولية.

بعد إعلان وفاة الوزير الأول الأسبق عبد الرحمان اليوسفي، باشرت شخصيات عربية في تقديم التعازي في وفاته من أهمها:

  • الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون: بعث الرئيس الجزائري برسالة تعزية إلى  أسرة الفقيد، بحيث أكد فيها أن الراحل سعى على الدوام إلى بناء حلم الاتحاد المغاربي بعيد عن التأثيرات الأجنبية. مؤكدا أن الجزائريين يتذكرون أن اليوسفي هو من الأوائل الذين ساندوا ثورة التحرير المباركة منذ اندلاعها ما بين 1954-1962، وتعاون مع قادتها بحيث كان على تواصل دائم معهم لتخليص المنطقة من الاحتلال الأجنبي. كما أوضح أن الزعيم عبد الرحمان اليوسفي يعتبر مثالا للمواطن المغاربي الذي سعى على الدوام لمد جسور الأخوة والتعاون بين الشعوب المغاربية.
  • كما عبر حزب جبهة القوى الاشتراكية الجزائري عن حزنه العميق لوفاة  الوزير الأول الأسبق عبد الرحمان اليوسفي، بحيث اعتبر وفاته ليست خسارة لبلده فحسب، بل هي خسارة للوطن المغاربي الذي فقد أحد رموزه القيادية التاريخية. وأكثر المناضلين التزاما وكفاحا في سبيل التحرر من ويلات الاستعمار ونضاله المستمر طيلة حياته من أجل الحرية والديمقراطية.
  • الرئيس الفلسطيني محمود عباس:  أرسل الرئيس الفلسطيني برقية تعزية إلى الملك محمد السادس وأسرة الفقيد، مستذكرا فيها مناقب المرحوم وتفانيه في خدمة وطنه وشعبه وقضايا الأمة العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، باعتباره أشد المناصرين لهذه القضية التي احتلت حيزا كبيرا من نضاله الوطني داخل المغرب وخارجه، بحيث تمتع بعلاقات واسعة مع قيادات الثورة الفلسطينية وكوادر وقيادات فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
  • أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني: أرسل أمير قطر، ببرقية تعزية إلى الملك محمد السادس في وفاة الوزير الأول السابق عبد الرحمان اليوسفي، كما أرسلت العديد من القيادات والشخصيات القطرية تعازيها إلى القيادة المغربية  عقب الإعلان عن وفاة القيادي المغربي عبد الرحمان اليوسفي وعلى رأسهم نائب أمير قطر عبد الله بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء القطري خالد بن خليفة آل ثاني.

ومن كل ذلك، فقد حضي المناضل المغربي عبد الرحمان اليوسفي بمكانة خاصة ومؤثرة في الحقل السياسي المغربي والعربي والدولي، وبإجماع مختلف الأطياف السياسية في المغرب وخارجه. كما أنه يعتبر أحد رموز وبناة مغرب ما بعد الاستقلال التي انتهت بتأسيس حقبة الانتقال الديمقراطي.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.