المرصد الخليجي – 31 مارس 2020

يتناول التقرير أهم تطورات المشهد الخليجي الخارجي خلال النصف الثاني من شهر مارس 2020، وذلك من خلال ثلاث دوائر: الخليجية-الخليجية، والخليجية-الإقليمية، والخليجية-الدولية.

أولاً: التطورات الخليجية-الخليجية، وكان أبرزها التطورات المتعلقة بفيروس كورونا، وتداعياتها على التفاعلات الخليجية الخارجية. سواء تلك المتعلقة بالمساعدات الاقتصادية واللوجستية التي قدمتها بعض دول الخليج للدول الأخرى، أو دعوات إنهاء الأزمات الإقليمية في ظل تفشي فيروس كورونا، على رأسها أزمتي اليمن والخليجية.

ثانياً: التطورات الخليجية-الإقليمية، فيما يتصل بالدائرة العربية، فقد كان أبرزها تصاعد التوتر في الأزمة اليمنية بكل مستوياتها، سواء تلك التي بين المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة هادي الشرعية، أو تلك التي بين الحوثيين والتحالف العربي، أو حتى داخل حكومة هادي ذاتها. وكذلك الاتصال الرسمي العلني لأول مرة منذ 2011 بين محمد بن زايد وبشار الأسد، وتصاعد التوتر في الأزمة الليبية، خاصة مع إرسال الإمارات ثلاث شحنات سلاح لقوات حفتر، وإطلاق الاتحاد الأوروبي عملية عسكرية لضبط التهريب ومنع تصدير السلاح، والذي تزامن مع إحراز قوات الوفاق تقدم على الأرض. وأخيراً في هذا المحور تأتي تركيا، وقرار النيابة العامة التركية توجيه تهمة القتل العمد لخاشقجي لـ 20 شخص، على رأسهم العسيري والقحطاني.

ثالثاً: التطورات الخليجية-الدولية: تمثلت أولاً في روسيا وأزمة انخفاض أسعار النفط، على وقع رفع السعودية إنتاجها، بعد فشل اتفاقها مع روسيا، ودخول الولايات المتحدة على الخط. وثانياً ألمانيا وقرارها بتمديد حظر تصدير السلاح للسعودية.

أولاً، التطورات الخليجية-الخليجية

انعكاسات وباء كورونا على التفاعلات الخليجية الخارجية

شهدت التفاعلات الخليجية الخارجية في إطار أزمة تفشي فيروس كورونا عدة تطورات. ففي 15 مارس 2020، كشفت الخارجية الإيرانية في بيان، عن اتصال هاتفي جمع وزير الخارجية والتعاون الإماراتي “عبد الله بن زايد آل نهيان” مع وزير الخارجية الإيراني “محمد جواد ظريف”، حيث عبر بن زايد عن تضامن بلاده مع إيران في مكافحة فيروس كورونا[1]. وفي 16 مارس، أرسلت الإمارات طائرتي مساعدات، تحملان إمدادات طبية ومعدات إغاثة إلى إيران؛ لدعمها في مواجهة الفيروس[2].

وفي 17 مارس، أعلنت الحكومة العراقية، أن دولة الكويت تبرعت بمبلغ 10 ملايين دولار لبغداد؛ من أجل إعانتها على مواجهة فيروس كورونا الآخذ في الانتشار بالبلاد[3]. وفي 20 مارس، أعلن وزير الصحة اليمني “ناصر باعوم”، عن تقديم مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، مساعدات صحية لليمن، بقيمة 3.5 مليون دولار، لمواجهة وباء كورونا[4]. فيما قامت قطر بتقديم دعم مالي لقطاع غزة بقيمة 150 مليون دولار على مدى 6 أشهر، لمواجهة الفيروس[5].

وفي 21 مارس، دعا رئيس الوزراء القطري الأسبق الشيخ “حمد بن جاسم آل ثاني”، دول مجلس التعاون الخليجي إلى تجاوز خلافاتها، في ظل تفشي فيروس كورونا[6]. فيما طالب “إسماعيل هنية” رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، الملك “سلمان بن عبد العزيز”، بالإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين في السجون السعودية، خشية على حياتهم من تفشي وباء فيروس كورونا[7]. وبينما دعا الأمين العام للأمم المتحدة لوقف المعارك في اليمن، فإن جماعة الحوثي قد رحبت بهذه الدعوة في 24 مارس[8]. كما رحبت بها الحكومة اليمنية الشرعية في 29 مارس[9].

بالنظر لهذه التطورات نجد أن انعكاسات الفيروس على التطورات الخليجية الخارجية تتلخص في ملفين، الأول تقديم دول الخليج، بحكم كونها دول غنية، للمساعدات الاقتصادية والمالية واللوجستية للدول الأخرى، مثلما فعلت الكويت مع العراق والإمارات مع إيران وقطر مع غزة. وهناك جوانب أخرى لهذا الدعم، فالكويت مدفوعة بحكم كون العراق دولة جارة لها، ويجمعهما حدود برية مشتركة، وبالتالي أي انهيار للأوضاع الصحية في العراق قد ينعكس سلبا على الكويت. أما الإمارات فيأتي في سياق خطواتها الأخيرة، والتي تحاول فيها التهدئة نسبياً مع إيران، في الوقت الذي تصطف فيه مع السعودية في تحالفاتها الإقليمية ضد إيران وتركيا. وأخيراً قطر فيأتي ضمن المساعدات الاقتصادية الدورية التي تقدمها لغزة، في سياق الدور الإقليمي الذي تقوم به تجاه القضية الفلسطينية. الملف الثاني، دعوات للتهدئة وحل الأزمات الإقليمية، في ظل تفشي فيروس كورونا.

ثانياً، التطورات الخليجية الإقليمية

1_الخليجية-العربية

(أ) اليمن

استمرار التصعيد في الأزمة اليمنية.. المؤشرات والدلائل

أولاً فيما يتعلق بالجنوب اليمني:

في 16 مارس 2020، تصاعدت حدّة التوتر في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، بعد استحداث المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً حواجز تفتيش جديدة، في مديرية خور مكسر ومحيط مطار عدن الدولي، وفي مديرية صيرة بمحيط قصر معاشيق الرئاسي ومديرية الشيخ عثمان. في وقت أغلقت فيه مطار عدن الدولي بحجة مواجهة فيروس كورونا[10]. وفي 18 مارس، اتهمت الحكومة اليمنية الشرعية، المجلس الانتقالي، بمواصلة التمرد المسلح، والتصعيد بهدف إنهاء اتفاق الرياض[11]. وفي 24 مارس، سيطرت قوة عسكرية تابعة للمجلس الانتقالي على المعسكر عشرين الموجود في منطقة كريتر بمدينة عدن، بعد إجبار القوات الموجودة فيه على الانسحاب[12].

ثانياً، ما يتعلق بالحكومة الشرعية:

في 26 مارس، قرر رئيس الوزراء اليمني “معين عبد الملك”، إيقاف وزير النقل “صالح الجبواني”، بحجة الإخلال الجسيم بمهامه الوظيفية، وتعيين نائب رئيس الوزراء “سالم الخنبشي” للإشراف على أعمال الوزارة[13]. وفي 28 مارس، أعلن “الجبواني” أنه قدم استقالته للرئيس “عبد ربه منصور هادي”، احتجاجاً على قرار رئيس الحكومة وقفه عن العمل، كما قدم وزير الخدمة والتأمينات “نبيل الفقيه” استقالته أيضا، بسبب ما وصفه بشلل أعمال الحكومة، وممارسات رئيس الوزراء[14]. وقد صرح وزير النقل اليمني “الجبواني”، أن الرئيس هادي غير راض عما يقوم به رئيس الحكومة، لكنه أصبح محاصرا الآن. وفي تفسير لهذه الإجراءات، تشير بعض التقارير إلى أنه أصبح لكل جناح في الحكومة توجه مختلف، جناح يعمل لصالح السعودية يقوده رئيس الوزراء معين عبد الملك، وجناح آخر موال للإمارات يقوده وزير الاتصالات لطفي باشريف، وجناح معارض لسياسات التحالف السعودي الإماراتي، مثل وزير النقل صالح الجبواني ووزير الداخلية أحمد الميسري[15].

ثالثاً، ما يتعلق بمعارك الحوثيين مع التحالف العربي:

شهد الصراع بين الحوثيين والتحالف العربي ثلاث تطورات رئيسية:

(1) تصاعد المعارك: في 28 مارس أعلن التحالف بقيادة السعودية اعتراضه وتدمير صاروخ باليستي في سماء العاصمة السعودية الرياض، في حين أفادت وسائل إعلام سعودية باعتراض صاروخ آخر في سماء مدينة جازان جنوب البلاد[16]. وفي 29 مارس أعلن الحوثيون تنفيذ أكبر عملية عسكرية في العمق السعودي بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة[17]. وفي نفس اليوم، ورداً على الضربات الأخيرة، استهدفت طائرات التحالف معسكراً للحوثي شرق صنعاء[18]. وفي 30 مارس، أطلق التحالف عملية نوعية لتدمير القوة الباليستية للحوثيين[19].

(2) تبادل أسرى حماس: في 26 مارس، أعلن زعيم جماعة الحوثي “عبد الملك الحوثي”، عن استعدادهم للإفراج عن أحد الطيارين و4 من ضباط وجنود النظام السعودي مقابل الإفراج عن المعتقلين من أعضاء “حماس” في السعودية[20]، وهو ما رحبت به حركة حماس[21]، وفي 28 مارس، وصفت الحكومة اليمنية، مبادرة جماعة الحوثي، بـ “المتاجرة والمزايدة الرخيصة”[22].

(3) دعوات للتهدئة: في 31 مارس، صرح السفير السعودي لدى اليمن “محمد آل جابر” بأن بلاده تُجري محادثات يومية مع الحوثيين، وأن المسؤولين السعوديين تحدثوا مع نظرائهم الحوثيين، للتأكيد على أن ضربات التحالف على صنعاء كانت ردا على الهجمات الصاروخية الأخيرة، وليس المقصود بها تصعيد النزاع[23]. وفي نفس اليوم، كشفت جماعة الحوثي عن اتصالات تجريها مع السلطات السعودية لاحتواء التصعيد العسكري بين الطرفين[24].

وفي تفسير هذه التطورات، فإن طرفي الصراع استغلا أزمة كورونا والاهتمام الدولي بها، في تصعيد المعارك من أجل الحصول على أكبر قدر من المكاسب الجغرافية بدون قيود دولية في ظل انشغالهم بالوباء. وأن مساعي التهدئة أصبحت مجرد تكتيك، لإدارة التصعيد، أكثر منها خيار استراتيجي حقيقي للطرفين. أما خطوة مقايضة أسرى السعودية بنظرائهم من حركة حماس، فهي مناورة حوثية، غرضها تجميل ذاتها في العالم العربي في مقابل تشويه خصومها. حيث يظهر الحوثيون بأنهم المدافعين عن القضية الفلسطينية أما خصومهم ففي الطرف المقابل.

وفي المحصلة النهائية تبدو كل مستويات الأزمة اليمنية مستمرة في التصعيد، سواء تلك التي بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة الشرعية، أو تلك التي بين الحوثيين والتحالف العربي، وحتى ذلك الصراع الحاصل داخل الحكومة الشرعية.

 (ب) سوريا

لأول مرة منذ 2014 اتصال علني بين محمد بن زايد والأسد.. السياقات والدوافع

في 27 مارس 2020، أجرى ولي عهد أبو ظبي “محمد بن زايد” اتصالا هاتفيا مع الرئيس السوري “بشار الأسد”، وهو أول اتصال علني من زعيم خليجي منذ بدء الأزمة السورية قبل تسع سنوات. جاء هذا الاتصال لبحث تداعيات انتشار فيروس كورونا[25]. برغم أن هذه الخطوة تعد الأولى من نوعها، إلا أنها ليست مفاجئة في سياقين:

الأول، أن الإمارات كانت أول دولة خليجية تعيد فتح سفارتها في دمشق عام 2018، بعد 7 سنوات على إغلاقها عام 2011. الثاني، أنه كانت هناك اتهامات قد وجهت للإمارات من قبل بعض فصائل المعارضة السورية بدعم نظام الأسد في الخفاء وإمداده بالأموال، واحتضان عدد من أقاربه ورجال أعمال مقربين منه.

أيضا تفسير دوافع هذه الخطوة يمكن أن يزيل عنها طابع الفجائية. فمن ناحية يأتي دعم أبو ظبي للنظام السوري في سياق مواجهتها لخصمين رئيسيين لها، وهما الحركات الإسلامية وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، وتركيا. خاصةً في ظل العمليات العسكرية التي تقوم بها الأخيرة في الشمال السوري، والتي كانت آخرها في إدلب في مواجهة النظام السوري.

إن من يحجم الإمارات عن رفع مستوى علاقاتها وتواصلها السياسي والدبلوماسي مع سوريا إلى الآن هو العامل الأمريكي، وهو ذات العامل الذي يقف حائلاً أمام عودة مقعد سوريا للجامعة العربية. وهدف الولايات المتحدة ليس إسقاط الأسد، بقدر ما هو ضغط عليه لتنفيذ الشروط الأمريكية، سواء ما يتعلق بالحل السياسي وطبيعته، أو النفوذ الإيراني في سوريا وتحجيمه.

 (ج) ليبيا

تزايد الدعم العسكري واللوجستي الإماراتي لحفتر.. فما هي دوافع ذلك؟

في 16 مارس 2020، أعلن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا “مصطفى صنع الله”، تزويد الإمارات المنطقة الشرقية من ليبيا والخاضعة لنفوذ الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” بوقود الطيران[26]. وفي 28 مارس، أعلنت حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دولياً في بيان لها، رصدها وصول ثلاث طائرات شحن عسكرية قادمة من الإمارات، إلى إحدى القواعد بمدينة المرج الخاضعة لسيطرة قوات “خليفة حفتر”[27]. وفي 31 مارس، أعلن مسؤول الأمن والسياسات في الاتحاد الأوروبي “جوسيب بوريل” إطلاق عملية عسكرية، أطلق عليها اسم “إيرني”، لمراقبة فرض الحظر على تصدير الأسلحة إلى ليبيا، ومحاربة تهريب النفط والاتجار بالبشر. وتعليقاً على القرار، تحفظت حكومة الوفاق عليه، واعتبرته استهدافا لها[28].

يأتي التشابك الخليجي مع الأزمة الليبية من خلال الدور الإماراتي البارز في دعم قوات حفتر، في مواجهة دعم قطر لحكومة الوفاق. وإن كان الدور الإماراتي أكبر كما وكيفاً. وحينما دخلت تركيا بشكل معلن على خط الأزمة، بعد الاتفاقية التي وقعتها مع حكومة الوفاق، فإن الصراع قد ازداد اشتعالا. ففي مواجهة تركيا أهم خصومها الشرق أوسطيين كالإمارات ومصر، والأوروبيين كفرنسا. ولذلك حينما أحرزت قوات حكومة الوفاق تقدماً في الفترة الأخيرة، فإن الطرفين تحركا على وجه السرعة، فالإمارات قامت بإرسال شحنات عسكرية ودعم لوجستي. فيما أعلن الاتحاد الأوروبي عملية عسكرية، ارتأت الوفاق فيها استهدافا لها.

2_الخليجية التركية

لقاء عسكري قطري تركي في الدوحة.. فما سياقات ذلك؟

في 17 مارس 2020، استعرض رئيس أركان القوات المسلحة القطرية الفريق الركن “غانم بن شاهين الغانم” مع العميد “مكايل تشالك” قائد القوات المشتركة الموحدة القطرية التركية، العلاقات العسكرية بين الجانبين وسبل تعزيزها وتطويرها[29] تعززت العلاقات بين البلدين على المستوى العسكري عقب اندلاع الأزمة الخليجية، في يونيو 2017، إذ دخلت اتفاقية التعاون العسكري حيز التنفيذ بعد تصديق البرلمان التركي عليها، وبموجب الاتفاقية أقيمت قاعدة عسكرية تركية في قطر، ونُفذت تدريبات عسكرية مشتركة. وبناءً على ذلك فإن اللقاءات العسكرية بين البلدين تعد دورية بشكل مستمر.

تركيا مستمرة في تصعيدها في ملف خاشقجي.. الدلالات والمستقبل

في 25 مارس، وجهت النيابة العامة التركية تهمة القتل المتعمد لـ 20 متهماً في قضية اغتيال الصحافي السعودي “جمال خاشقجي”، وفي مقدمتهم كلا من “سعود القحطاني” مستشار ولي العهد السعودي، و”أحمد عسيري” النائب السابق لمدير المخابرات، بالتخطيط والوقوف وراء جريمة اغتيال خاشقجي[30]. يأتي هذا القرار رداً على إعلان النيابة العامة في السعودية أواخر ديسمبر من العام الماضي، عن صدور أحكام بإعدام 5 أشخاص في قضية مقتل خاشقجي، كما حكمت بالسجن على 3 آخرين بالسجن لفترات يصل مجملها إلى 24 عاماً، لكنها برأت القحطاني وعسيري[31].

أولاً من الناحية السياسية، فإن هذا القرار يعني استمرار التوتر في العلاقات التركية السعودية، والذي حدث نتيجة عدة أزمات، أهما الأزمة الخليجية وأزمة مقتل خاشقجي. وهو ما انعكس على تنافسهما السياسي في الإقليم، في سوريا والقرن الأفريقي وليبيا. ولا يبدو أن هذا التوتر سيتلاشى في المدى المنظور.

من الناحية القانونية، وما يتعلق بمسار المحاكمة، يبقى من الصعب رفع القضية أمام محكمة دولية، فلا تركيا ولا السعودية طرف في النظام الأساسي لمعاهدة روما المنشئة لمحكمة الجنايات الدولية. وحتى إن كانا طرفيْن فيها، فإن جريمة القتل لا تدخل في اختصاص الولاية القضائية لمحكمة الجنايات الدولية، وإنما جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. كذلك من الصعب إنشاء محكمة خاصة أو تشكيل فريق تحقيق دولي محايد في غياب الموافقة السعودية عليها، وستبذل قصارى جهدها لإبقاء القضية في إطار داخلي بحت. كما أن التسجيلات التركية لحادثة قتل خاشقجي لا يمكن اعتمادها كأدلة في العديد من النظم القضائية، بالنظر إلى طريقة الحصول عليها. وفي تقدير العديد من النظم القضائية، لا يمكن السماح بدعوة هيئة المحكمة للانعقاد والنظر في قضية جريمة قتل طالما لم يتم العثور على الجثة، أو على الأقل العثور على بعض أجزاء جثة القتيل[32].

أخيراً، على الرغم من أن تركيا لم تستطع حتى الآن، أن تحقق أهدافها من هذه الأزمة، سواء تقديم الجناة الحقيقيين من وجهة نظرها للمحاكمة، أو محاكمتهم محاكمة دولية أو خاصة وليست محاكمة سعودية داخلية، أو إضعاف دور “بن سلمان” في الحكم أو الإطاحة به، إلا أنه على ما يبدو أن هذه الأزمة ستظل تلاحق القيادة السعودية.

ثالثاً، التطورات الخليجية الدولية

 1_ روسيا

أزمة انخفاض أسعار النفط.. الأسباب والتداعيات

بدأت الأزمة في 4 مارس 2020، حينما أعلن مصدر بمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) عن فشلهم في الوصول إلى اتفاق مع روسيا بشأن تخفيضات إضافية في إنتاج الخام لدعم الأسعار[33]. وذلك نتيجة الانعكاسات السلبية التي سيخلفها أزمة وباء كورونا على قطاع النفط وأسعاره. ورداً على ذلك، وفي 11 من نفس الشهر، قالت شركة “أرامكو” السعودية، أنها تلقت توجيهات من وزارة الطاقة، تقضي بزيادة إنتاجها النفطي إلى 13 مليون برميل يومياً[34]. انعكس ذلك على أسعار النفط، ففي 30 مارس وصل سعر البرميل الواحد لــ20 دولار، وذلك بعد خمس سنوات كان فوق 50 دولارًا، وقرابة عقد حول 100 دولار[35].

في خضم هذه المعركة يبرز طرفان دوليان رئيسيان، هما الولايات المتحدة وروسيا. بالنسبة للولايات المتحدة فيجمعها تحالف استراتيجي مع السعودية، هذا التحالف بالأساس قائم على ضمان النفط مقابل الأمن. وهو ما يجعل من إدارة قطاع النفط، خاصة ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية له، من حيث خفض الإنتاج من عدمه أداة في يد الولايات المتحدة. وبينما هناك علاقة قوية تجمع “محمد بن سلمان” و”دونالد ترامب” على المستوى الشخصي، فإن ذلك ينعكس في شكل مزيد من تدخل ترامب في إدارة السعودية لأزمة النفط وأسعاره. خاصة وأن الأخير يدعم “بن سلمان” في أزمة خاشقجي، وفي مساعيه نحو اعتلاء عرش المملكة.

أما الطرف الثاني وهو وروسيا، فقد رفضت خفض الإنتاج مدفوعة بعاملين، الأول تدهور وضعها الاقتصادي، والذي لا يسمح لها بهكذا خطوة، ففي عام 2008، عندما انخفض سعر النفط إلى حوالي 32 دولارا للبرميل، تراجعت سوق الأسهم الروسية بنسبة 80% على مدار نصف عام، ولم تتعافَ من تلك الضربة[36]. ومن ناحية أخرى هناك قناعة روسية بأنه في كل مرة تقوم بها أوبك بخفض الإنتاج، فإن النفط الأمريكي الصخري هو ما يملأ هذا الفراغ، عبر زيادة الإنتاج، وهو ما كان يتسبب في عدم ارتفاع أسعار النفط برغم خفض الإنتاج.

القلق الروسي من النفط الصخري الأمريكي تزايد، حيث وصل حجم الإنتاج الأمريكي منه إلى 13 مليون برميل يوميا، هذه الكميات جعلت من الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط الخام في العالم، ومكنتها من خفض تبعيتها الخارجية نحو استيراد النفط من دول أخرى، بل إنها باتت تصدره وتنافس السعودية وروسيا[37].   

وفي 23 مارس، أعلن وزير الطاقة الأمريكي عن أن إقامة تحالف نفطي بين الولايات المتحدة والسعودية، هو أحد الأفكار التي يتداولها صناع السياسات الأمريكيين، لكن من غير المؤكد أن يتحول إلى مقترح رسمي[38]. إن احتمالية بروز تحالف نفطي أمريكي سعودي بديل لأرامكو غير مرجح، فإصدار مثل هذه التصريحات، يبدو أن الغرض منها الضغط على روسيا لإجبارها على تخفيض الإنتاج، عبر تهديدها بتحالف لو تشكل لن يكون في صالحها، بل ستكون أكبر الخاسرين. فهذه المعركة لا تقودها المملكة بشكل منفرد في مواجهة روسيا، بل هناك تنسيق غير معلن. بالأخص بين “محمد بن سلمان” و”ترامب”، لإجبار روسيا على تنفيذ أجندة أوبك.

ما يرجح ذلك ما ذكرته وكالة بلومبيرغ، أن ولي العهد تحدث مع ترامب لمناقشة ما بات يعرف باسم حرب أسعار النفط بين السعودية وروسيا، وأن المكالمة تمت قبل قرار السعودية بزيادة إنتاج النفط في إشارة للتنسيق المشترك بين الطرفين[39]. وذلك قبل أن يغير ترامب موقفه مؤخراً، خاصةً بعد اجتماع جمعه مع عددا من شركات النفط وأعضاء في الكونغرس دعوه فيها للتدخل[40]. جراء الخسائر التي منيت بها هذه الشركات من تراجع أسعار النفط.

وعلى الرغم من انعكاسات السلبية لانخفاض أسعار النفط على السعودية وروسيا والولايات المتحدة، بحكم كونهم دول منتجة ومصدرة للنفط، إلا أنه هناك طرف أراد تحمل خسائر مؤقتة، من أجل مكاسب طويلة الأمد. ويبدو أن السعودية تمثل هذا الطرف، والولايات المتحدة ليست بعيدة عن التنسيق معها في هذا الجانب. لكن استمرار الأزمة وثبات روسيا عند موقفها واستمرار امتصاصها لصدمة الأسعار، قد يدفع السعودية بضغط أمريكي لوضع حد لها. لأنهما ليسا بعيدان عن انعكاسات السلبية لهذا الانخفاض، خاصةً إذا كان مقدر لها أن تستمر طويلاً.

2_ ألمانيا

ألمانيا تمدد وقف تصدير الأسلحة للسعودية.. الأسباب والتداعيات

في 23 مارس 2020، وبسبب استمرار مشاركة السعودية في الحرب باليمن، مددت الحكومة الألمانية للمرة الثالثة وقف تصدير السلاح إلى المملكة لمدة تسعة أشهر إضافية، وبالتالي لن يوافق على أي طلبات تصدير جديدة إلى السعودية حتى الحادي والثلاثين من ديسمبر المقبل، ومن المنتظر أيضاً أن يتم خلال هذه المدة منع توريد الأسلحة التي حصلت بالفعل على أذون تصدير. وذلك على الرغم أن وزير الخارجية السعودي الأمير “فيصل بن فرحان” قد حذر قبل أسابيع قليلة من تمديد وقف صادرات الأسلحة مرة أخرى[41]. وعلى الرغم مشاركة أطراف أخرى كالإمارات في حرب اليمن، إلا أن القرار يطبق فقط على السعودية. وهو يرجح أن القرار له علاقة أكثر بجريمة مقتل خاشقجي. حيث أتى قرار حظر تصدير الأسلحة في نوفمبر 2018، أي بعد شهر من الجريمة التي كانت في أكتوبر من نفس العام. وبناءً على تصريحات وزير الخارجية السعودي فإن هذا القرار قد يترك أثاراً سلبياً كبيرة على العلاقات الألمانية السعودية.


[1] وزير خارجية الإمارات يهاتف نظيره الإيراني.. ماذا ناقشا؟، الخليج أون لاين، 15/3/2020، (تاريخ الدخول:30/3/2020)، الرابط

[2] الإمارات ترسل طائرتي مساعدات إلى إيران، عربي21، 16/3/2020، (تاريخ الدخول:30/3/2020)، الرابط

[3] الكويت تمنح العراق 10 ملايين دولار لمواجهة “كورونا” الخلج أون لان، 17/3/2020، (تاريخ الدخول:30/3/2020)، الرابط

[4] مساعدات سعودية لليمن بقيمة 3.5 مليون دولار لمواجهة كورونا، العربية، 20/3/2020، (تاريخ الدخول:30/3/2020)، الرابط

[5] غزة تتلقّى 150 مليون دولار من قطر، الجزيرة نت، 23/3/2020، (تاريخ الدخول:30/3/2020)، الرابط

[6] حمد بن جاسم لدول الخليج: أما آن أن تضعوا خلافاتكم جانباً؟، الخليج أون لاين، 22/3/2020، (تاريخ الدخول:30/3/2020)، الرابط

[7] هنية يدعو العاهل السعودي للإفراج عن “معتقلين فلسطينيين”، الأناضول، 22/3/2020، (تاريخ الدخول:30/3/2020)، الرابط

[8] الحوثيون يرحبون بدعوة الأمم المتحدة لوقف المعارك، الجزيرة نت، 24/3/2020، (تاريخ الدخول:30/3/2020)، الرابط

[9] الحكومة اليمنية ترحب بدعوة الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار، الاناضول، 30/3/2020، (تاريخ الدخول:30/3/2020)، الرابط

[10] اليمن: تصاعد التوتر في عدن والانفصاليون يُغلقون المطار، العربي الجديد، 16/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[11] الحكومة اليمنية تتهم “الانتقالي” بالسعي لإنهاء اتفاق الرياض، الأناضول، 18/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[12] قوات مدعومة إماراتيا تسيطر على معسكر بمنطقة كريتر في عدن، الجزيرة نت، 24/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[13] بإقالته من منصبه.. هل دفع وزير النقل اليمني ثمن مواقفه من السعودية والإمارات؟، الخليج أون لاين، 28/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[14] استقالة وزيري النقل والخدمة المدنية باليمن احتجاجا على رئيس الحكومة، الجزيرة نت، 28/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[15] صراع أجنحة واستقالات بالحكومة اليمنية.. أي مستقبل للشرعية؟، الجزيرة نت، 31/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[16] التحالف السعودي الإماراتي يعلن اعتراضه صاروخين في سماء الرياض وجازان، الجزيرة نت، 28/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[17] الحوثيون: نفذنا أكبر عملية عسكرية في العمق السعودي، الأناضول، 29/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[18] ردا على صواريخ الحوثيين.. التحالف السعودي الإماراتي يقصف معسكرا شرق صنعاء، الجزيرة نت، 29/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[19] غارات للتحالف تضرب قدرات الانقلابيين الباليستية، الشرق الأوسط، 31/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[20] الحوثيون يعرضون تبادل أسرى سعوديين مقابل موقوفي “حماس”، الأناضول، 26/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[21] حماس ترحب بمبادرة الحوثيين لمبادلة أسرى سعوديين بمعتقلين فلسطينيين، الرابط

[22] الحكومة اليمنية: مبادرة الحوثي بشأن معتقلي حماس “مزايدة رخيصة”، الأناضول، 28/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[23] سفير السعودية باليمن: الرياض تُجري محادثات يومية مع الحوثيين، الجزيرة نت، 31/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[24] الحوثيون: نجري اتصالات مع السعودية لاحتواء التصعيد، الأناضول، 31/3/2020، (تاريخ الدخول:1/4/2020)، الرابط

[25] بذريعة احتواء كورونا.. أول اتصال علني بين محمد بن زايد وبشار الأسد منذ 2011، الجزيرة نت، 28/3/2020، (تاريخ الدخول:30/3/2020)، الرابط

[26] مؤسسة النفط الليبية نددت بها.. شحنة وقود إماراتية لطائرات حفتر، الجزيرة نت، 17/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[27] 3 طائرات شحن عسكرية إماراتية تصل إلى شرقي ليبيا، الأناضول، 28/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[28] طرابلس: قرار أوروبا مراقبة حظر تصدير السلاح لليبيا يستهدفنا، قناة العالم، 2/4/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[29] مباحثات عسكرية رفيعة بين قطر وتركيا في الدوحة، الخليج أون لاين، 17/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[30] النيابة التركية تتهم القحطاني وعسيري بجريمة خاشقجي، المدن، 25/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[31] تركيا.. تُهم جديدة بقضية خاشقجي تشمل القحطاني وعسيري، الخليج أون لاين، 25/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[32] تدويل قضية مقتل خاشقجي: الاحتمالات والآفاق، مركز الجزيرة للدراسات، 25\12\2018، (تاريخ الدخول: 2/4/2020)، الرابط

[33] كورونا يبعثر الأوراق.. السعودية تفشل بإقناع روسيا لزيادة خفض إنتاج النفط، الجزيرة نت، 4/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[34] السعودية تقرر رفع إنتاجها النفطي إلى 13 مليون برميل يوميا، الأناضول، 11/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[35] مع “تفاقم كورونا”.. أسعار النفط بأدنى مستوياتها منذ 17 عاما، سكاي نيوز، 30/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[36] نهاية أوبك تبدو حتمية.. هل نشهد اتفاقا نفطيا بين السعودية وأميركا؟، الجزيرة نت، 30/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[37] ما السبب الحقيقي وراء تحطم أسعار النفط؟، الجزيرة نت، 27/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[38] وزير الطاقة الأمريكي: تحالف نفطي مع السعودية أحد “أفكار عديدة” قيد البحث، رويترز، 26/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[39] بلومبيرغ: السعودية تنسق مع الولايات المتحدة للضغط على النفط الروسي، أورينت، 13/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[40] فايننشال تايمز: واشنطن ضغطت على الرياض لوقف حرب الأسعار.. ترامب غير موقفه، القدس العربين 26/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

[41] ألمانيا تمدد وقف تصدير السلاح إلى السعودية حتى نهاية 2020، دويتشه فيلا، 23/3/2020، (تاريخ الدخول:2/4/2020)، الرابط

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.